أخبار عاجلة

من الصمت الى الصوت

الكتاب وعاء مليء علما وظرف حشي ظرفا واناء شحن مزاحا وجدا.. ان شئت عجبت من فرائده وان شئت الهتك طرائفه وان شئت اشجتك مواعظه. الجاحظ في كتاب الحيوان- القرن الثالث الهجري . عرفت الدكتور حسام الخطيب قبل ثلاثة عقود وتحديدا عام 1970م ابان دراستي الجامعية، ومثل ابناء جيلي كنا ننظر الى حسام الخطيب لا كاستاذ يلقي علينا المحاضرات الاكادمية بقدر ما لفتنا فيه من التفرد والتميز في فضائه ونمط سلوكه وتفكيره ورؤية الاشياء بجواهرها. كانت حقبة صعود العمل الفدائي الفلسطيني اثر نكبة حزيران 1967 وحينها لم يكن حسام الخطيب ليحاضر بثيابه المدنية بل كان موشحا "بفلد" اخضر يذكر من امامه بان الاماني الوطنية ليست احلام يقظة بقدر ما هي امكانات تدخل في اطار الواقع وتنتظر من يجعلها احلاما جماعية وينقلها الى معنى الوجود جاعلا الواقع نفسه حلما.

بهذه الاماني نشانا. ننظر الى الكون والحياة بنظرة تقويمية منحناها من استاذنا حسام. وكنت اتمنى ان يكون بسمائه وعلمه واكاديميته احد اركان مخططي المستقبل العربي بيد اني عرفت بالتجربة ان الفرصة اتته منقادة وكان يصلح لها بيد انه وقف خارج الاطار والمكان راكنا المواقع الرسمية لينكفئ الى دراساته وابحاثه الاكاديمية. وفق هذه المنطلقات كنت اتصفح كتاب من الصمت الى الصوت ابداعات ادبية ولغوية المهداة الى حسام الخطيب 530 صفحة الصادر عن دار الغرب الاسلامي في بيروت عام 2000، فهذه المبادهة التي تتم لتكريم اكاديمي عربي تعد نموذجا يحتذى لتعميم ارهاصاتها لتشمل اعلام الفكر والادب والمساهمين في نهضة الفكر العربي لتكريمهم في حياتهم وايصال رسالتهم في الحياة الى الاجيال العربية. ولعل ابرز ما يميز الابداعات الادبية واللغوية المهداة الى حسام الخطيب هي سمة الشمول وانها تعبر بحق عن الجوانب الفكرية والابداعية لحسام الخطيب قام بالاشراف عليها ناصر الدين الاسد- علي عباس علوان- محمد شاهين وساهم في كتابتها الدكتور ادوارد سعيد- ناصر الدين الاسد- اندريه ميجل- جابرعصفور-علي عباس علوان- محمد شاهين- عبد العزيز المقاحل- ابراهيم السعافين- عبد الملك مرتاض- علي جعفر العلاق- عبد النبي اصطيف- احمد درويش- ابراهيم خليل- عبد الرضا علي- عبد المجيد حنون- سليمان العيسى- نهاد الموسى . وتحمل هذه المساهمات الابداعية في تضاعيفها اشارة بليغة الى اجماع النقاد والمفكرين في الوطن العربي على الجهد والعطاء العلمي والاكاديمي لحسام الخطيب وتنوع مساهماته عبر انتقاء لجنة الاشراف لابداعات تغطي اجناس الادب لتحمل تغطية لمرحلة تحقيبية تجسد حالة فكرية ومنظومة دلالية.

الصمت والصوت وانبعاث الحياة :

لعل النص الذي كتبه الدكتور ادوارد سعيد يختزل غائية الكتاب المهدى المعنون "من الصمت الى الصوت ثم عود على بدء في المسيقى والادب والتاريخ" وهو نص شغوف بالحياة مليء بالدلالات كونه يشكل صدارة الابحاث المهداة الى علم من اعلام الادب المقارن مثيرا في مضامين مقالته التواشج بين الظواهر المعرفية الاخرى وعلاقة الادب بالفنون وعلم الاجتماع والجيولوجيا والتاريخ وعلم النفس فالدكتور سعيد يبدا بحثه مقررا ان من اهم مظاهر تصميم فاغنر لدار اوبرا بايرويت Bayreuth Festspielhaus وابغلها اثرا وهده الاوركسترا الغائرة الخافية تماما عن الابصار، ولم يكن همة منصبا فقط على اخفاء شيء مرئي يستاثر بالنتباه جمهوره- وكانت جوقة الموسيقيين في كل مسرح اخر في ذلك الوقت مقحمة بين المشاهدين والمسرح- وانما كان همة ايضا ان يخرج صوتا تتكامل فيه الاصوات والالات في تالف لم يسبق له مثيل. وكان صوت بايرويت، كما وصف فيما بعد، دافئا غامرا شاملا لا مكان فيه للاستهلالات الحادة والتفجرات الصاخبة. وعندي ان اكثر ما يسحر في صوت بايرويت هو كيف ان فاجنر يستطيع، في هذه الابرات ذات البدايات الناعمة الموحية دون الحاح، ان يجعلك تتخيل ما تكون عليه الحال في ساعة الابداع تماما كما بيتهوفن في رباعية الخاتم وغسق الالهة. وبطبيعة الحال فان كلا الموسيقيين يسمح لنا، رغم حسن نيتهما، بان نفترض ان الصمت سيخيم مرة اخرى بعد عزف النغم الاخير، وهما في هذا واقعان في المازق الذي وجدت شهرزاد نفسها فيه في "الف ليلةوليلة". اذن يتعين عليها ان تستمر في قص الحكايات لشهريار كي تمضي الليل وتوقف حكم الموت الذي فرض على جميع زوجات الملك. فاستمرار تردد الصوت الانساني ضمان لاستمرار حياة الانسان. وبالعكس، فان الصمت مرتبط بالموت ما لم تستطع- كما فعلت شهرزاد- ان تطيل الحياة ليس بسرد حكاياتها الاخاذة وحسب، بل ايضا بانتاج جيل جديد بالفعل، وهي تقوم بذلك في اثناء سردها الطويل، اذ نعلم في المقطع الاخير انها انجبت ثلاثة ابناء احضرتهم لشهريار استدارارا لرحمته، وقد نجت وعاش الزوجان واولادهما في سعادة وهناء.غير ان عالم "الف ليلة وليلة" الخرافي، القائم على استمرار الصوت المانح للحياة، ليس بعالم بيتهوفن وفاجنر اللذين خاضا في جدلية غير موفقة ابدا، دون اي احتمال للخلاص او الفرج المستديم. وبقي على موسيقي توماس ماس Thomas Mann الالماني في القرن العشرين، اعني ادريان ليفركون Adrian Lever Kuhn ان يضع نهاية للقدر المشؤوم الكامن في تصوير سابقيه للصوت والصمت. وان يعلن في الصفحات الاخيرة من "الدكتور فاوستس Doctor Faust us "  انه عازم على استرداد السيمفونية التاسعة. وليفركون شخصية شديدة المجازية- ربما كانت مجازية اكثر مما يجب ومن ثم اكثر تهيجا مما ينبغي- تمثل المانيا ما بعد حركة الاصلاح الديني، كما تمثل الثقافة الالمانية المهيمنة التي تبدو انجازاتها في الموسيقى واللاهوت والعلوم او السحر للكثيرين رمزا لمسيرة هذا البلد المشؤومة في القرن العشرين نحو الاشتراكية القومية وتدمير الذات.

التراث والمجتمع الجديد :

ويكتب ناصر الدين الاسد عن التراث والمجتمع الجديد فيؤكد ان موضوع "التراث والمجتمع الجديد" من الموضوعات التي كثر الحديث عنها في كل عصر وامة. فهو موضوع قديم- حديث، يتمثل- من احد جوانبه- في هذه المعارك المتعاقبة في كل عصر بين "القديم" و"الجديد" وبذلك لا ينحصر في جيل دون جيل ولا يختص بزمن دون زمن. واذا قصرنا حديثنا على امتنا وحدها، رايناهذا الصراع يبرز امامنا واضحا منذ كان لنا تراث معروف: فقد كان ابوعمر بن العلاء لا يعد شعرا الا ما قاله الجاهليون والمخضرمون، حتى لقد قال عنه الاصمعي: "جلست اليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت اسلامي"، ويبدو ان عمرو تساهل وفرط حين نظر في شعر جرير والفرزدق فاععجبه بعضه، فقال: " لقد حسن هذا المولد حتى هممت ان امر صبياننا بروايته". ولكنه حين خشي على نفسه من التوسع فيما لا يعده شعرا وقف عند حد ابى ان يتجاوزه فقال: "ختم الشعر بذي الرمة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍"!. وجاء بعده تلميذه الاصمعي، فسلك سبيله، واختار مذهبه في تفضيل القديم والاقتصار عليه، وان كان سار بعده شوطا، فادخل في عداد الشعراء بعض من جاء بعد ذي الرمة، ثم وقف وتحرج من التوسع، وقال: "ختم الشعر بابن هرمة".

ولا يجوز ان تؤخذ هذه الاحكام على ظاهر نصها، فما الى هذا قصد اولئك، على الرغم من تواتر الاخبار التي تروى عن عمر بن الخطاب وعنايته بالشعر الجاهلي، واعجابه بابيات منه بعينها، وتفضيله لشاعر على شاعر. وكذلك كان ابوبكر عالما بايام العرب وانسابهم. رواية للشعر الجاهلي، يتمثل به في موافقه، ويستنشد الشعراء ما قالوه في جاهليتهم واسلامهم. وكذلك كان جل الصحابة من الرجال والنساء. بل لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنشد الصحابة الشعر ويسائلهم عنه، ويستعيد ما يستحسنه منه، ويبدي اعجابه ببعضه، وكان هؤلاء الصحابة يرون الشعر "ديوان العرب"وسجل ماثرهم،وكانوا يحضون على روايته ودراسته، بل كانوا يرون من اسس ثقافتهم الاسلامية، فكثيرا ما كانوا يستشهدون على الفاظ في القران بابيات من الشعر الجاهلي ويرون انه لا يفهم بعض ذلك الا بهذا. ومرت السنون، واشتد الصراع بين دعاة التمسك بالقديم وايثاره ودعاة هدمه وانكاره. وقام من ينظر الى الامر نظرة الحق بالمبرا من الهوى المجرد من التعصب. فهذا الجاحظ يعلن رايه واضحا في قوله: "وقد رايت ناسا منهم يبهرجون اشعار المولدين، ويستسقطون من رواها، ولم ار ذلك قط الا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي اي زمان كان". وزاد ابن قتيبة من وضوح القضية فقال: "لم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص بهقوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده، في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره". وقال ابن رشيق: "كل قديم من الشعر فهو محدث في زمانه بالاضافة الى من كان قبله". ويقرر الدكتور ناصر الدين الاسدان تراث الامة هو روحها ومقوماتها وتاريخها، والامة التي تتخلى عن تراثها تميت روحها وتهدم مقوماتها وتعيش بلا تاريخ، والامم كلها، مهما تكن فلسفتها الاجتماعية والاقتصادية، تحرص اشد الحرص على تراثها وتبذل جهودا كبيرة لاحيائه ونشره وبثه في نفوس ابنائها، بل ان بعض الامم الحديثة تفتعل لنفسها تراثا تجمع اجزاءه تجميعا وتنفخ فيه نفخا لتتم له صورة تفيء اليها الامة وتنطلق منها. فليس صحيحا ان الاخذ باسباب الحضارةيستلزم هدم التراث. وقد انخدعت بعض الامم بهذه الدعوى فاصبحت كالمنبت لا ارضا قطع ولا ظهرا ابقى، وانما الصحيح ان تقدم الامة- حين تبدا الحياة تنساب فيها- انما يكون من داخل نفسها وينطلق من تراثها، ويكتب اندريه ميجل الاستاذ في الكوليج دو فرانس عن صورة الصحراء في معلقة "لبيد بن ربيعة" فيرى انها واحدة من كبريات معلقات الجزيرة العربية في ما قبل الاسلام تمثيلا للثقافة البدوية والراموز البدوي. (من البحر الكامل، قافية "امها". فلئن كان هناك من شعر للصحراء، انه هو ذا بعينه، ومن هنا ثراء الكلم التخصصي، والحفاوة بالاشارات الى راموز للحياة؛ راموز يفترض المعرفة به مسبقا. ولكنها ليست الصحراء التى تحلم بها تصنعا ارواح انقطعت عن المدينة، ولا الصحراء الرديف المباشر للوحدة، او الفضاء، او الله في بعض الاحيان. فلئن كانت الصحراء حرية، ان ذلك عقبى انتصار؛ عقبى استراتيجية من ثلاثة فاعلين هم الصحراء بالطبع، والفرد، والجماعة، وللتعرف على قواعد هذة اللعبة، نلقي اولا نظرة على تنظيم هذه القصيدة الطويلة التي تدحض ما تردد كثيرا- بنوع من الجزم- عن ان الشاعر الجاهلي ينطلق على سجيته غير ابه بمسالة البناء. 

وسواء اكانت المعلقة منطقية ام لا، فانها تتبع المخطط التقليدي للقصيدة الجاهلية بكل صرامة: بكاء على الديار التى عفت، والحبيبة التي نات (19.100)، فنقلة خاطفة (20-21)، فوصف للناقة واستدعاء الصحراء (53.2200)، ومن ثم الفخر والتغني بامجاد الشاعر وجماعته (89.5400). انها لوحة لاتطاق. والادهى هو ان الصحراء، ولكي تجهر بانتصارها، فانها- بسخرية ماكرة مقيتة- لا تقوم الا بعرض الصور الجميلة. فمن النظافة المفرطة للمكان المغسول بماء السماء.. الى حياة الخليفة المتجددة وشبابها.. الى السلام اخيرا حيث الحيوانات الراتعة حيوانات جنة ارضية طردت منها الحيوانات المفترسة. ومرة اخرى، يهرع اسم مكان لتقديم النجدة كما لو اننا بازاء السخرية نفسها. ف"الريان" مشتق من الجزر "روي"، جذر الماء الخير الحي. ويستمر اثر هذه القصيدة الريفية او القصة الرعوية المقلوبة- التي لا شيء فيها، ولا موضوع لها- حينا اخر في القصيدة ففي البيتين السادس عشر والخامس والخمسين يطل اسم الحبيبة "نوار"- وبشكل ادق "نوارة"، كواحد من السماء النور- ليطيل النبرات اليائسة لهذا المهرجان الذي لا طائل منه؛ مهرجان العيون والقلب… مهرجان كل القلوب ما عدا قلب الشاعر. فما يهيمن-  في اخر الامر- ليس اللوحة الساحرة التي تقدمها الارض، وانما المشهد المؤسي الذي يحمله الشاعر في ذاته.. مشهد من التعاسة والحجارة التي يزودنا بمفتاحها- كما لو ان الامر في احدى الواجهات- اسما المكان في البيت الاول "غول" و"رجام"، هذان الاسمان اللذان ربما توجب ان نضيف اليهما في البيت نفسه "منى" المشتقة من جذر يذكر بالمحنة والموت، والذي يحرص الشارحون على التحديد فيه، وانه لا يتعلق ب"منى" الاخرى، المكان المقدس المبارك قرب الكعبة.

امل دنقل ووعي السقوط:

وفي قراءته لوعي السقوط في شعر امل دنقل يرى جابر عصفور ان مبدا الحركة ما بين الحاضر والماضي في قصائد امل دنقل هو الوعي بالانهيار القومي الذي استجاب اليه شعره حتى من قبل وقوع كارثة العام السابع والستين. وهو الوعي الذي ادى الى رؤية اللحظة التاريخية لهذا الانهيار بوصفها لحظة السقوط، المساء الاخير على الارض، وقت الرماد الذي ينسرب اليه الافول من كل حدب وصوب، متخذا العديد من التجليات الفردية والجماعية التي لا تخلو من حضور الموت الذي يبسط الويته السوداء على قصائد امل منذ البداية. يتحرك البشر في العالم الشعري لامل دنقل ما بين التناقصات الحدية التي اما ان تصل بينهم في دوائر المشابهة المتصالحة بمعنى من المعاني او تباعد بينهم في دوائر المخالفة المتعادية باكثر من معنى من المعاني. والحلول كاملة في هذه الدوائر، لا تخلو من صفات الاطلاق التي تنبني بها المشاعر والانفعالات والافكار والمفاهيم والقيم في العلاقات المتجاوبة، فردا وجمعيا، اخلاقيا ومعرفيا ووجوديا وابداعيا، فالاطلاق الحدي عنصر تكويني حاسم في حركة الاضداد التي تتقابل حول الخطوط الفاصلة في عالم امل، وهي حركة لا تكف عناصرها عن الاختيار الحدي، الحاسم الصارم كالسيف القاطع، ما بين اما… واما، مستبدلة الاقصى بالاقصى في حدية التقابلات التي تغدو علامة وجود وشعار هوية وفضاء سلوك ومجال ممارسة ذاتية واجتماعية في الوقت نفسه. ويقدم علي عباس علوان قراءة مؤلمة  للرؤية الماساوية في الرواية العراقية المعاصرة ليقرر ان الفنان هو شاهد عصره الامين وهو يقف على نهايات القرن العشرين، وهي فرضية صحيحة: فان الروائي العراقي ، في سنوات الكارثة، قد ارتطم هو ووعيه وخياله، بهذا الوجود ومفردات هذا العالم المرعب الذي نراه، وفي هذا الارتطام كان يحاول ان يجيب على اسئلة كثيرة جدا تحاصره وترهقه وهو يتحرك بتحرك هذا الواقع المعيش. وحيث يجد الروائي نفسه محاصرا بحجم الماساة وديمومتها ووحشيتها، فانه يهرب الى الماضي البعيد عن الواقع الحالي، كالذي فعله محمد شاكر السبع في روايته (المقطورة) حيث حاول رصد الواقع العراقي فنيا في حركة السنوات التي مهدت وسبقت وعاشت ثورة العراق في تموز 1958، ولذلك فانه لم يستطع ان يصور الواقع الماساوي الحاضر الا من خلال ادانته له جملة وتفصيلا وادانة المرحلة التاريخية والسياسية السابقة التي صنعت هذا الواقع المعيش الان، وكان الكاتب يريد ان يقول للحاضرين جميعا "ذوقوا ما صنعت ايدكم في الماضي". ويكتب محمد شاهين عن الحركة التصويرية نافذة على الشعر الحديث فيؤكد ان التصويرية لها علاقة رئيسية بهذا الارتباط بين اللغة والعالمين الداخلي والخارجي وان تصوير الاشياء لا يعني تصويرها على انها مجردات اذ تعد التصورية (lmagisme)

ركيزة هامة في تصوير الشعر الحديث، ويشكل ظهورها في العقد الثاني من هذا القرن علامة مميزة في سجل الحداثة، وللشاعر ازرا باوند الفضل الاكبر في تبني هذه الحركة ودفعها الى الامام، ففي اكتوبر عام 1912 بعث باوند الى هاريت مونرو، رئيسة تحرير مجلة شعر في شيكاغو بخمس قصائد لصديقته الشاعرة هيلدا دولتل بعد ان ذيل احداها بقلم رصاص هد الشاعرة التصويرية، وربما تكون هذه الملاحظة الاشارة الاولى في تاريخ الحركة التصويرية، وقد اشار في الرسالة المرفقة التي الحقها بالقصائد الى ان التصويرية موضوعية مباشرة، لا مبالغة فيها للنعت والبديع الذي لا لزوم له البتة، وانها مثل الحديث المباشر، وهي مشابهة للغة اليونانية، واختتم الرسالة بقوله ان الشاعرة المذكورة عايشت ما كتبت من شعر منذ الطفولة وعرفت الاشياء التي صاغتها شعرا قبل ان تكتسب معرفة بهذه الاشياء من الكتب.

ويكتب عبدالعزيز المقالح: نظرات في قصائد شاعر الصوفية الاكبر في اليمن الشيخ عبد الهادي السودي فيبحث في الشعر الصوفي عند العرب جامعا جوانب من حياة الشيخ عبدالهادي بجانب من حياة شاعر الصوفية الاكبر جلال الدين الرومي الذي عاد الى طلبته بعد اعوام من الغياب لا ينطق الا شعرا فكانوا يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، والفوا منه كتابا سموه (المثنوي) واهل تلك البلاد يعظمون ذلك الكتاب ويعلمونه ويقراونه بزواياهم في ليالي الجمعات. والانطباع الاول الذي تتركه قراءة ديوان الشيخ عبدالهادي السودي، وقد جمعه تلاميذه عنه يتركز حول رؤيا صوفية ايجابية، تكاد توحي بان الانسان ليس مطالبا بالفناء، وانما هو مطالب بالعمل وبتقوية الارادة، ارادة المواجهة، بما في ذلك مواجهة الشهوات والملذات، وهي رؤية لا يتعارض فيها الحماس الروحي العظيم مع العمل الرامي الى اسعاد الناس، ولان الحب بمعناه العام وبمعناه الخاص، حب الله وحب الناس وحب الزوجة والولد لا يتعارض فيها ايضا مع الحماس الروحي العظيم، فقد اثبتت قصائد الديوانين ان الشاعر الصوفي انسان له طبيعة الانسان وحاجاته الضرورية في الحياة، وان كل انسان قادر بقوة روحه وصلابة ارادته ان يتحكم في حاجاته وضروراته، وان يخضعها للحد الادنى من مطالب النوم والطعام وهما جرهر الحياة المادية للبشر.

الصمت وبنية القناع الشعري:

وفي بحثه عن بنية القناع الشعري يرى علي جعفر العلاق ان القناع في العمل الادبي او الشعري، هو الشخصية السردية، او "المتحدث الغنائي الذي تصغي الى صوته في القصيدة الغنائية". ومع التطور في استخدام القناع، في الشعر الحديث، صار في مقدور الشاعر ابتكار قناع خاص به ابتكارا محضا، او استعارة شخصية من الماضي والتعبير من خلالها باعتبارها قناعا. لقد استخدم ازرا باوند، مثلا،  الشاعر الروماني بروبيرتوس قناعا له في قصيدته  Homage to sextus properties وكذلك كان استخدامه قناع شاعر روماني اخر هو موبرلي Mauberiey في قصيدتهHugh selwyn mauberley ومن خلال قصيدتيه هاتين (تحية الى سكتوس بروبيتوس) و(موبرلي) عبر باوند عن موقفه ازاء عصره. اما اليوت فقد استخدم مجموعة من الاقنعة في قصائده الكبيرة، لقد استعان بشخصية تريسياس قناعا في قصيدة (الارض الخراب The wast land)، وابتكر شخصية بروفروك ليتخذها قناعا في قصيدته The love song of J.Alfred prufroch وكذلك فعل في قصيدة Gerontion حين جعل من الرجل الهرم الصغير قناعا يتحدث من خلاله عن تصدعات عصره وما اصاب الناس والحضارة من عقم روحي، وعجز جسدي. وقد افاد من تقنية القناع، في الشعر العربي الحديث، شعراء عديدون مثل البياتي، ادونيس، عبد الصبور، سعدي يوسف، الذين حققوا للقصيدة الحديثة، انجازات مهمة في هذا المجال. وانتققلوا بها، الى حد ملحوظ، الى افق مختلف، بعيدا عن هشاشة الانشاء والافراط في البوح، لقد صار الشاعر العربي قادرا، بفضل مجموعة من التقنيات الجديدة، على تحويل اللحظة الى لحظة درامية، والتخفف من ذات الشاعر وانثيال عواطفه. ويبرز عبد النبي اصطيف في دراسته لقصيدة امراة وتمثال للشاعر عمر ابوريشة ان "عمر ابوريشة" استلهم الاسطورة مثل غيره من الفانين عبر العصور، ولكن بعد ان اعاد تشكيلها لتعبر عن رؤيته للحياة والفن. ولعل المرء لا يبالغ ان زعم ان الاسطورة اليونانية قد استوت على يديه اسطورة خاصة به، لا يكاد يشركه فيها فنان اخر، وذلك هو الاستلهام العبقري الذي يستمد من "الاخر" ما يمنحه حياة جديدة، ويرد من منابع هذا "الاخر" ولكنه يصدر عنه وهو اكثر ما يكون رواء وريا وتدفقا بماء الفن الذي يزرع الخصب والنماء والغنى اينما جرى- يزرع الحياة. ابن رشد والفكر الاوروبي:

ويتسم بحث احمد درويش من جامعة السلطان قابوس بالجدة عندما يبحث في محاولات ابن رشد لتعريب الافكار النقدية والبلاغية لاسطو على الرغم من ان التفكير البلاغي والنقدي قد يبدو للوهلة الاولى متصلا بالجانب الشكلي من اللغة الذي قد يصعب نقله من لغة الى لغة اخرى، على عكس الجانب الفلسفي من اللغة الذي قد تكون حركته بين اللغات اكثر طواعية دون اصطدام بفوارق الشكل الذي يمكن ان يتلبسها او تتلبسه في اللغة التي ينتقل اليها. على الرغم من هذا فقد اثبت التفكير النقدي والبلاغي لاسطو، قدرة هائلة على التحرك على المسار الافقي والراسي على خريطة اللغات والازمة واستطاع ان يجدد حيويته من فترة الى اخرى من خلال " وسائط" تجسدت في شخصيات كبار "الشراح" والملخصين لاسطو في اللغات المختلفة، ولقد  كان ابن رشد من اهم الوسائط البشرية من خلال ما قدمه من جوامع وتلخيصات وشروح، وهي مجهودات كان ينبغي ان يكون لها اثرها في مجال التطور الفلسفي والنقدي والبلاغي في وقت واحد، سواء في اللغة التي كتبت بها، وهي العربية او في اللغات التي انتقلت اليها، كاللاتينية والعبرية منذ العصور الوسطى،لكن الذي يتتبع مجرى التاثير المتوقع، لابد ان يلاحظ لونا من الضمور في بعض القنوات بالقياس الى قنوات اخرى، تبعا لاختلاف المجال او اللغة، واذا اقتصرنا على المجال النقدي والبلاغي وحده، وعلى كتاب مثل "فن الشعر" وحده، فلابد ان تكون الملاحظة الاولى العامة، هي وجود قدر كبير من الضمور في التاثير المتوقع في الدراسات النقدية والبلاغية العربية بالقياس الى التدفق الخلاق الذي احدثه هذا الكتاب في الفكر الاوروبي الذي ظل يتجدد حتى الان. لقد كان لهذا الكتاب من المكانة في تاريخ النقد الادبي في اوروبا الحديثة ما لم يظفر به اي كتاب اخر حتى الان، منذ ان نشر جور جيلافلا اول ترجمة لاتينية له سنة 1498 ، ومنذ ان ظهرت له طبعة يونانية سنة 1508 بالبندقية. بالاضافة الى معرفة اوروبا له في العصور الوسطى عن طريق تلخيص ابن رشد، وكما هو معلوم فان الرعيل الاول من الشراح الايطاليين لهذا الكتاب، اثروا تاثيرا واضحا في كتاب القرن السابع عشر وفي مقدمتهم الكتب المسرحي كورني، وتبعا لهذا التاثير، تشكل المذهب الكلاسيكي في الادب الفرنسي وامتد التاثير الى الادب الالماني في القرن الثامن عشر، والى الادب الاسباني وخاصة الى الجماعةالتي اطلقت على نفسها "اتباع قواعد ارسطو"، ولا شك ان اسماء كبيرة مثل كورني وراسين وموليير وبوالوولسنج وجيته وشلر وبوفون وغيرهم من كبار الكلاسيكيين الاوروبيين تمتد الاسباب المباشرة بينهم وبين كتابات ارسطو النقدية والبلاغية ولم تنتقض موجة التاثر هذه بظهور النزعة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر والتي كانت في جوهرها ثورة على النزعة الكلاسيكية، بل استمرت العناية بكتاب ارسطو، وظهرت المحاولات الحديثة لصدار ترجمات دقيقة وطبعات محققة وقيام دراسات حول الترجمات السابقة ومنها الترجمات العربية وقد رعت اكاديمية برلين سنة 1831 واحدة من اوائل هذه النشرات المحققة وقاد المستشرق الانجليزي صموئيل مرجوليوث، منذ 1887 فكرة ادخال الترجماتالعربية القديمة ومن بينها تلخيص ابن رشد بين عناصر التحقيق الرئيسة لنصوص ارسطو.

تشيكوف والادب العربي:

يكتب ابراهيم خليل عن "اثر تشيكوف في القصة العربية القصيرة مثل من قصص سيف الدين الايراني" فيقرر بداية ان تشيكوف كان له اثر في فن القصة القصيرة ومن الذين ادخلوا عليه الكثير من الاضافات التي جعلت منه فنا ادبيا راسخ القدمين، شانه في ذلك شان الشعر والرواية، والمسرحية، وقد تجاوزت شهرة تشيكوف، بسبب ذلك بلده روسيا واصبح "نموذجه القصصي مثلا يحتذيه الناشئون من الكتاب في انحاء العالم المختلفة،وظل الامر على هذا وقتا ليس بالقصير". فالمبدا الاساسي الذي تقوم عليه القصة، لدى انطون تشيكوف، هو التعبير عن الحياة اليومية الباهتة، والشخصيات العادية التي لا تتميز ياي مزايا، وفي الوقت نفسه يصور سلوك الاشخاص العاديين تصويرا يكشف عن الجوانب غير المالوفة، الكامنة وراء الجوانب العارضة، المبهمة. وهو شغوف الى حد لافت للنظر بالاشخاص "المتجهمين" البائسين، والحياة الغائمة، وقد صور ذلك كله باسلوب بعيد عن التقرير، والمباشرة. لقد كان لانطون تشيكوف حظور قوي ومؤثر في الادب العربي، وقد تجلى هذا الحضور في الاعمال الكثيرة التي ترجمت من قصصه ومسرحياته ومراسلاته فضلا عن الدراسات التي كتبت عنه وعن اثاره. وقد لاحظنا ان حضوره في الادب الفلسطيني- في النصف الاول من القرن العشرين- كان اقوى من حضوره في اي ادب اخر، ولما كان تاثيره في القصة القصيرة الفلسطينية كبيرا سواء من خلال الترجمة او من خلال التاثر باسلوبه، وتوجهه القصصي نحو التعبير عن الحياة اليومية الباهتة، والشخصيات المبسطة، المسحوقة، فقد كان متوقعا ان يتاثر به محمود سيف الدين الايراني (1914-1974) الذي اقبل على قراءة الادب الروسي وتاثر به، بل ترجم شيئا منه عن الفرنسية. هذا الى جانب ان الايراني يصرح في احدى مقابلاته بان الادب العربي عامة، والقصصي خاصة، تاثر بالادباء الروس، وان تشيكوف ودستويفسكي هما اكثر الادباء الروس نفاذا في الادب القصصي العربي، وانه هو تاثر بهما وبغيرهما مقدما تشيكوف على غيره من القصاصين. ويلاحظ ايضا ان تشيكوف كتب قصته عن "الحظ" بعنوان "ورقة اليانصيب" وهذا الموضوع كتب عنه الايراني قصة سماها "مااقل الثمن!" وتشترك القصتان في الفكرة، فكل من ايفان ديمتريتيش وسعيد يعول كثيرا على الربح في اليانصيب لينتشل نفسه من الضياع والانسحاق والفقر، فتراوده احلام الثراء، والانتقال من مسكنه البائس الضيق المعتم الى اخر فسيح واسع، ولكن القصتين تختلفان في كثير. فتشيكوف اشرك الزوجة (ماشا) مع (ايفان) في احلامهما على عكس الايراني الذي يكاد يهمل الزوجة في قصته اهمالا كبيرا، ووسع تشيكوف دائرة الطموح لدى (ايفان) فهو يتطلع للثروة، والعزبة، والسياحة، والزواج بامراة اخرى فيما يكتفي (سعيد) باحلام محدودة، لكن الرجلين يستسلمان للحلم ويعيشان لحظات الانطواء اياها، ويعبر كل منهما عن انانيته ورغبته في الاستئثار بالثرووة دون الاخر. فقد جعل الايراني من المكان حافزا للرغبة في التغيير، والحصول على المال وكذلك تشيكوف، غير ان الاول وزع انتباهه بين نوعين من المكان: المرفوض، والمنشود، فيما سلط تشيكوف الضوء على المكان المنشود ليس غير، وقد عنى الايراني بالنهاية كثيرا فمهد لها في العنوان، وفي المقدمة، ولكنها جاءت مفتعلة فلم يكن القارىء يتوقع الاحساس بالرضا الذي غمر سعيدا، وقد تاكد له انه خسر "اليانصيب" في حين ان القارىء يتوقع شيئا اخر كالذي احس به ايفان ديمتريتش عندما تاكد له ان الرقم الرابح هو الرقم (46). وقد جاء اعتماد تشيكوف المطول على الحوار في قصته وسيلة فنية بارعة كثف بموجبها الزمن، وتخلص من السرد المباشر، وقلل من اعتماده على الراوي، في حين ان خلو قصة الايراني من الحوار جعل الزمن الفني فيها يمتد بين الماضي والحاضر، بعيدا عن التركيز، واعطى الرواي فرصة اكبر للتدخل في السرد، وبث التعليقات من حين الى اخر، مما اضعف قصة الايراني، واضعف عنصر التشويق فيها، وجعل الترابط بين المقدمة والنهاية يبدو مفتعلا، ولا يخلو من فجوات سردية بين فقرة واخرى. وتبعا لهذا نكون قد قدمنا في هذه الدراسة مقارنة تحليلية للقصتين تكشف عن تسرب الاثر التشيكوفي الى قصص الايراني على الرغم من ان ايا من الباحثين الذين تناولوا اثاره، ودرسوا اعماله، لا يشير الى هذا الشبه بين القصتين، ولو اشارة، ولا يومىء الى ذلك محض ايماءة. ويكتب عبدالمجيد حنون بحثا عن المقارنة في التراث النقدي العربي مشيرا الى ان المقارنة الادبية كانت عنصرا اساسا في التراث النقدي العربي، الا انها لم تتطور الى منهج علمي مستقل بذاته لاسباب كثيرة منها العامة، ويشترك فيها الادب العربي القديم مع غيره من الادب المعاصر له كالافتقار الى النزعة القومية، وقلة انتشار اللغات الاجنبية، وصعوبة تداول النصوص الادبية لاسباب تقنية معروفة… الخ ومنها الخاصة، وتتمثل اساسا في ارتباط الادب العربي  بالدين الاسلامي وقيمه واهدافه، الامر الذي جعل المقارنة الادبية عند العرب لا تحفل كثيرا بالاخر. ومهما كانت الاسباب التي جعلت المقارنة الادبية لا تتطور الى منهج مقارن مستقل في التراث النقدي العربي، فان العرب لم يكونوا بدعا في ذلك، بل كانوا مثل غيرهم من الشعوب والامم التي مرت بفكر العصور الوسطى الشمولي. كما ان الكتاب يتضمن بحوثا ودراسات حول بنية القصيدة التقليدية لعبدالرضا علي ولغة الشعر العربي الحديث بين المباشرة والتجربة لابراهيم السعافين واللغة العربية: اضاءات عصرية لعبدالملك مرتاض. الواقع ان الاضاءات التي تم عرضها من كتاب الصمت الى الصوت: ابداعات ادبية ولغوية مهداة الى حسام الخطيب تشكل حقلا معرفيا يربط بين الابداع الادبي والانجازات الثقافية والانساق الاجتماعية المتشكلة من تطور البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بحيث يمكن ان يعد الكتاب نموذجا مميزا لاطار دراسة الادب وعلاقته بالواقع والتاريخ وقاسما مشتركا بين الانماط الادبية التي تتخذ من النص الادبي محورا للبحث لا بوصفه وثيقة او سجلا او باعتباره مناظرا لمفهومات سوسيولوجية او انعكاسا مراويا لجانب او اكثر من جوانب الحياة وانما بوصفه فضاء جماليا ادبيا تتجلى فيه رؤى فكرية وبنى  وعلاقات وانماط تفكير. واذا كان الكتاب يضفي على قارئه سمة امتاع العقل فان اهتمامات حسام الخطيب في الحقل المعرفي تضيف الى الكتاب سمة القلق على تطور الادب والحياة والانسانية خاصة انه يعكف حاليا على الخوض في حقل معرفي جديد هو علاقة الادب بالتكنولوجيا مفردا مبحثا خاصا حول هذا الموضوع في كتابه "الادب والتكنولوجيا وجسر النص المفرع" مؤكدا حاجتنا الى توعية تقانية تهدف الى استعادة الادب وجوده امام التكنولوجيا لان الادب يؤنسن التكنولوجيا وكيلا نعيش في عزلةاجتماعية في عصر التلاقح بين التقانة والمعرفة. ان ما يجمع كتاب من الصمت الى الصوت بما فيه من فصول ادبية ولغوية ذلك النتاج الفكري الذي يقع عليه القارىء مجموعا في سياق تراتبي يشكل بمجمله نسقا فكريا ومؤشرا عن ماهية المحتفى به وما حفل به تاريخه من امتداد فكري وثقافي على امتداد رقعة واسعة من الفنون الادبية والفكرية التي اسهم فيها بابداع فمن نقد الرواية والقصة الى الادب العالمي ثم السياسة ولعل كتابه الاخير "الادب والتكنولوجيا وجسر النص المفرع" يعد مؤشرا على هذه السمة ونتاجا لها اذ انه يعد تتويجا لتوغل حسام في نظرية النقد والادب المقارن وتتويجا لجهوده في وصل المشهد العربي المعاصر بالمناخ الحضاري العالمي مع الحرص على تتبع الجذور عمق التراث العربي. لقد اصاب السيد محمد شاهين محرر الفصول الادبية واللغوية المهداة الى حسام الخطيب حين اشار في تقديمه الى ان هذه المبادهة محاولة لتقدير ناقد استطاع ان يختار لنفسه ونتاجه منزلة متميزة وتكريم جهده الثر في خدمة العلم والادب والفكر وقضايا وطنه. ولعلها مناسبة تبعث على الثقة بشيوع هذا النهج في حياتنا الثقافية والفكرية كعمل جمعي يساهم في تقديم صورة العربي الفكرية والحضارية في عصر التزاحم والعولمة الثقافية التي يحفل بها المشهد الثقافي العالمي الراهن.         
 
عبدالمنعم قدورة (باحث وأكاديمي من سوريا)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …