وداعًا سعيد الكفراوي الصبا والموت ولعبة الحنين في أعماله

حسن عبدالموجود

في وقتٍ كان كتّاب جيل الستينيّات مشغولين بملاحقة التطوُّرات في الرواية العالميّة، وإكمال ما بدأه نجيب محفوظ وإدوارد الخراط، ومراكمة طوابق برجهم الضخم، غير ملتفتين – بنفس الاهتمام – إلى القصة القصيرة، إلا باعتبارها أحياناً «بَسْطة السّلم» أو «استراحة الطُرق السريعة» أو «الشاليه»، كان هناك كتَّاب آخرون قليلون ينظرون إليها باعتبارها فنًّا يستحق التعامل بنوع من الاهتمام لا يقلّ عن التّعامل باهتمامٍ مع أيّ فنٍّ آخر، وبَدَا هؤلاء أصحاب ديانة جديدة يذهبون إلى معبدهم على أطراف مدينةٍ تكتظّ بأجسادٍ وأصواتٍ ومعارك الروائيّين الصاخبة وإعلامهم وصحفهم وندواتهم؛ إلا أنّهم حقّقوا في النّهاية حضورًا لافتًا، استمرّ في النضوج على مَهل، قصةً بعد قصةٍ، ومجموعةً بعد مجموعةٍ، وكما أصبحت للرواية أساطيرها، صارت للقصة علاماتها، من أمثال يوسف إدريس، ويحيى الطاهر عبدالله، وسعيد الكفراوي، وبالنظر إلى حجم هذه الأسماء في الحركة الثقافيّة المصريّة، يمكن إدراك كيف استطاع كتّاب القصة مزاحمة الروائيين، بل والنظر إليهم بنديّة بالغة، جعلت يوسف إدريس يضع كتفه بكتف نجيب محفوظ، ويرحل وهو يشعر بأنه كان الأحق بجائزة نوبل منه، وجعلت يحيى الطاهر عبدالله والكفراوي يتحركان حتى آخر لحظة من حياتهما باعتبارهما ينتميان إلى فن القصة، ويدينان بمحبتها، ويخلصان لها، ويدعوان إليها، ويبشِّران بها، وكان كتّاب القصة هؤلاء خير إثبات على أنه لا يوجد فنٌّ أهم من فنّ، وبقدر ما تعطي بقدر ما تحصل على اهتمام، كما منحوا الأجيال الجديدة فرصة المراكمة على مشروع قصصيّ ضخم، وبدوا أشبه بمنبع النهر، بينما الكتّاب من أجيال لاحقة مياه الأمطار والفروع الصغيرة، التي تغذيه، وتمنحه القدرة على الاستمرار إلى ما لا نهاية.
اهتمّ يوسف إدريس بسكَّان القرية، وأزال عنهم أقنعة البراءة، أو فلنقل بشكل أدق: أقنعة البساطة، فظهرت أسفلها وجوه مركَّبة، وصعبة، ليس في الإمكان فهمها من أول مرّة، بينما اهتم يحيى الطاهر عبدالله أكثر باللغة، وبدا وهو يقدم شخصياته بهذه اللغة كأنه يقدمها وفي خلفيتها موسيقى تصويريّة، إيقاع لنشيج أو عديد صعيدي مصبوغ بالأسى والحزن والشموخ، إيقاع يستمر معنا من أول كلمة إلى آخر كلمة في قصصه، بينما يحاصرك الموت في أعمال سعيد الكفراوي، وتخنقك رائحة تراب «القرافات»، والعظام البالية، والخوف من الضياع في ذاكرة الناس الطيبين.

كتب الكفراوي مائة وأربعين قصة قصيرة موزَّعة على عدد من المجموعات، وهي في أحد مستوياتها تبدو: كما لو أنها تحتفي بالحياة، وفي مستوى آخر: كما لو أنها تناقش العلاقة بين المدينة في الدلتا والمدينة الكبيرة: العاصمة، القاهرة، أو «حوت يونس»، الذي يفتح فمه ليلقم الجميع، وفي مستوى ثالث: كأنها محاولة لفهم العلاقة بين البشر والحيوانات سواء في القرية أو المدينة، لكنها في صميمها وجوهرها ومركزها محاولة لخمش الموت وتحدّيه وفهمه ومساءلته والذهاب إليه ومحاولة العودة منه. بمجرد ولادة الإنسان في قصص سعيد الكفراوي تبدأ العلاقة بالموت، بمجرد ولادته يتهيأ للرحيل، وأقرب نوع من الفن يمكنه استيعاب الحيوات القصيرة الجميلة للإنسان هي القصة القصيرة، حيواتنا بالنسبة للكفراوي قصص قصيرة، لا روايات طويلة، لكن – وقبل الاستغراق في عوالم قصصه – من أين استمد سعيد الكفراوي علاقته بالموت؟ لماذا كان الموت مركز تفكيره؟ لماذا شكّل الموت أفكاره وبات مصدرها الرئيسي والدائم؟

يحكي سعيد الكفراوي أنه في طفولته ذهب إلى الكُتّاب وهناك أوكل إليه الشيخ مهمة مرافقة طفلة كفيفة اسمها «الطاهرة» من البيت إلى الكُتَّاب وبالعكس، ولفت نظره أنها كانت تمتلك بصيرة حادّة، جعلتها تعرف كل شيء حولها، شكل البيوت، والبشر، والحيوانات، كأنها مبصرة، وربما كانت ترى بصورة أفضل من المبصرين، ثم فجأة – وبينما يقع رويدًا رويدًا بمشاعره الطفولية البريئة في غرامها – يختطفها الموت، ليصبح أول سؤال يسيطر عليه، سؤال الفقد، فقد الملائكة الصغار، وكان ذلك السؤال أو الهاجس أكبر من قدرته على الاستيعاب، لكنّه تضافر مع عوامل أخرى، مثل تعامل أبيه وأعمامه وجدّته والناس من حولهم مع الموت وحكاياتهم عنه، في تشكيل رؤيته له، وقد نضجت تلك العوامل في سنوات، وشكَّلت عجينة الكتابة بالنسبة له، ولذلك مهما تلاعب بالكلمات، أو مهما حاول الإيحاء بأنه يسعى لاقتناص البهجة من اللحظات المسروقة بصحبة حبيبة، أو في حلم، إلا أنه غالباً يراقب ويتقصى ويحاول لمس الموت.

«الطريق إلى المقبرة طويل مسكون بالأسى والبلد يتهيأ للدخول في الليل»
من قصة «زيارة»
مجموعة «مدينة الموت الجميل»

لم يكن غريباً بهذا المعنى أن تكون مجموعته القصصية الأولى بعنوان «مدينة الموت الجميل»، ولم يكن غريباً كذلك – في نفس العنوان – أن يسبغ على الموت أفضل الصفات «الجميل»، وفي القصة الثانية من تلك المجموعة «الجمعة اليتيمة» وبينما يسرِّب لنا الكفراوي أو يسرِّب لنا بطله تلك الهواجس المخيفة التي يعيشها، في معتقل ربما، أو في سجن صغير، أو في بيت صغير يتحرك فيه بالكاد، وبينما يصف روائح الأزمنة القديمة في القاهرة الأيوبية، وقطها الأسود المخيف ذا العينين الصفراوين وممراتها الصخرية وفوّهات مقابرها، ومحاولته الإفلات من أوامر رجل ينتعل حذاء ذا رقبة ويرتدي «بالطو» واسع الأكمام، يعود إلى طفولته، متذكّراً نشيج الجدة الحزين وهي تصعد سلّم البيت الخشبي، وبكاءها ليلاً ونهاراً، ولغزاً عن الغياب، لغزاً ألقته الجدة في حجره وتركته بدون حلٍّ حتى بعد رحيلها بزمن طويل، إذ أخبرته أنها لم تعرف عن جده سوى أنه «مات ودُفن في جسر النيل وأنه قبل أن يموت غاب سنوات طويلة لا تعرف له مكاناً، وأنها ظلت تبحث في الجهات الأربع لوادينا السعيد، ولمّا يئست هي، أخذت تندبه بعد ذلك». لكنها في موضع آخر تخبره بأن رجالاً غرباء جاؤوا وأخذوه من حضنها، وحينما سألتهم متى سيعود؟ رمقوها بنظرات غاضبة ومضوا به. لقد سافر مع رجال السلطة ليحرس جسور النيل البعيدة، لكنّها لا تعرف، وبالتالي لا يعرف حفيدها ماذا جرى له، ولماذا لم يتركوه ليعود إليها، ولماذا تُطلق جدته على الجمعة، أي جمعة: «اليتيمة»؟ لم تعثر الجدة على قبر زوجها، ولم يفهم البطل حتى نهاية السطر الأخير من القصة أنه يمضي في مسار مقدَّر سلفاً، والرجال الذين أخذوا جده، هم أنفسهم الرجال الذين يسوقونه كالعبد الآن في مكان يشبه القبور، مكان تنبعث منه روائح الموت، وتلتهم فيه الطيور الجارحة قطه الأسود.
حكاية «الطاهرة»
وقد ظهرت ملهمته الكفيفة «الطاهرة» في القصة الثالثة «الأعراف» إلا أنه غيّر اسمها إلى «أنيسة». كان البطل يسحبها من يدها – بالضبط مثلما كان يفعل الكفراوي مع فتاته في الواقع – إلى الكتّاب آخر البلد، عن يمينه القبور، وعن يساره المسجد القديم، يسير بها خلال متعرّجات الطرق، والتفاف الأزقة وفي بحر القمر يتسلل إلى صدرها يدفن فيه خوفه ويبثها أحلامه، يقول لها: طاهرة أنت يا أنيسة. كانت تشير إلى باب ما، وتخبره أنه يخصّ المسجد الكبير على سبيل المثال، وكان يندهش لقدرتها على الإبصار، لكنها لم تمت في هذه القصة، إذ كانت مشكلة البطل على ما يبدو مع شخص آخر، مع شيخه، حيث لم يحفظ الراوي الصغير سورة «الأعراف» وعليه أن يعيش ليلة رعب، غابت فيها الرحمة عن قلب شيخه: «القدم تحت رحمة الجلدة، والجلدة مدبوغة في زيت وملح، منسوجة بسلك رفيع يُدمي، الضرب أعشى»، لكن البطل في محنته، ورغم قسوة الموقف إلا أنّه يُفكّر في شيءٍ آخر، في نهاية شيخه، في موته الوشيك، في أن حفلات الضرب تلك لمن تتكرر، كان ينصت إلى نحنحته: «نحنحة مولانا في المرحاض، ممطوطة وزلقة، تخرج من حلق ضيق المجرى. هي أثقال الخواتيم». لم يكن ذلك الوصف من باب الكراهية، أو الغضب، لكنّه من شخص يكاد أن يقفز من صفحات القصص المائة والأربعين ليخبرك أن بإمكانه استنتاج مصيرك، أو الحكم على نهايتك، أو حساب المتبقي من عمرك، بمجرد مطالعة وجهك، أو رؤية طريقة خطوك، أو صوت تنهدك، أو نحنحتك، أو حتى شمّ رائحتك.

وفي قصة «مدينة الموت الجميل» بدت قدرة الكفراوي على التجريب واضحة ومبكرة، إذ إنه يقدم عملاً فانتازياً بامتياز، تختلط فيه شخصيات الرّسومات، بشخصيات الواقع. تدور القصة في بيت منعزل سقفه من قرميد أحمر يحوطه سور من حديد مدبّب، وأمامه ممشى من العشب، وداخل البيت يرى البطل صورة جاء من أجلها، صورة «البنت والسفينة والنورس». تأملها، ورأى الذعر في عيني الفتاة، وبدا له كأن النورس يطلق استغاثة، ويرف بجناحين عاجزين، وهو يشعر بدوره بالخوف من عاصفة وليدة. وفي عز تأملاته، تطرق سيدة الباب، وبين قلق وترقب، يبدأ حوار عجيب بينهما، حوار لا يمكن إلا أن يكون بين شخصين، كل منهما ينتمي إلى عالم مختلف، وزمن مغاير، وبُعد غير البُعد. كانت المرأة تسأله عن عنوان هذا البيت، إن كان هو فيلا النورس؟ إن كان يقع في شارع البحر؟ إلى هنا كان الأمر يبدو عادياً، لكنها ما إن سألته إذا كان هذا العنوان موجوداً في «مدينة الموت الجميل» حتى شعر بالتوتر والغضب والرعب، محاولاً إقناعها بأنه لا توجد مدينة بهذا الاسم، ثم يأخذهما الحديث إلى البنت في اللوحة، والنورس، والشارع، لكنهما سرعان ما يعودان إلى اسم المدينة الغريب، هي تحاصره بالأسئلة، وهو يغرق في التوتر والخوف، وفي اللحظة التي تغادر فيها المرأة الغامضة، يدرك اختلاط العالمين، عالمه وعالم اللوحة، إذ فوجئ بينما يتطلع إليها مجدداً بـ«مساحات هائلة من البحر» و«سفينة تبحر إلى لا مكان» و«بنت تلبس ثوباً من الدانتيلا الخضراء»، وحينما وصلت عيناه إلى أسفل اللوحة، فوق الإطار الخشبي، وجد حروفاً من أبجدية منثورة، متآكلة وقديمة، كأنها لغة مهجورة، ميتة تخرج من كتاب قديم، وحينما جمع الحروف إلى بعضها، وفهم المعنى الوحيد لها «مدينة الموت الجميل» أدرك ربما أنه يعيش في قبر واسع، قبر يشبه مدينة، يحدّها البحر، وتزهر فيها النباتات، لكنّ ساكنها وملكها وآمرها هو عزرائيل!

«كان عمي قد حكى لي حكاية إبراهيم العريني الذي كان يعمل عنده أجرياً، عندما سرح في الليل لينام قرب المياه. في الفجر رتَّب منامته، واستلقى على مدار الساقية وشخر. بعد حين استيقظ على شيء ثقيل يجثم على صدره. انتبه وتأكد أن ذئباً في حجم الخروف الكبير يستوي في هدوء على قلبه، ويحدق ناحية القمر. مات الأُجري في جلده، وتأكد أنه ملاق وجه رب كريم، وأنه بعد انتباهة واحدة سوف يمزق الذئب ضلوعه، وسوف يروح بإذن الواحد الأحد في شربة ماء. استعاذ العريني من الشيطان الرجيم وقال في نفسه: العمر واحد والرب واحد، وزحفت يده في هدوء وقبضت على مقبض الشرشرة بجانبه، وبكل عزم، عزم خوفه، رشق الشرشرة فاخترقت العين واستقرت بضربة الخوف وعزم الرحمن في دماغ الوحش».
من قصة «ابن آوى»
مجموعة «ستر العورة»

لا يغادر سعيد الكفراوي أرض الموت في مجموعته الثانية «ستر العورة» لكنّه يحاول الاقتراب من موت كائنات أكثر هشاشة من الإنسان، كائنات مغلوبة على أمرها، تتقاسم معنا الأرض والطعام والماء والهواء، لكنّنا لا نتركها في حالها. في «بورتريه لكلب العائلة» يرسم «ثلاث حكايات قصيرة عن جدّنا الحيوان». في الحكاية الأولى منها لا يهتم الكفراوي بتحديد نوع الحيوان، فعنوان الحكاية «ابن آوى» ومع هذا بطلها ذئب، وغالبية الأبطال، ومنهم الأب والابن يصفونه دائماً بأنّه «كلب ابن ديب»، وقد وقع الذئب الصغير في قبضة هذا الصبي، فقرر أن يستأنسه، رغم نصيحة الجميع له، بمن فيهم الأب بأن يُطلقه، فالذئاب تكره الحبس، ولا يمكن ترويضها، لكنّ الفتى المُغرم بحكاية إبراهيم العريني لا يرضخ. العريني الذي قتل ذئباً علَّم رجال البلد وأطفالها أن «من يأكل قلب ذئب لا يعرف قلبه الخوف» لكنّه مات في النهاية بعد أن عقرته ذئبة مسعورة. الفتى استمر في التنكيل بالذئب الصغير، وقد برع الكفراوي في تصوير ألم الذئب، وغضبه الذي جعل عينيه تتوهجان كجمرتين لهما برقة النار، وتوقه إلى البراري البعيدة وفسحة الجبل وصوت الريح وجحور آبائه، ومخاصمته للطعام، ومحاولته التخلص من قيده الحديدي، لكن كل هذه المقاومة تنتهي برصاصة، فنعرف أن هذا ما يجنيه الإنسان على الحيوان، خاصة حين تسنح له الفرصة، فيحاول الحصول لنفسه على دور الوحش.

وإذا كان بطل الحكاية الأولى حيوان غير مستأنس فإن بطل الثانية «جرس صغير من فضة» حيوان مستأنس، كلب جميل وذكي ونظيف، عثر عليه العم العجوز «عبد المطيع أفندي عبد المطيع» وعلق جرساً في رقبته، فأصبح في إمكان الأطفال والصبية في الشارع ومنهم بطل الحكاية أن يروه كلما أمره عبد المطيع أفندي أن يقتحم سرب العصافير، ويطارد الفرشات، ويأتي لهم – أي للأولاد – بالكرة، ويقف على قدميه راقصاً.

تأكد سكان شارع «مزهرية الخريف» أنه قد صار لهم كلب يهش في وجوههم يمتلك قدرة اللعب مع الفراشات ويُقدِّم لهم المحبة عربوناً لعلاقة ممكنة. كان الكلب وصاحبه عبدالمطيع أفندي يمثِّلان المحبة بدون حساب في مدينة كابوسية، وكل ذنب الكلب أن صاحبه الكريم، الذي يدعو الأطفال إلى منزله ليشربوا الشاي، أو ليستمعوا إلى أسطوانات سيد درويش وداود حسني ومحمد عبدالوهاب قد مات، فحزن عليه حزناً شديداً، فتساءل الأطفال بينهم وبين أنفسهم: «هل يحزن الحيوان؟!». كانوا يذهبون إليه ليضعوا أمامه الطعام والماء، ويرونه نائماً وقد دفن رأسه بين يديه، فإذا أحسَّ بهم زام بصوت حزين فيمسحون على ظهره مشفقين، ظلوا على محبتهم له، حتى صدمته سيارة، وألقت به إلى جانب السور، وقد «فارقه زمان الرمح، واختراق سرب العصافير»، وواساه الأطفال أول الأمر وعطفوا عليه، مربِّتين على ظهره، لكنهم تجاهلوه بمرور الوقت، حتى شاخ وبان جلده مشدوداً على ضلوع بارزة، ثم رأوا «سمَّاوي الكلاب» يدخل الشارع ويسأل عن الكلب المريض بعد أن أبلغ عنه أحد الأشخاص، وفي الصباح قامت قيامة الكلب المسكين: «وضعت نساؤنا زينتهن، وحلقنا ذقوننا، وجهَّزنا أولادنا، ونزلنا من البيوت في بهجة الأعياد، إلا أننا وقفنا على الرصيف مشدوهين، نحدق في شجرة الرمان، وقد تحولت لمشنقة. كان ركس معلقاً يلتف حول رقبته حبل، يتأرجح في الريح ويدور الهواء به. كلب الماضي، الذي لعب مع الفراشات، واقتحم سرب العصافير. بكى الصغار، ونظرنا في عيون بعضنا باحثين عن اعتراف، إلا أننا دفعنا بأولادنا وانحدرنا عبر الشارع نتطلع إلى التلة ونرى البدو يتجهزون للرحيل».

تعادل الوحش والإنسان

لكن الكلب في الحكاية الثالثة «خط الزوال» أكثر قوة، بل وقادر على الفتك بالإنسان، وقد حدث أن البطل، الذي يرتدي ملابس ملوّنة كملابس البلياتشو، ويبحث عن ديوان عفيفي مطر «أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت»، تعرَّض لمهانة من امرأة تقود سيارة «مرسيدس»، وردَّ الشتيمة بشتيمة، فأطلقت تجاهه وحشاً ضارياً لم ينتبه إلى وجوده على المقعد الخلفي لسيارتها، اسمه أودلف، وله جناحان، أحدهما من نار، والثاني من عواصف، قفز من الباب تجاه البطل «الذي رفع قصبة صيده يدفع بها عن نفسه الأذى، فيما كانت الأنياب القواطع كسكين تنتزع بإصرار منقطع النظير، وبحالة تدعو إلى العجب حنجرته، التي اندفع منها شريان من دم على شكل نافورة حجبت وجه النيل، ومن ثمَّ وجه المدينة»، ولا تخبرك نهاية تلك القصة، حنجرة من تلك؟ البلياتشو أم الكلب؟ ودم من؟ الرجل أم الحيوان؟ ومن انتصر في معركة الشر؟ ولماذا يسيل الدم؟ ولماذا يصبح لزاماً في موقف صغير أن يدفع طرفٌ حياته ثمناً لصراع بين شخصين عابريْن قد لا تجمعهما الحياة أبداً إن أدار كل منهما ببساطة ظهره للآخر وسار مبتعداً، لكنه الإنسان، يجلب الموت والخراب معه أينما ولّى وأينما حل.
يستمر الصراع في المجموعة ذاتها بين البشر والحيوان، ففي قصة «زبيدة والوحش» بإمكاننا رؤية العلاقة العظيمة بين ذلك الثور الضخم، وهو يشبه جبلاً من اللحم، بتلك الفتاة الجميلة «زبيدة»، كيف يستكين بين يديها، إلى كائن رقيق، تصطحبه في موكب حتى النهر، يصهلل بجرسه، بينما يهلّ الرجال مع أبقارهن طالبات العُشر. كان يمكن لحياة هذا الوحش أن تكون بسيطة وهانئة، لكنَّ وحشاً حقيقيًّا آخر، هو «أبو سلامة» شقيق زبيدة يقسو على الثور، ولا يكتفي بالمال الكبير الذي يجنيه له، إذ يجبره على معاشرة كثير من الإناث، الواحدة تلو الأخرى، ليراكم المال والإحساس بالزهو والسيطرة، بينما الثور المغلوب على أمره، الذي تحول إلى ما يشبه الآلة، يفقد قوته، رويداً رويداً، حتى إننا نصطدم في العمل بما يشبه الموت، موت الثور، وفي واحد من أجمل المشاهد التي صاغها سعيد الكفراوي، يدخل «أبو سلامة» عليه، فيراه مرميًّاً على جنبه، يسد رأسه فتحة الباب، فيركع على ركبته، ليتحسس ثوره، ويسأل نفسه عن أسباب مرضه، واقترابه من الموت: «إلا أنه وهو في العتمة التي بدأت تزول رأى أخته زبيدة الأرملة الجميلة ذات الثلاثين ربيعاً، التي تعيش خرافتها تحني جسدها – له المجد – وتخرج من رضَّاعة ثوبها ثديها الأيمن الذي ينير عتمة الزريبة من غير زيت، وتقبض بكفها عليه، وتعصره بنشوة جليلة، مشبوبة، فينساب سرسوب اللبن في خطوط حيث التخوم البعيدة، تخوم عشق الحياة والموت»، وهكذا يضعنا الكفراوي – مرة أخرى – في مواجهة أسئلة تتعلق بالقسوة المفرطة للإنسان، حينما تمنحه الحياة قدرة على التحكم في مصائر الآخرين، سواء كانوا من جنسه، أو حتى من الحيوانات.

«رأيته يفتح سكينه ويعلِّم على صدري علامة، فاشتد روعي. فقال: لا تخف، وشق لي صدري، فقلت: آه، فسمعتهم يرددون: سلامتك».
من قصة «تلَّة الملائكة»
مجموعة «سدرة المنتهى»

سعيد الكفراوي يجعل نفسه بطلاً لمعظم قصصه، وغالباً ستجد أنه يختار لنفسه عُمر الصبا، وأيضاً يسمِّي نفسه باسم عمه الحقيقي «عبد المولى»، وغالباً يكون وجوده غير محسوس، ووظيفته نقل مشاهد رآها، مثل دوره في قصة «زبيدة والوحش»، لكنه يصبح شخصاً مهمًّا، في بعض القصص، مثل «تلّة الملائكة» من مجموعته «سدرة المنتهى»، واختياره لتلك السن، سن الصبا، يبدو كأنه ملمح آخر من ملامح أعماله في مواجهة الموت، إذ يريد التأكيد على «اليفاعة» في مواجهة «الشيخوخة»، شيخوخة المحيطين به، واقترابهم على الدوام من لحظة المغادرة النهائية، كأنه يريد القول إن هناك فرصة دائمة لمنازلة جديدة مع الموت، طالما أننا نمتلك صغاراً في مقتبل حيواتهم. في «تلَّة الملائكة» يطلب منه جدّه أن يذهب إلى «تلة الغجر»، فيشعر باندهاش عظيم؛ إذ أن الكبار دائماً ما يخوفونهم منها وبها: «إياك وتلة الغجر، يخطفون العيال، ويدقون على صدورهم الوشم، ويسمونهم بغير أسمائهم»، و«أنتم يا مفاعيص.. ارجعوا يا أولاد الشياطين.. غجر في عيونكم.. إن ذهبتم إلى هناك فسوف يخطفونكم ويخصونكم كالجديان، ويفتحون بطونكم، ويخرجون حشاكم، ثم يملؤونها بالملح… ويعلقونكم على أبواب خيامهم» والمدهش أن الجدّ يخبره بذلك ويستغرق في النوم طالباً منه ألا يوقظه مهما حدث إذ سيزور الغائبين، وهذا اعتقاد شعبي مصري قديم، إذ اعتقد قدماء المصريين – على الدوام – أن الموتى أحياء في عالم آخر طالما أنَّ باستطاعتهم زيارتهم في المنام، لكن سعيد الكفراوي طوَّر الأمر، وعكسه إن جاز التعبير، إذ صار بإمكان أبطاله أنفسهم اتخاذ تلك الخطوة، خطوة زيارة الموتى.

يعود معظم مرافقي الصبي الصغار أدراجهم خائفين، لكنه ينفّذ أمر جده، حتى تلوح له خيام ثلاث تنيرها مصابيح معلقة على عواميد تخفق كاشفة عن خيام الوبر المنصوبة في حضن بعضها بعضًا، وبدا كما لو أنهم ينتظرونه، واستلقى فوق ظهره على طاولة، وبدا أنه يتعرَّض – في طقس احتفالي – للتطهّر، إذ شقُّوا صدره وأخرجوا قلبه، فرآه يخفق بين الأكف، ثم نظَّفوا ذلك القلب في الماء، وكتبوا عليه بالقلم حروفاً وكلماتٍ، فهل كان الجدُ يعلم بما سيجري لحفيده «عبدالمولى»؟ هل زار هذا المكان سابقاً في الواقع أو في أحلامه؟ وهل كان سكان التلة من البدو أم أنهم موتى يمنحون القلوب بعض السكينة التي تحتاجها؟

نصف واقع.. نصف خيال
البطل الصغير ذاته في قصة «مبرر للموت» من المجموعة ذاتها يخوض مغامرة أخرى مع امرأة نصفها من واقعنا، ونصفها الآخر من عوالم الخيال، اسمها «أم هاشم»، امرأة لها كثير من المعجزات.

توزع «أم هاشم» عصافير الجنة على الأطفال حينما يذهبون لزيارة أمواتهم، وأثناء انشغال الجميع تختفي داخل المقابر، فينهض الصبيّ للبحث عنها، ثم بما يُشبه المعجزة يقابل أباه الميت، ويدور بينهما حوار عن الموت، موت الفقراء، وموت الأغنياء، قبل أن يتركه الأب ليعود من رحلته الخياليّة إلى الواقع، وإلى أم هاشم التي تنظر نحو أحد القبور وتهمس له بصوت كأنه الدعاء: «طوبى لمن أبحروا قبل الصباح.. لمن ماتوا موتاً عجباً».

ثم ينتقل الكفراوي ومعه بطله الصغير إلى مجموعته «مجرى العيون» التي يهديها للحاضر دوماً في معظم قصصه، صديقه الشاعر محمد عفيفي مطر، وما إن تخطو إلى أرض أولى القصص «عريس وعروسة» ستجد البطل الصغير حاضراً في أجواء ملائكية، مستدعياً «الطاهرة» مرة أخرى، لكنه يجعلها شقيقته هذه المرة، وبمباركتها يتزوج من ابنة عمه «مديحة» وبينما هم يعيشون أجواء البهجة في حقلهم، يأتي عمّه، فيصبحون في مشكلة ضخمة، وعبثاً حاول أن يفهمه أنهم يلعبون، فقد استمرّ في ضربه، وانتقل التوبيخ إلى البيت، حيث حاول العم أن يقلب الأب عليه، لكنه – لحسن الحظ – لم يستجب له. كان البطل الصغير يحاول أن يفهم سبب قسوة العالم ضدّه وضدّ طفلتين كانتا تلهوان معه، ثم ينقلب العالم فجأة، الصغار يصبحون كباراً، وإن كانت لهم أسماء وأجساد أخرى، والأجواء تصير أكثر كابوسية، وصعوبة، وخطورة، والرجال يهجمون على بيت ويثبِّتون الفتى صاحب الخطيئة إلى الجدار، فينتفض ويتخبط كحيوانٍ في فخ، محاولاً أن يلصق التهمة بالفتاة، لكنهم لم يستمعوا إليه طبعاً، ويقوم أبوها ببتر ما يعتقد أنه سبب الخطيئة ورمزها من جسده، فينفجر الدم من ثقب أسفل بطنه، بينما يأخذ صاحب العار غنيمته في شال عمامته ويندفع خارجاً من الدار في نشوة حيوان.
تنتهي القصة لتدرك أن الكفراوي لا يستكين في قصصه للأمل. الأمل بالنسبة إليه خادع، وقد يلهيك عن رؤية عدوك وهو يتربص بك خلف الأبواب، وأجولة الدقيق، وسيقان الذرة، ليحصد روحك، بمجرد أن تغفل عنه، أو تنساه قليلاً.

«وجدته يعتمد حصيرة من سمار، متآكلة… يميل بفخذي طفل صغير كجريدتي نخلة، ورأس غراب نوحي، يدخل في كتفيه اللذين تلمسهما أذناه، متجلياً لها في قعدته كميت من زمن، يدندن بكلمات لا تعرف لها معنى عن الحجر والطاحون والمأوى الأخير للطير».
من قصة «الرحاية»
مجموعة «مجرى العيون»

أما أصعب قصص سعيد الكفراوي، وأكثرها إنسانية، فقصة «الرحاية»، إذ ترصد قصة امرأة ورجل طاعنين في السن، تفصلهما خطوات قليلة عن الموت، وإن كان الرجل أقرب بكثير إليه. تعمل المرأة ما بوسعها لتدبير الحياة، تشقى لتوفِّر لزوجها الشبيه بكومة «عظام ولحم» بضع لقيمات، تسرح في الحقل وتجمع بقايا سنابل القمح المتبقية بعد الحصاد، تجمعها في جوال، ثم تغسلها في النهر، وتجففها في الشمس، وتخزِّن الباقي لأيام الجوع، وتطحن الذرة، وتبيعها لمن يريد، سافحة الدمع والعرق، لكنها طبعاً قد تعبّر لنفسها عن ضيقها بالحال، وقسوة الزمن، وضياع عمرها وهي تلهث خلف لقمة العيش «اللي نبات فيه نصبح فيه» وتدرك أن «العمر طال، وباخ، وأن حياتهما ثوب تهلهل، وأصبح من الرميم»، وندرك بالتالي أن المرأة ترضى بالموت، بل إنها تتمنى «لو ربنا يفتكره ويريحه من الدنيا. ده بقى رميم»، حتى تستريح من الواجبات اليومية، التي تتجاوز الحجر والطاحون، لكنه يرد عليها: «إن شاء الله أنتِ.
إن شاء الله أنتِ يا حفيظة»، وقد أرادت أن تقول له: «إن الحياة صعبة، وأنّها تودّ أن يذهبا معاً، وفي يوم واحد، ودفنة واحدة، لأنها تعبت، ولم تعد تستطيع شيل الحمل وحدها، هي المقطوعة من شجرة، وهو من فاته زمانه، لا ابن ولا أخ». كانت أكبر مشاكلها وهي تخرج إلى حياة الشقاء أين تترك زوجها، فهو يخاف الظلام، ويخشى العفاريت، وكانت تفكر أن تتركه في قاعة الفرن، لكنه يفزع، ثم «ضاقت به وبالدنيا فدخلت إلى وسط الدار وأحضرت قُفَّة متهرئة من الخوص، وحملته بعزمها ووضعته في القُفَّة، ثم رفعتها… وعلقتها في خطاف من الحديد يتدلى من سقف الدار أمام بابها الخارجي ومضت».

شبَّاك في عمارة الحكايات
ثم يصل إحساس أبطال الكفراوي بالموت والموتى إلى حدوده القصوى في قصة «الخوف القديم»، فالسيدة العجوز، المرأة المقطوعة من عائلة، وارت ابنها «بلال» المقبرة القديمة، وعادت مع المشيِّعين إلى بلدها، لكنّها في لحظة تعود مهرولة إليه، وحينما يسألها الناس ماذا جرى؟ تقول إن ابنها ناداها، وهذه تيمة في قصص الكفراوي: أن الموتى يستطيعون الاتصال بالأحياء، والموت لا يقف عائقاً في تواصل الأحبة، لدرجة أن تلك السيدة تقرر الحياة في المقبرة: «تروي الصبارات من قلَّتها وتنصت لصوت الريح في أعلى الشجر، وتتأمل الجمال الباركة على ظهر كل قبر»، ثم إنها تزيح كفن ابنها وتحوله إلى وسادة تريح رأسها عليها، كان للمرأة هدف واحد، أن تؤنس وحدة ابنها، ألا تتركه للعالم الآخر بمفرده، أن تقول له إنها سمعت نداءه واستجابت له.

وكل قصة في أعمال سعيد الكفراوي تبدو كأنها شباك في عمارة، كل سكانها لا يفكرون سوى في الخاتمة، إذ يذهب بطل القصة التالية مباشرة «عزاء» إلى مدفنه كل خميس، ليطمئن على مكان راحته الأبدية. كان لا يخشى الموت، بقدر ما تضنيه فكرة أن يجده الناس متحلّلاً، بعد أيام من رحيله، فتفضحه رائحة جسده، وكانت السيدة «جليلة» جارته هي ملاكه الحارس، إذ توقظه كل صباح، فينهض متهللاً، مدركاً أن الله منَّ عليه بيوم جديد، وكان يفكر على الدوام أن وجود تلك السيدة يحميه من المصير المخيف، مصير أن يصبح جسده «رمة» ذات صباح، لكنه يفاجأ بسفرها إلى أختها في الصعيد، ويعلم أنها قد تغيب لفترة طويلة، ربما تصل إلى شهر، فيدرك – يا للحسرة – أن هذا زمن يكفي لحدوث المأساة!
ولا يقتصر التفكير في الموت على قاطني عمارة سعيد الكفراوي، بل يتعدّاهم إلى المشرّدين والبائعين البسطاء في الشارع.
بطل قصة «مجرى العيون»، وهي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يجلس في مدخل مجرى العيون، وتحديداً في شارع ينتهي بالسواقي الأربع عند النهر، بالقرب من المقابر القديمة، ليبيع وروده البيضاء والحمراء والصفراء للمتجهين إلى المقابر. يصيح فيهم ولا أحد يستجيب له منهم: «ورد للميتين»، وحينما يشعر باليأس من قلة الرزق «يحمل إلى صدره حزم الورود كلها… ويعبر الشارع مخترقاً أزقة المقبرة الضيقة، التي من سبخ، يختار منها مقابر الفقراء، أهل السكك، المحرومين، منكسري القلوب في دنياهم، الذين يعرفهم بأسمائهم، هؤلاء الذين رحلوا قبل الأوان، ليضع فوق كل قبر من قبورهم زهرة واحدة مروية بدمع العين!
إن الموتى حتى وإن لم يظهروا في حلم، أو ينادوا أحباءهم وأقرباءهم، ويتحولوا إلى مجرد صور وذكريات، بإمكانهم كذلك في أعمال الكفراوي أن يكونوا أصحاب تأثير لا يُصدق، ففي واحدة من أهم أعماله، وهي قصة «سيدة على الدرج» من مجموعته «مجرى العيون» كانت المرأة القبطية توقف جارها، البطل، كل يوم في نزوله وصعوده، لتحدثه عن زوجها الراحل «لتتقدس روحه مع القديسين»، محاولة أن توصل له أنها لا تزال على إخلاصها له، وأول الإخلاص أن تتذكره، وأن تحيي سيرته مع الناس، والجار منهم طبعاً، لكنّ البطل يعلم، أن هذه السيدة تحترق في وحدتها، فقد مر عامان دون مؤانسة، أو لمسة، حتى أنها تعترف له أخيراً: «الوحدة صعبة، وأنا امرأة عندي بنتان في عمر الشباب، وأنت كما تعرف.. نحن لا نتزوج بعد أن يموت أزواجنا»، ولسبب ما يقاوم الراوي، ربما خوفاً من الميت، كأنه سيعود ليمثل به إن لمس زوجته، لقد ظل يقاوم كثيراً وحينما لمَّح للسيدة بأنه يعلم ما يدور في رأسها، نهرته قائلة: «هل تريدني أن أدور في الشوارع؟! أنا سيدة وأنت سيد العارفين»، لقد ظل الصراع بينهما حتى آخر لحظة، أو آخر سطر من القصة، فماذا يريد أن يقول الكفراوي؟ لقد كان بطل القصة الحقيقي الزوج الميت، الذي يراقب من مكانه في الصورة المعلقة إلى الحائط!
وما ينطبق على قصة «سيدة على الدرج» ينطبق على قصة «قمر معلق فوق الماء» من مجموعة «مدينة الموت الجميل» فلولا موت الأب، ما كان الصبي الراوي «عبد المولى» يُنتزع انتزاعاً من قريته، ليسافر مع عمه التاجر إلى المدينة، لولا موت الأب ما أجبر العم أمَّ الراوي – وهي في منتصف عمرها – على أن تكدح من طلوع الشمس حتى طلوع القمر. الموت بالنسبة للكفراوي هو ما يحدد مصائر الأحياء، وقد قرر الأب لابنه أن يعيش تجربة جسدية مبكرة مع جارته العشرينية «نبيلة». كان صديقها، وحبيبها من طرف واحد، بينما هي عشيقة مدرس الحساب. لقد ظل الراوي الصغير على حبه لفتاة تكبره بسنوات لكنه بعد أن رآها في حضن مدرس الحساب يكرهها، أو بمعنى أدق: يعافها، حتى وهي تمنحه جسدها كاملاً. لجأ الراوي إلى الصلاة والإنشاد، ثم هجر المسجد، وقرر الانتقام من العاشقيْن، برجم شباكهما بالحجارة، لكنَّ الأبَ الميت على ما يبدو كان قد قرر وضع النهاية لمغامرة ابنه وجموحه، وهكذا طرده العم، ليعود خائباً إلى قريته، ويرى أهل بلده في موقف السيارات يتجمعون حول مقاطفهم وأمتعتهم الفقيرة. عرفهم وعرفوه فاندس بينهم، وظل يبكي.

ويقدم الكفراوي النوستالجيا في مجموعته «دوائر من حنين» باعتبارها سقوطاً في فخ الموتى، فهم يضعونك في زنزانتهم، وبالتالي لا تكف عن التفكير فيهم، واستدعائهم، وبهذا المعنى فأنت تعيش في الماضي غالباً، ولا تنتبه إلى ما يجري في الحاضر. يصدَّر الكفراوي مجموعته بهذه العبارات الدالة: «قالت لي جدتي قبل أن تغادر، لحظة أن شاهدتني أنتفض قرب النهر: ثق أن كل شيء ليس كما نراه. خذ هذا الدواء فربما يشفي قلبك، ويطهر روحك من الحنين. شربت الدواء فلم يبرأ القلب، ولم تتطهر الروح» وها هو سعيد الكفراوي أو بطله في قصة «شرف الدم» الذي لم يبرأ من الحنين، يذهب إلى المقابر ليشاهد بناء مقبرة العائلة، وتغوص قدماه في عظام الميِّتين. كانوا يكسرون سقف المقبرة القديم ليعيدوا بناءه من جديد، ويجمعون العظام في أجولة، محاذرين ألا تنكسر عظمة، أو تضيع جمجمة، فهذه أكبر إساءة للموتى، ثم جاء ابن العم وهو يقبض على جوال الجماجم وقلَبَه أمام الراوي على الحصير: «كانت موحشة وشائهة وقد اخترقها البلى والرميم»، كان الراوي يتعرّض لاختبار – على ما يبدو – من أهله المقيمين، عن أهله الرّاحلين، لكنّه نجح بشكل لا يُصدق، فقد عرف أمّه بنظرة واحدة، بعد أن تأمل جمجمتها مليًّا، فجوات العينين والفم والأنف، والجبهة الضيقة، والأسنان الثلاث الباقية في الفك العلوي. كان ينظر إليها وساعده الحنين على أن يعيد إلى وجهها الشحم واللحم وبريق الحياة: «برقت العينان بالحنان القديم، وتحركت الشفتان ببسمة طيبة منيرة. صحتُ: إنها أمي أمينة»، وتعرف الراوي كذلك إلى جدته «هانم» من فكها، فنصفه السفلي كامل الأسنان والعلوي خالٍ، ثم رأى «الطاهرة» – وفي هذه القصة كذلك جعلها أخته – و«أسنانها تضوي كحبات الماس» لكن القصة تذهب في اتجاه آخر حينما لا يجدون عظام أبيه، فيبدأ رحلة البحث عنه، في الممرات الترابية الخانقة المليئة بالكوابيس، ويكون المقصود من تلك الرحلة العودة إلى ماض أبعد، يستطيع فيه مقابلة الأب وهو يجلس كعادته ممسكاً بمسبحة من العنبر فوق الحصير.

كبر الكفراوي لكن بطله لم يكبر. مات الكفراوي لكن بطله لم يمت ولن يموت. وهو سيظل غالباً ذلك الفتى الصغير «عبد المولى»، المتلصص «الطيب» على العلاقات المحرَّمة، والبهجات الصغيرة، في عالم به الكثير من الخيبات الصغيرة والكبيرة، عالم تسيِّجه المقابر، ويمرح فيه الأموات في كل مكان، عالم يُشبه «بروفة» لما ينتظرنا حينما نغلق أعيننا للمرة الأخيرة. كان الكفراوي في قصصه نصيراً للعميان، والمعاقين، ومكسوري الخاطر، والعجائز، فقد أدرك الحقيقة، وحاول بقدر الإمكان من خلال قصصه، أن ينقلها لنا: أننا على بُعد أمتار من الرحيل، وإذا أردنا أن نعيش حياة أطول، إذا أردنا أن نبقى في ألعاب التذكر والحنين، فعلينا أن نكون أنفسنا، أن نكون بمنتهى البساطة: من البشر وحسب، وهكذا كان سعيد الكفراوي، وهكذا كان أبطاله.

شاهد أيضاً

سلاح وحيد.. ومعارك في كل اتجاه

حسن طلب هناك الكثير مما ينبغي قوله عن «أحمد عبد المعطي حجازي» ونحن نحتفل ببلوغه …