أخبار عاجلة

أجراس الموت والميلاد قراءة في قصيدة “الموت والنهر للسياب”

كيف تعامل النقد العربي مع السياب ؟

لقد قرأنا سيرة السياب، وتتبعنا معاناته النفسية شابا وكهلا، قرأنا الكتب التي قرأها السياب، والكتب التي لم يقرأها، دنا قوائم بمن تأثر بهم، ومن لم يتأثر لاحظنا أوجه الشبه بين إليوت وسيتوبل وأوجه الاختلاف عن غيرهما، سنا كل صغيرة وكبيرة في حياة السياب واعترافاته راضه، حتى تمكن النقد أخيرا من اكتشاف علاج المرض. مات به السياب. فماذا كانت النتيجة ؟

مثلما قسم النقد الفرنسي المفكر جان _ جاك روسو الى اثنين، هما "جان _ جاك » و "روسو» ووضع عب ء معاناة الانسان على كاهل المفكر، قسم النقد العربي السياب الى اثنين هما "بدر شاكر» الانسان و "السياب » الشاعر، وجعل ضعف الأول سجبا لإبداع الثاني. هكذا تم النظر الى السياب وكأنه حالة نفسية تتفجر شعرا،وكأن نقاده محللون نفسيون يتحول ضعفه النفسي مصدر قوة لهم.

من المؤكد أن السياب كان ثاني ثلاثة في أهم حركة تجديد عرفها الشعر العربي الحديث، وهي حركة الشعر الحر، التي يتنافس عليها ويشترك فيها السياب ونازك الملائكة والبياتي. ولقد انفرد شعر السياب بين هؤلاء ببعض الخصائص التي ستحاول هذه القراءة الوجيزة المرور بها، ثم تنصرف الى التحليل النص لقصيدة "النهر والموت “.

وفي الوقت الذي حصرت فيه نازك حركة الشعر الحر بوصفها "حركة تجديد عر وهي” في الأساس، كان السياب يرى أنها ثورة شاملة تمتد من أصفر الوحدات الشكلية حتى تطال طبيعة رؤية العالم، ولهذا لم يتردد في الجمع بين الرؤية اللأشعرية في خادمية الألفاظ للمعاني والاستعارات الحيوية في الرومانسية في قوله :"لابد لكل ثورة ناضجة أن تبدأ بالمضمون قبل الشكل، فالشكل تابع يخدم المضمون والجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد، ويحطم الاطار القديم كما تحطم البذرة قشورها”. لقد صار بالإمكان الآن الاعلان عن ميلاد مفهوم جديد للقصيدة، قبل الآن كان هناك "شعر"، أي تتابع خطي من الأبيات الموزونة. أما الأن فقد صار بالامكان الحديث عن،" لقصيدة “ التي تتسم بالوحدة. وهذا ما شخصه السياب نفسه قائلا :" لقد أصبح الشاعر الحديث يطمح الى أن يجعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء بحيث لو أخرت وقدمت في ترتيب أبياتها لاختلت القصيدة كلها. أو فقدت جزءا كبيرا من تأثيرها على الأقل. فهل يسمح الشاعر الحديث للقافية الموحدة بأن تكون حجر عثرة في سبيله هذا؟”

حين نفحص فكرة«القصيدة “ باعتبارها كيانا عضويا متماسكا يختلف عن الشعر الذي هو تتابع أبيات تقبل التقديم والتأخير، تظهر لنا فكرة ضمنية أخرى وهي "النص “. فالقصيدة منذ الآن كيان نمي متداخل المستويات. ومن طبيعة الكيان النصي أنه لا يكتمل الا بمخاطبة قاريء فاعل مشارك في انتاجه من ناحية، وامكان تحليله من ناحية أخرى الى مستويين هما المستوى الصوتي الذي يعتمد وسائل التنميط الصوتي التي تخاطب الأذن، كالجناس والتورية والوزن والايقاع والقافية.. الخ، والمستوى الدلالي الذي يعتمد وسائل التنميط الدلالية التي تخاطب الفكر كالاستعارة والكناية والمجاز المرسل والالتفات ووجهة النظر…. الخ، وكان السيأب يعرف تماما انه يجرب نقلة على مستوى وسائل التنميط الصوتي في الشعر العربي بتحرير القافية واطلاق عدد التفعيلات، ولكنه في الوقت نفسه كان يدرك أن ما يقوم به أي عنصر في مستوى معين يؤدق بالضرورة الى تغيير المستوى الآخر، ولذلك فإن الوزن والقافية ليسا من الوسائل الصوتية وحسب، بل هما يؤديان خلسة وظيفة دلالية أيضا. ومن هنا يصر على اعتبارهما "حجر عثرة “ دون وحدة القصيدة.

كثيرا ما وصف السياب بالغنائية، وهذا وصف صحيح دون شك، لا لأنه يميل الى إبراز المقاطع الوزنية التلقائية في شعره ولمحا ولته المزج بين البخور ذات التفعيلة الواحدة والبخور متعددة التفاعيل فحسب، بل لأنه يهتم بايقاعية الكلمة المفردة في ذاتها ومن هنا تأتي تجاربه في تضعيف ما لا يضعف، وفي التكرار، الذي يوشك أن يجعل الكلمة "شيئا". ولعل أكثر مظاهر احتفال السياب بغنائية الكلمة المفردة يتوافر في تكراره للكلمات ذات البناء الرباعي المأخوذ عن الثنائي المكرر مثل (همهمة ) و(وسوسة ) و(وشوشة ) و(كركرة ) و(هسهسة ). وكذلك الكلمات ذات البناء الثلاثي المأخوذ عن الثنائي المكرر مثل (رنين ) و (أنين ) و(صليل ) و (دبيب ) و(حفيف ).. الخ وتشترك جميع هذه الكلمات في كونها تدخل فيما يسمى بكلمات المحاكاة الصوتية (Onomotapetic) أي الكلمات التي تعبر عن أصوات هي نفسها تقليد لأصوات الطبيعة. لا أعني أن اهتمام السياب بها يعود الى شعوره باشتراك هذه الكلمات في كونها تعبر تعبيرا طبيعيا عن أفكار، فقد تجاوز علم اللغة هذه النظريات منذ زمن غير قريب، وان يكن للشعر حيلة والتي تختلف عن طبيعة التناول اللغوي، بل أعني أنه يهتم بها لجرسها فقط. فهذه الكلمات تمثل أفكارا بشكلها وصوتها أكثر من معناها، أو الى جانبه، لأنها تعتمد على تكرار إيقاعي يسمح لها بأن تكون صدى صوتيا أو مرآة مسموعة.

غير أن هذا الاهتمام بالصوت يقابله اهتمام مماثل بالدلالة ووسائلها البلاغية، والتشبيه هو أحدى الوسائل الدلالية التي تتكرر في شعره، اذ لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تشبيه. بل انه لا يتردد في إدراج عدد كبير من التشبيهات دفعة واحدة. ولو قارنا بين استعارات السياب وتشبيهاته لوجدنا طغيان التشبيه على الاستعارة. صحيح أن التشبيه يمثل وسيلة بلاغية بدائية قياسا بالاستعارة، لكن السياب يحاول أن يقدم تشبيهات مرنة ودقيقة، غالبا ما تتسم بصفة المتناهي في الصفر. وهذا ما يقلل من بدائية التشبيه ويضفي عليه شيئا من الطراوة. بل إنه أحيانا يسوغ صوره استنادا الى ما يمكن تسميته بـ"تشبيه التناظر” أو تشبيه شيشين بشيشين، وهو نموذج من التشبيه عرفته البلاغة العربية ومثلت عليه ببيت بشار الشهير:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

               وأسيافنا ليل تتهاوى كواكبه

وبيت المعري :

ليلتي هذه عروس من الزنج        عليها قلاثد من جمان

لقد شبه بشار كثافة الغبار والتماع السيوف من خلاله بليل تتساقط فيه الكواكب، وشبه المعري الليلة المظلمة ذات النجوم المنتظمة بعروس زنجية عليها قلادة لامعة. وفي الحالتين يظل التشبيه تشبيه شيئين بشيئين،كل منهما متناه في الكبر ولو قارنا هذين البيتين بقول السياب :

مثلما تنفض الريح ذر الغبار

              عن جناح الفراشة مات النهار

لوجدنا أن السياب يعمد أيضا الى تشبيه شيئين بشيئين، لكنه يقدم لنا جملتين فعليتين : (تنفض الريح..) و (مات النهار) بسبب استخدام (مثلما) تتضمن جملة (مات النهار) استعارة سكنية لغياب الشمس. فكأن اختفاء شعاعات آخر النهار الذاهب في ظلام الليل القادم تساقط الألوان الزاهية عن جناح الفراشة في الريح. وهذا يعني أن التشبيه عنده يتميز بصفتين : الأولى الحركية الواضحة في استخدام الجملة الفعلية، والثانية : بروز عنصر المتناهي في الصغر (جناح الفراشة ). لقد استخدم السياب وسيلة قديمة بعد أن طوعها لحاجاته الأدبية الجديدة.

أما أبرز المظاهر الدلالية التي استحوذت على اهتمام نقاده، فهو استعماله للأساطير والرموز بطريقة أمثولية تسمح له بتحريكها زمانا ومكانا، دون أن تكون للرمز قيمة اسمية ثابتة.وهذا الاستعمال، فيما أرى، هو الذي ميز شعر السياب في تلك المرحلة من عمر الشعر العربي، بما يمكن لنا أن نسميه بـ "إبستيم الرومانسية العربية،، حيث تمكنت الأنا الشعرية من التحرر من الجماعة الى الفرد، فتحولت من "أنا جمعية " تتكلم باسم الجماعة وتعبر عنها، الى "أنا فردية " تريد أن تختزل تاريخ الجماعة، وربما الانسانية كلها،في ذات واحدة. هذا طبعا فضلا عن استثماره المقلوب للمرآة، كما بينا في مكان آخر، الذي توجد فيه المرآة في علاقة تناوبية مع الصورة المرآوية. اذا حضرت المرآة غابت الصورة المرآوية، واذا حضرت المرآوية غابت المرآة.

نعود الآن للتحليل الشي عصيدة "الموت والنهر".

بدءا من العنوان، نجد أننا في إزاء نوع من المقابلة المضمرة بالادماج، الموت لا يقابل النهر، فهو ليس نقيضه. نقيض النهر :هو الميلاد، ونقيض النهر: اليباس والجفاف. ولا ذكر للميلاد أو الجفاف في القصيدة. بل نجد، على العكس من الميلاد، تكرار مفردات الموت والموتى والدماء السائلة، وبدلا من الجفاف تتكرر مفردات الخضرة والشجرة والغصون والثمر. وهذا بالطبع عكس ما يحصل في "انشودة المطر" مثلا، حيث تظهر المقابلة صريحة بين الموت والميلاد:

 دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف

والموت والميلاد والظلام والضياء

هنا نعرف أن في النقيض نزوعا لاستبعاد نقيضه. واذ يحن النقيض الى نقيضه في غالب الأحوال في اللفة العادية، تستبعد (النهر والموت ) عنصرين من طرفي المقابلة الأساسية. فالصورة في الأصل هي:

النهر # الجفاف

الميلاد# الموت

لقد تخلى العنوان عن طرفي المقابلة المتضادين، وأقام تناظرا ضمنيا مضمرا بإدماج النقيضين بما يقابلهما، فأدمج النهر بالميلاد والموت باليباس، ثم جعل المقابلة بين الموت والنهر، لذلك تخلت القصيدة تماما عن الميلاد والجفاف، فلم يظهرا فيها مطلقا.

بعد العنوان مباشرة يأتي الترقيم، قسم السياب القصيدة الى مقطعين. يتحدث المقطع الأول بضمير المتكلم عند طفل صفير كما سنرى، لكنه بلا رقم. ويتحدث المقطع الثاني بضمير الشخص نفسه بعد عشرين سنة، لكنه يحمل رقم – 2-. الترقيم لا يقرأ دون شك، بل يكتب، في طبعتي دار مجلة شعر، ودار العودة سقط الترقيم الأول. ولعله سقط سهوا لا يهم. ما يهم هو حضور الرقم – 2- وليس غياب الرقم -1- ان وظيفة الترقيم هنا أن تفرينا بوجود ثنائية بين مقطعين،مثلما في العنوان. وستسوقنا هذه الثنائية الى افتراض قيام القصيدة على الثنائيات لكنها ستهرب الثلاثيات خلسة مثلما تفعل قصيدته الأخرى "تعتيم ".

تبدأ القصيدة بنداء بويب "بويب.. بويب ". نهر منادى. لقد بدأ العنوان يدخل في نسيج القصيدة، فالنهر المقصود هو بويب. ولكن كيف عرفنا أن بويبا منادى هنا؟ الا يمكن أن يكون بويب مبتدأ خبره (أجراس برج) ؟ يمكن طبعا. لكن لو أننا انتبهنا الى جميع الصيغ الأخرى الواردة في القصيدة لعرفنا أنها جميعا وردت بصيغة (بويب.. يا بويب )، أي بإثبات يا النداء، حذف ياء النداء هنا يؤدي الى غموض إعرابي مقصود. ونحن قراء القصيدة، لا نعرف هل كلمة "بويب » منادى أم مبتدأ، وهذا يعني أننا لا نعرف هل الجملة التالية متصلة بها خبرا، أم منقطعة عنها.لكن تكرار (بويب يا بويب ) هو الذي يطمئننا انها منادى. فمن يناديه ؟ أهنأك شخص آخر أو قناع، أم شخص الشاعر نفسه ؟ بعبارة لسانية، هل هذا المفتتح مكتوب بالمونولوج أم بالمونولوج المروي؟ حين ننتهي من الأبيات الستة الأولى ترد عبارة «فيدلهم في دمي حنين »، وتتابع بعدها ضمائر المتكلم (دمي نهري، قبضتي.. الخ ). ويبدو أن المتكلم يلح على كلمة "أجراس » فيكررها ثلاث مرات في النص : "أجراس برج، أجراسا من الحنين، أجراس موتى». الأجراس : جمع جرس، وجمع جرس أي الصوت المتكرر الرقيق، وما يخرج منه الصوت.

ما علاقة بويب بالأجراس ؟

ان الصيغة الصوتية لبويب صيغة ذات بجرس، أي صوت يتكرر هو الباء الذي تبدأ وتنتهي به الكلمة. وكذلك الماء الذي تنضحه الجرار، والأثر الذي يحدثه في النفس. فثمة عدوى تكرار متواصلة في المقطع على المستوى الصوتي تشيع الجرس في مفاصل القصيدة. يتحول صوت الجرار الى أجراس من الحنين، ويتحول الحنين الى أجراس بللور ذائب، وتتحول أجراس البللور الى أنين يهتف : "بويب يا بويب »، التكرار ليس بناء صوتيا وحسب، بل هو بناء دلالي. وتكفي النظرة العامرة لمعرفة نسبة تكرار الجرس في الكلمات الثلاثية المأخوذة عن الثنائي المضعف، وهي في الغالب من كلمات المحاكاة الصوتية كما قلنا.

أسماء                           أفعال

بويب                           أود (6مرات )

قرارة                           أشد (مرتين )

الجرار                         أطل

انين                            يصل  

حنين                           تظل

أسرة (سرير)                  احسن

التلال

ضفة (ضفاف )

الظلال

السلال

القرار

صليل

الحرير

السرر

الرنين

رصاصة

تحضر بنية التكرار الصوتي في التشبيهين الساذجين في القصيدة : "يا نهري الحزين كالمطر» و "ينضحهن العالم الحزين كالمطر». التشبيه في الحالتين تشبيه الماء بالماء، والسيولة بالسيولة. النهر كالمطر والعالم الناضح بالدهاء والدموع كالمطر. لكن التشبيه هنا لا يأتي لقياس عنصر بعنصر آخر، بل إن كلمة (مطر) لا تهتم اطلاقا بصورة المطر أو نوعه أو عنصره، بل تهتم بصوته.وهي ليست معنية بما يرسمه المطر من أشكال تخاطب العين. بل بما يقوله من أصوات وأجراس تخاطب الأذن، في المطر جرس وخرير وصوت تساقط. وهذا الجرس السمعي هو الذي يجعل المطر حزينا. واذ يطو هذا الخرير والجرس على كل ما في العالم من أصوات، يجعل النهر نفسه والعالم كله حزينين، برغم سيولتهما الظاهرة وربما بسببها.

من هنا يأتي التأكيد على أهمية حاسة السمع في القصيدة (وأسمع الحصى يصل منك في القرار). بل إن الرغبة في السمع تحول الحواس كلها الى أذن. وفي عبارة (وأرهف الضمير دوحة الى السحر ) يحول الشاعر عبارة (يرهف السمع ) الى (يرهف الضمير) في محاولة للاستماع بكل الحواس.

وتتيح لنا البنية السر دية _الأمثولية في قصائد السياب أن نجرب عليها بعض التقنيات السر دية المتمثلة بوجهة النظر على الخصوص. فغيما يتعلق بوجهة النظر على المستوى المكاني، تبدأ القصيدة بـ "برج ضاع في قرارة البحر". ونستطيع أن نفترض أنه برج بابلي قديم مما يسمى بالزقورة، أو الذكورة – كما يجب أن نقول – التي يذكر فيها اسم الله، وهو برج هبط الى قراءة البحر، أو باطن الأرض. فتحول العالي الى هابط ولعلى الفعل الماضي يعني أن البرج لم يضع الآن بل ضاع منذ زمن سحيق، حتى لم يبق منه سوى جرسه الذي يتكرر في جرس المياه في الجرار والمطر. هذا الولع بصور الارتفاع الذي يهبط يتكرر في قوله : «أود لو أطل من أسرة الظلال ». الإطلالة هي أصلا النظر من مكان مرتفع الى شيء خفيض. غير أن المتكلم يريد أن يطل ليلمح القمر. أفلا يكفيه – وهو على مرتفع التل. أن يرفع رأسه ليجد القمر فوقه مباشرة ؟ نعم لكن الشاعر ين د أن يؤكد ما تسميه السر ديات الحديثة بوجهة نظر عين الطائر، حيث يتم وصف الأشياء من الأعلى مما يسمح برؤية المشهد الكلي.

بعد صورة البرج يهبط الشاعر مباشرة ليقدم لنا صورة داخلية نسمع منها نبض دمه "فيدلهم في دمي حنين ". ثم يناوب الهبوط بصعود الى مرتفع التل، ثم بهبوط آخر يتمثل في الرغبة في معانقة الحصى في قرار النهر. هنا نكون بإزاء ما أسميه بـ "راوي حبل الوريد»، حيث الراوي يعانق الأشياء التي يردها ويسمع نبضها، فيكون أقرب اليها من حبل الوريد، أن التعاقب الذي نجده بعد هذين المقطعين في التساؤل عن السمك الساهر والنجوم التي تطعم آلاف الابر، هو تعبير عن الارتفاع من قرار النهر الى العلو الشاهق مرة أخرى، أي الارتفاع من وجهة نظر راوي حبل الوريد الى وجهة نظر عين الطائر، أما وجهة النظر على مستوى الزمان، فقد رأينا أن القصيدة تنقسم الى مقطعين يمثل كل منهما مشاعر المتكلم في فترة من حياته، الأول في صباه، والثاني بعد عشرين عاما، غير أن أحداث السنوات العشرين ليست سوى استذكار. فزمن القصيدة لا يستغرق أكثر من يوم واحد يتم فيه استرجاع ماض بعيد. وأول عنصر زمني يظهر من عناصر يوم القصيدة هو الغروب :

الماء في الجرار، والغروب فى الشجر

ثم يستولي الظلام الكامل على المشهد : "أود لو عدوت في الظلام »، مع حلول الظلام يستطيع الشاعر أن يرى القمر والنجوم بوضوح (فيتكرر ورودهما). وبعد التأمل في عشرين عاما من الحياة التي لا يتردد في أن يقيسها بالدهور، يطبق الظلام مرة أخرى فيستقر الشاعر في سريره، حتى يبدأ السحر بالانبلاج :

واليوم حين يطبق الظلام

واستقر في السرير دون أن أنام

وارهف الضمير دوحة الى السحر.

هناك اذن حركتان على مستوى وجهة النظر في المكان والزمان، حركة عمودية في المكان ما بين علو وهبوط، وارتفاع وانحدار، مثلما يتضح في الانتقال من وجهة نظر عين الطائر الى راوي حبل الوريد، أو العكس. وهي حركة يمكن تمثيلها بالشكل التالي :

  

وحركة أفقية مقابلة لها في الزمان، تبدأ بالتظاهر باسترجاع صور الخيال الطفلي المتمثل في العودة الى الصغر«الموت عالم غريب يفتن الصغار"، ثم الى استذكار الحاضر بعد عشرين سنة : "عشرون قد مضين كالدهور» وهي حركة تقسم القصيدة الى مقطعين. لكن هذه الثنائية الزمانية لا تتم إلا للتمويه على ثلاثية هي ثلاثية (الغروب – الليل – السحر) التي يتحرك ويشف كل منها عن وجهة نظر معينة : تعاقبية Diachronic وتزامني  Synchronicوقيومية تتصف بشمول الزمن Panchronic.

في يوم القصيدة، هناك عنصر مازال غائبا، وهو الشمس فما من شمس في القصيدة. إن التغني بالشمس الذي كتب على تمثاله :

الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام

يختفي من "الموت والنهر». وهذا ما يجعل أفعاله تظل محصورة في دائرة التمني الممتنع (أود لو) وغياب الشمس ذو أهمية رمزية كبيرة في شعر السياب. فهي كثيرا ما تكون قرينة بالميلاد.

في قصيدة "مرحى غيلان" – مثل – تتحول الشمس الى بشارة ميلاد المسير واندحار الظلام :

الموت يركض في شوارعها ويهتف : يا نيام

هبوا فقد ولد الظلام

وأنا المسيح، أنا السلام

ويكتب السياب معلقا في الهامش : «كان كهنة ايزيس ينطلقون في منتصف ليلة 25/ 12 من كل عام هاتفين في شوارع الأسكندرية : لقد وضعت العذراء حملها، وقد ولدت الشمس ». وبسبب غياب الشمس عن القصيدة فإن الشاعر لا يولد، بل يعود الى الحياة وحسب. فالانتصار على الموت ليس ميلادا جديدا، بل مجرد عودة، على عكس ما يحصل في قصيدة «مرحى غيلان " :

يا ظلي الممتد يا ميلاد عصري من جديد

يمكننا الآن أن نرسم القصيدة بالشكل الآتي:

 

  الشمس هي علامة ميلاد الشاعر، وهي العنصر الأنثوي الذي ظل غائبا. في حين حضر القمر : العنصر الذكري، ومن طبيعة الأقمار في نصوص السياب الا تظهر إلا مبللة،وقد انعكست صورها المرآوية على صفحة الماء. في هذه القصيدة مثلا كان في وسع الصبي على أسرة التلال أن يرفع رأسا ليلمح القمر، لكنه أصر على الهبوط ليراه على صفحة الماء، ثم أصر أن يخوض في الماء ليتبع القمر. وقد بينت في مقالة "شعرية امرأة " أن أقمار السياب وكواكبه هي دائما صور مرآوية لأقمار تسبح في الماء. والصورة المرآوية لديه تمثل في مستواها النفسي رغبته للتماهي بالذات من خلال الآخر، أي رغبته بالتماهي مع أناه الآخرAlter Ego، في ملحمة جلجامش، يرى جلجامش شهابا ساقطا من السماء يجتمع حوله أهل أوروك، وتجعله أمه نظيرا له، ثم تفسر له حلمه بأنه نظيره وصديقه الذي سيلازمه. وفي قصة يوسف في القرآن الكريم يرى يوسف النبي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. قمر السياب من طبيعة أخرى، فهو في الماء، لا في السماء. قمره صورة مرآوية عن القمر السماوي، ومن طبيعة الصورة المرآوية أن تحتفظ بما تصوره وتبدده في وقت واحد، فهي أناه وآخره. من طبعها أن تكرر الشي ء وتحتفظ بهويته لكنها بهذا التكرار تقتله وتستقل عنه، لتكون حضورا آخر غيره. قمر السياب، إذن، يحييه ويميته. فهو ليس قمرا. خالصا، بل قمرا مائيا. وهذا ما يتطلب منا أن نقف قليلا عند رمز الماء في شعره.

تضج القصيدة بصور السيولة التي لا حصر لها، حتى لا يكاد ينجو بيت منها من استعارات السيولة. كل شي ء ينضح او يفرق أو يخوض، أو يقترن بالماء أو الدم أو الدموع. بل يبلغ الالحاح على صور السيولة حد ان الشاعر لا يتردد في تشبيه سائل بسائل. وهذه ظاهرة كثيرة التكرار في شعره، وبخاصة في ديوان "انشودة المطر». وفي قصيدة «مرحى غيلان » المذكورة يرد المقطع التالي الذي يتضمر حوارا بين صفير وأبيه :

"بابا.. بابا"

أنا في قرار بويب أرقد، في فراش من رماله

 من طينه المعطور، والدم في عروقي في زلاله

ينثال كي يهب الحياة لكل اعراق النخيل

أن بعل أخطر في الجليل

على المياه، أنث في الورقات روحي والثمار

والماء يهمس بالخرير، يصل حولي بالمحار

 وأنا بويب أذوب في فرحي وأرقد في قراري.

تبدأ المقطوعة بالانفصال عن بويب، واحتوائه للمتكلم : "أنا في قرار بويب أرقد"، وتنتهي بالانصهار به والتلاحم معه : "وأنا بويب ". والوسيط الذي يتم من خلاله هذا الانصهار هو صورة المسيح أو تموز أو بعل، لا فرق بين أحد من هؤلاء، مادام كل منهم رمزا للعود الأبدي للحي، الذي يستطيع أن يهب الحياة لكل اعراق النخيل.

في "الموت والنهر» أيضا يتعامل الشاعر مع النهر بوصفه مقدسا:

أشد قبضتي تحملان شوق عام

في كل إصبع كأني أحمل النذور

اليك من قمح ومن زهور

ثمة صلة وثيقة بين النذور والمقدس. تحمل النذور الى المقدس في مناخ طقسي. نقرأ في قصيدة "قاريء الدم": الحاملات نذورهن الى قبور الأولياء وفي قصيدة "مدينة بلا مطر":

وسار صغار بابل يحملون سلال صبار وفاكهة من الفخار، قربانا لعشتار المقدس، عند نساء الريف المعاصر، هو الأولياء، وعند صغار بابل، هو عشتار. والى هذا المقدس يحمل الشاعر النذور. انه يجعل النهر مقدسا، ويجعل نفسه صغيرا من صغار بابل. ومن المعروف ان الماء يرمز، في عموم التراث الانساني، الى عنصر الطبيعة الأول، ومادة الحياة الأولى. من هنا جاءت أسطورة "نبع الحياة " التي ارتوى منها الخضر والأسكندر ذوالقرنين وغيرهما. وقد وجد فيه الفيلسوف اليوناني طاليس أصل الأشياء كلها، وهي فكرة أدت الى أفكار فلسفية كثيرة.

أما في التراث العربي الاسلامي، فكثيرا ما ترد مفردة (الماء) في القرآن الكريم بوصفها عنصر الحياة الأول :

}وجعلنا من الماء كل شي ء حي{

} والله خلق كل دابة من ماء {

} وكان عرشه على الماء {

لكن المذهل أن النصوص القرآنية لا تجمع بين الماء والحياة فحسب، بل تجمع أحيانا بين الماء والموت :

} وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها {.

} سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء {

} والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها{.

} ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله {.

} وينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها{

}والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا{.

الماء، إذن، مادة الحياة ومادة الموت في الوقت نفسه، إذا ظهر على سطحه القمر، كان مادة الموت، واذا ظهرت على سطحا الشمس كان مادة الحياة. ولأن قصيدة "الموت والنهر» لا تسطع فيها الشمس ويغيب عنها عنصر الكون الأنثوي، فما من ميلاد هنا. إن السياب لا يولد من جديد، ولا يولد هنا أصلا،بل يعود الى الحياة فقط وبهذا وحده ينتصر:  وأبعث الحياة. إن موتي انتصار في من يبعث الحياة ؟ أفي نفسه أم في غيره ؟ من الواضح أن بعثه للحياة في المكافحين ليس سوى أمنية يعرف أنها لا تتحقق، ولكنه، مع ذلك يصر أن موته انتصار للمكافحين والطبيعة والأشياء كلها، انتصار للحياة التي تخونه لا لشيء إلا لأنه مسيح آخر وتموز آخر، وبعل آخر.

النهر والموت

بويب….

بويب …

أجراس برج ضاع في قرارة البحر.

الماء في الجرار، والغروب في الشجر

وتنضح الجرار أجراسا من المطر

بلورها يذوب في أنين

"بويب… يابويب !"

فيدلهم في دمي حنين

اليك يا بويب،

يا نهري الحزين كالمطر.

أود لو عدوت في الظلام

 أشد قبضتي تحملان شوق عام

في كل إصبع، كأني أحمل النذور

اليك، من قمح ومن زهور

 أود لو أطل من أسرة التلال

 لألمح القمر

يخوض بين ضفتيك، يزرع الظلال

ويملأ السلال

بالماء والأسماك والزهر

أود لو أخوض فيك، أتبع القمر

وأسمع الحصى يصل منك في القرار

 صليل آلاف العصافير على الشجر.

أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

والسمك الساهر، هل ينام في السحر؟

وهذه النجوم هل تظل في انتظار.

 تطعم بالحرير آلافا من الإبر؟

وأنت يا بويب..

أود لو غرقت فيك، ألقط المحار

 أشيد منه دار

يضيء فيها خضرة المياه والشجر

ما تنضح النجوم والقمر،

 وأغتدي فيك مع الجزر الى البحر!

فالموت عالم غريب يفتن الصغار،

 وبابه الخفي كان فيك، يا بويب..

-2-

 بويب.. يا بويب،

عشرون قد مضين، كالدهور كل عام.

واليوم، حين يطبق الظلام

 وأستقر في السرير دون أن أنام

وأرهف الضمير : دوحة الى السحر

مرهفة الغصون والطيور والثمر –

 أحس بالدماء والدموع، كالمطر

 ينضحهن العالم الحزين :

أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين

فيدلهم في دمي حنين

الى رصاصة يشق ثلجها الزؤام

أعماق صدري، كالجحيم يشعل العظام

 أود لو عدوت أعضد المكافحين

 أشك قبضتي ثم أصفع القدر

أود لو غرقت في دمي الى القرار

 لأحمل العبء مع البشر

وأبعث الحياة. ان موتي انتصار!

 
 
 
سعيد الغانمي(كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …