ولا أحد يعرف ذلك

جلست – بعد ثلاثين عاما- على مصطبة خشبية متآكلة الحواف.. بدت الساحة أمامي خاوية والأبنية حائلة الألوان.. حقيبة ملابسي بمحاذاة المصطبة, وإلى جانبي كيس به ما تبقى من طعام.. انظر إلى الشجيرات العارية من أوراقها- مع أننا في منتصف الربيع- وأجتر الصور التي اختزنتها ذاكرتي, فلا أجد أيما تطابق أو تشابه يوحي بملامح واضحة لما أرى.. كل شيء شائخ ومهترئ, وأنا أعود بعد ثلاثين عاما بجلد لم تعد خلاياه تتجدد.

السيارة التي أقلتني من عم ان الى بغداد رمتني إلى هذا المكان.. نزل كثير من الركاب وبقي القليل منهم.. ترددت قبل النزول وأنا أتطلع من نافذة السيارة.. قلت للسائق:

– أروم الوصول إلى »مدينة الثورة«.

رمقني ولم يعلق بشيء.. أنا من ناحيتي كنت أستعيد الكلام الذي قلته, فربما أخطأت في التسمية, ولما كانت عيناه ما تزالان تحدقان باستغراب فقد نزلت في ساحة مربعة الشكل.

كان عدد من الرجال يعرضون خدماتهم.. سائقون وحمالون وأطفال يبيعون العلكة والماء.. الجميع يتحدثون بطريقة سريعة وبمفردات لم تدخل قاموس ذاكرتي من قبل, حتى ليصعب علي  الإمساك بحروفها.. الوجوه غريبة, ممصوصة, والمكان الذي يفترض أنه (كراج العلاوي) لا أثر لخارطته القديمة… أخرج مساعد السائق الحقائب جميعها.. وبعد أن مضى الركاب كل صوب طريقه, رحت أتطلع في المكان.

أربعة مداخل تفضي إلى شوارع طويلة ليس لي من علم بنهاياتها.. مدخل رقم (1) يقف عنده عدد من الشرطة وتسد الطريق إليه دعامات كونكريتية.. حملت حقيبتي ولم ألتفت إلى أحد, فقد انتابتني مشاعر مضطربة من الوجوه المريبة.

كانت ثمة امرأة تهم بصعود سيارة أجرة, أسرعت إليها ورحت أسألها:

– كيف يمكنني الوصول إلى مدينة الثورة?

نظرت إلي  ولم تجب, بدت نظراتها كما لو أنها لم تفهم السؤال فأعدته ثانية, لكنها كانت قد استقلت المقعد الخلفي وأغلقت الباب بسرعة كأنها تهرب مني.

سياج الساحة ذات الشكل المربع واطئ.. تلوح من خلفه بنايات لمطاعم أو فنادق رخيصة.. بعد دقائق امتلأ الركن الشمالي بجنود ضامري الأجسام, يدخنون بشراهة.. جلسوا بالتتابع على السياج, لم يتبادلوا الكلام كما لو أنهم قالوا كل ما عندهم في الطريق ولم يبق الا انتظار السيارة التي ستقلهم, أو ربما هم منشغلون بالتحدث إلى أنفسهم.. هل هم عائدون من وحداتهم في أقصى الشمال ويرومون الوصول الى بيوتهم في الجنوب? أم انهم ماضون الى تلك الوحدات?

انتبهت إلى صبي يقارب العاشرة, يرتدي بنطلونا قهوائيا مهترئا في الركبتين, وقميصا أكبر من مقاسه. لم يقل أي شيء.. فتحت الكيس وناولته برتقالة وقطعة بسكويت.. ظل ينظر إلي  للحظات قبل أن يمد يده ويختطف ما بيدي ثم يهرب خشية أن يراه أحد, كما لو أنه قام بالسرقة.. ومن حين لآخر يخرج أناس من أحد المداخل ويقطعون الساحة نحو المداخل الأخرى.. أناس عابسون متشنجون.. ودخل اثنان في معركة فيما كانت امرأة تقف قربهما, ترتدي ثوبا لماعا وشعرها أحمر طويل يصل حد الخصر.. وبينما هما يتبادلان اللكمات والكلام القبيح انسلت هي الى المدخل الذي يحمل الرقم (2).. كان الوقت يمر سريعا والليل يتسلل ليغطي الفضاء والأشياء.. قلت: لابد لي من معرفة المكان الذي انا فيه, ولكي أعرف ذلك علي  أن أسير بضعة أمتار لأستطلع الطريق الصحيح.. وحتى لا أتعرض إلى ما لا تحمد عقباه لابد أن أتحاشى السؤال.

حملت حقيبتي ومضيت صوب المدخل الذي اختفت فيه المرأة ذات الشعر الأحمر والثوب اللماع.. كان علي  أن أمر بدروب ضيقة قبل أن أصل الى شارع عريض تضيئه فوانيس معلقة على أعمدة متوسطة الطول..

لا ادري إن كان الضوء المنبعث منها بفعل الزيت أم انها مصابيح كهربائية على شكل فوانيس.. شاهدت لافتات كثيرة تبارك الثبات على المبادئ والانتصارات العظيمة, وصورا تزين الأعمدة وواجهات البيوت لرجل واحد بدت عليه ملامح الصرامة, وزينة من سعف النخيل والأوراق الملونة.. نوافذ البيوت بعضها مضاء والكثير منها مطفأ… وفيما كنت أحاول استيعاب المشهد نبح كلب من وراء سياج طيني فألقى الرعب في أوصالي.. عدت خطوتين كيما أكون متحفزة إذا ما هاجمني, مع أنني لا املك الشجاعة في مثل هذه المواقف.. فكرت بالرجوع إلى الساحة في الوقت الذي خرج رجل كهل من أحد البيوت فهممت بمناداته لكنه عاد مسرعا إلى البيت الذي خرج منه كما لو أنه نسي شيئا.. لم يخرج برغم مرور وقت طويل.. هذا يعني انه لم ينس شيئا, ربما فض ل البقاء في ذلك البيت حتى الصباح.

كان عدد الجنود قد تزايد, وتوافد آخرون بعد دقائق.. وثمة ركاب جدد ينزلون من احدى السيارات ويتجهون إما إلى المداخل أو إلى سيارات الأجرة المرصوفة في أحد الجوانب.. سرت الى المدخل رقم (3) وما ان اجتزت الممر المحاط بجوانب صخرية حتى وجدتني أمام بيوت بائسة من الجينكو والصفيح, تنبعث منها روائح عفنة, ويتسرب دخان المواقد من بين شقوقها.. مشيت بضعة أمتار وأنا أتساءل: أيمكن ان يكون الأمر قد التبس على السائق فأنزلني في المكان الخطأ?.. أتذكر أن صوتي كان واضحا حين قلت له: أروم الوصول إلى مدينة الثورة.

صحيح انه حدق إلي  باستغراب مما حدا بي الى تكرار الكلام خشية أن يكون الرجل ثقيل السمع, لكن مساعده أسرع وأنزل الحقائب, وهذا يعني أنها المحطة الأخيرة التي أعرفها منذ ثلاثين عاما, والتي تتفرع منها الدروب الى المدن الصغيرة ومنها مدينة الثورة. كل ما في المكان ليس له علاقة بكراج العلاوي, ولا بأي مكان اعرفه سابقا.. وبما أن المدن كما البشر تشيخ وتهرم وتتغير, فقد ايقنت ان ما حدث خلال هذه السنوات كفيل بطمس ما كان قائما .

دلفت إلى ممر شبه معتم, ينتهي بمكتب يجلس خلفه شاب ملامحه لا تنم عن عافية.. كنت قد قرأت اليافطة (فندق الذكريات).. فوجئ الشاب بدخولي واندهش من طلبي حين قلت:

– غرفة من فضلك.

لم أسأل عن أجرة المبيت ولا عن الخدمات.. أردت فقط أن اريح جسدي من ساعات السفر المضنية, وأنقذ نفسي من الليل الذي تغلغل في كل شبر من المكان.

– لا يسمح بايواء النساء.. هذا فندق يؤدي خدمات سريعة للجنود فقط.

لم أجد الرد, لكنه أردف:

– يبدو انك غريبة, ولذلك يمكنك البقاء حتى الصباح, برغم انني اتجاوز التعليمات وقد أتعرض الى عقوبة الطرد.

أردت أن أقول إنني لست غريبة.. انا ابنة هذا البلد, وما إن هممت بالكلام حتى راح يسعل سعلات حادة, ولما انتهى قال:

– الدفع مقدما

أخرجت ورقة من فئة (مائة دولار).. نظر إليها وقبل ان يفتح فمه قلت:

– وصلت توا ولم يسعفني الوقت للتصريف.

مد يده وأمسك بالورقة بأصابع مرتعشة.. ثم قام من خلف المكتب ليوصلني إلى الغرفة.

***

مذ اخبرني الطبيب الهولندي بأن المرض الخبيث يسري في جسدي قررت العودة, لأجد لي قبرا إلى جانب قبور أهلي.. لم اسقط قبل هذا الوقت في فخ الحنين, حتى انني لم أحمل معي صورا حين غادرت بلدي, الصور تذكي جمرات الذكرى, وأنا اريد أن أبدأ حياتي بعيدا عن عذابات الماضي.. كنت قد نجحت في إبعاد قلبي وعقلي عن كل ما يجعلني عرضة لموت بطيء, تأقلمت مع الناس الغرباء في البلد الغريب.. وأصبحت فيما بعد أتباهى بكمية المفردات التي أتقنها من لغتهم.. اشتغلت وأحببت.. حلمت بتكوين أسرة كثيرة العدد تعويضا عن أسرتي التي ماتت تحت انقاض البيت إبان حرب الخليج الثانية.. ومرت عشر سنوات قضيتها مع زوجي, لكن عددنا ظل اثنين برغم المحاولات المتكررة مع أشهر الأطباء.

لم يكتف القدر بذلك بل أخذ زوجي إلى جوار الرب وتركني أصنع من ذكرياتي زادا أعتاش عليه فيما بعد.. ومع ذلك لم أقع فريسة الماضي.. كنت أقبل على الحياة بعد كل عثرة بارادة أقوى.. تخللت حياتي صداقات حميمة وأسفار كثيرة.. وكان الوطني يأتي على خاطري مثل حلم جميل لا يقف طويلا ولا يستوقف.. يمر كما تمر وجوه الناس الذين تجمعهم صحبة طريق ما تلبث أن تنتهي.. هكذا دربت حواسي وأتقنت لعبة النسيان أو التناسي في زخم سنوات أخرى لم أعد أيامها…. لكن, منذ أخبرني الطبيب الهولندي بحقيقة مرضي, فتحت الذاكرة أبوابها وأزالت الركام رويدا رويدا, فقام الحنين من مثواه وأعلن عن سياط ناره, صارت مقبرة النجف تتراءى لي كما لو أنني تركتها بالأمس يوم دفنت جثث أمي وأبي وأختي الصغيرة.. لا أريد لجسدي أن يستقر بين الغرباء.. هذا ما عزمت عليه, وهذا ما حملني الى هنا.. لابد أن السائق أخطأ المكان.. غدا صباحا, حين ينجلي الليل سأتبين الأمر.

سحبت الغطاء على نصف جسدي وأغمضت عيني.. أصوات بساطيل تصعد وتنزل على السلالم.. همهمات وغناء متقطع يعلو وينخفض.. نمت نوما قلقا وعندما سقط ضوء الشمس على وجهي أفزعتني لحظات الصحو, فقد كنت أتعذب بكابوس مرعب.. رجل يدفعني من قمة جبل ليلقي بي إلى أسفل الوادي, وأنا أصرخ, لكن أحدا لا يسمعني:

– الحمدلله إنه الصباح.

بساطيل الجنود تنزل السلالم مرة أخرى.. أصواتهم تعلو دون ان التقط أيما مفردة منها.. أسرعت الى النافذة فتحتها فهالني ما رأيت.. النافذة تطل على مقبرة شاسعة ليس لها حدود.. قبورها بلا شواهد.. فركت عيني لئلا أكون ما زلت أحلم..

لم أكن أحلم.. لا أتذكر مقبرة بهذا الحجم.. أيمكن أن يكون قد مات في بغداد وحدها كل هؤلاء خلال الثلاثين عاما الماضية? هذا يعني ان مقبرة النجف- وهي أكبر مقبرة في العالم- قد اتسعت هي الأخرى, وربما امتدت الى البيوت والشوارع.. يا إلهي.. أين يمكن أن أجد قبور أهلي? وماذا عن اقربائي.. من يتحمل وزر امرأة جاءت لتموت بينهم.

***

عدت إلى الساحة.. هي الوحيدة التي يمكنني أن أعرف من خلالها موطئ قدمي.. كانت النسوة قد انتشرن في الزوايا.. يقدمن الشاي والقيم بينما أفواج الجنود ما زالت تتدفق.. عربات للأكل السريع وأكشاك سجائر وأطفال يبيعون العلكة ودراويش يحملون الأدعية المستنسخة ويتوسلون الناس لشرائها.. وجوه.. وجوه.. وجوه.. شاحبة مصفرة, معصورة, مغبرة.. ولهجات من كل صنف ولون.

جلست قرب امرأة مسنة.. شربت الشاي وطلبت (لفة قيمر).. لا متسع من الوقت لأسألها.. أصابعها تعمل بسرعة عجيبة, والجنود يشربون الشاي على عجل.. شاحنة عسكرية تخرج من المدخل رقم (4) يتحلق حولها الجنود.. تمتلئ وتمضي بهم.. إلى أين?.. لا أدري.. وشاحنة ثانية.. وثالثة..

حين فرغت المرأة سألتها:

– ما اسم هذا المكان?

أجابتني بسؤال:

– هل انت غريبة?

ترددت ثم أجبت:

– نعم.

قالت:

– انه كراج الثورة

لم اتذكر كراجا بهذا الاسم فعدت لسؤالها:

– هل تقصدين مدينة الثورة?

رمقتني المرأة بدهشة ثم قالت:

– انت تتحدثين عن مكان لم يعد له وجود.

– كيف?

تلفتت كما لو أنها خائفة من شيء ما قبل ان تقول:

– مادمت لست من هذا البلد فسأبوح لك بسر.. انا من مدينة الثورة.. أو بالأصح من الذين نجوا من المذبحة سألتها والذعر يتملكني:

– أية مذبحة?

زمت شفتيها وراحت تصب الشاي لرجل عابر.. ظلت صامتة حتى انتهى ومضى.. قربت رأسها من اذني وقالت:

– ألم يسمع العالم بنا? إنها اذن لخسارة كبرى.. خسرنا الحياة ومتنا قبل أن نموت.

تلفتت ثانية وهمست:

– كنت خارج المدينة عندما أحاط بها رجال الحاكم.. ألقوا عليها السموم من الطائرات وانتهى كل شيء خلال ساعات قليلة.. انت قريبة الآن من المدينة التي كانت.. إنها اليوم مجرد مقبرة لا تحدها عين.

وأشارت بيدها

– انها خلف ذاك الفندق.. قبور لا تحمل اسماء أصحابها.

سكتت ثانية.. بدا وجهها المتغضن أكثر شحوبا وغارت عيناها.. ثم نظرت إلي  وقالت:

– محظوظ من يجد له قبرا يحمل اسمه.

سألتها:

– لماذا فعلوا بكم ذلك?

قالت- وهذه المرة لم تلتفت- الفقراء دائما حطب الحكام, مع انهم يأتون الى الحكم محمولين على اكتفاهم.

***

القبور هناك مزدانة.. تظللها الأشجار وتحيط بها النباتات المزهرة على مدار الفصول, حتى لتبدو المقابر مثل حدائق غناء.. أليس من الحكمة ان أجد لي مكانا قرب شجرة, الى جوار زوجي? بين اصحابي الذين عشت بينهم ثلاثين عاما?

كنت قد دفنت زوجي بين شجرتين أغصانهما متشابكة من الأعلى كأنهما تعقدان اتفاقا على حمايته.. سيجت قبره بإطار من الأزهار ونقشت على شاهده (سنلتقي في الجنة).. وعلى عكس ما كان لي من الأماني في تلك البلاد الغريبة, يبدو أنني مضيت إلى الجحيم.
 
هدية حسين قاصة من العراق

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …