واثنان ينقِّيان مثوايَ الأخير

قاب قوسين
في الطَّريقِ
حيثُ لا وصلٌ ولا قطعُ
أخطو بلا خطو
وأدوسُ على سحبٍ بيضاءَ مثل ثمرةِ القطنِ
أرفعُ عينيَّ وأنظرُ في الجهات
فلا أرى أحدا
كفِّي
بيضاء أخرجُها
لأضغط على صدري
فأعرفُ أنَّني قاب قوسين
أو أدنى
وأنَّني
أعلى.
قَسَم
… والتَّفاصيلُ
… والأشياءُ تتراكم فوق بعضها البعض
… والذِّكريات
… وقُبَلٌ لا تعدُّ ولا تحصى
… ودموعٌ جفَّفتْها مناديلُ الوحدةِ مرَّة
    ونسيتها مناديلُ الرَّحمةِ مرَّات
… وألفُ مشاجرةٍ
… وألفُ مصالحةٍ ملفَّقةٍ لأجل عناقٍ يطولُ أو يقصرْ
… ورجلٌ يغادرُ في الضَّبابِ
… وامرأةٌ تتلاشى في الوضوحِ
… ما من لغةٍ يا أبجديّةْ
… وما من أبجديّةٍ
    يا لسان.
حبيبتي… وأعرفها
غبيةٌ وتموت!
لا تعرفُ أنَّني تعبتُ حتى وجدتُها
لا تعرفُ أنَّني أهدرتُ من عمري عشرةَ أعوامٍ في محبَّتِها
زرعتُ ورودًا كي تزهرَ في الصَّباحاتِ النَّديّةِ
أمام شباَّكِها المفتوحِ
وغيَّرتُ ألوانَ جدرانِ بيتِنا
كي يحلو لها تخيّلُ البحيراتِ التي تترقرقُ
خلفَ حجارةِ الغرفةِ
غبيةٌ
وتتركُ نفسَها فريسةً للموتِ،
لم تقاومْ
ولم تجزعْ
ولم تصرخْ
ولم تبكِ
ولم ترفع إليَّ عينينِ واسعتينِ
مملوءتينِ بالنَّدى المملَّحِ
كي تناشدَني أن أترجَّى الموتَ يتركُها نائمةً
في حضني
حبيبتي… وأعرفُها
رفعتْ جفنَيها المزرقَّينِ وأنزلتهما ببطءٍ
حاولتْ تحريكَ إصبعِها السّبابةِ كأنَّها ستنهرُه مثلَ أمٍّ
ثمَّ رفَّتْ ابتسامةٌ بائسةٌ على شفتيها
حين رأت ستارةَ الشُّرفةِ تهتزُّ
من أثرِ عبورِه الشَّفيف.
مهابة
للموتِ جلالُه يا «محبَّةُ»
مثلُه مثلُ الولادةِ والبكاءِ وطاعنِ الكلام
فكيفَ تموتينَ هكذا في غفلة منَّا؟
كما لو كنتِ شحّاذةً التقطناها من الشَّوارعِ
أو عابرةً طرقتْ بابَنا بالمصادفةِ.
للموتِ صورتُه الأخيرةُ يا «محبَّة»؛
كان عليكِ ألّا تموتي هكذا
محنيَّةَ الرَّأسِ، منكَّسةَ العينينِ
وظهرُكِ يرسمُ قوسًا مفتوحًا
ناحيةَ الأرضِ
كان عليكِ أن تموتي أمامَنا كي نشدَّ من ظهرِكِ
وننصبَ عُودَكِ في اللحظاتِ الأخيرةِ
كي نستعيدَكِ دائمًا
وأنتِ مزهوَّةٌ بفتوّتِكِ
حتى
ولو كانَ الموتُ ذاتُه
هو من ينخرُ عظامَكِ
فللموتِ
مهابتُه الجميلةُ
يا «محبَّة».
حِجْر أُمِّي
ونعشي
إذ يرتجُّ فوق الأكتاف
من خللٍ ومن ثقل
والطَّريق متربةٌ
تغوصُ الأقدامُ فتثير هالةً رماديّةً
كأنَّها تعمي العيونَ عن مشهدِ القبرِ
واثنان ينقِّيان مثوايَ الأخير
ويوسِّعان مساحةً خاليةً
من الحصى المسنَّنةِ
ورأسي مغطَّى
فلا أرى ولا أسمع ولا أشمّ
لكنَّني أشعرُ بوقع الأقدام
تغوصُ في الأرض
وكنتُ إذ أرفع إصبعي السَّبّابة
كي أشيرَ لهم إلى طريق أخرى
لا يرونني
وكنتُ أنده فيهم
أن أعيدوني إلى حِجْر أمّي
وكنتُ فوق الجميع
أحلِّقُ فوق النَّعش
وأحاولُ أن أهبطَ
إلى جسدي
فيمنعني
مسيرهم السَّريع
إلى القبر.

شاعر من مصر مقيم في بلجيكا

 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …