أخبار عاجلة

آلام ناهدة الرماح

الشخصيات

نورا

ناهدة

شفيقة

عامر

ماريا الفاجر

عبدالله (شخصية لاتظهر)

الفصل الأول

بيت قديم بثرياته, ومراياه وجدرانه, وشخصيات ينتابها جوع قديم لدروب البلاد التي اقتلعوا منها.

ناهدة الرماح بسنواتها السادسة والستين, تنظر إلى ماضيها المسرحي بفرح والى حاضرها بسخط.

شفيقة ابنتها الشابة, فشلت في أن تكون مغنية مشهورة بسبب تردي ظروفها ونفسيتها, أما ابنتها الصغيرة نورا, تنتصب كملاك في بيت بارد الأبواب. بينما ناهدة التي فقدت بصرها تتفرج على التلفزيون بشكل دائم فإن شفيقة تنظف البيت وتصدر أصواتا  عنيفة.

ناهدة : (صوت التلفزيون عال)

أحس كما لو كنت في سجن نسائي متروك, شباك يطل على حديقة ميتة, ثريات تسحقها العتمة! طاولة بليدة بلا قلب, ومرايا تتكسر يوميا  في المساحيق التي أحاول أن أطلي بها وجهي, عبثا أحاول استرداد ومضة في العين أو في الروح! وربما أكثر الأشياء فداحة ومرارة هو ان ابنتي الوحيدة تهجرني, تخرج في الصباح ولا تعود إلا في الليل, والأصدقاء الذين أدمنوا الفرح في بيتي حين كنا في البلاد, نسوني, هكذا, كأنهم نزعوا عن أبدانهم ضمائرهم واتفقوا جميعا  على اغتيالي, حتى أنت, تحولت الى سجانتي تخرجين وتقفلين الأبواب دوني, فأبقى طوال النهار أتخبط هنا وهناك, أكلم نفسي, واحثها على البكاء أو الصراخ, ثم لأتحول الى كائن يتزوج التلفون! أو التلفزيون! ما الذي أصاب الناس, لماذا لم يكلمني أحد في أيام الأعياد!

شفيقة: أمي: كفي عن الندب!

ناهدة: حتى أنت, تركتني في العيد, وذهبت إلى الشارع ومرحت في الحدائق, ارتديت ثيابك الجديدة, وبسبب فقداني لبصري تتصرفين معي كما لو كنت ثقيلة عليك! لولا نورا لما بقيت في هذا البيت لحظة واحدة!

شفيقة: أوقفي اهاناتك, أرجوك!

ناهدة: لن تستطيعي أن تفهمي معنى أن يقع الانسان ضحية العتمة! إنني في عمق العتمة!

شفيقة: ماذا أستطيع أن أفعل لك!

ناهدة: افهمي ألمي, وادركي معنى أن تكون امرأة مثلي وحيدة بعدما كانت في زحمة الحشود والمعجبين, أعرف بأن كل ذلك المجد انتهى, ونحن الآن بعيدون عن أهلنا وبلادنا, والمسرح الذي كان يضيء ارواحنا قد انطفأت قناديله وأدرك بأنني الآن امرأة لا تعيش إلا على يوميات سحقتها الغربة والمرارة! إنني وحيدة, اكثر من أي وقت مضى! أنزل الى الشوارع, حاملة العصا ذراعي الجديدة, فتتوه قدمي بين التعثر والاصطدام بالناس وبالجدران وبالاشارات الضوئية, عبثا  أحاول اكتشاف أمكنة تعوضني عن امكنتي أو عن بيوت تضيء روحي أو عن اصدقاء جدد!

انني أتعثر بلساني وقدمي وملابسي وذكرياتي دون أن أتجرأ على أن أضع حدا  لهذه الحياة الملطخة! لست صيدا سهلا لانتحار وشيك, ولا أنشد في سكوتي سوى الحديث مع نفسي, هذه هي سلوتي الجديدة!

تعالي ساعديني, أريد أن اذهب الى الحمام!

شفيقة: حالا, سأنتهي من مسح الطاولة وآتي اليك!

ناهدة: تحركي, اسنديني, أنا بحاجة ماسة للحمام!

شفيقة: يا إلهي الا تصبرين لحظة واحدة!

ناهدة: انظري تتصرفين معي كما لو كنت اسيرتك, خادمتك! اللعنة على رحمي الذي حملك!

شفيقة: الا تكفي عن شتائمك!

ناهدة: أين أنت? (تصرخ)

شفيقة: حاضر, حاضر.

ناهدة: حاضر, حاضر

ولا تتحركين من مكانك!

شفيقة: إن استمرت لعناتك وسخطك علي بهذا الشكل, سآخذك الى ابنك الكبير, هناك ستفهمين معنى الرأفة!

ناهدة: لا, سأبقى هنا جاثمة على قلبك! وسأذهب الى الحمام وحدي!

تساعد نفسها, تمشي بصعوبة, متوجهة نحو الحمام!

شفيقة: رائع, جربي أن تساعدي نفسك! افرضي بأنني قد تزوجت, أو رحلت أو مت, ماذا كنت ستفعلين بدوني!

ناهدة: أنت ابنة رائعة! (بتهكم).

شفيقة: يجب أن تتعلمي الدرس كاملا من النساء الصبورات اللواتي فقدن أولادهن في الحروب!

ناهدة: نسيت كل شيء وحربي الاكثر ضراوة هي هنا, على هذه الجبهة, في هذا البيت حيث أخسر بهجتي! اللعنة علي  لأنني لم أعرف كيف اصطاد رجلا لأيامي الصعبة!

شفيقة: ليس هناك رجل واحد يستحق منا أن نرثيه أو نتذكره!

لم يكن الرجال يوما سوى مشاريع مؤجلة لخنازير برية!

همهم الوحيد هو ابتلاع المرأة بسريرها في لقمة واحدة!

ناهدة: ارجوك, إن وجدت خنزيرا  واحدا  اقبضي عليه واسحبيه من أذنيه الى سريري!

شفيقة: (تضحك)

ناهدة: لماذا تضحكين, أتعتقدين بأنني لست بحاجة للرجل!

شفيقة: على اية حال, نسيت أن اذكرك بموعدك مع المخرجة السينمائية, ماريا الفاجر.

ناهدة: اتصلي بها, والغي الموعد!

شفيقة: لماذا?

ناهدة: لأن لا جدوى من أي شيء!

فقدت الأمل بكل شيء:

شفيقة: يا امي , هذه المخرجة المعروفة تريد التعرف عليك بهدف اعطائك دورا كتبته خصيصا لظروف تشبه ظروفك, يجب أن تساعدي نفسك وإلا فإن الاحباط سيقتلنا!

هيا, غيري ملابسك وخففي من سخطك وشتائمك!               تقبلها, تعانقها!… هل أخذت دواءك?

ناهدة: لا, اريد أن اموت!

شفيقة: اهدئي , يا حبيبتي

يا روحي!

ناهدة: لست حبيبتك

ولا روحك

                        تبكي…..

شفيقة: لماذا تبكين!

ناهدة: هكذا, أبكي على حظي!

شفيقة: يجب أن تستعدي جيدا  لخطف فرصة تمثيل الدور السينمائي المرتقب! منذ عشرين سنة لم تفعلي شيئا يذكر على صعيد التمثيل! ألست في عطش حقيقي لأداء دور مميز يعيد لناهدة مجدها, هاه!

افتحي قلبك ومشاعرك لهذه المخرجة! وكلميها عن كل شيء! هكذا بلا خوف ولا تردد, وبشراستك المعهودة صبي لعناتك على كل من تسبب في نفيك واجبارك على العيش خارج بلدك!

اصرخي, اظهري سخطك وكلميها بصراحة عن تلك اللحظة المهولة التي فقدت فيها بصرك وأنت على خشبة المسرح!

ثم بسبب رحيلك واختفاء ابنك عبدالله والمبررات التي جعلتنا نعيش حياة غير آمنة, ومهددة!

ناهدة: اعطني سيجارة!

شفيقة: أركيلة أم سيجارة!

ناهدة: أرجوك, بلا مزاح!

                                تشعل لها السيجارة

ناهدة: وما نفع كل هذا الصراخ ما دمت قد خسرت البلاد فعليا!

عندما تخسرين جنتك فجحيم هي عليك أينما حللت.

صمت طويل, شفيقة تطفئ, التلفزيون, هدوء كبير يحل في البيت.

متى ستأتي نورا?

شفيقة: بعد نصف ساعة!

ناهدة: هل انخفضت حرارتها!

شفيقة: ترتفع وتنخفض!

ان عدم استقرار حرارتها يقلقني جدا .

ناهدة: لا تخافي!

شفيقة: ستأخذين دواءك?

ناهدة: بعد الطعام!

شفيقة: رائع, أمي سامحيني على عصبيتي!

ناهدة: لا اعرف لماذا كل هذه القسوة!

شفيقة: لا تظلميني!

                        تعانقها….

(بحب) تعالي, سآخذك الى الحمام بنفسي!

                                التلفون يرن..

ناهدة: التلفون يرن

شفيقة: لحظة من فضلك.

ألو.. ألو.. أهلا

أرجوك, اتصل بعد نصف ساعة, هاه, لا, أريد أن

آخذ أمي الى الحمام.

                        تغلق التلفون.

ناهدة: (شفيقة تسند أمها)

        أعرف بأني سأموت قبل أن ارى ابني عبدالله

شفيقة: هذا فأل سوء يا أمي! كفي عن هذه التصورات!

ناهدة: ماذا يفعلون به الآن!

كيف سيتحمل اهاناتهم وتعذيبهم ووحشيتهم, كيف! وهو الذي يشبه الناسك في سلوكه والشاعر في نظم كلماته ومخاطبته للناس!

شفيقة: تفائلي بالخير وادعي الله أن يرجعه سالما.

                يخرجا

                تدخل أمها إلى المرحاض وتعود

                يرن التلفون مرة أخرى.

ألو.. ألو.. اعذرني لأني مشغولة وأمي مريضة! حتى لو كان الأمر مهما! لا أستطيع الكلام الآن, أرجوك!

                                تغلق التلفون!

ناهدة: عامر كان على التلفون

                                من داخل الحمام!

أليس كذلك?!

شفيقة: لا

ناهدة: نعم نعم, لماذا تكذبين!

                        (صمت طويل)

شفيقة: تأخرت نورا.

ناهدة: كلمي معلمتها!

                                تدير قرص التلفون

شفيقة: ألو.. ألو.. مدرسة الأنوار! كيف أحوالك! عزيزتي أنا أم أنوار! نعم, تحركت السيارة منذ عشر دقائق! طيب أشكرك جدا.

                                تغلق التلفون!

                        تخرج ناهدة لوحدها

                        بمساعدة العكازة!

ناهدة: سينفطر قلبي  لأن صورة عبدالله لا تغيب عن عيني!

شفيقة: لا حول ولا قوة إلا بالله!

ناهدة: كان يمشي في الشارع مثل طير الجنة ثم فجأة طوقوه من كل مكان, وانهالوا عليه باللكمات والضرب, دماؤه سالت من رأسه, لا لشيء, فقط لنه لا يريد أن يتحول الى تمثال في حديقتهم ولا جندي لحروبهم ولا خادم لثكناتهم ولا شاهد  على اعداماتهم!

إسو د هذا الثدي من كثرة الفراق.

شفيقة: ماما, أرجوك, اسكتي.

                                يدق جرس الباب!

                                شفيقة تفتح الباب لنورا, التي تقبل أمها وتفلت باتجاه جدتها حيث يتعانقان بقوة.

نورا: هذه الوردة لجدتي الرائعة.

                                تقبلها مرة أخرى.

شفيقة: أين وردة ماما إذن!

نورا: غدا! ماما أنا جائعة.

شفيقة: سأسكب الأكل حالا.

نورا: جدتي ستطعمني بيدها!

تقبل جدتها مرة أخرى

وتنام على حضنها.

ناهدة: الحمدلله, حرارتها منخفضة!

نورا: أنت أروع جدة في الحياة

هل أقرأ لك نشيد اليوم.

ناهدة: إقرئي يا حبيبتي!

 

نورا تقرأ نشيدا مفككا وتغني غناء غير مترابط. بينما شفيقة تحضر الطعام على الطاولة, يرن جرس الباب, فتركض نورا وتفتح الباب تستلم رسالة من ساعي البريد.

نورا: شكرا عمو بريد.

                وصلتنا رسالة!

ناهدة: اعطيني الرسالة حبيبتي!

                        تقوم وتتحرك قليلا.

نورا, أين الرسالة!

                        شفيقة تركض نحو نورا.

نورا: رسالة من خالي عبدالله!

شفيقة: لا, الرسالة ليست من عبدالله

ناهدة: نعم من عبدالله هاتيها!

شفيقة: أمي, لماذا توترين أعصابي!

ناهدة: لمن هذه الرسالة!

شفيقة: لي من عامر!

نورا: لا, أنا قرأت المظروف!

واسم المرسل عبدالله

شفيقة: (بعصبية- تضرب نورا)

إن تدخلت مرة أخرى فسأقص لسانك!

ناهدة: إن لم تعطيني الرسالة سأخرج من البيت فورا.

لماذا تلعبين بأعصابي!

شفيقة: حتى لو كانت الرسالة من عبدالله فلن أقرأها لك إلا بعد الانتهاء من الطعام!

ناهدة: أكلت وشبعت!

شفيقة: والله العظيم إن لم تكملي صحنك, سأمزق الرسالة وما فيها!

ناهدة: لا, سأكمل صحني! نورا, تعالي, إجلسي إلى جانبي.

        نورا تجلس إلى جانبها ويأكلان بنفاذ صبر.

صمت طويل, أصوات الملاعق والسكاكين موسيقى مناسبة.

نورا: اعطيني الرسالة, أنا سأقرأها!

لسنا بحاجة إليك! (ما زالت تبكي)

شفيقة: إن لم تسكتي سأضربك على وجهك!

نورا: لا لا لا, لن تضربيني مرة أخرى!

                                تبكي بحرقة!

شفيقة: إن لم تسكتي سآخذك الى الغرفة!

نورا: (تصرخ أكثر)

ناهدة: لماذا تؤنبينها, إنها مريضة وحرارتها عالية!

شفيقة: مريضة وقليلة الأدب!

نورا: لو كان ابي موجودا لما ضربتني!

شفيقة: ماذا قلت?!

نورا: أريد أن أعيش مع أبي!

شفيقة: غبية, لم أر بنتا بمثل غبائك!

نورا: لست غبية, كلهم يقولون لي في المدرسة, لماذا طلق أبوك أمك! البعض الآخر يقول لي, هي أنت يا ابنة المطلقة!

شفيقة: طيب, اسكتي! (تكسر اداءها)

أش…. أش

وإلا سأكسر رأسك!

                تهرب الى حضن جدتها وتصمت تدريجيا.

يعم صمت ملغوم سرعان ما سينفجر.

نورا: جميع البنات يركضن نحو آبائهن الذين يحملوهن, ويقبلوهن بينما أنا أظل وحيدة دون حضن يلمني! هذا الشيء صار يؤذيني!

أكثر من مرة أذهب الى مرحاض المدرسة وأبكي بصوت غير مسموع لكيلا يسمعني أحد! لا اريد ان أكون بنتا منبوذة! لا أريد.

شفيقة: طيب, طيب (تحضنها وتقبلها) اغسلي يديك وغيري ملابسك واستعدي لكتابة وظيفتك!

نورا: لا.

ناهدة: اتركيها, تعالي حبيبتي, تعالي.

                تقبلها بحنو كبير!

                صمت طويل, الجدة تفتح التلفزيون,

                نسمع أخبارا سيئة..

المذيع: الجرافات هدمت سبعة منازل, المستوطنون ذبحوا بنتا فلسطينية ورموها في منتصف الشارع…

المستشفيات….

        شفيقة تطفئ التلفزيون

فجأة انفجار ضوئي عنيف يهز البيت, نورا تصرخ الجدة تحضن نورا.

(صمت طويل)…

يعود الضوء مرة أخرى فنرى الثلاثة الى جانب بعضهم. (صمت طويل).

شفيقة تفتح الرسالة.

شفيقة: أمي, ألا تريدين أن أقرأ الرسالة

ناهدة: نعم.

شفيقة: الحبيبة أمي.

حنين كبير الى وجهك الطيب.

وبوسات حارة إلى شفيقة وملاكي الرائع نورا.

أما بعد,,,

فأنا أكتب هنا تحت وطأة عتمة حقيقية وبرد يقص العظام وروائح تسد الشهية!

مكدسون هنا في حفرة ضخمة تشبه المقابر الجماعية.

كل الجنود في هذا المعسكر المقيت مستنفرون وراء رشاشاتهم التي تنتظر صباحات الاعدام!

الجنود يزدحمون بشهوة لا مثيل لها لكي يتفرجوا على الفتيان المحكوم عليهم بالاعدام وهم ينزفون دماءهم على قمصانهم وعظامهم!

لا أعرف مصيري حتى الآن!

أنا في حالة من الانتظار البائس!

لا النوم نوم ولا الطعام طعام المعدة فارغة والهواء يابس!

 

                انفجار ضوئي عنيف جدا….

الفصل الثاني

يهبط الستار على مسافة أربعة امتار من مقدمة المسرح, على الجدار او الستار نفسه توجد رسومات عامر الذي اعتاد أن يضرب بريشته المجنونة قلب اللوحة الكبيرة (الستار).

تدخل شفيقة بكامل اناقتها وحضورها اللافت, بينما ما يزال عامر يقوم ببعض الضربات على اللوحة.

شفيقة: مرحبة!

عامر: مساء الخير!

شفيقة: (صمت)

عامر: ما بك!

شفيقة: (صمت)

عامر: لماذا تأخرت!

شفيقة: مشاغل البيت وترهات الحياة!

عامر: لماذا أنت غاضبة!

شفيقة: لا شيء (تختزل أجوبتها)

عامر: اذا كنت حيادية نحوي الى هذه الدرجة.. فلماذا أتيتني.

شفيقة: هكذا, أريد أن أسلي نفسي!

عامر: تسلين نفسك?

شفيقة: لماذا تحاصرني بأسئلتك!

عامر: منذ قليل كنت أستمع الى أغنيتك التي غنيتها ذات يوم في هذا البيت!

شفيقة: أنت تذكرني بماض بائد!

عامر: كم كان صوتك قويا ودافئا!

للأسف, خربت موهبتك متقصدة!

شفيقة: كف عن تنظيراتك السقيمة!

عامر: كان يمكنك أن تكوني مغنية مشهورة!

شفيقة: لم أكن مغنية يوما ولا أريد أن أكون!

عامر: كعادتك تدوسين على الأشياء الجميلة!

شفيقة: ماذا تقول (بعصبية).

عامر: قصدي دائما تتركين نفسك طريدة للألم والحسرة!

كأنك تحبين دور الضحية!

شفيقة: طبعا, أحب دور الضحية أمام جلاد يشبهك!

عامر: ليتني كنت كذلك!

شفيقة: لا تدعي العفة!

عامر: ومن هو العفيف حقا في هذا العالم!

شفيقة: أنا!

عامر: (يضحك)

شفيقة: متى انتهيت من رسم هذه اللوحة!

عامر: قبل ساعة من الآن!

شفيقة: أكرهك, لكن لوحاتك تعجبني!

وضربات الريشة عندك مثل جسد الطائر الذي لا سطح له!

هكذا يظل يتخبط في السماء حتى يرتطم بنجمة ضخمة فيسقط وتسقط النجمة!

عامر: عندما أفرغ من رسم اللوحة, أحس كما لو كان الدم كله انسكب مرة واحدة من فمي!

شفيقة: (ترتجف)

عامر: ما بك! ترتجفين!

شفيقة: البرد ضرب عظامي!

عامر: اعطني تلك البطانية

                يعطيها البطانية فتضعها على كتفها!

عامر: أأخذك الى الدكتور!

شفيقة: هل تخاف علي !

عامر: كيف لا أخاف عليك!

من غيرك تملأ هذا المرسم بالصخب والصراخ!

شفيقة: (أسنانها تصطك) تصرفت بجنون فمشيت تحت زخات المطر دون جاكيت! يبدو أن الرطوبة مست عظامي! عانقني! تعال عانقني!

عامر: (يعانقها فعلا)

شفيقة: قبلني! قبلني أيها البغل!

عامر: اسمعي سأعطيك كأسا من الكونياك إنه كفيل بطرد البرد من عظامك!

شفيقة: وحدها قبلتك تستطيع أن تطرد البرد من عظامي!

عامر: تتذرعين بالبرد لكي تقبليني, هاه

                                يضحك!

شفيقة: وضيع, أنت رجل وضيع!

عامر: ماذا يضايقك! قولي ما عندك بسرعة!

شفيقة: اشعر بأن ثديي منتفخان أو كأنهما باقتان من الثلج!

لماذا يتسلل إلي  شعور خفي بكوني مقبلة على شيء غير مسبوق!

عامر: أتريدين أن تقولي لي شيئا خاصا!

شفيقة: (ترتشف قليلا من الكونياك).

عامر: ارشفيه مرة واحدة, هكذا

                يشربه جرعة واحدة ويصدر أصواتا!

شفيقة: (تفعل مثله) قوي جدا!

اللعنة عليك, ورطتني!

عامر: ما الذي يقلقك? ماذا يضايقك!

شفيقة: الأذى يأتيني من كل الجهات!

من جهتك!

عامر: من جهتي!

شفيقة: من جهة نورا التي تفتقد أباها بقوة! ومن جهة أمي التي تكاد توصلني الى الجنون بانتظارها عودة أخي! كيف أوضح لنورا استحالة عودتي لأبيها!

ولأمي استحالة عودة أخي إليها! كيف?!

إن أشق ما في حياة أم مثل أمي هو انتظارها لولد لا يعود!

ومع إحساسها الخفي بذلك, لكنها تظل تجلس يوميا امام عتبة البيت وتنتظر حتى منتصف الليل!

إنها تحول بيتنا إلى ساحة حرب حقيقية وتدفعنا جميعا الى انهيارات عصبية لا مثيل لها!

في وسط هذه المطحنة التي تطحن حياتي اليومية لم يبق لي سوى ذلك الضوء القادم من جهتك!

عامر: (يضحك)

شفيقة: لماذا تضحك!

عامر: أضحك على الضوء الذي يأتيك من جهتي أحقا يوجد ضوء يمكن أن يأتي من جهتي!

شفيقة: أردت أن أقول بأنني أحبك وأنت رجلي في هذا العالم!

عامر: لماذا تضعين على كتفي أثقالا لا استطيع احتمالها!

شفيقة: أليست أثقالي بخفة الطير يا عامر!

عامر: (يصمت)

شفيقة: حين أدخل مرسمك هذا, أحس بطمأنينة حقيقية!

كنت وما زلت شغوفة بالدخول إلى خيمتك, لمشاهدة النساء النائمات على أسرتك! النساء الحالمات, الممددات على نيران ريشتك! وفي لوحاتك!

قبل التعرف عليك كنت أقول لنفسي لو وقعت في غرامك, ترى إلى أين ستجرفني أمواجك! اعترف بأنني كنت أخاف المرور أمام بيتك, وان مررت أنسى المشي فأتعثر وأرتبك!

كنت أهمس لنفسي كيف سأزيح عباءتي أمام كاميراتك المنصوبة أمامي!

وإن صرت موديلك ذات يوم ألا تأكلني بنظراتك ورجولتك! ان ممارسة  الحب معك في الظلمة أخف على روحي من التعري بين زحمة لوحاتك!

كانت كلماتك تشبه ضربات وتر الكمنجة على روحي!

أتذكر يوم قلت لي ان لوحاتي مثل النسيان في لحظات العناق?

عامر: سأبدو أحمق وأسألك! بماذا تعولين علي !

شفيقة: أنت تفسد لحظتي هذه!

عامر: أريد أن تجيبي على أسئلتي أرجوك!

شفيقة: أحبك!

عامر: أنا أيضا أحبك ولكن لا استطيع أن أقطف ثمرة هذا الحب!

شفيقة: لماذا?

عامر: لان شجرتي نفسها جافة!

لم يصل الماء الى فمها ومعدتها خاوية!

شفيقة: لا تهمني هذه الخزعبلات من الألفاظ!

أنا أحبك!

عامر: لكنني لا أستطيع أن أقدم لك شيئا ولا لعائلتك! ولا لابنتك!

شفيقة: (بتهكم) لا أطلب منك أي شيء, وجودك يكفيني!

عامر: انت تحتضرين داخل دوامة حياتك في معارك البيت!

وأنا هنا أدفع فاتورة ضخمة عن كل أخطائي السابقة, نعيش هنا كالبهائم, أحلامنا ضيقة,

صباحاتنا بائسة! ليالينا هرمة!

شفيقة: كيف تشكو وأنت أكثر الناس قدرة في تحقيق مآربك!

عامر: سخطي يقتلني!

شفيقة: أرجوك, حدثني عن شيء يبهج روحي!

عامر: (يضحك)

طيب سأحدثك عن البلاد!

شفيقة: لا لا, اسكت!

عامر: البلاد التي آلمتني!

شفيقة: قل إنك ما تزال تحبني!

عامر: البلاد, ذلك الحطب الاكثر ملاءمة للنار

شفيقة: كلمني عن لون العقد الذي ستضعه في عنقي!

عامر: البلاد, مذبح الحرب, موت الفتيان ممرغة قبعاتهم بوحل المارشات العسكرية! بلادي التي لا حدود لضحكات صبيانها ولا سقف لشمسها ولا أرض لطيباتها! بلادي, التي لن أحوز فيها على كتفين لجنازتي ولا ندابتين لقبري!

شفيقة: إنس هذا الصهريج الحامي وكلمني عن برد القبلات!

عامر: نخبك

                        يشرب كأسا من النبيذ

شفيقة: ادفن هذه المآسي

وارجحني ثم ارميني الى الشمس!

عامر: أرجوك, لم أعد احتمل هذه الألفاظ.

شفيقة: ان قلت اني أحبك, تعتبر هذه مجرد ألفاظ!

عامر: لم أعد أحب أحدا ! لا اريد أن يحبني أحد!

                سأجلس في أسفل نفسي!

كم أنا بحاجة الى السكوت!

شفيقة: ماذا تقول?

عامر: لا تصرخي, وعليك ان تستعدي لما سأفضي به إليك!

شفيقة: سأخرج, لا أريد أن أسمع تهويماتك!

عامر: منذ الآن سأغلق بابي! لا اريد أن أرى أحدا.

شفيقة: أنت تطردني!

عامر: افهمي قصدي كما تريدين!

شفيقة: يوجد معنى واحد فقط لكلامك! وهو إنك استنقذتني وأني أصبحت عالة عليك! وفي قرارة نفسك تريد أن تبحث عن امرأة غيري!

عامر: كيف ابحث عن امرأة غيرك وأنت جاثمة علي !

شفيقة: أهكذا تسمي وجودك معك! وأنا التي احتضنتك

بكل ما عندي من أنوثة وأمومة!

وقفت الى جانبك في تسويق أعمالك, حولت بيتك الى جنة يحسدك عليها اصدقاؤك! لم تفهم معنى عناقي ولا خوفي عليك!

عامر: ألم تلاحظي بأن دخولك الى بيتي وبقاءك معي ليلا نهارا, نهارا ليلا, جعل البيت مجرد مساحة لرغباتك! لم أعد أستطيع أن أدعو أحدا! وأي امرأة تهاتفني أو تدق بابي تعتقدينها فورا عشيقتي! عندما أعود من أي موعد تشمين قميصي ويدي ورقبتي علك تعثرين على دليل لامرأة طارحتني الغرام!

لقد مات البيت, لا تلفون يرن ولا احد يدق الباب! لم يعد أحد يرن سواك! بعدما كان بيتي جمهورية واسعة لأصدقائي الموسيقيين والرسامين والرسامات! انظري, لقد اصبحت وحدي!

شفيقة: أنت تحضرني لقرار كفيل بأن يقتلني!

عامر: لا أريد أن أحضرك لشيء! لكني أرجوك افهمي معنى أن أكون حرا! وأن تكون لي مساحة لحريتي.

شفيقة: قل كل ما عندك بصراحة! وبصراحة حقيقية هو انك ترى حريتك من زاوية واحدة! وهي الحرية التي تكفل لك ذلك التعدد من العلاقات! هو أن تحول هذا السرير إلى اباحية لتمارس الجنس مع من هب ودب من نسائك اللواتي يحلمن بحريتهن أيضا!

أنت تريد أن يكون هذا السرير وهذا البيت ملعبا  للقحاب! وان اخلاصي لك يهدد هذه الحرية ويذبحها حسب تعبيرك!

عامر: ماذا تريدين مني بالضبط!

شفيقة: أن أكون معك وحدك!

عامر: أنا لا أريد أن أكون معك وحدك!

شفيقة: لماذا لا نعيش سويا بالحرية التي نشتهي.

عامر: لا أستطيع.

شفيقة: ما معنى التعدد في نظرك!

ماذا يكسبك تعدد العشيقات والعلاقات الهامشية سوى تفريغ روحك من الخصوصية ونكهة التفرد ولذة العناق الصادقة التي لن تجدها في أي منهن!

عامر: طيب, لأنني لا أشبهك أفضل أن لا أعيش لذة العناق ولا نكهة التفرد! أريد أن أكون عموميا, هكذا, بلا لمسات متفردة! أحب المرأة التي لا تفضل البقاء عندي في الليل!

وأحبذ ان اجلس في الصباح دون أن ترتطم يدي في الفراش بجسد امرأة, إنني أعشق النوم لوحدي! أريد أن أقلب جسدي وأرمي رجلي ويدي وأحلم واشخر وأحس بالعطش وافتح التلفون لكائن من يكون وفي اللحظة التي أحب! لا أحب الرقيب ولا الشرطي الذي يحسب علي  أنفاسي! حتى هذه البوسات التي تفاجئني فيها بين لحظة وأخرى

وطوال النهار لا أحبها!

مللت منك ومن عناقك ومن ممارسة الحب معك!

وشبعت من أكل الفاصوليا, أكره التبولة واحتقر الصيادية (والباربيكيو) ثم من الأنسب لك ولعائلتك ولأمك التي تحتقرني أن تعودي إلى زوجك الرائع, أبو ابنتك, نورا الطيبة, لا يوجد أفضل من الزوج المثالي العفيف الذي يعود في المساء حاملا بطيخة ضخمة باليد اليسرى وباقات من الجرجير في اليد اليمنى! يمارس الحب معك بلمح البصر ثم ينام أبديا حتى اليوم الثاني دون قلق وارتعاشات وأرق وخوف.

شفيقة: لم أرك وأنت بهذه الدرجة من الضحالة! بحياتي لم أطلب منك أن ترتبط بي ارتباطا ميكانيكيا! كنت دائما أفتح لك الباب الواسع لكي تتصرف بوقتك أمام لوحتك دون أي ضغط عليك من ناحية توفير حاجيات البيت! مثل أمير قارة ضخمة أتركك لألوانك وشغفك بعملك بينما أقوم في نفس الوقت بترتيب الطبيخ الطيب والمناخ الملائم لمزاجك! ارتب لك المقالات الصحفية التي كتبت عنك في ملفات منظمة, ارتب المناخ الرائق واللطيف لكي يكون في خدمة مزاجك! دائما كنت تقول إم م, الله ما أطيب أكلك, وفي الحمام عندما أفرك لك ظهرك تصرخ آخ, ما أروعك, وفي مساجات الليل عندما أدعك جسدك بأصابعي تعوي وتقول, يا إلهي!

اعترف بأن قد تغيرت! لماذا تبرر برودك نحوي بكل هذا الصراخ الأجوف! لماذا تريد أن ترتب هربك مني بهذه الطريقة المجانية الشوارعية التي تفتقد الى المنطق والرجولة! هاه, تريد أن تخرجني من حياتك, طيب, قلها بصراحة, اخرجي من حياتي أيتها الصرصورة السمينة!

لماذا تكذب علي  وتريد أن أصدق هذه الألاعيب والفبركات, هاه! كنت تقول, شفيقة لم تعانقني امرأة بهذه الحميمية والشهوة في حياتي كلها! ألم تقل لي ذلك!

اعترف بأنك تغيرت! لأن لا لمعة ولا شرارة في عينيك!

إذن كنت تلعب علي  بالأحرى تلعب بي وتستخدمني لمشروعك الشخصي! وعندما انتهى مشروعك, تريد أن ترميني كما لو كنت كيس زبالة! فجأة سقطت في الكذب!

تريد أن تمثل علي  دورا وتطلب مني أن أقبله!

ستقول لي بأنك كنت خائفا علي  ولا تريد أن تكسر وجودي وتؤلمني لأن قلبك لا يقوى على مفاتحتي بحقيقة مشاعرك!

دائما كنت تلعب معي اللعبة إياها!

القبلة في يد, بينما الخنجر باليد الأخرى التي ستطيح بالقبلة! ترفعني دائما الى مقام الذبح!

تكتبني على ورقتك وأنت تدري بأنها ملطخة!

اعطني أغراضي إذن….

                        تقوم وتبحث عن أغراضها!

أين اساوري, ساعتي

                                تفتش!

ثوب النوم, انظر!

العطر….

الصور….

مرآتي….

مكياجي…

(تبكي) ألم ترسم هذه اللوحة لي?!

ألم ترسمني عليها  هاه

عندما كنت تخدش شفتي ببوساتك!

عامر: ستخرجين من هنا دون أي شيء!

 

تبكي بمرارة عالية تصل حد الهستيريا!

تتهجم على اللوحة وتمزقها بجنون!

تدوس على الأغراض!

لقد ضاع كل شيء!

كنت أحبكي ملجأي!

ضاع كل شيء!

                جنونها وهستيريا حركاتها توقظه فيخاف

عامر: طيب, طيب, اتركي اللوحة ولا تصرخي أرجوك!

شفيقة: ضاع كل شيء

                        تكرر كلمة ضاع كل شيء!

عامر: شفيقة لا تكوني مجنونة! اهدئي

شفيقة: كنت أحسبك بيتي! أهلي!

عامر: إهدئي (يمسكها, هي ترتجف, تسقط على الأرض)

                يخاف ويحاول احتواء الموقف!

                طيب كنت أمزح معك!

شفيقة: (تبكي بحرقة)

عامر: أرجوك, أرجوك!

شفيقة: لم أقصد استفزازك!

                يجلب الماء, يرشه على وجهها,

                فتستيقظ وتتنهد, وتبكي.

عامر: سأتصل بالطبيب…..

شفيقة: لا لا لا لا.

عامر: أأتصل بأمك!

شفيقة: لا…..

شفيقة: ماذا سأفعل!

عامر: (تمسك يديه)

أعتذر, والله أعتذر عما قلت! كنت أريد أن ألعب وأمزح معك, أحبك والله العظيم أحبك.

أرجوك إن مت سأموت!

                        يعانقها بقوة…

يا إلهي, ماذا فعلت بنفسي….

شفيقة: إش…. لا تتكلم…

عامر: حاضر… سأسكت….

الفصل الثالث

ناهدة جالسة أمام التلفزيون, نورا نائمة في حضنها! تدخل شفيقة كما لو كانت قادمة من الحرب! مع ذلك تتصرف باسترخاء وعادية وكأن شيئا لم يكن.

شفيقة: ماما حان موعد نومك!

                تزيح جاكيتها, ترمي أحذيتها وتسقط على الكنبة بكل تعبها!

ناهدة: إش, لا ترفعي صوتك, نورا نائمة!

شفيقة: هل تعشيت?!

ناهدة: أكلت القليل من اللبنة والطماطم!

شفيقة: إذن خذي الدواء ونامي!

وإن لم تفعلي ذلك, ستعرضين نفسك الى الخطر!

ناهدة: لست قادرة على النوم!

شفيقة: لماذا تعاندينني!

                شفيقة تحمل نورا من حضن

                جدتها وتأخذها الى فراشها!

ناهدة: يوميا تجبريني على الذهاب الى فراش النوم بينما الأرق ودوامة الأفكار تجعلني مستيقظة حتى آذان الفجر!

شفيقة: ابلعي حبة المنوم وستنامين نوما مريحا!

ناهدة: لا, حبة المنوم تهيجني!

شفيقة: (تضحك)

ناهدة: وما الذي يضحكك!

شفيقة: على كلمة تهيجني!

ناهدة: طبعا تهيجني!

                ليس بالطريقة الحقيرة التي فسرتها!

شفيقة: هاه, قصدك تهيج وساوسك وجنونك!

ناهدة: لا, تهيج حقدي عليك!

                الساعة الثانية والنصف الآن

                انتهت كل نشرات الأخبار!

ناهدة: ألم تصل رسالة جديدة من ابني عبدالله

شفيقة: عدنا إلى الندب, أين الريموت كونترول

ناهدة: لن تطفئيه!

شفيقة: نورا نائمة والوقت صار متأخرا جدا

                        تطفئ التلفزيون

ناهدة: حقيرة, أنت بنت حقيرة!

شفيقة: موافقة, أنا أحقر امرأة أنجبتها أنت!

ناهدة: أفهم مؤامراتك جيدا, تريدين أن تقذفين حب المنوم في معدتي لكي أنام ثم تنفلتين للقاءاتك المشبوهة!

شفيقة: تتحدثين عن عامر, أليس كذلك!

ناهدة: بالضبط, البغل, حبيبك!

شفيقة: لا , تشتمي الرجل!

ناهدة: لا أطيق رؤيته!

وإن رأيته سأبصق بوجهه!

شفيقة: لماذا تكرهينه!

ناهدة: لأنه لا يريدك! لا يحبك!

شفيقة: وكيف عرفت بذلك?!

ناهدة: اعترفي بأنك تتشبثين به بينما هو يتملص منك!

لم أرتح لا لصوته ولا لتعليقاته حتى لو قلت لي بأنه رسام مشهور وإن الفتيات يتزاحمن عليه!

شفيقة: يحبني أو لا يحبني, ليست هذه مشكلتي, بل مشكلته!

ناهدة: لماذا تغلقين غرفتك عليك يوميا وتبكين مثل جرذ أبله! أتظنين بأنني لم أسمعك ولم أرقب مكالماتك!

شفيقة: أن علاقته بي حرة! لا أطلب منه شيئا!

حبنا يختلف عن حب الآخرين!

سأسميه الحب الأبعد!

الأكثر ليبرالية!

ناهدة: ألم ينم معك!

شفيقة: (صمت)

ناهدة: بعد أن حرث في جسدك صرت تتحدثين عن الحب الأبعد! الحب الحر, الذي لا يثقل الآخر بالتزامات الزواج أو الخطبة أو أي ارتباط!

رائع, من مصلحته أن يدفعك لتبني مثل هذه الأقاويل! لماذا لأنه يعرف كيف يرتب هروبه التدريجي!

شفيقة: تصفين علاقتي به وكأنني في معركة!

ناهدة: بالطبع, العلاقة بين الرجل والمرأة معركة صعبة المراس!

لهذا منعت أباك وصفعته صفعة تاريخية, لأنه لم يستطع أن يستبيحني!

شفيقة: لأنكم جيل أهبل!

ناهدة: من يصون جسده ولا يبيع كرامته تسمينه أهبل!

شفيقة: لا تفهمون معنى الزمن.

ولا معنى الجسد

تخطئون في كيفية تفجيره

واستثماره فتتحولون الى دمى معطلة! بحجة العفة والحشمة!

ناهدة: طيب, بعد أيام سيتركك الرسام, فتقعين في حب الموسيقى, ثم بعده السينمائي والنحات, وعازف الكونترباص, والممثل!

ووووو…. إلى أن تتحولين الى جسد معطل!

شفيقة: الجسد جسدي وأنا حرة به!

ناهدة: تفو على جسدك إن كان بهذه الدونية!

شفيقة: خلص خلص, اذهبي الى النوم! لا تسكتين إلا حين تنامين! ليتك تنامين شهرا بكامله فارتاح ويهدأ بالي!

ناهدة: إن أحسست بوجوده هنا, سأكسر رجله! والله.

سأضع السكين الى جانبي!

شفيقة: إن تفوهت بكلمة أكثر, فسأترك البيت!

ناهدة: اتركي البيت..

                        تصرخ

لماذا تبحثين عن مبررات تافهة لكي تذهبي إليه!

شفيقة: أحبه, أحبه, أحبه!

ناهدة: منحطة.. بنت منحطة!

يأكلني الندم لأنني انجبتك!

اصلا أبوك كان يطلب مني أن أجهضك!

غبية, لماذا لم أفعل ذلك! لماذا…

شفيقة: (تصرخ صرخة كبيرة فتوقظ نورا التي تبكي بعنف).

الفصل الرابع

يرن جرس التلفون في ساعة متأخرة من الليل, يظهر عامر تحت لمبدير وشفيقة في بيتها تحت لمبدير أيضا بينما الجو كله معتم.

عامر: مرحبا .

شفيقة: (صمت)

عامر: ما بك!

شفيقة: لا شيء..

عامر: كيف حرارة نورا.

شفيقة: أحسن

عامر: وأمك….?

شفيقة: اش, اخفض صوتك, أمي نائمة!

عامر: أمك صارت تشكل مصدر رعب حقيقيا لعلاقتنا!

شفيقة: علاقتنا?

عامر: قصدي لحبنا!

شفيقة: أرجوك غير الموضوع!

عامر: على أمك ان تميز بين أن أكون صديقك أو رجلك

شفيقة: من أنت, صديقي أم رجلي!

عامر: صديقك ورجلك!

شفيقة: تكذب,

لأنك أنت نفسك لا تعرف إن كنت حقا صديقي أم أنك رجلي! أم أن علاقتنا مجرد نزوة سوقية للذة عابرة, انفجرت ثم تلاشت!

عامر: حتى هذه اللحظة أنت امرأة رائعة!

شفيقة: امرأة رائعة, جملة في غاية الركاكة ويمكن أن تقولها لأي من كان!

عامر: علي  أن اثبت لأمك بأنني الرجل المثالي التي تريد هي ان تصطاده لابنتها!

شفيقة أحبك, أحبك بطريقتي الخاصة!

وإن كانت علاقتنا الجسدية قد غطستنا بشروط عبودية باهظة الثمن فأنا حريص على نزع فتيل تلك العبوة الناسفة التي يسمونها السرير, الجسد, الجنس!

                (صمت طويل)

شفيقة: تكلم تكلم (باستهزاء)

        اش لحظة

                نسمع صوت ناهدة من بعيد

عامر: ماذا حصل!

شفيقة: لحظة لحظة… ماذا تريدين!

ناهدة: مع من تتكلمين?!

شفيقة: مع الشيطان! هل عندك مانع!

ناهدة: شيطانة تكلم الشياطين

لا بأس

شفيقة: نامي ارتاحي!

                        تعود للتلفون!

عامر: عندما رأيتك لأول وهلة قلت لنفسي, هاه, هذه هي وردة فردوسي!

دخلت الى مرسمي كما لو كنت مهرة تتوسل العر رقصت, رقصت, رقصت حتى صار مرسمي موقدك وسريري سر جسدك ولوحاتي شهوة فرحك!

كنا أحرارا بحق وعلاقتنا كانت رحبة, خاصة, بعيدة عن أية رؤى ضيقة!

لهذا السبب أزهر الانتظار الكثير من الورود والرفرفة.

إلى أن سقطنا في الحفرة!

شفيقة: أية حفرة?!

عامر: حفرة القياسات!

تريدينني على قياسك وأطلب منك أن تكوني على قياسي!

أقصد المسطرة العاطفية, مسطرة المطاليب, مع انك لم تطلبي من أن نرتبط رسميا لكنك فعلت ما هو أشنع من ذلك!

استعبدتني!

شفيقة: اسمع لم لا تأتي الآن!

عامر: اين?

شفيقة: إلى البيت! إلى هنا!

عامر: وأمك!

شفيقة: نائمة!

عامر: أمك غولة لا تنام!

شفيقة: لا تخف تعال بسرعة!

عامر: شفيقة لا تعرضيني الى مهزلة لم أحسب لها الحساب!

شفيقة: تعال, لا تضيع الوقت.

يرتدي جاكيته

ترتدي شالها

يتحركان فقط إلى الأمام تحت ظرف ضوئي مختلف, يزداد الإحساس بالارتباك!

ناهدة: هل اعطيت البندول لنورا!

شفيقة: يا إلهي, لم تنامي حتى هذه اللحظة!

ناهدة: قلت لك حبة المنوم تؤرقني أكثر!

شفيقة: طيب, أنا قادمة!

ناهدة: ماذا تفعلين لوحدك

شفيقة: أقرأ!

                تتقدم إلى الامام, هو أيضا…

يعانقها بقوة             تقبله بحرارة وحرقة!

عامر: أحبك,  أحبك, أحبك! 

كم أشعر بالذنب لأني استفزيت مشاعرك في اللقاء

المنصرم!

لعنت نفسي وحظي والخوف ذبحني! خفت عليك,

شفيقة لم أكن أقصد اهانتك أبدا!

فقط أردت أن نناقش طبيعة علاقتنا!

شفيقة: خدشتني وأحدثت شرخا كبيرا بروحي!

لم أعد واثقة من شيء! انهارت ثقتي بالجميع!

عامر: لا, لا تقولي مثل هذا الكلام!

شفيقة: أعطيتك عمري كله, تصرفت معك كما لو أني حملتك تسعة أشهر في بطني ثم أنجبتك!

عندما كنت تعانقني, كانت تنتابني امومة لا مثيل لها خصوصا عندما تحدثني عن غربتك ومنفاك وتوقك الى شوارع بلدك, وعباءة أمك, وعاطفة أختك وأهلك وإخوانك!

أردت أن أجمعهم كلهم هنا, في هذا الصدر!

لم استطع أن أتحمل غيابك ولا ثانية واحدة!

كم أموت, وتموتني الساعات عندما تطلب مني أن ترسم لوحدك!

لا أعرف لم أحبك بهذه الدرجة من الجنون!

ألانك متيم ببلدك ويتيم بدونه! أم لأن بلدك هو طفلك المذبوح في صدرك!

عامر: حبيبتي, لا تكملي!

شفيقة: يا حبيب شفيقة, وعشقها وظمأها! وجنونها ورعونتها وطيبتها!

                        تقبله بحرارة وحرقة

عامر: لم يبق أمامي سوى حل واحد!

شفيقة: (صمت)..

عامر: السفر….                       صمت طويل..

شفيقة تنكس رأسها ولا تستطيع ان تنظر اليه!

نعم أريد أن أرحل من هنا!

لم أعد أطيق البقاء في هذه المدينة, نفد صبري,

الاحباط يجر قدمي نحو التهلكة!

فقدت شهيتي للأكل

والشراب والكلام

والنوم واليقظة

فقدت الإحساس بكل شيء!

شفيقة: عبث, أنت توغل في عبث البحث عن الملاذ!

عامر: لقد قررت

شفيقة: ودون أن تأخذ رأيي

عامر: اعرف بأن الخبر سيقع على رأسك مثل الصاعقة ولكني…

شفيقة إنني اجتر ألمي اجترارا.

أحمل غربتي بداخلي وأجوب الشوارع, شارعا شارعا

لكي أحصل على رغيف حر.

أعود يوميا الى مرسمي محبطا لا أقوى على حمل الريشة

أو تحريك الألوان أو زحزحة اللوحة!

فصلوني من وظيفتي لأنني ذات يوم كنت مصرا على أن أقول الحقيقة, الحقيقة كلها دون نقصان دون تجميل أو تزييف!

لهذا السبب اعتبروني محرضا زنديقا يساهم في تخريب والنيل من المقدسات والمحرمات!

لم أفعل شيئا سوى إني أردت أن أفتح لتلاميذي أبواب الرؤيا وأن أكشف لهم عما يحيط بهم من عسف وجور وجوع وإهانات وظلم, وخوف ورعب!

لم أدخل الفراش يوما إلا وجسمي مهدودا, منزلقا إلى نفق من الأحلام الكابوسية القاتلة!

خائف, أنا خائف من تلك الجيوش التي تتسلق مناماتي للاطاحة بلوحاتي وأهلي!

افهمي إذن لماذا امتنعت طوال السنوات الماضية عن بيع لوحاتي أو أن أعرضها لأني أخجل من تلك الأمية الطافحة والأميين الذين التبس عليهم معنى الاشارات والدلالات والمعاني!

هذه هي الأسباب التي تجعلني أحمل حقيبتي مرة أخرى لبلد آخر!

                                صمت…

شفيقة: وأنا?

عامر: ستتحررين مني!

اكتشفي معنى جديدا لحياتك بعيدا عن بؤسي!

شفيقة: لم تسألني فيما إذا كنت سأصاب بلوثة الجنون أو فقدان الذاكرة أو أن أخرج الى الشارع بحثا عن نساء انتمي إليهن في زحمة المواخير والبارات!

لم تسألني كيف سأحتمل غيابك ولا عن معنى حياتي بدونك!

هكذا بكل بساطة, تضع قمصانك وفرشاة أسنانك وأدوات حلاقتك, جواز سفرك, تضع كل هذه الحاجات في الحقيبة وتمضي! طيب, لم تسألني فيما اذا فكرت جديا  بالمجيء معك!

عامر: كيف?!

شفيقة: أسافر معك! أحمل حقيبتي وأرفعها الى جانب حقيبتك!

ونمضي!

عامر: مجنونة!

شفيقة: مستعدة أن أترك كل شيء من أجلك!

عامر: حتى ابنتك?!

شفيقة: حتى ابنتي وأمي وبيتي!

عامر: كيف تتركين امرأة فقدت بصرها وطفلة تركها أبوها!

شفيقة: (يزداد توترها) لا أعرف!

قل عني امرأة ساقطة

امرأة بلا ضمير بلا عدالة!

قل ما تريد لأنني أريدك ولا أستطيع العيش بدونك!

عامر: لماذا تطلبين المستحيل!

شفيقة: ابقى هنا أو اذهب معك!

عامر: حبيبتي, روحي!

شفيقة: لا تلعب علي  بهذه الألفاظ.

تمسكه من عنقه

لن تذهب! لن اتركك تذهب

عامر: يا شفيقة (يصرخ)

افهمي جيدا  بأنني يئست من كل شيء وأريد أن أبحث عن ضوء!

شفيقة: وأنا عن ماذا سأبحث!

لماذا تريد أن تدوس علي  وتمشي!

عامر: لم أدس عليك, لقد أوضحت لك كل شيء! لا أستطيع البقاء معك!

شفيقة: ستترك البلدة بسببي إذن!

عامر: لم أقل ذلك!

شفيقة: نعم هذا هو السبب!

عامر: عندما تتخلين عن أمك وابنتك, هذا يعني انك ستتخلين عني ذات يوم!

شفيقة: منحط! منحط!

عامر: بذلت جهدا في اقناعك بمشروعي لكيلا أفقد علاقتي بك!

افهمي جيدا إن أحدا منا يجب أن يمضي!

لذلك اخترت أن أكون أنا لكيلا أعرضك إلى المزيد من الألم والسخط العائلي.

لا اريد أبدا أن أتحمل ذنوب هجرانك لابنتك!

شفيقة: هكذا هي صفات الرجل الماهر الذي يفهم كيف يفبرك الذرائع!

الكذب أصبح وسيلتك الملائمة للضحك علي  واللعب بمصيري!

انني احتقرك وأدوس عليك وأرفضك, أغرب عن وجهي.

                        تنتابها الهستيريا,

لكن هذه المرة ليس نحو البكاء إنما للعنف والتكسير!

(تهزه) كلب, كلب, كلب, كلب

ناهدة: لماذا أدخلتيه الى حجرتك!

انظري ماذا فعل بك!

                        يخرج عامر من المكان

شفيقة: أحبه, أحبه, أحبه!

ناهدة: اسكتي ولا تتصرفي بجنون! دعيه يذهب, هناك ألف رجل يتمنى أن يقبل قدميك!

شفيقة: أتركيني اريد أن أقتل نفسي!

والله سأقتل نفسي

                تصرخ

أين السكين! أريد أن أذبح نفسي!

        نورا تصرخ بجنون وتركض بين أرجاء المسرح!

ناهدة: شفيقة إهدئي!

نسمع شفيقة وهي تحطم المطبخ

تذهب نورا نحوها!

صراخ مرير يتناهى من جهة المطبخ

تخرج نورا والدم على قميصها ويديها!

نورا: (تبكي) جدتي, جدتي…

جدتي!

الفصل الخامس

تبدو ناهدة في هذا الفصل أكثر حيوية وحركة كما لو أنها استعادت شبابها بسبب أملها في قدوم المخرجة (ماريا الفاجر).

بينما شفيقة ممدة على الأريكة بلا كلام وقد لفت على يديها قطعة قماش مشدودة إلى عنقها!

أما نورا فإنها مثل فراشة النور, تلعب وتقفز وتستمع الى الموسيقى.

نورا: جدتي ألا تحبين هذه الموسيقى!

ناهدة: رائعة, بحيث إنها أثارت في نفسي شريطا من الذكريات!

نورا: جدتي لماذا تظلين تتكلمين عن الذكريات!

ناهدة: الذكريات يا حبيبتي هي تفاصيل يومية لماض كنت أستطيع أن أرى النور فيه!

نورا: جدتي أحب أن تحدثيني عن حكايات الأيام القادمة!

ناهدة: ليس لي أيام قادمة سواك, أنت أيامي القادمة!

نورا: ألم تقولي لي بأن القلب يستطيع أن يرى أكثر من العين أحيانا?!

ناهدة: أحيانا  يا حبيبتي!

نورا: طيب. قلت لي بأنك سعيدة جدا اليوم لأن المخرجة ستزورنا!

ناهدة: صحيح جدا!

نورا: وإن هذه المخرجة سترشحك الى دور من أدوار السينما!

ناهدة: صحيح!

نورا: جدتي, أنا أيضا أحب السينما,

وأحب أن أكون ممثلة مثلك!

ناهدة: إن شاء الله!

نورا: قولي للمخرجة بأن نورا ممثلة ذكية!

ناهدة: حاضر…

نورا: لماذا تقولين لي بأن المستقبل معتم, جدتي مادمت  ستمثلين في السينما! هذا يعني أن المستقبل مشرق!

جدتي, لماذا لم تصلنا رسائل من خالي عبدالله!

ناهدة: لا أعرف, خلاص حبيبتي كفي عن الأسئلة!

نورا: (تلتقط صور عبدالله أحب خالي أكثر من السماء وأكثر من البحر وأكثر من العالم.

                                تقبله

ناهدة: إذهبي وأيقظي أمك من النوم!

نورا: دعيها تنام!

ناهدة: لا, يجب أن تستيقظ!

نورا: ستضربني!

ناهدة: لا تخافي! قولي لها بأن موعد مجيء المخرجة صار قريبا! وجدتي تطلب منك أن تساعديهافي اختيار الفستان المناسب!

نورا: أنا أقول لك ما هو الفستان المناسب!

ناهدة: اذهبي يا حبيبتي!

نورا: حاضر

                تذهب نورا…

نسمع صوت نورا وهي توقظ أمها!

ناهدة: هيا يا شفيقة الوقت يمضي بسرعة (تصرخ)

شفيقة, لقد تأخر الوقت!

نورا: تريد أن تنام نصف ساعة أخرى!

ناهدة: لا, تأخر الوقت!

نورا: تقول بأنها جائعة جدا!

ناهدة: أنا أيضا جائعة, لتنزل وتقلي لنا البيض بالطماطم!

نورا: (من بعيد وبفرح) هي, بيض وطماطم, أحب هذه الأكلة!

جدتي استيقظت ماما!

                بفرح كبير

ناهدة: نورا, تعالي, غيري ملابسك لكي تفطري وتذهبي الى المدرسة.

نورا: ليس لدينا دوام, جدتي اليوم عطلة!

ناهدة: لا تكذبي علي!

نورا: لا والله العظيم, اليوم عيد المعلم!

ناهدة: تعالي واعطني كوبا من الماء!

نورا: حاضر جدتي!

        نورا وهي تنتقل في البيت تغني وترقص وتشيع بهجة صباحية!

شفيقة: الساعة الثامنة صباحا!

لماذا ايقظتني الآن!

ناهدة: والله طوال الليلة البارحة لم أنم ساعة واحدة فرحا بموعد مجيء المخرجة!

شفيقة: وما علاقتي بموعدك مع المخرجة! لو تركتيني أنام ساعة واحدة فقط!

ناهدة: هيا, هيا, يا ابنتي الطيبة والرائعة.

شفيقة: منذ اربع سنوات لم تقولي لي مثل هذه الكلمات!

ناهدة:إن لقائي بالمخرجة اليوم أثار في  الكثير من التوق لأيام بروفاتي على دوري في مسرحية النخلة والجيران وفيلم من المسؤول ومسرحية نفوس وأعمال كثيرة غيرها.

أشعر اليوم وأنا اهيئ نفسي للقاء هذه السيدة كما لو كنت طالبة تريد توا أن تقدم نفسها إلى معهد الفنون المسرحية.

فرح طفولي رائع ينتابني إلى أيام مسرح بغداد!

تلك الأيام التي جعلت مني ممثلة لها مكانتها بين الناس!

لن انسى أبدا ذلك الازدحام الشديد على شباك التذاكر بمسرح بغداد, خصوصا في مسرحية النخلة والجيران!

حيث كان الناس يتدافعون من كل المدن بتلك الباصات الخشبية القادمة من كربلاء والعمارة والبصرة والمحمودية, وبابل والموصل.

وايام الخميس كانت تتحول إلى أيام أعياد وكرنفالات, جمهور متدفق متدافع يدخل المسرح بحب وإعجاب للممثلين!

عندما كانت المسرحية تنتهي يعم تصفيق مدو يهز الجدران وحين نخرج من المسرح, وبعد نهاية العرض المسرحي, نذهب إلى بيوتنا كما لو كنا جميعا ننحدر من عائلة واحدة, منهم من يقرأ, والآخر يغني, الثالث يرقص, والجدل الرائع حول قضايا تلك الأيام ومشاكلها وآلامها يستغرق منا وقتا طويلا ومؤنسا!

يا إلهي كم كانت عائلتنا المسرحية عائلة نادرة, وطيبة وطموحة. إلى أن عمت العاصفة العمياء التي أطاحت بنا جميعا! فأنزلقنا إلى أرصفة الله الغريبة!

شفيقة: (بعصبية) البيض بالطماطم!

                تضعها أمام ناهدة

نورا: أم م, أحب هذه الأكلة!

شفيقة: وهذا الخبز الساخن!

نورا: ماما, أين الشاي!

شفيقة: حاضر.

نورا: العسل ماما العسل والمربي!

شفيقة: مدي يديك! ألا تريدين أن تأكلي?!

ناهدة: وما سبب عصبيتك

شفيقة: لأنك منذ الصباح الباكر بدأت بخطاباتك الأثيرة!

نورا: هل أعمل لجدتي سندويتشة طيبة!

ناهدة: لا.

نورا: بلى يجب أن تأكلي!

ناهدة: طيب حبيبتي, سأشرب الشاي ثم آكل!

شفيقة: زعلت?

نورا: (صمت)

شفيقة:  اسمعي جيدا, لم أعد بقادرة على تحمل أي شيء!

اهترأت أعصابي ونفد صبري!

افهموني جيدا!

نورا: ماما, سأمثل في السينما مع جدتي!

شفيقة: غش, اخفضي صوتك!

                        تصرخ بها!

ناهدة: شفوقتي حبيبتي, لماذا هذه العصبية!

شفيقة: لم أعد أحتمل أحدا

أحس بأنني ثقيلة وفارغة

ناهدة: تعالي تعالي, اقتربي مني!

                تقترب شفيقة!

                تقبلها, تحنو عليها!

حبيبتي ابنتي الطيبة!

لم تسأليني عن لون الفستان الذي سأرتديه لمقابلة المخرجة

شفيقة: (صمت)

ناهدة: أريد أن أرتدي الماضي كله في فستان واحد!

نورا: جدتي, الفستان الأحمر!

ناهدة: حبيبتي, كيف عرفت!

شفيقة: أرجوك يا أمي لا تثقلي على المخرجة بالحديث عن الذكريات المملة وعن تعلقك بأهلك وحزنك الشخصي لأنك بعيدة عن العراق!

نحن الآن موجودون هنا, هنا!

افهمي جيدا, العراق صار بعيدا

جدا, العراق صار بعيدا جدا!

ولن يعود لنا أبدا!

افهمي هذا الشيء!

نورا: لماذا تزعقون عندما تتكلمون!

شفيقة: لقد حرمنا إلى الأبد من العراق!

أكرر افهمي هذا الأمر.

ناهدة: لا, لا أريد أن أفهمه!

شفيقة: لماذا, ألديك أمل بالعودة إلى بغداد?!

ناهدة: نعم! بكل تأكيد, لدي كل الآمال!

شفيقة: منذ ثلاثين عاما وأنت تتحدثين عن هذا الأمل! بنفس هذا العنف!

دائما كنت تضعين حقيبتك بجوار الباب متوهمة بأنك سترجعين!

لن ترجعي وعليك أن تسرعي لشراء قبرك هنا في لندن قبل نفاد القبور!

هنا الناس يشترون قبورهم مسبقا, يدفعون أجرة موتهم وأجرة العربة التي ستحملهم من البيت الى المقبرة!

ناهدة: لا أريد قبرا , اقذفوني من الطابق العاشر! أو احرقوا جثتي!

شفيقة: طبعا ستقولين انك تفضلين أن تموتي في وطنك, في بلادك!

هناك في كرادة مريم, هناك في بغداد, حيث سيكون مرقدك الأخير الذي ستحفظين فيه كرامتك, هناك بجانب أقاربك! طبعا ستحدثين عن الندابات في أهلك وعشيرتك الذين سيحملون نعشك ثم سيقرأون الفاتحة على جثمانك, سيصرخون ويبكون.

افهمي يا أمي, إن كل هذه الرغبات صارت مستحيلة, حلم بعيد المنال!

طيب, لننس الموضوع!

أي فستان سترتدين لمقابلة المخرجة?!

ناهدة: (صمت)

شفيقة: لماذا سكت?

نورا: جدتي, تكلم, أأتي بالفستان إلى هنا?!

شفيقة: نورا اجلسي ولا تتكلمي.

ناهدة: سأقابلها بثيابي هذه

شفيقة: لا تزعلي مني يا أمي

دائما أحاول أن أعود بك الى الواقع!

وهذا يصب في مصلحتك ولا يجعلك تهوين وتشيدين طوابق في الأحلام!

ناهدة: طيب, اتركيني!

شفيقة: أعتذر منك! لم أقصد إيذاءك!

ناهدة: انتهى كل شيء, عندما تأتي المخرجة, قولي لها بأن ناهدة مريضة!

نورا: لا لا لا, أريد أن أمثل معك!

شفيقة: يا إلهي, سأضربك على وجهك!

ناهدة: لا تؤذي الطفلة!

شفيقة: طيب, أنا امرأة سوداوية وحقيرة

ناهدة: (تبكي)

شفيقة: أمي, أقسم بالله العظيم لم أقصد ايذاءك!

كنت أريد أن أحدثك عن ألمي!

ماذا أفعل?

ابتسمي يا احلى أم وأرق ممثلة في هذا العالم, تعالي, تعالي.

                        تعاملها كصبي صغير!

سألتقط الفستان الأحمر!

وسترتدينه أمامي هاه!

                تجلب لها الفستان وتضعه على ناهدة!

يا إلهي, ما أروع هذا اللون!

أقسم ان المخرجة سترشحك لدور البطولة في فيلمها القادم!

سيرن صوتك من جديد

روحك وجسدك سترتفع إلى مصاف عال جدا!

وكما كنت نجمة المسرح ذات يوم بدون منازع فان هذا الدور في هذا الفيلم سيعيد إليك مجدك, لتكوني نجمة هذا الموسم وكل المواسم!

سيرشحون الفيلم بعد ذلك لعدد من المهرجانات وستحصدين الجوائز والأوسكارات ستعيدي لهذا البيت زهوه ولهذا المنفى البارد زهوره.

نورا: ماذا, لماذا لم تعد عمتي تكتب لنا الرسائل!

حتى خالي عبدالله لم يعد يكتب لنا!

جدتي سأكتب رسالة الى خالي عبدالله!

وسأقرأها عليك بعد انتهائك من لبس الفستان!

شفيقة: نورا اهدئي إلى أن ألبس جدتك فستانها!

نورا: حاضر!

                تخرج كل من ناهدة وشفيقة!

يتغير جو الاضاءة تدريجيا ليصير ضبابيا

        (تكتب الرسالة)

نورا: حبيبتي ونور عيني خالي يقلقنا جدا جدا جدا عدم وصول رسائلك الطيبة والرائعة

        الموسيقى تدخل هنا كمواز  تصعيدي!

أحب بوساتك وعناقك الرائع وحديثك الشيق!

        تهبط أرجوحة من السقف, الجو يزداد كابوسية

الموسيقى تزداد عنفا !

هنا سأضع في هذه المظروف وردة حمراء يبقى عطرها على صدرك العريض وعيونك السوداء, ووجهك الباسم

المرسلة حبيبتك نورا وبدل أن ابعث الرسالة بالبريد سأطير أنا والرسالة على هذه الارجوحة!

خالي انتظرني, سأكون عندك بلمح البصر!

شفيقة: نورا انزلي يا نورا

نورا: لا لن انزل!

سأطير نحو خالي عبدالله, اعطيه الرسالة وآخذ منه رسالته!

شفيقة: انزلي يا مجنونة!

 

تزداد الموسيقى شراسة وطيران الارجوحة عاليا وعنيفا ويصبح خطرا ومقلقا!

تعود شفيقة فترى نورا محلقة على الارجوحة.

يتصاعد الإحساس بالخطر!

تصرخ نورا صرخات مدوية جدا  فتثير فزع أمها!

الصرخة الأخيرة توحي وكأن نورا قد وقعت أو سقطت أو ارتطمت بالأرض..

                إطفاء..

تسكت الموسيقى- صمت طويل نسمع دقات على الباب تركض نورا لتفتحها, تعود وهي حاملة رسالة!

نورا: (بهدوء) ماما رسالة من خالي عبدالله

شفيقة: (تفتح الرسالة)

نورا: هل خالي عبدالله بخير!

اعطيني الرسالة, أريد أن أقرأها!

        تعبير عميق الاحساس بفقدان عبدالله نهائيا!

شفيقة: (تبكي)

نورا: ماما, لماذا تبكين?!

                يعطي الممثل مساحة واسعة لأداء مثل هذه اللحظة.

نورا: (تكرر كلمة ماما وتهز أمها)

الفصل قبل الأخير

تظهر الممثلة ناهدة بفستانها الأحمر الجميل, ووجهها المطلي بالبياض, الجو في مجمله في هذا الفصل الأخير مأتمي, وموت عبدالله يترك أثره المفزع على سلوك ناهدة وشفيقة ونورا الذين يبدون وكأنهم عجائز في عمر الصبى من خلال ملابسهم وأقنعة وجوههم واشاراتهم وطريقة أدائهم, كأن الشخصيات الثلاث في هذا الفصل مقتطفة من حديقة الموتى!

الأداء رصين, عميق وهادئ لكنه محكوم بسياقات وتشظيات داخلية آيلة الى الانفجار.

وناهدة تستقبل المخرجة

ناهدة: أهلا بك.

ماريا: ماريا الفاجر

ناهدة: أهلا (باقتضاب شديد)

(صمت)

قهوة?

ماريا: ليس الآن!

هل أنت مريضة

ناهدة: (صمت)

ماريا: لن آخذ من وقتك!

من كثرة ما قرأت عنك

كنت متلهفة لرؤيتك!

ناهدة: شكرا

ماريا: تمكنت من العثور على نسخ من أفلامك القديمة..

اسمحي لي أن أعبر عن اعجابي بتلقائيتك وأدائك النقي, غير الملوث.

ناهدة: (تبتسم)

ماريا: هذا هو ما أبحث عنه في الممثل!

ناهدة: (صمت).

ماريا: في التمثيل العفوي النقي يصبح الجنون المباغت في الأداء ضروريا لرفع سوية الصورة.

وأنا شخصيا لا أحب الممثلين القرود المفتونين بأوهام التمثيل!

أحب أولئك الجسورين, المباغتين, القساوسة المخلوعين عن صلبانهم.

قصة الفيلم الذي أريد أن أرشحك لتمثيل الدور الأول فيه يقوم على احاسيس امرأة فقدت ولدها في أقبية الحرب!

الحرب! الحرب التي شقت عظام الناس وأزهقت أرواحهم! الحرب البائسة العبثية التي تحول البلاد إلى الحطب الأكثر ملاءمة للأفران الضخمة.

امرأة لا تعثر على ابنها أبدا إلى أن يضعوه ذات يوم أمام عتبة الباب..

ملفوفا ببطانية عتيقة والجسد مغربل بالرصاص..

                        صمت طويل..

تدخل نورا بوجهها المطلي بالأبيض المفزع.

تجلس في حضن جدتها!

ناهدة: نورا..

ماريا: هاي, هللو..

نورا: (صمت)

ماريا: أيزعجك ان دخنت!

ناهدة: لا.

ماريا: هل لي أن أعرف كيف فقدت بصرك على المسرح?

ناهدة: (صمت)

ماريا: طبعا إن أحببت ذلك!

ناهدة: (صمت)

كان المسرح فارغا في ذلك اليوم!

عندما ذهبت على غير عادتي بشكل مبكر!

ما أن دخلت المسرح حتى انطفأ التيار الكهربائي..

مع ذلك وجدت في ضوء الشمعة متنفسا لي في غرفة المكياج حيث قضيت هناك أكثر من خمس ساعات!

خفت من ذلك الاحساس بفقدان النور!

ارتبكت, انتابني شعور خفي بأن شيئا سيحدث خلال عرض تلك الليلة!

عاد التيار الكهربائي إلى المسرح قبل افتتاح المسرحية بدقائق الأمر الذي أدى إلى حالة انفراج بين الممثلين والجمهور الذي ازدحم بشكل كثيف!

بدأت المسرحية, بينما كان الممثلون مرتاحين في أدائهم كنت أحس بانقباض وألم ونسيان!

في لحظة مفاجئة بينما كنت أؤدي دوري فقدت نظري!

قلت في نفسي هل انقطع التيار الكهربائي ثانية? لم يعلق أحد من الممثلين على ذلك! ولم تصدر أية اشارة تؤكد على انقطاع التيار الكهربائي ثانية, الجمهور مازال يصفق للممثلين بشكل طبيعي, قلت إذن تحققت الفاجعة! لقد فقدت بصري! مع ذلك حاولت أن أواصل أدائي وكأن شيئا لم يحدث, لكن الممثلين فهموا الوضع حالا!

أحد منهم وبذكاء غير معهود صار يقودني من مكان إلى آخر حسب تسلسل المشاهد إلى أن أنزلوا الستار على المسرحية على آخر ومضات ضوء في حياتي..

منذ ذلك اليوم, لم يعد النهار نهارا بشمسه المعهودة ولا البحر بحرا بتدفق مويجاته ولا القمر قمرا  بنوره الضخم لم أعد ارى شوارع بلدي ولا جوه أولادي.

ولا حتى, تلك الزهور التي زرعتها في حديقة بيتي, مات ذلك المكان الأكثر عشقا في حياتي, المسرح.

نورا تصرخ بشكل مفاجئ وهي ترى شفيقة التي شنقت نفسها..

نورا: جدتي, جدتي

جدتي………

(تصرخ بجنون)

الفصل الأخير

        ناهدة الرماح في أعلى حالات الهزيمة الروحية والجسدية..

وحدي.

العدم مسرتي.

والبروجوكتورات التي أضاءت فزعي, الانوار المعلقة في حلقي, تنبش آخر بذور القمة!

لا ضوء يقفز من جهة العين

لا فراشة صبح جسورة

ولا عربات تهدر على سكة

الحديد المجاورة لبيتي

كل ما هو أمامي وورائي

محض حطام!

والبلاد التي هجرتني أكثر حطاما مني

مع أي حشد من النمل سأمضي  سهرتي القادمة, هناك في مؤانسة الموت سأتلو آخر أدواري المؤجلة!

ماء عفن سيجرف وردة استحالة شوكة في فمي, خلسة, وبخجل غير معهود سيسحبون جثتي الى المقعد ويحشرون عظامي في التابوت هناك في وحل اللاأحد اللابلاد, اللا صديق, ستدفن جمجمتي!

آخ, الندم يذبح أصابعي لأنني لم أوقع وقتها على استقالتي من العالم, من الاوطان, ومن الاحياء والموتى!

لم لم انفذ وصية دكتوري النصف مخبول, عندما صرخ بي ؛من الأفضل لك أن تنتحري في بلادك, ذلك أكثر لذة ولزوجة من التفسخ في مقابر الغرباء«.

كل شيء هنا, على هذه الأرض مشلوم, محتوم, مر, مريض, مهدم, مرمي, كل شيء, كل شيء, اللميديد يتدنى في بؤس

الكرسي الذي أرمي فوقه شراييني المعطوبة, ثقيل, مشروخ.

والابر التي أزرقها, كل ست ساعات تنتصب أمامي مثل شخصيات بيكت المنتظرة, الشرشف الذي يغطي حدبتي النفسية, أكثر ملاءمة لشخيري العفن!

هنا حيث لا خشبة مسرح ممددة على رؤوس الجماهير المغيبة, كل شيء ينفرط, مثل أم شابة لم يكتمل رحمها!
نص: جواد الأسدي مخرج وكاتب مسرحي عراقي

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …