أخبار عاجلة

من «الأرض» الى منافـي….» الكلمة أداة للتغيير عند أشرف الخمايسي

أعرف مؤلف هذه الرواية منذ نشر قصته القصيرة الأولى «الأرض الرؤوم» في العدد الأول من جريدة «أخبار الأدب» المصرية، وانتبهت إلى موهبته عندما فازت قصته «عجلات العربة الكارو الأربع» بالمركز الأول في أول مسابقة نظمتها هذه الجريدة، لاكتشاف جيل جديد من كتاب القصة المصرية. ولا يمكن أن أنسى لحظة تسلمه جائزته في حضور الكاتب الكبير «نجيب محفوظ» الذي حرص على مصافحة «أشرف الخمايسي» تقديرًا لموهبته وتشجيعًا له على المضي قدمًا.
 وظللت أتابع باهتمام ما ينشره «الخمايسي» من مجموعات قصصية: «الجبريلية 1995»، و»الفرس ليس حرًا2011»، وما بينهما من روايات وكتابات للأطفال: «الصنم 1999»، و«السكاتة 2013». ووصفت ما يكتبه بـ«هدير السرد»، فهو يمتلك طاقة مهولة لتشكيل نصوصه القصصية والروائية بتلقائية عجيبة.
 وتأكد لي هذا الإحساس عندما فاجأنا «الخمايسي» بروايته الضخمة «منافي الرب»، التي صدرت عن دار الحضارة للنشر بالقاهرة، فاستقبلها النقاد والمبدعون أنفسهم باهتمام غريب، ربما يكون مرجعه قوة هذه المفاجأة التي أحدثها هذا المؤلف عندما قرر أن يجوس خلال هذه المناطق الشائكة في عقل الإنسان دونما حساب لما يمكن أن تسفر عنه هذه الجرأة في التناول.
و«منافي الرب»، كما فهمت من مؤلفها، لم تكن في الأصل رواية، بل قصة قصيرة، لم تزد على  2500 كلمة، أوشك كاتبها على أن يدفع بها إلى ناشر، لكنه سرعان ما عَدَلَ عن موقفه عندما صرخ أحد أصدقائه في وجهه بعد الانتهاء من قراءة السطر الأخير منها قائلًا: «حرام عليك.. هذا مشروع رواية كبيرة!»
وعلى الرغم من أن «الخمايسي» معروف بعدم التسامح فيما يتعلق بإبداعه إلا أنه قرر على الفور إعدام هذه القصة التي كانت تحمل اسم «فواحات العطور»، ليبدأ رحلته الوعرة مع هذه الرواية التي بلغت نحو اربعمائة صفحة، وتجري أحداثها في واحة متخيلة في عمق صحراء «الوادي الجديد» المصرية. 
وبطل أحداثها «حجيزي»، رجل بلغ من الكبر عتيًا، تجاوز عمره المائة عام، أنفق طفولته في تحنيط جثث الحيوان مع أبيه «شديد»، ومن هنا ارتبطت بعقله فكرة الخلود، وكره ما يجلبه الموت من نسيان، ففكر في أنه إن لم يكن هناك مفر من الموت فينبغي الهرب من الدفن.
فيقوم ببعض المغامرات في سبيل الوصول إلى هذا الهدف، مما استلزم معه طرح أسئلة إنسانية كبرى، وبشكل يناسب بساطة بدوي عجوز. 
كان الإنتصار في هذه الرواية لصالح الإنسان.
ويشير «الخمايسي» إلى أنه لا يستطيع توضيح كيف جاءته أفكار هذه الرواية، وأنه لم يخطط لأحداثها، ولم يرسم شخصياتها مسبقًا، فقط كان مجرد متابع لأحداث شعر بها تُملى عليه كوحي إلهي! ليس له فيها من فضل سوى ترتيبها.
وما أن صدرت الرواية حتى ألح السؤال: «ماذا تقصد بمنافي الرب؟»، وجاءت الإجابة لتزيد من حدة الإلغاز: «المنافي جمع منفى.. والرب هو الله»، إجابة لم تشف غليل الكثيرين ممن لم يتخيلوا أن هذا كان آخر عنوان فكر فيه المؤلف بعد «فواحات العطور»، الذي أعدمه مع البروفة الأولى، و«بئر الراهب»، العنوان الذي لحق بسابقه بمجرد أن أضاءت أمام عيني «الخمايسي» ومضة «منافي الرب»، فاعتمدها عنوانًا لروايته، وأخذ يتأمل ردود فعله على القارئين؛ فَمِن قائل إنه عنوان «مشاكس»، ومن يراه عنوانًا «مستفزًا»، ومن يراه «فتَّانًا»، وأخيرًا من أحجم تمامًا عن قراءة الرواية بسبب إيحاءات خاطئة وشت بها غرابة هذا العنوان.
ويشير «الخمايسي» إلى العوالم التي دارت فيها أحداث روايته: «وقتما كنت أعمل باليومية في شركة مقاولات يملكها أحد أعمامي، تعمل في مجال إستصلاح الأراضي، عشت في صحاري «العوينات» و«العامرية»، هناك قابلت البدو، ومررت ببيوتهم في «موط»، عاصمة الواحات الخارجة، ولأنني من هذه النوعية التي تمتلك ذاكرة تستطيع تخزين أدق التفاصيل والروائح في أقل من لمح البصر، كنت مسكونًا بالصحراء دائمًا، لكن هذا لا يعني أنني لم أكن محتاجًا لتفاصيل حياة هؤلاء البدو سكان «الواحات»، التي ستهب المصداقية للرواية، فبحثت على «الفيسبوك» عن صديق من هناك، واهتديت إلى «محمد رمضان الواحاتي»، واكتشفت لحسن الحظ أنه أديب يعرفني جيدًا، وقد بذل معي جهدًا كبيرًا، وظللت متواصلًا معه، أسأله عن كل تفصيلة تعن لي، وكان يكتب لي بإسهاب، لقد كتب لي أكثر من عشرة آلاف كلمة، لأستعين منها في النهاية بمجرد مئات من الكلمات، كانت فاصلة وفي غاية الأهمية، فهي التي منحت الرواية نكهة صدقها الشديد، ثم بعد انتهاء الرواية، ومبالغة مني في التأكد من مصداقيتها، أرسلتها إليه عبر «الإيميل» ليقرأها قبل الطباعة»
وعن المرجعية الدينية للرواية يقول مؤلفها: «اختفيت ثماني سنوات عن العيون تمامًا، كنت فيها سلفيًا قحًا، خلالها قرأت كثيرًا في كتب الدين، وحفظت ثلث القرآن، ونهلت من صحيح «البخاري» للدرجة التي جعلتني أشرع في تأليف كتاب أوجز فيه «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني، هذا إلى جانب إطلاعي بتأنٍ على الأناجيل الأربعة، وبعد أن اجتزت هذه العزلة التي ضربتها حول نفسي مختارًا، وخرجت منها، مختارًا أيضًا، وشرعت في كتابة هذه الرواية، ذهبت إلى دير «الشايب» بالأقصر، وجالست مجموعة من الرهبان لأتعرف من خلالهم على طبيعة الرهبنة، وأفهم فكر الراهب.
وفي جلسة حميمة شهدتها مكتبة «البلد» بوسط «القاهرة»، اجتمع عدد من المبدعين والنقاد للاحتفاء بهذه الرواية الجديدة: «يحيي مختار، محمود عبد الوهاب، سيد الوكيل، هشام علوان، عادل جلال، محمد تاج الدين محمد، انتصار عبد المنعم، أحمد الجعفري، محمد الدسوقي، عماد عاشور، رضا العربي، الدكتور حسام الزمبيلي، محمد سالم، عبد الصبور بدر، وإلهامي بولس ناشر الرواية، والدكتور أيمن شاهين الذي كشف للحضور أنه محرض «الخمايسي» على الانتهاء من هذه الرواية، لأنه لمس مدى كسله في الكتابة، للدرجة التي تمر معها عدة أيام دون أن يجده أضاف إلى أحداث روايته بضعة أسطر! 
وأكد على أن الخيال عنصر جوهري في التركيبة الإبداعية لهذا الروائي.
أما أديب الستينيات «محمد إبراهيم مبروك» فقال: أنا مع أسلوب «الفيض» الذي يكتب به «الخمايسي» في مقابل «هندسة» الروائي «جميل عطية إبراهيم».
أما الروائي والإذاعي هشام علوان فيطرح على «الخمايسي» هذا السؤال: كيف تمكنت من الهروب كروائى يكتب عن مكان هو ليس من أهله من التشريح الأنثربولوجي للحياة الإنسانية فيه، تلك السقطة التي تصيب الكثير من الروائيين الذين يكتبون من خارج المكان؟
فيجيب: الفكرة الطاغية على الرواية فكرة خيالية بالأساس، رجل يبحث عن مهرب من الدفن، هذه الفكرة لم تكن دافعة في اتجاه وصف دقيق للمكان أو للأشخاص، كانت الفكرة نفسها هي المسيطرة وكل شيء عداها هو مجرد خلفية للوحة، ثم يجب أن تكون للمبدع حاسة خاصة به بالغة الرهافة، حاسة تخيل فائقة، فعندما تكلمت في الرواية عن التحنيط، وكان لابد لأحد أبطال الرواية ان يمارس عملية تحنيط، لم تسعفني المعلومات أبدًا، فقررت أن أسترجع روح المحنط الأول، وأعتقد أنني تمكنت من ذلك، حتى أنني وجدت نفسي داخل الرواية أستخلص فلسفة كاملة لعملية التحنيط.
يعود هشام علوان للسؤال: بعض الكتاب يهتمون باللغة على حساب المعمار الفني للرواية، فهل هناك لغة ما اعتمدتها لرواية «منافي الرب» تختلف عن لغة أخرى اعتمدتها لأحد أعمالك الإبداعية السابقة؟ أم أن النص عندك هو ما يصنع لغته؟
يأتي الرد: طوال الوقت وأنا أعتقد أن أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل هم الأدباء المبدعون، فأنا ألمح تشابهًا كبيرًا بينهما، فلكل منهما رسالة إصلاحية، وكليهما يستعمل الكلمة أداة للتغيير، ولذلك أعتقد أن كليهما يوحى إليه، لا أستطيع أن أقول إننى أعتمد لغة ما لنص ما.   
  مصطفى عبدالله
كاتب وصحفي من مصر

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …