نماسكار

منيرة الفاضل

امتدّ الزمن شهورًا وأنا في شرودٍ ذهنيّ متواصل، قبل أن تطرح عليّ صديقتي رهام بكياستها المعهودة فكرة أن أشارك في دروس اليوغا الأسبوعية التي تذهب إليها مع داليا، التي كانت ترشف قهوتها وتهزُّ رأسها موافقة، وتهمس “مذهل.. حقيقة!!”.
– ساعدتني كثيرًا في اللياقة الجسمانيّة؛ لكن الأهمّ هو الشعور بالهدوء الداخلي بعد كل جلسة، رائع، عليكِ تجربتها. كل الهموم تتلاشى في لحظة.
تقول رهام وهي تتطلع مباشرة إلى عيني وتبتسم ابتسامة العارف. ثم تواصل:
– كيف حال الترجمة؟
– باهتة، مملة، ملفات تتشابه، معظمها تجاريّ.
كنّا نجلس في مقهى معهود، نتردد عليه أسبوعيا. نشرب قهوة اللاتيه بنكهاتها الموسميّة المختلفة، ثم نجوب المحلّات التجاريّة المجاورة، لتخرج كلٌّ منّا أسبوعيًا بقطعة ملابس واحدة على الأقل. نقوم بارتدائها في الأسبوع الذي يليه بفرحة الأطفال. نساءٌ في العقد الرابع من عمرهن يتخففن من أعباء روتين حياتهن اليوميّ بروتينٍ آخر يحمل في ثناياه بعض التلقائيّة لدخول بهجة غير محسوبة سابقًا، يتمسكن بها بقوة الضافر حتى تأتيَ فرصة أخرى. نضع جدولًا شهريًّا، نحدّد فيه الأماكن التي نرغب في زيارتها واكتشافها من جديد، خارج جدولة الأمومة، والعمل، وركام المسؤوليات العديدة. قرّرنا أن نصنع ذكرياتٍ أخرى تتعلق بكيان كل واحدةٍ منّا خارج أدوارها الأخرى المختلفة.
نهمسُ لبعضنا بعضًا، “وإلا كيف يمكن أن نحتفظ بثباتنا، بالأمل النابع من الداخل. وليس أمل الآخرين أو أملنا فيهم”.
رغم صداقتي القديمة مع رهام وداليا؛ إلا أننا حافظنا على مسافة محددة من الخصوصية. هناك عتبة معينة لا نتجاوزها. وقد يكون هذا سببًا لنجاح هذه الصداقة كل تلك السنين. وقد تكون أيضا ظروفنا المعيشية المتشابهة دافعا آخر لأن نستكين في قناعة الابتعاد عن الفضول لمعرفة الدقائق الصغيرة في حياة كل واحدة منّا، تاركين الأمر لظروف اللحظةِ، لحرية المشاركة أو عدمه.
لذا حين نفترق، تعانقني رهام وتقول:
– اتصلي إن أردتِ الحديث. أي وقت. مع السلامة.
– بون سوار.
يأتي صوت داليا.
– مع السلامة.
يرتد صوتي إليّ كأنه صدى.
في السيارة، وقبل أن تمتدّ يدي لوضع حزام السلامة، أفتح حافظة السي ديز، وأختار البوم ديفا بريمال “لاف إز سبيس” ويصدح صوتها العذب. السيارة تعبرُ لافتاتٍ عديدة لإعلانات شتى: أثاث حديث، تخفيف الوزن، أحدث موديل للهاتف النقال، جوائز البنوك. إعلانات تتغير، تختفي وتعود.
أختار الجانب الأيمن من الطريق وأقود بسرعة معتدلة.
هل يمكن أن يتوقف الحب فجأة؟ أم يبدأ في الفتور التدريجيّ؟ أم يبدأ في النزيف كالدم من الوريد إلى أن ينضب؟
وجه الحب الذي صارعنا من أجله، في جيشان العشرينيّات من العمر، التمسّك رغم كلّ الصعاب. هل يتبدد؟ “لاف إز سبيس”، ماذا يعني هذا؟ إن الحب هو كالفضاء، لا نهائيّ؟ أم إن المساحة في الحبّ هي أيضًا الحب؟ أن تحبّ وتبقى – رغم القرب – على مبعدة، ترقب من تحب بحبّ؟ أم أن يلتحم ويفنى الاثنان في الحب كمجرة في الفضاء تبتلع ذاتها؟ ليتطلع كل منهما إلى المساحة الفارغة الناتجة عن التحامهما وفنائهما معًا.
هل مُعان هو السبب أم أنا؟ ثمانية عشرَ عاما تفصل أول لقاء باللحظة الراهنة، تمدد فيها الزمن وانكمش، ثم تمدد مرّة أخرى حتى بات صعبا أن نمسك بخيوطه، فيما عدا ومضات خاطفة تشير إلى الحبّ، الارتباط، البيت، الأولاد، السفر، اللقاءات العائلية، وجه الوحدة رغم كل ذلك، المشي لساعات ليهدأ الداخل من أمر ما يستعصي على الفهم.
الرغبة الجامحة المخيفة للهرب، ما هو منبعها؟
في لحظات الألفة الأولى بيننا، تبرز لحظة موشومة في الذاكرة، “سأظل دائما أنظر اليكِ وعيني مرفوعتان إلى الأعلى، كآلهة متجلية، على حين ستظل عيناكِ دوما مُسدلة إلى الأسفل وهي تأخذني في مساحتها.” قال لي ذات يوم، مشيرًا بكلامه الحنون إلى قامتي الطويلة الفارعة. كان دائما يفاجئني بجملٍ تأخذ أنفاسي وتتركني أتأرجح في الفضاء الصغير الفاصل الذي يتلاشى بعناقي له. في لحظات كتلك يبدو كل شيء في مكانه الصحيح. الوجود كما هو في حنّوٍ دائم.
هند أخذت عنّي هذه الخاصّية، جسمها يتطاول في امتداد إلى الأعلى، وشعرها الكثيف ينسدل حتى الخاصرة. ساعات كثيرة أتطلع إليها وكأنني أنظر إلى صوري القديمة. لكنّها على العكس مني، حاضرة دائما، عينها ثاقبة وليست ضبابية كعيني. وصوتها قويّ مؤثر لا يتلكأ مثل صوتي لينسحب في اللحظات الحرجة. وكأن وجودها يردم كل نقاط ضعفي، بشكلٍ ما. إعادة وجودية لصورة أكثرَ اكتمالًا.
ألهذا يتناسل الناس؟ لإصلاح عطب ما؟ لفكرة، لجسد، لأمنية؟ وحين ينجح ذلك نتطلع بإعجاب إلى الكائن الذي أمامنا، غير مدركين بأن دورنا الحقيقي في هذا التجسيد أقل من ثانويٍّ وباهت وعرضيّ. في أحيان يفشل هذا الفعل، ويولّدُ عطبا آخر يمتدّ كجينة من جيل إلى جيل. جينة يختزنها المرء معه متوارية في خلاياه، في جهل تامّ يضعها في آنية شخص آخر، ليقول حال وعيه اللاواعي “الآن سأجعل من ضعفي ضعفك، ومن سقوطي سقوطك” لتكتمل صورة أخرى أقل اكتمالا.

شاهد أيضاً

طراوة الجبل*

أمل السعيدية بيتنا، كان قريبًا من الوادي، ومجراه العميق، تطلعُ فيه أشجارٌ بريّة، والذئاب تعيش …