المونودراما أو المسرح الاقتصادي

عبيدو باشا‬*
لم تخمد نار المسرح، لا تخمد نار المسرح، لن تخمد ناره، مذ علق به المسرحيون ، مذ وجدوا به سعادتهم ، مهنتهم ، حياتهم ، مشرقهم ومغربهم، إلا أنهم حين ينظرون إلى وجهه ، الآن، لا يجدون وجوههم في وجهه، أو يجدون شرفة واحدة من شرفاته الكثيرة، بعد أن نحرت الشرفات الأخرى، بدلائل الإرهاص العام بالأزمة الاقتصادية. دراما واقع الأمر، دراما الميلاد الجديد، لأنّ المسرح واقع المسرح ، لا خيال المسرحيين وحدهم. لم يضحِّ المسرح بناقة مسنة لم تعد ترشح بشيء، لم يضح المسرح إلا مادة السيرة في محطةٍ من محطات سيره الكثيرة، بعد أن تراجع نتيجة جروحه ، بوصف مختصر . شق بطن المسرح، ليخرج حديثه الجديد، بعيداً عن الفضاءات المكرسة وبعيداً عن المحاربين. محاربي الفضاءات المكرسة. حديث المسرحيات ، حديث بعيد عن الأرهاط، بعيد عن ملكات الإخفاء والكشف طبقاً للتواريخ القديمة ، حيث استبدلت الدرفات بالدرفة الواحدة. والجماعة بالفرد، بعيداً عن حضور الجماعة بالمسرح ، كما وقع بالمسرح الروماني حوالي ١٠٠ قبل الميلاد. ما عادت الجماعة أساسية الحضور بهذا الفن الجماعي. المسرحي اليوم كعامل الكهرباء، فردٌ، خشبة غير قابلة لإعادة التشكيل، من غياب الممثلين أو مصاعد المسرح. سوف تراوح العمليات أمام رفع السقف للسماح بحضور تقنية التعليق والطيران . تعود التقنية هذه إلى القرن التاسع عشر . تطورت تطوّراً هائلا بآواخر التاسع عشر ، ولا تزال .. لا يزال المسرح يعتمد على الماضي بدون أن يتطلع إلى المستقبل . ثمة أمية تدفع الكثير من المسرحيين إلى المراوحة أمام النظام المتعدد الوصول والمتعدد المستويات وهم يعتبرون أنهم بذلك يكرسون تقنية جديدة لصالح المسرح الجديد . مسرح الواحد وسط الفضاء المخصص من خلال هندسة المسرح المعمارية . تغييرمناظر مع رجل أو امرأة ، يضحي الممثل أو الممثلة معه، خشبة أو رصيفاً يقدر على استيعاب موقع عرض كامل. نظام أتمتة ، نظام إرهاب بغياب دواعي الاستخدام لأكثر من فرد.
لا إرهاب بالمسرح. المسرح صوت الجماعة، هذا كلام إحساس، كلام الألم ، كلام صنف يراوح بين انتقاع الوجه والابتسام لا الضحك . المونودراما كاهن المسرحيين، تقودهم إلى الإضجاع غير اللطيف على ما يزنه الشخص على منصّته، لا على ما تزنه المجموعة. لا رواية هنا، هنا نوع من أنواع رشد المسرحيين أمام ما يزنه الشح، ما تزنه ندرة المال بالمسرح وقوة المال على المسرح. المونودراما التماس ، لا خيار. طيران حيال السماء ، إلا أنه طيران غلام يبحث عن زمرّدة خضراء، حين لا يجد إلا الثلج، يدخله في جوفه لكي يبرّد نار القلب ،وإذا وجدها ظن أن لا عليه سوى أن يختمها بالنور، لأن المسرح نور على نور. نور المسرح اليوم كهرباء لا نور، عربة وسارية وأخدود، لا ميلاد الجماعة بالمسرح وميلاد المسرح بالجماعة. المونودراما عنق المسرح المضروب، روح المسرح الدوارة على الدائرة لا المركز. لن يحصل الجمهور على تجربة مسرحية جديدة ، قدر ما يحصلون وصف المسرح بطرق يراها البعض مهمّة ، حين يراها البعض بدلاً بدون بدل. لا رواية بالمونودراما إلا رواية موت المونودراما بالمونودراما ، مونودراما واقعية كالواقعية في مسرحية abydos passion في مصر القديمة. إذ نجد وصفاً مختصرا لكيفية تنفيذ المسرحية في وثيقة ترجع إلى ٢٠٠٠ ق.م. أدى الممثلون وحاربوا على مركب أوزيرس بواقعية ، بحيث أن العديد من الممثلين المحاربين ماتوا نتيجة جروحهم ، طبقاً للمؤرخين اليونانيين . موت المونودراما موت جاهز ، جراء واقعيتها الاقتصادية. واقعية الشق الاقتصادي أو الخندق الاقتصادي. المونودراما ماكينة إخفاء بالعصر الاقتصادي الساحق العصر المسرحي الهش. لا شيء في المونودراما إلا وهم تحسين شروط السلامة والأمان .
المونودراما مفرق على صدر المسرح. ثمة من يحشد كل اللحظات المسرحية العليا بالمونودراما بدون التمتع بالميزات الصوتية المقنعة. ثمة من وجد هذا الأمر بالمونودراما بدون قدرة على رؤية العرض بشكل أفضل . ثمة من يجد بالمونودراما إحكامه الاتصال بالجمهور . ثمة من يجد أنّ المونودراما مسرح وسيط. ثمة من وجد بالمونودراما مؤسسة ارتباط ذاته بذاته. ثمة من وجد نفسه بالمونودراما، بدون أن يجد المونودراما برواياتها وشمولياتها وتفصيلاتها. ولو أن المونودراما لا تتجه ، لاستقصاء لحظات تأسيس جديدة واستكناهها، بعد أن وصلت كما يصل الغاز إلى المنازل ببعض المدن بأوروبا. المونودراما ، حتى اللحظة ، عالم منظور وغير منظور ، من وجودها لا على الشهادة ، من وجودها على الحاجة. حاجة الفصل بين جماعتين ، حاجة الفصل بين المعطى والمعطى . المعطى الاقتصادي والمعطى الإبداعي . عالم غير مألوف ، حتى إذا كثر العمل على المونودراما. لأنّ المونودراما تتميز عن الأخرى ، إذا تميزت ، تتميز بمستواها المنخفض . لأنها لا تؤدي إلى ما يحدد مدى القدرة على التحكم بالتقنية واستخدامها في ابتكار أشكال تقوم على المعرفة لا على التسلسل . لأنّ المونودرامات سلسلة واحدة من فرط التطابق في المكنات وتوجيهها.المونودرامات مونودراما واحدة تختلف الواحدة عن الأخرى بقوة الممثل لا بقوة المعالجة. هكذا ، وجد قراء المونودراما بالمونودراما ملامسة حجر لا ملامسة شجر. لأنّ مصدر المونودراما والأعمال المسرحية ذات الصدر الضيق على الأعداد الواسعة الشغالة بالمونودراما ، حسر الستار عن المونودراما. بحيث لم تعد تحتاج إلى تصنيف ، قدر ما تحتاج إلى ترتيب . لا من الألفة ، من كثرة التشبه والتشبيه. الاتصال بالمونودرامات الأولى ، وقوف على ظاهرة المونودراما . وقوف على نجاح الظاهرة مع رفيق علي أحمد في لبنان وزيناتي قدسية في سوريا والتسليم بها مع مونودرامات عبد الحق الزروالي بالمغرب. ثم تقديم المونودراما على مساراتها الداخلية مع كمال التواني وزهيرة بن عمار وغنام غنام وأسما مصطفى وكل من وجد بالمونودراما منتجاً بعيداً عن القيود والتعقيدات ، حيث لم يعد بمستطاع سوى قلة من البشر الحصول على ميزانيات بحدود ، يرى إليها كمقرر لجودة العمل الفني ومداه . المونودراما ذات شأن عظيم عند الجميع وبجميع البلدان. خروج الطفل من الأرض ، لكي يصنع طريقه. إلا أن الإشكال الكبير هو في مواصلة ترديد تقنيات البعث أولاً، الإيقاع من ثم . الترداد تحطم . ترجيع البعث وترجيع الإيقاع. المونودراما سطر طويل من المونودرامات ، تتدبر أمورها بالحض لا بالتصور، تصور يقوم ، بعدها يترسخ. المونودرامات مونودراما واحدة، المونودرامات بيانات لا مصوغات . المونودرامات بلا أبجديات . رجل على منصة ، امرأة على منصة، رجل وامرأة على منصة ، بعيداً عن الرموز اللغوية. لم يقم الإقتصاد المخنوق ثورة ، لم يصنع ومضات دلالية ولا ذبذبات ولا موطن يعيش حال مخاض. حالات فردية تحتكر دائرة المسرح، دائرة أرض المسرح ، بعيداً عن التناص، بعيداً عن الترقب، أنوثة اللغة ، ذكورة اللغة، خلخلة النسق، تغيير زوايا الالتقاط، الانتظام الخطي للعلامات اللغوية عبر التفكيك وإعادة البناء.الأرض دحاها . مونودراما خلقت قبل أن تخلق السموات والسنوات، قبل أن تخلق الأرض. توظيف محض اقتصادي ، لا يسقط ولا يزيد حرفاً على حروف المسرح . هبوط مركبة فضائية على كوكب بعيد. لا مال ، لن يكبح أحد جماح الأعمال الفردية إذن . طريق لا تقود إلى حساسية جديدة . فوضى مرئية ، فوضى ترن كما يرن الهواء بدورانه العنيف. بأجندة الدورة الأولى للمهرجان الوطني للمسرح اللبناني( بالشراكة بين الهيئة العربية للمسرح ووزارة الثقافة بلبنان / ٢٠١٨) ست مسرحيات ومونودراما واحدة : شخطة ، شخطتين لباتريسيا نمور . هيمنت على المسرحيات ، بطرق مطلقة، الأعداد المعصورة على خشبة المسرح وبالكواليس. “البحر لا يموت” لأنطوان الأشقر مع ممثل وممثلة. الدكتاتور لسحر عساف مع شخصيتين . البيت لكارولين حاتم مع ممثل وممثلتين. معالجات اقتصادية في شبكات قراءة كسحها عصر العولمة،عصر تنامى بسرعة هائلة وسيولة في مسار لا يقوم بالدرجة الأولى على النضج وما يتيح من تكيف الأبحاث مع الوسائل والوسائل مع الأبحاث، في مركزية حاسمة ، حين يقوم على الضجيج والمنبهات وربط الفرد عضوياً بالمفهوم الفردي، لا المفهوم الجماعي. نجاح بتقسيم الزمن ، نجاح بالعودة إلى الساعات الرملية في زمن العشق غير المشروط للحداثة والتحديث. ساعات رملية ، تقذف العنف الاقتصادي في وجوه المسرحيين ، عنف بلا فضاء . عنف مكتوم،عنف اللحظات المُرَّة . يعيش العنف الاقتصادي ويعمل على نصر الفرد على الجماعة وعلى سيادة التعقيدات المفهومية في أبسط الأشكال. خضوع لا يملك المسرحي الحرية ولا ملكة التواجد على شروط المسرح ،لا انخراط بالمسرح إلا عبر الأنماط الفردية أو الثنائيات والثلاثيات بالحدود القصوى.المونودراما فن الكون الجديد، الكون الاقتصادي.المونودراما فن كسول ، بدون حصر الكسل بكل العاملين بالمونودراما . الاقتصاد قوى المسرح المقدسة . لا عالم المعرفة والعمل. حكم غير قادر على تغيير الأدوار بصورة نهائية، لأنه يتدخل ولا يحكم، الحكم حقل مغلق بالمونودراما، قوام بلا تقاليد، حيث لا ملعب يتخاصم فيه الفلاسفة. حيث يفهم الجميع أن التلاعب بالإضاءة لا يقدم الحلول المبتكرة . المسرح قارة هائلة تغطي حاجة للتشكيلات الفنية الواسعة ، وحين أن المونودراما تعبر عن سيطرة الرأسمالية الوحشية على العالم ، عالم قدّم نفسه قبل السيطرة الأمريكية كعالم أكثر غنى وعمقا من تعدده ، جاعلاً من التعدد معقله المنيع ، حيث التنوع فضاء المقاربات الإنتاجية المحفزة للخيال والإبداع. هول العولمة وفداحتها ، من انتصار المادة على الروح ومن انتصار الأعداء على الأصدقاء. حرب أكثر حنقاً وأقل مدى. لا كحرب المعسكرين ، حيث يحمي المعسكر نفسه بمفكريه المتفوقين على عسكرييه. أضحى المسرح أسير سيطرة الاقتصاد على المسرح وكل أشكال التعبير. ظاهرة تاريخية عملاقة تنيخ بثقلها على المسرح. هكذا أضحى المسرح الجماعي، مسرح الجماعة، أضحى مسرح الورشة غولاغاً . أو معسكر أشغال شاقة كما في العهد الستاليني ، لا تبادل أدوار، لا فلسفة ولا شعر إذن. تجريد كل خيانة ممكنة على عالم المسرح. الخيانة سجن الأعوام . سجن العام الجاري (٢٠١٩) مع صدور الأعمال، موجة موجة ، لا كموجة غامرة، صدورها بالكثير من المونودرامات والأعمال المكافحة بعدد قليل من الممثلين. يكاد المسرح يغلق عند هذه القضية، حين يكتب وجوده على الارتهان لهذا الصنف الوجودي. بروزنامة العام: مونودراما “مجدرة حمرا” لأنجو ريحان “وشوها”ليحى جابر آداء حسين قاووق. و”هي وهن” لمشهور مصطفى مع مروة قرعوني وحدها على منصة المسرح. و٣٦ شارع عباس حيفا، إخراج جنيد سري الدين ، آداء رائدة طه، خمسون دقيقة ، آداء سالي فواز . موت مؤبد لجيزال خوري، آداء صوفيا موسى. المونودرامات كثيرة، إنها تعيش في كون صغير بدون القدرة على أن تشكل ” الكون الصغير” بالكون الكبير . المونودراما لا فخر المسرح ولا ندم المسرح. لا حزنه الكبير ولا أكذوبته الصغرى، لم تخرج من بيئة ولا مصنع ، لم تخرج إلا من رحم الأزمة الاقتصادية. يسرح الفرد شعر المسرح بصنف يعتبره البعض جريمة فيما يعتبره البعض الآخر حلاً ، بعيداً من الأخلاق الزائفة.
الأب والابنة بعيداً عن التسويات ، بعيداً عن الاعترافات . جنوح ، لا يشبه جنوح قطار. لأن سكة المسرح واحدة ، حيث تعبر أرواح المسرحيين بشرايين الدم نفسها. لا يزال النمل يدبّ في المسام. الفودفيل وليد الحرب : صنف بلا خيال، إلا أن الصنف هذا تسلق الأعصاب كما يفعل الخوف . هوجة مفارقات ، هوجة مشقات وترويض المشقات بالركض على غير هدى ومباغتات بدون تنويعات لغوية، بدون تنويعات على لغة المسرح. صنف نعم الحرب بالحرب، حيث المواطنون حديد والحرب مغناطيس. لا فرص ضائعة. لأنّ فرص الهرب الضائعة هي الموت بذاته. اقتراب سريع من الحرب. المونودراما اقتراب سريع من السلام ، سلام حقبة إعادة الإنماء والإعمار بدون تصور ، حيث لم تلبث المونودراما أن وجدت نفسها ترقص مع حاملة الديناميت . اقتراب طائش، لم يلبث أن فقد متاعه بعد أن فقد الإنماء والإعمار متاعه ، وسط روائح غرقى المرحلة الاقتصادية. حين قامت المرحلة على القفز من اقتصاد الحرب الوحشية إلى الوقوع في رأسمالية السلام الوحشية، تحالف الإقطاع والفاشية المحلية والرأسمالية الوحشية، ساهم في تموضع الأفكار حول مغادرة التوابيت العسكرية إلى التوابيت الاقتصادية. بدا أن ثمة زعانف نبتت للكثير من الرأسمال المودع بالمصارف والخزائن اللبنانية. صنعت الحرب وهزائم الحرب وكلفها الباهظة الرأسمالية الجديدة. إذن : جرى ترتيب خراب يليق بالمهزومين على شفتي البلاد. خرجت المونودراما من حاوية الأوضاع الجديدة، كما طلعت عروض الرقص الحديث بمجتمع محافظ لم يقوَ على إشعار مصممي كوريغرافي الباليه وراقصي الباليه القلائل ، بسنوات ما قبل الحرب، بإشعار هؤلاء بحق الوجود . من جورجيت جبارة إلى جورج شلهوب . تنظيف سنوات اللاتقويم على مستوى العالم ، بشريط من العجالة ، بشريط من العجلات. لن يصف أحد المونودراما بالوصيفة الداعرة ولا بالماكينة الخالية من الصفاء. سوف أردد كنبيل عاطفي ، بأن المونودراما الفردية ، أقرب إلى ما مضى، حيث قامت التجربة اللبنانية على المبادرات الفردية.
المال أو الخيال..الخيال وإعادة اكتشاف الأدوات واستعمالها من زوايا وظيفية في عمليات المسرحة. قضى المال على الخيال ، قضى التجار على الابتكار . لم يعد أحد يرى ما هو الأصلح للأوقات المهمة ، للأوقات الأهم. لا مسرحية في غرفة ولا كلام على جدران المسرح، لكل زمن مسرحه. مسرح الحرب المسرح الأخصب .. مسرح السلام حفيد عسير لمسرح بلا مقامرة . مسرح عابر، هكذا ، يسمع وسط الضجيج أصوات مسرحيات قديمة . مسرحيات حسن علاء الدين ( شوشو ) يعيد تقديمها خضر علاء الدين( إبنه) بروح لم تلبث أن قتلت إرث الأب أو جعلت هذا المسرح يسعل، بعد مرحلة عافية، مسرح مصاب بسرطان الرئة، مسرحيات جو قديح.. كمسرحية”الشر الأوسط”، يقل عدد الممثلين على المنصة بتضخيم صوت الممثل الواحد أو الممثلين ، حيث يواجهون جمهوراً متعباً، يهتم كثيراً بتطور أجهزة الهاتف الخليوي بدون أن يؤدي الأمر إلى تذكر التجارب الكبرى وتجميعها مواقعها وبروفاتها ويومياتها وحساسياتها بعد أن تم التحكم بالذاكرة بإعلاء الحدود بين المراحل والحقبات . لم يعد أحد يتذكر لا ريمون جبارة ولا يعقوب الشدراوي ولا جلال وشكيب خوري ولا نضال الأشقر ولا محترف بيروت للمسرح ولا منير أبو دبس ولا حلفة المسرح اللبناني ولا ميشال نبعة ولا أنطوان كرباج من يواجه مرض النسيان ، نسيان مزدوج .. نسيان الجمهور لكرباج ونسيان كرباج لعربات القرن الماضي وركابها . لا شيء إلا المسرحيات ذات الروح الاقتصادية . روح روحي لباتريسا نمور ، دراما ممثلين . الوحش لجاك مارون ، دراما واقعية مع ممثل وممثلة . ثمة عناوين لا تشير إلا إلى مقدار التحول بالمسرح اللبناني من وجهة نظر تؤكد أن إنتاج مسرحية أشبه بوقوع حادث في مكان عام. ماشاء ويل لغربيال يمين ، الأجنحة المتكسر لوليد عوني ، أربعة وستون لكميل سلامة ، هوس لنانسي صوايا. حين يفكر رفيق علي أحمد بإنهاء العداوة بينه و بين مونودراماه ” قطع وصل ” إذ يعمل على تقديمها من جديد ، بعد أن قدمت ببنائها المادي منذ سنوات . مسرحيات منتجة تعود إلى الساح كمسرحيات جديدة. جدات ودودات تعدن إلى الحياة بعد أن غادرنها منذ أزمنة. التفات إلى الخلف بعيون تفهم للوضع الاقتصادي. تدفع الجدات المسرحيين إلى نسيان زوجاتهم . أو يعتبر الأزواج أن الجدات زوجاتهم مع بعض العاهات، وبارعات في مج السجائر . لا أفكار خروج من “الأزمة”. لأنّ الأزمة أزمة ارتماءات باهظة بلغة لا تزال تبحث عن لغة ، مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتراجع الهيئات والجمعيات وصناديق الدعم البارعة بتحويل التجارب إلى حظائر.لا منح مصارف، لا منح مؤسسات ثقافية ، لا منح أبوة ولا منح أخوة ولا حلوى . بغياب الحلوى تفقد الأسنان، لعلها فُقِدت وسط الأوضاع الاقتصادية الدقيقة. حيث لا إصلاحات ترفع النمو من جديد . لأن المسرح ابن مفاهيم النمو. لا تعميم منافع على الجهات الاجتماعية ، بعد أن تمت مصادرة أرزاق الناس من من نهبوا البلاد منذ بداية الحرب الأهلية . ثمة قطاعات تحيا وقطاعات تموت. تموت القطاعات الثقافية بعيداً عن تحقيق التوازن بالمالية العامة. لا شيء إلا اقتصاد الريع .. لا حماية اجتماعية ولا فرص عمل ولا ابتكار، الابتكار غائب على الدوام من غياب المولدات والحوامل، العجز يولد العجز . تراجعَ صافي حساب الخدمات وازداد عجز الحسابات الجارية . تراجعٌ في حجم الإيداعات الخارجية واستمرار الضمور في حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة .. تراجع في صافي التحويلات ، ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة خدمة الدين العام . أدى الأمر إلى تناقض تراكمي في صافي الموجودات الخارجية ( عجز ميزان المدفوعات ).
أزمة الاقتصاد أزمة بنيوية لا كأزمة غرائز الرصاص بالحرب الأهلية ، حيث الحرية تنازل الأفكار الراسية والديمقراطية تدفع الفنانين والمثقفين كبشر حداثيين يدفئون كل الأفكار الحديثة. أصيب المسرح برصاصة مقصودة في جبهته مع الانقلاب الاقتصادي . حوَّل الاقتصاد الرأسمالي الوحشي الأفكار إلى سفن ، حين حولت العولمة العالم إلى ريف، ترييف العلاقات ضد المسرح.. المسرح مديني.. المسرح سموات لا تحصى بوجود الأفكار، لا أفكار ولا مفكرين . إذن لا أشكال . المونودراما شكل اللاشكل، المونودراما إناء لا يحتوي سوى الأنفاس المهشمة للناس. لا عدالة ، إذن لا كفاءة، لا كفاءة ، إذن لا عدالة. رعب على قدمين، هذا زمن استخدام أحزمة الأمان بالصالات لا بالسيارات .

شاهد أيضاً

فسيفولد مايرهولد رجل المسرح الذي لم يتخلَّ عن حلمه أبداً

أعطى لخياله نوعا من الحرية، جعلته لا يقلد الحياة ولد فسيفولد مايرهولد في 28 يناير …