نبذ سُلطة الأنا النرجسية والتهميش الإرادة العلمية الثقافية مرتبطة بالإرادة السياسية

سلوى السّعداوي


نرى أنّه من الضّروري تعريف النظرية النقدية، قبل الخوض في إمكان وجودها وتحقّقها عربيًّا أو استحالتها. فأمّا الاتجاه العامّ للمفهوم فيتنزّل في الفلسفة الاجتماعية التي تهدف إلى نقد الثقافة وما يحدث في المجتمع عامّة. إنّها مدرسة فكرية نقدية متعدّدة الاختصاصات، تنفي التفسير الأيديولوجي (هذا ما أكّدته مدرسة فرانكفورت التي انتبه أعلامها إلى أنّ الأيديولوجيا عائق نحو التحرّر البشريّ) لفهم التحوّلات الاجتماعية والثقافية، وتجنّب التعصّب والدوغمائية السياسية. إنّ النظرية النقدية تؤسّس لفكرٍ حرٍّ منفتح لا يخضع للأحكام الذاتية وتركـّز على أهمية الوعي بالجزئيات وصولا إلى الكلّيات. وللنظرية النقدية اتجاهان أو مسلكان، الأوّل يستمدّ أسسه من العلوم الاجتماعيّة، وهي بين تخصصية ولا تنهض على جهود تنظيرية فردية، وإن قامت أساسا على أفكار منظّرين ونقاد يملكون معارف واسعة في العلوم السياسية والأنثروبولوجية والاقتصادية والجغرافية والتاريخية والفلسفة والموسيقى .. ولا تكمن الغاية في النقد والتفسير والتأويل فقط، وإنما يهدف هؤلاء إلى التّغيير الاجتماعيّ (مدرسة فرنكفورت النقدي الشهيرة التي ضمّت كوكبة من المنظرين المتبنّين الفكر الماركسيّ، أمثال تيودور أدورنو وهربرت ماركيز وهابرماس و ولتر بنجامين..).
و أمّا الاتجاه أو المسلك الثاني، فيتعلّق بالنّقد الأدبيّ والنقد الثقافيّ العربيين، مدار اهتمامنا بأسئلتهما في هذا الملفّ. ونعتقد أنّ أسئلة النقد الأدبي اليوم لا تطرح بمعزل عن التحولات الثقافية والاجتماعية، بل يمكن أن يرحل الأدب إلى اختصاصات أخرى :
اجتماعية ثقافية ونفسية وجندرية…وإلى مختلف أصناف المعرفة البشريـّة.
هل يمكن أن نتحدّث عن نظرية نقديّة عربيّة حديثة مستقلّة عن النظريات الغربيّة، وتقطع مع المحاكاة والتقليد وتكرار المناهج النقدية الغربية، وتتحرر من سلطة النموذج وتراعي الخصوصية العربية في كلّ المنتوجات الثقافية والإبداعية ؟
نعتقد أنّ هذه الدعوة قديمة متجددة، وتعود بقوة كلّما استشعر بعض النقاد الخوف من التبعية المطلقة. إنّه خوف متأتٍّ من نقد ذاتيّ، ونقد عامّ للشللية الفكرية العربيّة. فلا يقدر بعضهم على النّقد إلاّ داخل النظرية الغربية. لكن سرعان ما تخمد هذه الأصوات ويتواصل الأخذ بالمرتكزات النظرية والأدوات الإجرائية في الدرس النقدي الأدبي الجامعي أو في النقد الثقافيّ الاجتماعيّ.
ومن العجيب ألاّ يتابع بعضهم ما يحدث من تحوّلات في الكتابات الإبداعية أو النقدية.

النقد العربي في بدايات القرن العشرين:
بدأ الانفتاح التدريجي على الثقافة الغربية وآدابها في أواخر القرن التاسع عشر، رغم تمسـّك بعض النقاد العرب بالنقد البلاغيّ، إثر الاحتكاك بالآخر عن طريق البعثات.فكان من نتائج التأثّر ظهور ما سمّي بالنقد الأكاديميّ..
هذا الجيل الناشئ رأى أنّ الأخذ بأسباب تجديد الدّرس النقدي سبيل ضروريّ إلى تطوير النقد العربيّ التقليدي الجامد في نظر اللانسونيين العرب أو المتأثرين بالمنهج التاريخيّ الغربيّ، بتطبيق الأدوات المنهجية الغربية على النصوص الأدبية العربية. ولا يمكن أن نمرّ إلى النقد العربي المعاصر دون أن نذكر دور طه حسين في تطبيق المنهج التاريخي والانطباعيّ والسّيري المتعلّق بحياة الكاتب وتأثير البيئة في أدبه، رغم ريادة تفكيره في البحث عن مستقبل الثقافة في مصر.ولا شكّ أنّ أوائل المبعوثين إلى أروبا كان لهم دور كبير في نشر مفهوم المثاقفة والانفتاح الحضاريّ.غير أنّ بداية الوعي الثقافي لم تنف المحافظة على معايير النقد الانطباعي والبلاغيّ. ثمّ تتالت الكتابات النقدية (أحمد أمين والعقاد والمازني اللذين عرفا بانتمائهما إلى مدرسة الديوان..) بمختلف اتجاهاتها الرومانطيقية، واشتغل النقاد العرب في بدايات القرن العشرين في تلك المرحلة التاريخية من التأثر بالنقد الأنقلوسكسوني والفرنسي بمفهوم الوحدة العضوية.
و يعلّق شوقي ضيف على هذه التجارب والحركات النقدية بقوله«لم يكن لها هدف شعريّ ولا مذهب أدبيّ معيّن، بل هي جماعة كلّ شعر مصريّ، ويتّضح هذا في اختيار رئيسها وأعضائها، ففيهم كثير من شعراء النهضة مثل شوقي وخليل مطران وأحمد محرم وغيرهم » (انظر، الأدب العربي المعاصر في مصر، القاهرة، 1970، ص70).
ولا شكّ أنّ البدايات النقدية الأولى لم تتخلص من سلطة التراث النقدي القديم ، فوسمت بالازدواجية والهجنة والاغتراب، وبالصوفية الشعورية وهيمنة النقد الذاتي الرومانسي. لكن، عدّ محمد مندور في نقده المنهجي منعرجا مهما في التجربة النقدية العربية في أربعينات القرن العشرين( انظر، ميجان الرويلي – سعد البازعي، دليل الناقد الأدبيّ،إضاءة لأكثر من سبعين تيّارا ومصطلحا نقديّا معاصرا، المركز الثقافي العربي، 2002) ..
وعلينا أن نذكّر، فضلا عن ذلك، بأهمّية ما أسسته «الحساسية الجديدة في مصر»التي ضمّت روائيين نقادا (أدوار خراط وجمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم ويوسف القعيد..)، وهي حركة متمرّدة على القصّ الكلاسيكي ونظّرت لكون قصصي جديد، شبيه بما نادت به حركة الرواية الجديدة في فرنسا، في خمسينات القرن العشرين على أيدي المنظرين الروائيين ( ناتالي ساروت وآلان روب-غرييه وجان ريكاردو وميشال بيطور…). لكن سرعان ما تفككت هذه الحركة النقدية العربية، وكل الحركات أو موجات التجديد أو ما سمي ب«التجريب الروائي».
ثمّ تتالت الأعمال النقدية الفرديّة المتأثرة بالنظريات الغربية (الشكلانية والنقد االماركسي والبنيوية وما بعد البنيوية المنبثقة من حدود البنيوية وعلمويتها الصارمة، والنفسية بمختلف مدارسها وأدواتها، والتفكيكية ونظريات التلقيّ أو القراءة والتأويل والنقد النسوي……)، في العالم العربي مشرقه ومغربه.
وفي خضمّ هذه الدراسات النقدية المتراكمة المتسارعة من جهة ، والمهيمنة طويلا على النقد الجامعيّ من جهة أخرى، وفي الضفّة المغربية المقابلة، اخترنا أن نتحدث في تجربة الناقد المغربيّ سعيد يقطين، لا لأنـّه يمثـّل صوتا نقديّا مداوما على المتابعة والحضور في المشهد النقدي العربيّ فحسب، بل لأنّه كان من الداعيين إلى «نظرية نقدية عربية « منذ سنوات، موضوع هذا الملفّ الثقافي الجماعيّ. وينبع اختيارنا من قراءة موضوعية لأعمال سعيد يقطين الورقية والألكترونية والصحفية، ولا ننفي وجود أعمال نقدية عربية رائدة.
فهل يمكننا أن نتحدّث عن المشروع اليقطينيّ (نسبة إلى الناقد المغربي سعيد يقطين) النقدي؟
كان الجامعيّ العربيّ المطّلع على الوافد من المناهج النظرية الغربية في السبعينات من القرن العشرين، يعدّ من الأكفاء ويمنح صفة «العالم» بما تمثّله من هذه النظريات في لغاتها الأصلية، وخاصة بما عرف بمرحلة السرديات الفرنسية الكلاسيكية.
واشتهر كثر من الجامعيين العرب بدروسهم النظرية المأخوذة حرفيا، كليا أو جزئيا، من النظريات الشكلانية والبنيوية والاجتماعية والنفسية والتفكيكية.. وثمّة من اجتهد وأضاف في تحليله السردي للأدب العربي نثره وشعره وترك بصمات شخصية لإبداعاته النقدية، فنذكر على سبيل المثال لا الحصر الناقد التونسي توفيق بكار (انظر قصصيات وشعريات عربية). لكن، رغم الاجتهاد في الخروج عن النموذج النظري الغربيّ، فإنّ أغلب الأطاريح الجامعية مكرورة المناهج متماثلة التطبيقات. فبتنا نتحدث عن الشيوخ والمريدين من تلامذة توفيق بكار في المدرسة التونسية مثلا. كان المنهج البنيوي مهيمنا في الدراسات العربية، رغم ثبوت حدوده أو بؤسه منذ ثورة 1968 بفرنسا، و أعلن رولان بارط صرخته الشهيرة موت المؤلّف، ولكن الوعي العربي النقدي لم يبحث في أسباب هذا البؤس فواصل بعضهم إنتاج السلسلة المتكررة في الآداب والإنسانيات.
بدأ سعيد يقطين مشروعه العلميّ الأكاديمي، شأنه شأن الجامعيين العرب المتأثرين بداية من سبعينات القرن العشرين بالمناهج الغربية، بتحليل الخطاب الرّوائي (الزمن والسرد والتبئير، 1989). وكان منذ البداية يعيش قلق السؤال عن النظرية « كيف يمكننا تحليل الرواية العربيّة بدون تصوّر نظريّ للرّواية ؟ ما هو موضوع هذه النّظريّة؟ ماهي أدواتها وأسئلتها؟ كيف يمكننا إقامتها وتطويرها؟ «( مقدمة تحليل الخطاب الروائي،ص5) .فامتلك حسّا نقديا وهو مازال يتحسس طريقه إلى التحليل السردي من جهة، والنقد السردي من جهة ثانية. وكان متمثلا جيدا للتحليل البنيوي الإنشائي للنصوص السردية، متمكّنا من الأدوات المنهجية والإجرائية.
صحيح، كان يقطين جوناتيا (نسبة إلى جيرار جونات العلامة الفارقة في السرديات الفرنسية )، لكنه لم يكرّر نفسه في كتبه اللاحقة وطوّر آفاق المعرفة السردية ، بعد الاشتغال بانفتاح النص الروائي، وكان وعيه الحواري يبحث في علاقة الرواية العربية بالموروث القصصي العربيّ (المقامة والرسالة والرحلة وكتابة المشاهدات…)، وب»جدل التفاعل والإبداع» بين الحديث والقديم. وتواصل التفكير النقدي اليقطيني وبدأ يعلن استقلاليته من الارتباط بالآخر ومنجزه النظري والنقدي. فاشتغل بحوارية الأنواع السردية التراثية داخل الرواية العربية، أي اشتغل بالخصوصية الثقافية العربية.
وعمل، فعلا لا قولا ، رغم هذا الجهد النقدي الفرديّ، على تنزيل تدريس الأدب في قضايا المجتمع، وفي علاقته بالمؤسسة والسلطة..فالأدب ليس مشغلا جامعيا فحسب، وإنما هو ظاهرة اجتماعية وثقافية. فـ « يطرح علينا واقعنا العديد من المشكلات الأدبيّة والنّقديّة القديمة التي قضيناها بتركها، والحديثة التي بدأت تفرض نفسها بإلحاح. وعلينا أن نتداول بشأنها النّقاش، ونفكّر فيها جماعيّا، بمسؤولية ووعي ووضوح، ذلك لأنّ معالجتها وتوضيحها بالقدر الكافي والواسع قمين بتطوير فكرنا الأدبيّ والنّقديّ» ( الأدب والمؤسسة والسلطة، نحو ممارسة أدبيّة جديدة،ط1،المركز الثقافي العربيّ، المغرب-بيروت، 2002،ص63).
لم يكتف يقطين بما تمثـّله من معارف في السرديات الكلاسيكية وفي نظريات الثقافة والمعرفة..إنـّه يتابع مستجدات ما بعد الحداثة، وما بعد السرديات الكلاسيكية. وميز السرديّ من النـّاقد السرديّ، و النظري من الإجرائيّ ، والتحليلي من التأويليّ. ولم يتسنّ له ذلك إلاّ بتطوير المعرفة والوعي بضروب الفروقات بين مستويات النظري والنقدي. وبشجاعة المضيف لا المستهلك، يتصوّر يقطين الناقد (هكذا يقول « السرديات كما أتصورها») آفاق بحث جديدة..ويركّز على مفهوم الوعي في الاشتغال بالأعمال الأدبية، بل أنه يكسر الحاجز لينفتح المشغل السرديّ على الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ، وعلى التفكير النقدي الواسع وطرح أسئلة معرفية كبرى، هنا يمكن أن نتحسس بوادر نظرية نقدية عربية، بدأت ملامحها تتشكل في وعي الناقد يقطين في كتابه المهمّ «السرديات والتحليل السردي،ط1،المركز الثقافي العربيّ، المغرب-بيروت، 2012). يقول « لا يمكن لأيّ مشتغل بأيّ حقل معرفيّ، كيفما كان شكله أو نوعه، أن يفكّر أو ينتج خارج السياق الثقافيّ الذي يوجد فيه، أو بمنأى عمّا تمور به الساحة الثقافية التي يعيش في زخمها…»(ص 124).
لقد ساعدتنا سردية المعرفة النقدية بقلم يقطين نفسه، وهذا شكل من كتابة السيرة الفكرية والنقدية، على فهم أسس التفكير النقدي اليقطيني وآلياته، وأسئلته القلقة المنبثقة من الواقع المغربيّ خاصة والعربيّ عامة، ولم يسقط نقده إسقاط المغترب عن هذا الصّخب السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي. فكانت كتاباته النقدية المنشورة أو الصحفية الإعلامية كلّها تعكس التفكير النقدي في قضايا كثيرة. فالناقد الأدبيّ يتجاوز هوية السياسي ذي الميولات السياسية، (رغم أنّ رونان ماكدونالد، رأى أنّ التوجهات السياسيّة قد أصبحت جزءا من الدراسات الأدبيّة) ويتجاوز هوية المثقف ذي الانتماء السياسي، وعالم الاجتماع المتخصص والمحلل النفسي الذي يبحث في العقد النفسية ولاوعي المؤلّف ولا وعي النصّ فحسب.. إنّه كيميائيّ معرفيّ، وليس فوضويا متعالما، ينتقل من حقل إلى آخر دون وعي وتفكير عميق في ضرورة الرّبط بين الحقول المعرفية والتفاعل بينها.
إنّ تطوير أفق التفكير النقدي عند يقطين جعله يوسع مدى النّقد الأدبيّ بعد تمثّل النظرية الأدبية المعاصرة..ويتجلّى توسيع المدى النقديّ في كتبه ومقالاته في موضوع السرديات الرقمية، مواكبا التطورات التكنولوجية العالمية الهائلة وأثرها في الناقد الأدبي والثقافي ومطوّرا أدواته المعرفية. ولم يكن انتقال يقطين من النقد الأدبي الورقي إلى الألكتروني والرقمي بهدف تنويع الأدوات والمصطلحات الجديدة من قبيل «النصّ المترابط» أو «النص المتشعّب» و»التفاعلية الجديدة» (انظر كتابيه «من النص إلى النص المترابط» 2005 و «النصّ المترابط ومستقبل الثقافة العربيّة» 2008). لم يدع يقطين إلى قطيعة معرفية والبحث عن نظرية نقدية عربية مستقلة عن التحولات العالمية الكبرى في جميع المجالات ، وإنما كان واعيا ومازال بأهمية التفاعل الجدلي، ومراكمة الخبرات الإنسانية التي ليست ملكا لبلد متقدم أو لثقافة مستقلة من الثقافات البشرية، ولا نعتقد أنّ النظرية تموت بموت أصحابها أو بانتهاء عمل مدارسها..إنّ المعارف كلّها، عبر التاريخ ملك للإنسانية قاطبة، شرط ألاّ يكون المستفيد أو المشتغل بحقل معرفيّ ضيّق الأفق، محدود الرّؤى فتكون نتائجه محدودة أيضا، وآنية تتعلّق بمرحلة تاريخية بعينها شاع فيها منهج من المناهج العلمية النظرية.

شمولية النقد :
لم يبق التفكير النقدي اليقطيني منحصرا في مجال الأدب والسرديات الكلاسيكية، وإن كان المنطلق المعرفيّ مهمّا جدا في الفعل النقديّ، وإنما نتبيّن من اهتماماته الثقافية والسياسية والاجتماعية الواسعة أنّه لا مجال لتعقيد النظرية وانحسارها في فضاء النخبة.
لقد اقتلع يقطين صكّ الاعتراف بتجديد الدرس السرديّ داخل الجامعة أوّلا، ثمّ عرف بمقالاته النقدية الصحفية ثانيا التي تناول كلّ قضايا الوجود والإنسان العربي :
اهتم بكل القضايا التي تشغل الناقد الشمولي اليوم: الدرس الجامعي، والبرامج الثقافية في وسائل الإعلام، ونحو قراءات جديدة للسرديات في مجالات معرفية متنوعة لا تقتصر على الأعمال الأدبية واهتمّ بقضايا الترجمة والمصطلح السردي والهوية الثقافية والانبتات ووضع الإنسان المعاصر والبرمجة الكتابية للتراث.. وكان من النقاد العرب المتابعين للوضع الصحي الوبائي وانعكاساته النفسية والتعليمية والاقتصادية والثقافية، وما نتج عن الخوف من مظاهر العنف أنواعه.
إنّ اهتمامنا بالتفكير النقدي اليقطيني في قضايا شتى تتجاوز «المعرفة الأدبية»، لا يعني أنّه الوحيد الذي تتجلّى في أعماله بوادر نظرية نقدية عربية، وإن كانت جهوده فردية في مستوى التأليف والنشر، جماعية في مستوى التمثل المعرفيّ الواسع. لكن اقتصرنا، في حدود ما تسمح لنا به هذه الورقة للمشاركة في ملفّ مداره على «إمكان وجود نظرية نقدية عربية أو استحالتها»، منطلقين من الاشتغال السرديّ المشترك. ولقد قرأنا هذه الأيّام مقالا طريفا ، عنوانه «البرمجة الكتابية للتراث»،بيّن فيه كيف أنّ«المدونة العربية الكبرى، باعتبارها ذخيرة»معلوماتية، قدمت إلينا بواسطة الكتابة، بهدف معاينة كيف قدم لنا العرب «برمجية» كتابية، تتلاءم مع لغة طبيعية من خلال «جهاز» ورقي هو الكتاب.
وبما أنّ لغات البرمجة الرقمية متعددة، يمكننا الحديث عن طرق متعددة لجأ إليها القدامى لتقديم مواد المعلومات، التي اهتموا بها من خلال برمجيات كتابية متعددة، حسب تطور الحقب من التدوين إلى التخزين إلى التبسيط.» (انظر صفحة سعيد يقطين الفايسبوكية، بتاريخ 16-3-2021).
إنّ يقطين يقنع الكلاسيكيين الرافضين للرقميات والبرمجات الحاسوبية الجديدة، بحجّة الانزعاج من موت الورقي واللغة الطبيعية، يقنع هؤلاء بالمحافظة على تراثنا الأدبي وتجديد محمولاته. والطريف المعرفيّ، فضلا عن ذلك، أنّه وظّف التعلّق النصّي الذي اشتغل به ورقيّا في الرواية العربية، متمثلا مصطلحات جيرار جونات في كتابه أطراسPalimsestes، في البرمجة الكتابية للتراث فيعطي «إمكانية جديدة للتفاعل مع المدونة وقراءتها، ما يبين لنا أنّ كل برمجة تحقق غايات وتنبني على تقنيات» (المقال نفسه).
إنّ الوعي الحرّ أو المتحرّر من سلطة الثوابت، لا يعني نسف الجهود السابقة، منذ بدايات الانفتاح على النظريات الغربية والاشتغال بها، ولا يعني نفي محاولات أصحابها في بناء نظرية نقدية عربية حديثة. غير أنّ الأديولوجيا في نظرنا عائق نحو تأسيس هذا الحلم. فلم نجد يقطين مثلا متشدقا بالخلفيات الماركسية، أو بتفكيكية دريدا، أو مفتخرا بالانتماء الحزبي السياسي بصفته عنصرا قياديا أو متبنيا للقضايا الجندرية ليوصف بالحداثي المتحرر من الثقافة الذكورية الجائرة ، ولم نجده يوطوبيا أو مغتربا عن واقعه ويكتب خارج الخصوصية والمحلية العربية. وفهم يقطين، والحق يقال، أنّ السردية الكبرى، هي سردية التجربة البشرية عامة، وهو رهان معرفيّ كبير.
إنّ من يحصر تفكيره في بوتقة ضيقة أو من يتبنى اتجاها واحدا في العملية النقدية، يظلّ داخل الأسطوانة يتآكل من الداخل، لأنّه سيظل يكرّر الإشكاليات ذاتها، ولا يطور معارفه ولا أدواته الإجرائية.
وبعد، هل يكفي أن نعدّد مزايا الفكر النقدي اليقطيني لنتحدّث عن «نظرية عربية نقدية»منبثقة من تصوراته ومعرفته الواسعة وتفسيره للقضايا الراهنة ؟
يعسر في نظرنا الحديث عن نظرية نقدية متأتّية من جهد فرديّ. فما حدث بعد الحراك الاجتماعيّ العربيّ، أنتج مواقف ورؤى مجزّأة، وكلّ اتجاه نقدي ينتصر لأدواته بدوغمائية متأتية من ثوابت أديولوجية أو حزبية..تبقى هذه التجارب النقدية في نظرنا متشظية أو محكومة بالتكرار، أو هي حركات لها خصوصيتها المحلية العربية. هذا ما أكدته الناقدة التونسية آمال قرامي المختصة في الدراسات الجندرية، عندما سألتها عن إمكانية وجود نظرية جندرية عربية فقالت « أعتقد أنّه لا يمكن الحديث عن نظرية نسوية عربيّة، بل هي تيارات وحركات ». وأكّد رامان سلدن Raman Selden هذه الاستحالة لأنّ كثيرات يرفضن ثبوتية النظرية وقطعيّتها، وينشدن خطابا أنثويا« لا يمكن تقييده فكريا بنسبته إلى تراث نظريّ معترف به (ومن ثمّ يمكن أن يكون نتاجا رجاليّا)، ولكنّ ناقدات الحركات النسائية ينجذبن إلى أنماط نظرية ما بعد البنيوية عند لاكان ودريدا » (انظر، النظرية الأدبيّة المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، دار قباء، القاهرة، 1998، ص 194).
يعسر إذن الحديث عن نظرية نقدية شاملة ضمن مدرسة عربية تجمع اختصاصات عديدة ونقّادا من العالم العربيّ، على الأقلّ في الوقت الرّاهن، زمن السرعة وتعقّد الحياة وفوضى الكتابات في كلّ المواضيع القديمة والجديدة..
لقد ظهرت مؤلفات فردية، أو جماعية مثلا في المباحث الجندرية، أو في التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما بعد الحراك الاجتماعيّ العربي، لم تنبثق في نظرنا عن وعي معرفي جماعيّ يضمّ أهل الاختصاص في العلوم الإنسانية والقانونية والسياسية والثقافية والجندرية بوجه عامّ.
وليس المهمّ أن نبني نظرية نقدية عربية، بل المهمّ ان يبقى «العقل النقدي العربي» يشتغل في حركية ذهنيّة نشيطة، ولا يضع النّاقد نفسه في برج عاجيّ ينظّر دون أن يسعى إلى التغيير، ولا يواصل الانخراط في صيحات موت الأدب و موت النقد والناقد الأدبي و«الإنسان الأخير».فلم نربح من تفسير العالم وتأويله سوى صراع التأويلات الخاطئة، والحال أنّه ينبغي أن نفعل ونغيـّر عن طريق النقد الثقافي، والثقافة المضادة لكلّ أشكال التبعية والتسلّط والرقابة..
إنّ الحرية هي التي تكسبنا فكرا نقديا عربيا قويا..فلا معنى لنظرية نقدية عربية والآخر يقيّد التحرر والاستقلاليّة الفكرية.
في خضمّ هذه المحاولات النقدية، وتراكمها، نتساءل عن وضع المتلقـّي العربيّ اليوم لهذه الأعمال النقدية المتأثرة بالنظريات الغربية أو المستقلة عنها..من يقرأ اليوم النقد الثقافي داخل هذا الصّخب الألكتروني؟، أم سنبقى في حدود التلقي النخبوي دائما ؟ من يدري فقد تكون النخبوية هي الحائلة و بناء نظرية نقدية عربيّة؟.
في نظرنا إنّ على الناقد الثقافي الموسوعيّ أن يكتسح كل الفضاءات الثقافية والإعلامية، وأن يغيّر السياسيّ، قبل أن يفعل في الدرس الجامعي، وفي عامّة الناس العاديين، فيغيّر من ذائقتهم الأدبية والثقافية، مادام الأدب ظاهرة اجتماعية، ومادام الفعل النقديّ شامل المعارف، متعدد الأدوات.
فليست غاية الناقد تقويضية مطلقا، دون أن يبني، وليست تهكّمية دون أن ينفذ إلى أسباب التقهقر والجمود والخوف والتكرار.

المقترحات:
– بعث مراكز عربية بين تخصصية، والعمل الجماعي الدؤوب ونبذ سلطة الأنا النرجسية، وعقليّة الإقصاء والتهميش والتقزيم.
– الإرادة العلمية والثقافية في علاقة بالإرادة السياسية حتى يتطوّر البحث العلميّ والنقد عامّة.

شاهد أيضاً

غالب هلسا في الرحلة المضنية بطولة الروائي وتجربة المناضل وتراجيديا الحياة

أعده وقدمه: جعفر العقيلي إذا كان من وصفٍ يليق بالحياة التي عاشها غالب هلسا (18 …