أخبار عاجلة

يحيى الطاهر عبدالله حكاية للأمير حتى ينام

يعدا لقاص يحيى الطاهر عبدالله الأسماء القصصية اللامعة التي أكدت منحى جديدا للقمة الحديثة، فهو وان غادر عالمنا الأرضي هذا، ما يزال أحد الأصوات الستينية المؤثرة في القصة العربية، الصوت الذي أنبت مفرداته في أرض مصر، فاستخلص منها ميثولوجياه الخاصة من ميثولوجيا مصر. ومازلنا نتذكر قصته القصيرة -الطويلة "الطوق والأسورة" التي أنشأت فكرة مصرا  لمعاصرة من خلال رمز امرأة نشأت وحملت في معابد مصر القديمة.

في هذه الحكايات يعود يحيى الطاهر عبدالله الى المناخ نفسه ولكن بإطار تجريبي جديد، هناك يقظة أسلوبية، يمارسها الطاهر عبدالله في كل تجربة قصصية له وهذا ما يميزه عن أقرانه القصاصين، ونعني بها تغييرا جوهريا في إطار السرد بنقله من إطار الراوي المهيمن الى اطار الرواة المشاركين، هذه الطريقة تعيدنا الى مفهوم النثر البارد في القصة الأمريكية: أي هيمنة الكلام المباشر على مسار السرد. فالمشاهد الحياتية التي نمر بها يوميا دون أن تكون مؤسسة للدخول في أي نص، هي نتاج الحياة اليومية، الذي نشترك جميعا في تكوينه، فكل الناس بمعزل عن درجاتهم الاجتماعية يمارسون هذه النثرية الحياتية. القصة الامريكية انتبهت اليها مبكرا، وخاصة في قصص سالنجر، لتصبح طريقة فنية تمهد لقيام الرؤية الشيئية اللاحقة في القصة الفرنسية.

إلا أن ما يميز القصة الفرنسية وخاصة الرواية الجديدة على يد آلن روب غرييه ونتالي ساروت وغيرهما، أنهم أضافوا لها بعدا فلسفيا أتى اليها من المدرسة "الظاهراتية" التي وجدت في مقالات مرتو بونتي وهوسرل ما يفيد بتحويل العياني اليومي المباشر من خلال النظر، الى فن سردي ويشترك في صياغته القاريء أيضا.

ولدت هذه الأرضية "الحساسية الجديدة" المصطلح النقدي الذي لادنت القصة المصرية أكثر النتاجات القصصية العربية انتباها لها وقد نظر لها نقديا القاص ادوار الخراط وطبقها قاصون معروفون من أمثال ابراهيم أصلان وعبدالحكيم قاسم ومحمد البساطي ويحيى الطاهر عبدالله وآخرون.

إلا أن ما يميز "حكايات للأمير حتى ينام" هو استعارتها للميثولوجية المصرية الشعبية، وهو ما يطبعها بطابع تاريخي شعبي، وكان الزمن الحاضر كائنا في تلك اللغة المبهمة البريئة التي يتداولها الناس في أحاديثهم عفوا، في حين أنها تحمل في داخلها قوة معرفية لحياتهم اليومية المعاشة، إن القاص يميل للتعامل مع أعقد المشكلات بوساطة الكلام البسيط والعادي واليومي، ولكنها المحمل بدلالات تعبيرية شفافية آتية اليه من خبرة القاص في تحويل العادي الى فني. هذه اليقظة الأسلوبية التي جسدها يحيى الطاهر عبدالله، في قصصه وعدد من القاصين في رؤيتهم المعاصرة لأحداث مرت على المجتمع اخربي، كانت تستدعي أحداثا معاشة ولكنها مبهمة، تمت في مرحلة غياب للوعي الوطني كالاختلال العسكري للأرض العربية، أو الغزو الأجنبي لبعض قطاعاتها، أو البعثات التبشيرية التي تمتزج بين الدين والسياسة، أو المنقبين عن الآثار القديمة بحجة كشفها أولا ثم سرقتها..الخ هذه المناخات التي تحتمل الوضوح والابهام أعطت للقمة المعا هوة رؤية أكثر دقة لقياس الظلال التي خلفتها تلك الأحداث على المجتمع المعاصر.

فالأمير ليس إلا استعارة للحاكم العربي الذي يجد في النوم الوسيلة الوحيدة التي يتعرف بوساطتها على ما يجري لمجتمعه، ومادمنا لا نحكم إلا ونحن نائمون فصوت شهرزاد ما يزال يرن في أسماعنا ليغمض أعيننا عن الحركة الدائبة للحياة. في حين أن العالم يتقدم باليقظة متجاوزا حتى نفسه، إن الكشف عن الوعي المستلب هو غاية القاص في هذه الحكايات التي  يختار المؤلف بطلا لها هو "الأمير" مجردا من أي لقب أو بلد، ومعه ثمة أسماء دلالات مثل: الشيخ المسن، رامزا به الى التاريخ أو الى الخبرة، والمرأة الجميلة رامزا بها الى الغو اية والأم، والطفل رامزا به الى المستقبل والفلاح رامزا به الى الأرض،… الخ. اضافة الى أسماء أخرى من قبيل عبدالحليم رامزا به الى الحلم والوداعة والولد الغائب رامزا به الى البعد والهجرة، والخرقاء رامزا بها الى الخروج على منطق الحياة..الخ ولأن فن القص عند يحيى الطاهر عبدالله لا يسير باتجاه عادي للقص، بداية ووسط ونهاية، لذلك جاءت استعارته لرواة ثلاثة يروون ما يحدث من وجهات نظر عدة بمثابة الوقوف على الحدث من أزمنة وأمكنة مختلفة كي يدلنا القاص على أن أي حدث لا يكتمل الفعل فيه إلا من وجهات نظر متباينة.

فصفية بنت الفلاح الفقير لا تملك إلا جمالها، كواجهة اجتماعية وذاتية لها تعلنه للناس بوصفه هويتها، هذا الجمال الاستثنائي يستدعي بالضرورة الفنية أميرا، وإلا لم يكن لوجوده من مبرر، والأمير ليس إلا ذلك الحاكم الذي لا ينزل الى الشارع ليرى ويستطلع أحوال شعبه، فهو قرين للنوم، والنوم يستدعي نط الحكي، ومكانه القصر،، وعندما تستوي معادلة القص عند الطاهر بين الجمال الشعبي المتفرد، والأمير المعزول في القصر، لابد من لقاء يجمع بين الاثنين، عندئذ يطلب الأمير صفية ليراها، وما إن يردها حتى يخطب ودها. الود في مفهوم الحكاية، هو الشيء المفقود بوجودها في بيئة فقيرة، والقاص يحاول جعل هذا الود المقترن بوجاهة القصر والأمير، الثيمة الحكائية التي لا تروى إلا من وجهات نظر عدة:القاص، وهو الراوي الأول يحاول تقديم ما يجري بحيادية يروي بها حال الاثنين: الأمير وصفية وكأنهما من عالمين مختلفين: القرية والقصر، وصفية وهي الراوية الثانية تحاول تقديم الحدث كما لو كان لا يخصها لوحدها بل لكل بنات جنسها، والبطل الذي هو الراوي الثالث الذي يقدم الحدث كما لو كان حدثه الخاص، كل هؤلاء يقيسون لنا المسافة بين فكرة الجمال لصفية، ووجاهة أمير لا يعلم من واقع شعبه شيئا. ولم تكن صفية في الحكايات إلا رمزا لشخصية مبهمة هي شهرزاد أو أي امرأة تملك من الارث الشفاهي ما يؤهلها للقول الواضح، فالقاص يتعمد أسلوبيا لأن يجلب لحكايته شخصية تمتلك غرابة ما، فهناك: الخواجة أو السائح المسلح بالمعرفة، أو شخصية أجنبية احتلت مصر، أو عسكري أجنبي يتحكم بالناس، ومعهم عاداتهم ولهجاتهم وتقاليدهم، والى جوارهم ابن مصر الفرح والأرض، الصوت الشعبي المختزن لكل التواريخ الصغيرة وما إن يجتمعا في بيت القصة، حتى تتحول الى حكايته القديمة التي تقال بلغة معاصرة الى حكاية معاصرة، لأن ابن القرية في عرف القاص يحيى الطاهر عبدالله هو الصوت النقي الذي مازال يحفظ مصر في ذاكرته تعويذة لا تقبل أن تمس بأي دنس من أجنبي ما. – كل الحكايات تحدث في القرية وضواحي المدن – مما يعطيها بعدا فنيا متوازنا مع البعد التاريخي لها. فيمتلك فن القص صدق الرؤية لما جرى على أرض مصر خلال الأزمنة المتأخرة والحكايات السياسية لا تقال إلا بلغة شعبية، تعودنا على سماعها على لسان ابن الريف الفصيح الذي يصبح وعيه البديهي – الفطري في معاينته لما يجري لمصر من خلال حكامها الذين ينامون ولا يفعلون هو الطريقة الفنية الحديثة. إن هم الأمير هو سماع حكايات ترويها له شهرزاد معاصرة – ابنة الريف – والوعي الفطري أسلوب لطرد أي أجنبي محتل، فما كان من ابن الريف إلا السعي لطرد هذا المحتل بآليات دفاعية ذاتية ممثلة بالرؤية الناقدة والرافضة لما يجري أمامه، ولذلك ما إن يبدأ الأجنبي السائح أو المنقب في الأرض بحثا عن آثار قديمة أو تراث وتاريخ، حتى يتساءل الفلاح المصري عما تخبئه أرض مصر من كنوز، هذه المفارقة بين فلاح لا يعرف عن أرضه إلا سطحها، وبين أجنبي يعرف باطنها، بمعرفة علمية متقدمة، تبدأ الحكاية لتصبح مادة القص لهذه الحكايات. أما القاص فيقف بين الاثنين ليروي لنا هذه المفارقة، ومن داخل لفتي القص المختلفتين، البساطة والعفوية واليومية المشبعة بالسكونية ومتطلبات العيش لابن الريف، وبين لغة العلم والغرابة والمشحونة بالمعرفة، وبسلوك غير معتاد للاجنبي السائح والمنقب عن الآثار: فالقاص يرى ابن مصر أرضا بكرا لم يعط بعد ما عنده، في حين لا يرى الخواجة إلا متسلحا بالعلم، فما كان من القاص إلا أن يعمق هذه المفارقة المعرفية ليجعل منها اطارا عاما لفعل الحكي، انه هنا يعيدنا الى دور الشفاهي في فن القص وهو الدور الذي اختفى بفعل الأساليب الحديثة التي لا تركن الى قرار أسلوبي يدخلنا الى بيت القصة الحديثة. من هنا جاءت الحكايات مستبطنة للماضي من خلال الحاضر، – وهذه طريقة فنية عمد اليها قاصون آخرون مثل جمال الغيطاني ومحمد خضير وآخرون.
 
 
ياسين النصير (ناقد من العراق)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …