أخبار عاجلة

أدب الرحلات والاستشراق.. البحث عن منهج

تتجاذب أدبَ الرحلات دراساتٌ نقدية يمكن تقسيمها إلى مدرستين: تاريخية، وتحليلية. الأولى منهما تغلب عليها منهجية توثيقية, حيث يكون فيها نصيبُ الأسد مخصصا لتلخيص حياة الرحالة, وأسماء الأماكن التي مروا بها في رحلاتهم, وزمن الرحلة, ومسارها. أما المدرسة الثانية فمعنيّةٌ بتحليل نصوص الرحالة وتفكيك خطابها. فبعد صدور كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد (1978), وُظـِّف أدب الرحلات في الحقول المعرفيّة المختلفة لتحليل الخطاب الغربي وكشف الطرائق التي سلكها الأوروبيّون في رؤيتهم وتصويرهم للأجناس «الأخرى» في الشرق.
تمهيد
وقد اعتبر سعيدٌ وكثيرٌ من تابعيه, كتاباتِ الرحالة الأوروبيين حول الشّرق الأوسط بأنها ليست «مصدرا تاريخيًّا بريئا», ولهذا, فإنهم اتهموا الرحالة الغربيّين بأنهم «إمبرياليون» و«عنصريّون». منذ الثمانينيّات وبحلول النّظريّة الاستعمارية(1) في التّسعينيّات, انتهى هذا الاتّجاه إلى الوضع الذي أصبح فيه نقد أدب الرحلات مشغولا بثنائيات مطلقة، مثل: (الشرق والغرب), و(الأوروبيّ والآخَر), و(المُسْتعمِر والمستعمَر), و(نحن وهم), إلخ. ويبدو لي أن كتاب إدوارد سعيد أفرز ثلاثة اتجاهات نقدية متصارعة حول خطاب الاستشراق بشكل عام وحول أدب الرحلات بشكل خاص. وسأعطي أمثلة هنا من الدراسات التي عنيت بتحليل أدب الرحلة الغربي – الواقعي منه والمتخيل – حول الشرق الأوسط.(2) الاتّجاه الأوّل سأمثل له بكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد(3)، وأطروحات بعض أنصاره من أمثال: رنا قبانيّ، في أدب الخيال الإمبريالي: أساطير أوروبا حول الشرق (1986) ومحمد الطه، في الشرق وثلاثة رحالة فيكتوريّون: كينجليك، وبيرتون، وبالجريف (1989).(4) وهذا الاتجاه سأطلق عليه (السعيديون) نسبة إلى إدوارد سعيد. والاتّجاه الثاني يُمَثّله أولئك الذين قبلوا تحدّي نظرية سعيد، وسأسميهم (اللاسعيديون). وقد اخترت لهذا الاتّجاه عملين: رؤية أوروبا من الخارج (1994) لسيرين تشافيك هاوت Syrine Chafic Hout، والحجّ الأدبيّ الرّومانسيّ إلى الشرق(1999) لكاثرين آن سامبسن Kathryn Ann Sampson.(5) أما الاتّجاه الثالث فسأمثل له بأولئك الذين احتضنوا منهجا وسطا بين سعيد وخصومه (الوسطيون). والأعمال التي اخترتها لهذا الاتجاه: إيران تحت عيون غربيّة (1984) لمحمد جفادي Mohamed Javadi, والقرب والنأي (1985) لإدواردس فان دي بيلت Eduardus Van de Bilt، وتمثيلات الشرق في أدب الرحلات الإنجليزية والفرنسية من1798−1882 (1991) لجون سبنسر ديكسن John Spencer Dixon.(6) تهدف هذه الورقة إلى مناقشة أطروحات هذه الاتجاهات، واختيار منهج منها لدراسة أدب الرحلة.
أولا: سعيد والسعيديون:
يعد كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد من أهمِّ الأطروحاتِ في الدِراساتِ ما بعد الاستعمارية. منذ أن نُشِرَ في سنة 1978، فإن هذا العمل المثير للجدلِ أصبح له تأثيرٌ مُتنامٍ على الحقول المعرفية المتصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، كالنظرية الاستعمارية، ودِراسات ما بعد الاستعمارية، والنقد النسائي، والأنثربولوجيا، والتاريخِ، والجغرافيا، وأدبِ الرحلاتِ، والسياحةِ، وغيرها.
إنّ الكتابَ محاولةَ لتوظيف نظريةِ ميشيل فوكو Michel Foucault حول الخطاب، من حيث العلاقة بين المعرفةِ والسلطة، ومفهومِ أنطونيو جرامشي Antonio Gramsci للهيمنةِ السياسيةِ والثقافيةِ.(7) ضمن هذه الإطارين، درس سعيد الخطابَ الأوروبي حول الشرق، خاصة البريطانيَّ منه والفرنسيَّ، منذ القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين. فالعلماءُ الغربيون، والرحالةُ، والسياسيون، الذين كَتبوا عن الشرق، أو درَسوه، أو درّسوه اعتبرهم سعيد «مستشرقين»، والذي أنتجوه «خطابا اسشراقيا». ويمكننا تلخيص أطروحته على النحو الآتي:
قدم لنا سعيد ثلاثة تعريفات لـ«الاستشراق» يعتمد بعضها على بعض: الأول منها أكاديمي: «فكل من يُدرّس الشرق، أو يَكْتبُ عنه، أَو يَبْحثُه […] سواء في سماتِه العامّةِ أو الخاصة، فهو مستشرق، ومَا تفعله هي أو يفعله هو، استشراق». والتعريف الثاني: «أسلوب من الفكر مستند على تمييز وجودي ومعرفي بين «الشرقِ» و(معظم الأحيان) «الغرب». والتعريف الثالث: «أسلوب غربي للسّيْطَرَة على الشرق، وإعادة هيكلته، وامتلاك السلطة عليه.»(8)
موجّها بتعريفاته للاستشراق، قدم سعيد قائمةَ مِنْ ثلاثة أصنافٍ للمستشرقين. أولها الكاتب الذي ذهب إلى الشرق لتزويد الاستشراق المحترف بمادة علمية أَو «الذي يَعتبر إقامته نوعا من الملاحظةِ العلميةِ.» ويؤكد سعيد بأن الرحالة البريطاني إدوارد ويليام لين Edward William Lane، في كتابه وصف عادات المصريين المعاصرين وأنماط حياتهم يعتبر أوضح مثال على هذه الصنف من المستشرقين.(9) والصنف الثاني لدى سعيد، هو الكاتب الذي يَبْدأُ بنفس الهدفِ، لكن اهتماماته الفردية تُسيطرُ على عملِه. ويَعتبرُ سعيد الرحالة البريطاني ريتشارد بيرتن Richard Burton، في كتابه الحج إلى المدينة ومكة مثالا جيدا لهذا الصنفِ.(10) أما الصنف الأخير من المستشرقين فهو الكاتب الذي يرحل إلى الشرقِ لإرْضاء رغبتِه، «لذا فإن نَصّه مبني على جماليات شخصية». ويُمثّلُ له سعيد بالرحالة الفرنسي جيرار دي نرفال Gerard de Nerval، في كتابه رحلة إلى الشرق.(11)
يُجادلُ سعيد بأنّ الاستشراق استـُغلّ لخِدْمَة أغراضٍ سياسيةٍ، أَو حسب كلماتِه، «لتمريغ أنفِ الثقافةِ في وحل السياسةِ.» والنقطة التي يُحاولُ أن يجليها هنا هي أن الاستشراق انتقل من معناه الأكاديمي المحض (كنظام للمعرفةِ الأوروبيةِ أَو الغربيةِ حول الشرقِ) إلى أَنْ أصبح مرادفا للهيمنةِ الأوروبيةِ على الشرقِ. وحتى الكُتّاب الأكثر إبداعاً في عصرهم، مثل فلوبير Flaubert، ونرفال، وسكوت Scott، قد خضعوا في كل ما يُمْكِنُ أَنْ يَقُولوه حول الشرقِ لرؤيا سياسية محددة، بنيتُها الفرق بين المألوف (أوروبا، «نحن») وبين الغريب (المشرق، «هم»).(12) ويعطي سعيد أمثلة من بَعْض الرحالة البريطانيين والفرنسيين. فلامارتين Lamartine، كَتبَ عن نفسه، وأيضاً عن فرنسا كسلطة، مبررا الاحتلال الأوروبي للشرقِ.(13) وكذلك فعل اللّوردُ كرزن Lord Curzon، فقد ساد في خطابه لغة إمبريالية واضحة، مقررا بأن العلاقةَ بين بريطانيا والشرق هي علاقة امتلاك؛ امتلاك سيدٍ مستعمِرٍ كفء لأرض شاسعة. ويقتبس له سعيد قولا يرى فيه بأن الإمبراطورية البريطانية بالنسبة له لم تكن مجرد «موضوع للطموح»، بل « أولاً وقبل كل شيء، حقيقةَ تاريخية وسياسية واجتماعية عظيمة.»(14) ولذلك فإن سعيدا يؤكد بأنّ أيّا مِنْ المستشرقين أَو كما ينعتهم «الوكلاء الإمبرياليين»، مثل توماس إدوارد لورانس Thomas Edward Lawrence (15)، وهاري جون فيلبي Harry St. John Philby (16)، ووليام بالجريف William Gifford Palgrave (17)، وآخرين، حين يجب أن يُقرّروا ولاءهم وتعاطفَهم إما للشرقِ أَو الغربِ، فإنهم يختارون الأخير دائماً.(18)
يُجادلُ سعيد بأنّ الاستشراق أنتجَ وجهةَ نظرٍ عدائيةً حول الشرقيين والمسلمين والعرب، ويَعتقدُ «بأنّ الإسلام كانَ لأوروبا، صدمة دائمة».(19) وهو يُحاولُ دَعْم هذه الفكرةِ بعِدّة أمثلة مِنْ الكتاباتِ الغربيةِ. ويشير، على سبيل المثال، إلى أن اللّورد كرومر Lord Cromer في كتابه مصر الحديثة، يصور الشرقيين والعرب على أنهم سُذّج، «مجردون مِنْ الطاقةِ والمبادرةِ»، ومجبولون على التملقِ المفرطِ، والخداع، والقسوةِ على الحيواناتِ؛ والكذب، ويصفهم بأنهم « خاملون ومريبون، طباعهم تختلف كليا عن طباع العِرْق الأنجلوسكسوني.»(20) وينقل سعيد عن نورمان دانيال Norman Daniel في كتابه الإسلام والغرب، بأنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينظر إليه في الغرب بأنه «نبيُّ الوحي الكاذب»، وقد أصبحَ في عيونِ الغربيين، مثالا «للفجورِ، والفسقِ، والشذوذ، وأنه منظومة كاملة مِنْ الخيانات المختلفة.»(21) ويؤكد سعيد أيضا بأن القرآن لمْ يسلم من الهجوم العدائي للكُتّابِ الغربيين. فتوماس كارلايل Thomas Carlyle، يصف القرآن بأنه «خليطَ مشوّشٌ مُضْجِرٌ، خامٌّ, فجٌّ؛ تكرارٌ لانهائيٌّ، إسهابٌ مُمِلٌّ، تعقيدٌ؛ وباختصار هو خامٌّ، ركيكٌ, غباءٌ لا يُحتملُ.»(22) ويمضي سعيد بجدله هذا قُدُما ليؤكد أن صورة العربي ظلت مشوهة حتى في الوقت الراهن، ففي الأفلام الغربية الحديثةِ، يظهر العربي إمّا كداعرٍ أَو إرهابي. وتظهره أفلامُ هوليود شهوانيا، وساديا، وغادرا بالفطرة، وتاجرَ عبيد، وسائقَ جِمال، ولئيما متقلبا: «هذه بَعْض الأدوارِ العربيةِ التقليديةِ في السينما»، كما يقول سعيد، وقد تلقت دعما من المستشرقين الأكاديميين الذين أصبحت صنعتهم دراسة الشرق الأوسط.(23) ويرى سعيد بأن العداوةَ الغربيةَ تجاه الشرق لم تقف عند هذا المستوى، فالسمة الأكثر شذوذاً هي ما يعتقده بعض المستشرقين «حقيقة» من أنّ العربية كلغة « خطرة أيديولوجيا.» ويستشهد على هذا بمقالة كتبها إي شاوبي حول تأثيرِ اللغة العربية على نفسيات وعقليات العرب.(24) مثل هذه الصورِ والأفكارِ حول الإسلامِ والعرب، كما يؤكد سعيد، أصبحَت مرفأ متكاملا مِنْ تقاليدِ الدراسات الشرقية طوال القرن التاسع عشر، وأصبحَت بشكل تدريجي «مكوّنا أساسيا» لمعظم العمل الاستشراقي، للأجيال اللاحقة.(25)
يُجادلُ سعيد أيضاً بأنّ الأيديلوجيا الرئيسية للاستشراق هي الإيمان بالاختلاف المطلق والمنظّمَ بين الغربِ والشرقِ، أَو كما يَضعُه هو: «العالم مكون من نصفين غير متكافئين: الشرق والغرب.»(26) ويرى بأنّ كلا من بلفور Balfour، وكرومر، على سبيل المثال، وظف العديد مِنْ الألفاظ للتعبير عن هذا الاختلاف. «فالشرقي غير عقلاني، وسَاقِط، وطفولي؛ بينما الأوروبي عقلاني، ومستقيم، وناضج».(27) ويؤكد سعيد بأنّ بريطانيا كانت تستدعي وكلاءها للتَقَاعُد من المستعمراتِ البريطانيةِ حين يبلغون سن الخامسة والخمسين، والسبب وراء ذلك أن «الشرقيينَ ما كان لهم أن يروا الغربي شائخا ومنهدا، كما لا ينبغي أن يشعر الغربي بأنه أصبح في عيون الخاضعين له إلا يافعا، يقظا، عقلانيا، نشطا.»(28) ويرى سعيد بأن نظرية العرق، والتصنيف البشري، والداروينيةَ، وعلم الأنثربولوجيا، وفقه اللغة، والاستعمار، كلها قد ساهمت وكرست فكرة سمو الأجناس الأوروبية على ما سواها.(29)
رنا قباني، في كتابها أدب الخيال الإمبريالي: أساطير أوروبا حول الشرق (1986)، تتبنى أطروحة سعيد في الاستشراق، وترى بأنّ قصص الرحلاتِ الغربية حول الشرقِ كانتْ «جزءا من استشراق حرض على الاستعمار».(30) ومع أَنَّ مشكلةَ الدراسةِ ومنهجيتها غير واضحتين في هذه الأطروحة، إلا أننا نستطيعُ أن ندرك مِنْ المقدمةِ بأنّ الباحثة مُهتمّة بنقدِ إجحافِ الرحالة الغربيين للشرق وأوهامهم حوله. ولتحرّي هذه الفرضيةِ، تَقُولُ قباني بأنّها «كانَت انتقائية» في اختيارها للنصوصِ طوال الأطروحة، بدلاً مِنْ النظرة الشاملة.(31)
تطرح قباني في كتابِها عِدّة افتراضات. ترى بأنّ بريطانيا منذ القرن التاسع عشر، وعلى نحو متزايد، أنتجَت كمية كبيرة من كتابات الرحلة، في محاولةٍ مسعورةٍ لمعْرِفة العالمِ الذي يمكن استعماره.(32) وفي هذا الصدد، تُناقشُ فكرةَ تنكّرِ الرحالة وترى بأنّ التنكّر، استُعمِل كوسيلة سياسية لاختراق المجتمعات الشرقية من أجل التجسس وجمع المعلوماتِ. وتقول قباني بأنّ ريتشارد بيرتن، على سبيل المثال، حين كَانَ في مكة المكرمة متنكرا في زي باشا مُتَجوِّل، اقترب منه حاج هندي، وبحماسة وطنية، أخبرَه عن احتجاجات مخطط لها أن تُنظّمَ ضدّ البريطانيين في المحافظاتِ الهنديةِ. لكن بيرتن لم يضيع الوقت في إرسال هذه الأخبارِ، فأبرق بها فوراً إلى القيادة البريطانية في الهند.(33)
تعتقد قباني أيضاً بأنّ الغرب صوّرَ الشرقَ كمنطقة خطرة، حيث ينتشر الإسلام بين أجناس وضيعة. ومن الاستراتيجيات التي استخدمتْ لدعم هذه الفكرة تشويه صورة النبي الكريم حيثما أمكن. فقد صُوّرَ كـ«مُضَلـِّلٍ كبير، يلَبسُ الأرجوانيَّ، ويلوّنُ شِفاهَه، ويجدُ متعتـَه في الجِمَاعِ والأشياءِ الحسية.» والمسلمون جميعا، كما ترى قباني، نُظِرَ إليهم كجنسٍ بَشِعٍ، وصُوِّروا على أنهم «سودٌ، برؤوسِ كِلابٍ، وقبيحون».(34) وتعتقد قباني بأن الصورة العدائية للإسلامِ كَانت منذ القرون الوسطى حافلة بالكذب والمبالغة، والثنائيات المفرطة، وقد كرسها الرحالة الأوروبيون من أمثال ماندفيل Mandeville وماركو بولو Marco Polo. (35) ولهذا فإن عصر النهضة في إنجلتر، كما تؤكد قباني، جاءَ إلى صورةٍ مطردةٍ متراكمة حول الشرقِ منْذ العصور الوسطى، تتمركز حول الخوفِ من المسلمين.(36) علاوة على ذلك، تُجادلُ قباني بأنّ أقوى دافعٍ حرّضَ الإنجليز على السفرِ والترحال إلى الشرقِ كَانَ الدين. فقد قدموا إلى الشرق بَحْثا عن جذورِ المسيحيةِ، التي بوصولِ الاكتشافِ العلمي والماديةِ الجديدةِ، أصبحت في خطر. ومن بين أهم هؤلاء «الحجاجِ»، كما ترى قباني، تشارلز داوتي Charles Doughty، الذي كان أكثرهم تحمسا وتزمّتاً.(37) إحساسه بالتفوقِ الديني، كما تُصرّحُ قباني، كَانَ ممزوجا بمقته للإسلامِ، ففي أثناء رحلتِه في الجزيرة العربية، التقى مسافراً إيطالياً كان قد تَحوّلَ إلى الإسلامِ وقَرأَ القرآنَ، وحين علم داوتي بذلك قال بسخط: « ما أدهشَني أن أحدا ولد في البلادِ الرومانيةِ، وتحت اسمِ السيد المسيح، كيف يَتْرك هذه الامتيازاتِ، ليصبحَ أخا للبرابرة الآسيويينِ في دينٍ أحمق!».(38)
علاوة على ذلك، تُؤكّدُ قباني بأنّ أوروبا سُحِرتْ بشرقٍ غير واقعي، شرقِ ألف ليلةٍ وليلةٍ، الشرقِ الذي « وَعدَ بفضاءٍ جنسيٍّ، ورحلةٍ بعيدةٍ عنْ الذاتِ، وهروبٍ مِنْ الإملاءاتِ الأخلاقيةِ البرجوازيةِ للمدن.» وتُضيفُ بأن الأوروبيَّ جاء إلى الشرقِ مدفوعا بالجنسِ، بتَشخيص الشرق كامرأةٍ أَو صبي، كما صوّرَ إدوارد لين أول مشهدٍ له في مصر: «حين اقتربتُ مِنْ الشاطئِ، تملكني شعور بأني عريسٌ شرقيٌّ، يوشك أَنْ يَرْفعَ حجابَ عروسِه.»(39) وتُجادلُ قباني بأنّ كتاب ألف ليلةٍ وليلةٍ أحدث «إثارة أدبية» أَثّرَت على الأدب الإنجليزي، فأصبحتْ الحكاياتُ الشرقية مصدر خيال رومانسي للشعراءِ، وكُتّابِ الرحلات، والروائيين. وتؤكد بأن الشرقَ الرومانسيَّ كَانَ فضاءً مُتـَخَيـَّلا، لا علاقة له بالشرقِ الواقعي. لذا، فإن الفاقةَ، والبؤسَ الاجتماعيين ظلا مغيبين عن الشرقِ الأسطوري الأوروبي.(40) بجانب هذا، تعتقد قباني بأن الأوربيين رَبطوا الشرق بالفسق والانحراف الجنسي، فإدوارد لين يكثر الحديث دائماً عن دعارةِ النساءِ المصرياتِ، و»فِسْقِهنّ المُنفلتِ».(41) وتربط قباني موقفَ لين بموقف ريتشارد بيرتن، لأنها تَعتقدُ بأنّهما اشتركا في نفس التجني والانحياز، فلين اعتبرَ سلوكَ النساءِ الشرقياتِ فاجرا بشكل استثنائي غير قابل للمقارنة، وادّعى بأنّ المومساتِ الأوروبياتِ لا يَستطعنَ أَنْ يُجارينَ بذاءةَ المرأةِ المصريةِ: «تتحدث النساءُ النبيلاتُ في مصر عن أشياءَ، ومواضيعَ تتعفف المومساتُ في بلادِنا عن ذِكْرها». كما أن بيرتن اشتركَ في وجهةِ نظر لين، وادعى بأن الشذوذ الجنسي سلوكٌ طبيعي في الشرقِ. يقول: «الحريم الإسلامي أفضل مدرسة للسحاق.»(42)
إضافة إلى ذلك، تعتقد قباني بأنّ أدب الرحلات في المرحلة الفيكتوريةِ ارتبط بالحقلِ الجديدِ لعِلْم الأجناس البشريةِ أو الأنثروبولوجيا، والذي قام في بدايته بتكريس غرور الأوروبي، وإرْضائه بأنّه أفضل المخلوقات البشرية.(43) وترى مثلا بأن بيرتن كان يحمل عقيدة عصره بأن «الرجل الوحشي»، وهو التعبير الذي كان يطلق على غير الأوروبي، مخلوقٌ خاضعٌ لسَيْطَرَة الرغبةِ الجنسيةِ، التي تخلص منها الرجلُ الأبيضُ المتحضر. تقول قباني: «في الحقيقة يتحدث بيرتن في أغلب الأحيان عن الأفريقي، والعربي، والحيوان، بنـَفَسٍ واحد».(44) وتضيف بأن نظرة بيرتن للصينيين بأنهم «يمارسون البهيمية، والشذوذ» مثال واحد فقط لازدرائه لغيرِ الأوروبيين.(45) وتؤكد قباني بأن إحساس التفوق الذي كان يشعر به الإنجليز في التَعَامُل مع البشر الذين رحلوا إليهم يُمْكِنُ أَنْ يمثله بوضوح قول لورانس العرب: «إني أرسلتُ إلى العرب كغريب، غير قادر على التفكير بأفكارِهم أَو أن أؤيد اعتقاداتِهم […] وإذا كنت لا أَستطيعُ أَنْ أَنتحلَ شخصيتهم، فيُمْكِنُني أَنْ أَخفي نفسي على الأقل.»(46) كذلك تقتبس قباني مقولة شهيرة للرحالة داوتي، وتعتقد بأنها مثال صارخ لاحتقار الأوروبيين للعرب: «الساميون مثلُ رجلٍ يَجْلسُ في بالوعةٍ حتى عينيه، وحواجبُه تلامِسُ السماء».(47)
أخيراً، تجادل قباني بأن الرحالة والكتاب الأوروبيين كانوا يتناقلون شهادات بعضهم البعض في صورتِهم المشتركةِ حول الشرقِ، وقد أصبح كتاب إدوارد لين عادات المصريين المعاصرين وأنماط حياتهم النبع الرئيس الذي نهل منه جميع الرحالة البريطانيين الذين جاءوا إلى الشرق الأوسط. وترى بأن لين رسخ بشكل دوغماتي العديد مِنْ المفاهيم الغربية التقليدية حول الشرقيين في كتابه، فقد اعتبرَهم «مؤمنين بالخرافات، وكسالى، ومنغمسين في الشهوات، ومُتعصّبين دينياً.»(48) هذا الميراثُ، كما تؤكد قباني، صبغ معظمَ كتاباتِ الرحلة الأوروبيةِ حول الشرقِ بالتحيّزِ والزيف.(49)
محمد الطه، في إطروحتِه، الشّرق وثلاثة رحالة فيكتوريّين (1989)، يتبنى نظرية سعيد، مؤكدا في المقدّمةِ بأن معظم الرحالة الفيكتوريين إلى الشرق الأوسطِ صوّروا الشرقيين من خلال أيديولوجيا الإمبراطوريةِ، والتي كانت ملوّثَة بمشاعرِ التفوقِ العرقي الأوروبي. ويوضح الطه بأن هدفه الرئيسي هو مناقشة كتابات ثلاثة رحالة فيكتوريين قدموا إلى الشرق الأوسطِ، هم ألكسندر وليام كينجليك Alexander William Kinglake (50)، وريتشارد بيرتن، ووليام بالجريف. وعلى وجه الخصوص يريد أن يثبت كَيفَ أن «أيديولوجيا الإمبراطوريةِ» أَثّرَت على أعمالِهم، وأنها، «هيمنت على ملاحظاتهم الفعلية» فصوروا في كتبهم شرقا غير واقعي.
لكي يدعم أطروحته، كرّس الطه فصلا واحدا لكُلّ رحالة. فيما يتعلق بكينجليك، يُجادلُ الطه بأنّه في الوقت الذي بَدأَ فيه رحلاته، فإن فكرةَ «البؤس الشرقي» وصور العرب المستمدة مِنْ ألف ليلة وليلة كَانَت سائدة بين الأدباء في الغرب، فضلا عن أن الخطاب حول الشرق كمستعمرة أوروبية كَان قَدْ بدأ. فالكتاب الفرنسيون من أمثال شاتوبريان Chateaubriand، ولامارتين، صوّروا الشرقَ مكانا ملائما للمطامع الفرنسية الاستعمارية. كما أن رواية تانكريد Tancred لديزرائيلي Disraeli أثارت فكرة أن الشرقيين عِنْدَهُمْ الرغبة لأن يحكمهم البريطانيون. وعليه يُؤكّدُ الطه بأنّ كينجليك ادعى بأن «هذه الرغبة كانت قوية لدي السوريين، وأنهم تنبأوا باحتلال مصر».(51)
و يرى الطه أيضاً بأنّ الرجل في بريطانيا في القرن التاسع عشر كَانَ عِنْدَه شعور ظاهر «بتفوقِه على الأجناسِ الأخرى وعلى النساءِ والأطفالِ من جنسِه». لذا، فإن العرب صُوِّروا كجنس أدنى مِنْ الإنجليزِ. فعنصرية بيرتن،جَعلَته يَعتقدُ بأنّ العرب كَانوا «قُطـّاعَ طرقٍ، أشباهَ عراة» ولا بُدّ أن يخضعوا «للقانونِ الحديدي البريطاني للضبط والنظام».(52) ويُجادلُ الطه بأن بيرتن، مثل كينجليك في تصريحه بضرورةِ الاحتلال البريطاني للشرقِ، كَانَت لديه اتجاهات استعمارية. ويقتبس له قوله بأن مصر كانت»أكثر جائزةٍ مغرية يقدمها الشرق لطموحِ أوروبا»، وأنه تَخيّلَ هيمنةً البريطانيين على بلاد العرب، منتظرا بنفاد الصبر يومَ «فَتْحهم لمدينةِ أمِّ الإسلام».(53)
ويؤكد الطه أيضاً أنّ وليام بالجريف كَانَ مبشّرا يسوعيا أرسِلَ إلى بلاد العرب في مهمّةٍ سياسيةٍ، وحديثُه عن العرب مُصْطبغٌ بالسياسة وعقيدة التبشير المسيحي في القرن التاسع عشر.(54) لذا، فإنه كعميل سياسي لقوَّة أوروبية، كان مهتما بدَعْم المطامع الاستعمارية في العالم العربي. على سبيل المثال، في مقدّمتِه لكتابه (قلب بلاد العرب)، يَذْكرُ بالجريف الهدفَ الخاصَّ مِنْ رحلتِه وهو «الرغبةَ في جَلْب الماءِ الراكدِ للحياةِ الشرقيةِ وتوصيله بالنهر المتدفق للتقدّمِ الأوروبي.»(55) ويضيف الطه بأن بالجريف، كمبشّر، كَانَ يتعمد الإساءة للإسلام بإذاعة «الأراجيف»، فقد افترض بأنّ العرب لا يَستطيعونَ أَنْ يتحضروا «ما لم يُخلّصوا أنفسهم من قبضةِ الإسلامِ»، ويقتبس قوله:
«حين تختفي مكة والقرآن مِنْ بلاد العرب، فثمّت في ذلك الوقت فقط، نستطيعُ أن نتوقّع بجدية رؤية العرب يتخذون مكانا في صفوفِ الحضارةِ التي أخرهم عنها ردحا من الزمن محمد وكتابه، أكثر من أي سبب آخر.»(56)
و يفسر الطه هذا التعاونَ بين المبشّرِ والقوَّةِ الاستعمارية بأن الأول يَرى في الأخيرةِ جسرا لوُصُول البلدانِ غير المسيحيةِ وسلاحا لحِماية نشاطاتِه. والأخيرة ترى في الأولِ أداةً لتَحويل المواطنين الفقراء مِنْ جذورِهم الدينيةِ والثقافيةِ، وتهيئتهم لتقبل المستعمر كأخٍ، متحضر ومتفوق، بدلاً مِنْ رؤيته عدوا مُحتلا.(57)
بعد دراسته لأعمالِ الرحالة الفيكتوريين الثلاثة، يلخص الطه أطروحته «بأنّهم تَبنّوا رواية شخصيةً في شكلٍ أدبي، بحيث غلبت الانتقائية والشخصية على الموضوعية في أعمالهم.» وأن هذه الأعمال كَانتْ موجهة إلى القرّاءِ الأوروبيين بمستوياتهم المختلفة. فقد بذل الرحالة أقصى ما لديهم لضمان المصالح السياسيةِ، بينما عامة الناس في أوروبا، الذين أخذوا الإسلامَ كعدو للمسيحيين والأوربيين، فقد زوّدوهم بصور تجد هوى في أنفسهم، تظهر الإسلام بشكل مقيت؛ أما بالنسبة للأدباء والشعراء، فقد عَرضوا لهم شرقا رومانسيا يلبي خيالَهم.(58)
هذا الاتّجاه الهامّ في خطاب الاستشراق, أعني سعيدا وأنصاره, ليس ما سأدافع عنه, والسبب لذلك متعدد الجوانب. أولا، نستطيع أن نرى بوضوح النزعة الهجومية لهذا التّيّار، فقد اختار سعيد وتابعوه, بإصرار وترصد, أمثلتهم من خطاب الاستشراق بما يخدم تصوّراتهم المسبقة حول القوى الاستعماريّة الغربيّة. بعبارة أخرى, أعتقد أن أنصار هذا التّيّار النقدي لم يتعاملوا مع أدب الرحلات الغربيّة كنصوص أدبيّة بإمكانها أن تكشف عن وجهات نظر مختلفة، بل اعتبروها وثائق سّياسيّة كتبها عملاء سياسيّون بريطانيّون وفرنسيّون في الشرق الأوسط. وفي الواقع, حين يتّهمون الرحالة الغربيّين بكونهم «شخصيين وانتقائيّين أكثر من كونهم موضوعيّين وتأمليين», كما قد نوه الطه سابقا, يمكن أن ينطبق هذا التعميم على أنفسهم أيضًا. لأنّ سعيدا وتابعيه يقدّمون الجانب السلبي فقط من الصورة الغربيّة للشرق, وهذه ليست الرّؤية الكاملة، كما سنرى لاحقا.
ثانيًا, التعميمات الجارفة تشكّل ضعفا آخر في مجموعة الدّراسات هذه. فمثلا تعريفات سعيد للاستشراق لا تترك أيّ فضاء للجوانب الأخرى للخطاب الغربي. فسعيد يرى أن «كلّ أوروبيّ, فيما يمكن أن يقوله عن الشّرق, كان عنصريّا, إمبرياليا, ومتمركزا حول العِرْق بشكل كلي تقريبا.»59 وتقع رنا قبّانيّ, أيضًا, في نفس التعميم عندما تستنتج في أطروحتها بأن «معظم أدب الرحلات الغربيّ حول الشّرق مُتشرِّبٌ بالتّحيّز.» في هذا الصدد، يَجِبُ أَنْ نُجادلَ، بالمقارنة مع تعميمِ هذه المجموعةِ، بأنّ أوروبا لَمْ تُصوَّرْ بشكل ثابت على أنها أسمى من الشرق. تريبتا واهي Tripta Wahi، مثلا، تُصرّحُ بأنّ عِدّةَ كُتّاب بريطانيين طبّقوا مفاهيمَهم للتقدم على ماضيهم، ووَجدوها أيضاً، «تكشف عن همجية.»(60) وهنا, سأذهب أكثر لأقول أن تعميمات سعيد تتجاوز اتّهام الأوروبيّين بالغرور لتَصِمَ الطُّلاب الشّرقيّين بنفس الوصف، كما في هذه الفقرة:
«النّتيجة المتوقعة لكلّ هذا، هي أن الطلاب الشّرقيين (والأساتذة الشّرقيّين ) مازالوا يريدون المجيء والجلوس عند أقدام المستشرقين الأمريكيين [أو البريطانيّين], وفيما بعد يرددون لجمهورهم المحلّيّ الكليشيهات التي ما فتئتُ أصفها بالثوابت الاستشراقية. ومثل هذا النظام من إعادة الإنتاج يجعل من الحتمي أنّ الباحث الشرقيّ سيستخدم تدريبه الأمريكيّ للشّعور بالتفوق على بني جلدتِه، لأنه قادر على <استعمال> النظام الاستشراقي؛ أما في علاقاته مع من هم أسمى منه, المستشرقين الأمريكيّين أو الأوروبيّين, سيبقى فقط «ابن البلد المُبَلـِّغ.»(61)
و مثل هذا الكلام لا يَكْشفُ أكثر مِنْ أحكامٍ عاطفية مستعجلة، بعيدةٍ عن أيّ تحليل منظّم دقيق. ومن المفارقة، أن سعيدا دائما، يَنتقدُ المستشرقين في تعميماتهم الجارفة حول الشرقِ.
ثالثًا, يمكن أن نلاحظ أن هذا التيّار النقدي يبني نقاشه على معارضة ثنائيّة مطلقة بين «الغرب» و«الشّرق» أو «المُسْتـَعْمِر» و«المُسْتـَعْمَر», «المتبوع» و«التابع», «الأنا» و«الآخر», «نحن» و«هم». ويقينا، لا تترك مثل هذه الطّريقة أيّة مساحة للعلاقات البيثقافية, أو لما يسمّيه هومي بابا Homi Bhabha «التهجين» (hybridity). خلافا لسعيد وتابعيه الّذين قسموا العالم إلى نقيضين متقابلين, يتبنّى هومي بابا منهجا تفكيكيا. فهْمُه «لتعددية المكان» في الموقع الثّقافيّ يتوسل مساحة نظريّة تتجنّب مثل هذا التقسيم الثنائي. في كتابه موقع الثقافة, يصف الثّقافات «ما بعد الاستعمارية» بالهجينة، حيث يمكن الإفصاح عن العناصر المتناقضة والمختلفة. يُدافعُ بابا عن موقعٍ ثقافي:
«يَتغلّبُ على الأرضياتِ المفضية للمعارَضةِ ويَفْتحُ فضاء للتحول: مكان للتهجين، بلغة الاستعارة، حَيْثُ أَنَّ بناء موضع سياسي يعني جديدا، لا الذات ولا الآخر، يحول توقّعاتَنا السياسيةَ بشكل صحيح، ويغير، كما ينبغي، الصور المطلقة مِنْ إدراكنا لمرحلة السياسةِ.»(62)
بإعلان «الاختلافات الثّقافيّة» وبالإفصاح عن هذا «التهجين» أو هذا «الفضاء الثّالث», كما يسميه هومي بابا في مكان آخر, «قد نتخلص من سياسة الاستقطاب، ونظهرُ كالآخرين لذواتنا.»(63) المقابلة الثنائية, إذن, فهم مُضلّل للاختلافات الثّقافيّة، لأنها تحدث تجاهلا للأفكار الفرديّة الدقيقة التي هي، منطقيا, متغايرة الخواص .
أخيرًا, ميل هذا التيار إلى مجانسة الخطابات الغربيّة حول الشرق مُشـْكِلٌ منهجيا. لأنّه, كما قد لاحظ كثيرٌ من النقـّاد, يمكننا أن نتساءل: ما البدائلُ لهذا الاستشراق المَنـْليثي، أو المتناغم كليا، والجامد، كما قدمه سعيد وتابعوه ؟ وهل يمنعُ مفهومُ «الخطاب» مجموعةَ الدراساتِ هذه من عرضِ أيِّ بديلٍ من المؤلّفات الغربيّة حول الشّرق؟ في هذا الصّدد, يؤكّد علي بهداد Ali Behdad أنه حتّى فوكو، الذي يشكّل مفهومه للخطاب القاعدةَ الأساسية لاستشراق إدوارد سعيد, «ينتقدُ المفهومَ القانونيَّ للسلطة الذي يعتمد على مفهوم الحظر» ويحذّرنا من تصنيف علاقات السلطة, حصريا, في المصطلحات السّلبيّة والقمعيّة. بالإضافة إلى ذلك, يخبرنا دنيس بورتر Dennis Porter أنّه من الممكن أن نجد, على الأقلّ, ثلاثة بدائل للخطاب الاستشراقي:
«أولاً, التغاير التام لمجموعة النّصوص التي يكتشف سعيد بينها وحدة متناغمة، يثير سؤالا حول دقة المثال الأدبي خلال البنية الفوقيّة. […..] ثانيا, سعيد لا يبدو أنه يتصوّر إمكانية وجود اللاتناغم الصريح للكتابة، أو القواعد البديلة في التّقليد الغربيّ. ثالثا, معقولية الحوار النصيّ بين الثّقافات الغربيّة والغير غربيّة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار, حوار سيحدث تغييرا في علاقات التابع/المتبوع, حتّى يمكن أن نقرأ أنفسنا كالآخَرين للآخَرين لنا، ونستبدل بمفهومِ مكانِ الحقيقة مفهومَ مكانِ المعرفة، التي هي نسبيّة دائمًا ومؤقّتة.»(64)
وَ مع أَنَّ بورتر لا يُزوّدُنا في مقالتِه بأمثلة لبدائله، فإن عِدّة دِراسات، كما سنرى لاحقا، وَجدَت أدلة كافية لهذه البدائلِ في أدب الرحلات الغربي حول الشرق الأوسط. بإيجاز شديد, أتّفق مع أطروحة هذا التيار في أن الخطاب الغربي به بعض الصور الخاطئة حول الشّرق, لكن كما قد ذكرت سابقا, هذه ليست الصّورةَ الكاملة. هذا التّيّار النقدي لسعيد وأنصاره, يعاني من بعض المصايد التي ينبغي أن تتجنّبها دراساتنا: التعميمات الجارفة, الأمثلة الانتقائيّة, النزعة الهجومية، وعدم تقديم البدائل.
ثانيا: اللاسعيديون
كردّة فعل لهذا التيار, شهدت الدراسات ما بعد الاستعمارية بعض المحاولات لتحدي أطروحة سعيد وتابعيه. من بين هذه المحاولاتِ، نَستطيعُ التمثيل بكتاب رؤية أوروبا من الخارج (1994) لسيرين تشافيك هاوت. تَبْدأُ سيرين بنظريةَ «الخطاب»، واصفة منهجها بأنه «مضاد لفوكو» لأنها، بدلاً مِنْ أنْ تُؤكّدَ الفرقَ الإبيستمولوجي بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، جمعت نصوصا مِنْ كلتا الفترتين، تشترك في الأيدلوجيات والاتجاهات.(65) اختارَت سيرين خمسة أعمال لدراستِها: رسائل فارسية لمونتسكيو Montesquieu،(66) ومُواطِن العالـَم لأوليفير غولد سميث Oliver Goldsmith،(67) ويوميات رحلة من باريس إلى القدس لشاتوبريان Chateaubriand،(68) وإيوثين لألكساندر كينجليك، ورحلة إلى الشرق لنرفال. تشير سيرين أن ما يربط هذه الأعمال، أولاً، «عبور الحدودِ الثقافيةِ»، بغض النظر عن هويّةِ الرحالة والمكانِ الذي رحل إليه، وثانيا، الميل للانتقاد، بشكل غير مباشر، للثقافةِ الأوروبيةِ.(69) وتُريدُ بذلك إثبات أن نقد الثقافةِ الأوروبيةِ قد أخذ مكانه في أدب الرحلاتِ الأدبيةِ الغربيةِ.
تُجادلُ سيرين في الفصل الأول من أطروحتها، بأنّ، في كتاب رسائل فارسية لمونتسكيو، نجد التلاقي بين المسافرين الفرسِ والشخوص الأوروبية، أَو العوالمِ الشرقيةِ والغربيةِ، مُعَبَّرٌ عنه بأسلوبٍ تصفه ب»المونولوج الثقافي». ويَعْملُ هذا المونولوج كاستراتيجيةٍ لانتِقاد المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء. وتدعم هذه الرؤية بتَوضيح عِدّة سمات لهذا المونولوج في النصِّ، بما فيها أشكالَه الرسائليةَ، وأدوار كل من <آسبك> Usbek، و<ريكا> Rica المسافرين الفارسيين، وأنماط سلوكهما في المجتمع الباريسي، وتعاملهما مَع الفرنسيين، بالإضافة إلى مواقفِهما من القضايا السياسيةِ والثقافيةِ، بشكل يعبر عن لسان مونتسكيو نفسه.(70) وتمثل سيرين بالقضايا الأخلاقيةَ والاجتماعية التي يناقشها <آسبك>، وتتضمن نقدا ثقافيا للشرق والغرب معا. ومن بين هذه القضايا تعدّد الزوجات، وحبسُ الحريمِ في العالم الإسلامي, والجبريةُ الإسلامية، وكسلُ القبائلِ البدائيةِ، ومبادئُ المَلـِكية وتحريمُ الطلاقِ في البلدانِ الكاثوليكيةِ، وتجارةُ العبيد، والدستورُ الغربي للبَكورةِ، وأخيراً احتلالُ الفاتحين «للعالم الجديدِ».(71) وترى سيرين أيضاً بأن كتاب شاتوبريان يوميات رحلة من باريس إلى القدس يشكل مثالا للهجاءِ الصامتِ أَو المكتومِ، عبر طرق مونولوجية، يُخفي فيها الرحالة الراوي نقدَه للمارسات الثقافيةِ والسياسيةِ الأوروبيةِ في الداخل أو الخارج.(72) وتصرح، على سبيل المثال، بأن شاتوبريان انتقد نابليون بونابرت في عِدّة مناسبات وسياقاتٍ مختلفة. فحينا، يقارنه بحاكم مستبدّ في تركيا، وحينا آخر يشبهه ببلسيريس Belisarius، أشهر الإمبرياليين اليونانيين.(73) وتضيف سيرين بأن شاتوبريان انتقد أيضا السلوكَ الاستعماري الإنجليزي بوضوح في اليونان، أثناء بحثهم عن قبر آغاممنون وبعض المعابد المحطمة. كما اتّهمهم بسَرِقَة أحدَ عشرَ عمودا، وُصفَتْ سابقاً مِنْ قِبَل علماء الآثار، مِنْ المعابدِ اليونانية. ولكي يدرأ أيّ اتّهام مضاد مِنْ قِبَلْ القرّاءِ الإنجليزِ، فإنه أقر بأنّ الفرنسيين، أيضاً، سَرقوا «تماثيلَ ولوحاتٍ إيطالية».(74)
في الفصل الثاني، تناقش سيرين أعمالَ كل من جولد سميث ونرفال. وهي تعتقد بأن كتاب مواطن العالم، لجولد سميث، نجح في تَصوير عالم جديد، به رموز مِنْ الثقافتين الشرقيةِ والغربيةِ، تقدر أهمية الاتصال فيما بينها، وتقوم بتبادل المعتقدات المختلفة. علاوة على ذلك، تُصرّحُ سيرين بأنّ الحوار في هذا العملِ موظفٌ كاستراتيجيةٍ سردية لانتقاد الثقافةِ الأوروبيةِ.(75) فالتانجي Altangi، الشخصية الرئيسية في العمل، وهو صدى لجولد سميث، يشجب الرحالة الأوروبيينَ، متهما إياهم بتَقسيم البشرِ، وتَأكيد الفروق الشكلية بينهم. كما أنه يَنتقدُ إنجلترا لافتقارها للكرم، مقارنة بالبلدانِ الأخرى، لأن الغرباء فيها «يتعرضون للسخرية والإهانة في كُلّ شارع؛ ولا يتلقون شيئا من اللطف، الشائع في مناطق أخرى من العالم، لطف في التعامل يقوم على حسن النيّة دون معرفة سابقة.»(76) وتضيف سيرين بأنّ نقدَ الهيمنةِ الإنجليزيةِ، يمثل سمة هامة في عملِ جولد سميث، فالتانجي، على سبيل المثال، يُعلنُ بأنّه «ما من شيء يكن له العداوة مثل الحرب في العالم الجديد.» ولذلك، فإن الأنشطة الاستعمارية البريطانية والفرنسية في أمريكا الشمالية (1754/1763) منتقدة في عمل سميث، بشكل مباشر وغير مباشر.(77)
ترى سيرين أن نرفال، مثل جولد سميث، تَجنّبَ الرقابةً، في عمله رحله إلى الشرق، بالاختفاء وراء شخصية «جيرار» Gerard ، الذي يُدينُ الثقافةً الأوروبيةً بشكل مباشر وغير مباشر. وتجادل بأنّ جيرار يدرك أنّ أغلب الأفكارِ الأوروبيةِ المعطوبةِ حول الشرقِ، تضرب بجذورها في القرن الثامن عشر.(78) وتصرح بأنه متأثر غاية التأثر بالإسلام، فهو لا يؤمن فقط بأن الشرق مصدر الأديان، لكنه يعتقد أيضاً بأن الأتراك والعرب المسلمينَ أكثر تسامحاً مِنْ الكاثوليك الغربيين.(79) وتشير بأن جيرار تصدى لبعض الكليشيهات أو العبارات الغربية المبتذلة حول الشرقِ. فبخصوص تعددِ الزوجات، يقر بأنّ العلاقاتِ بين الرجالِ والنساءِ في الشرقِ عموماً أكثر براءة مِنْ نظيراتها في أوروبا. كما أن وضع العبيد عند المسلمين، أفضل بكثير مِنْ وضع العبيد عند المسيحيين في أمريكا؛ لأن العبيدَ الأمريكانَ أُجبروا على العمل الشاقّ. وترى سيرين بأن جيرار أيضاً يَحترمُ الإنجازات الثقافيةَ الشرقية، ويُؤكّدُ أهميةَ ما تجاهله الرحالة الغربيون في الشرق، من أن «المعرفة الأوروبية مدينة لترجماتِ العلماء العرب للنصوصِ الفلسفيةِ اليُونانِيَّة القدِيمَةِ.» وتضيف بأنّ جيرار يَعتبرُ الشرقَ أسمى من أوروبا في سمتين رئيسيتينِ: «التمازج الاجتماعي، والتسامح العرقي.» وكَانَ معجبا بالشرقِ إلى حدّ الاعتقاد بأن «الطريق الموثوق للأوروبيين لإنْجاز التقدم، هو التحول إلى الإسلامِ».(80) وتخلص سيرين إلى أن جيرار لَمْ يُعطِ «التفويض المطلقَ» للاستعمار الأوروبي في الشرق الأوسطِ، بل كَانَ ضدّ الإرهابِ السيكولوجي أو العسكري، الذي مارسَه الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في المنطقة.(81)
تجادل كاثرين آن سامبسن، في أطروحتها الحجّ الأدبي الرومانسي إلى الشرق (1999)، بأن منهجها «يتحدّى تفسير إدوارد سعيد للنصوصِ الاستشراقية، بتَأكيد تأثيرِ الشرقِ على الاعتقادات الغربيةِ، بشكل أكثر أهمّية مما أشار إليه النقد الاستعماري المعاصر».(82) وعليه، فإنها معنية بدراسة الافتتان البريطاني بالشرقِ، وتتبع الطرق التي شكّل فيها إدراكُ الشرق تمثيلاتِ البريطانيين لذواتهم، وتمثيلاتِهم للاختلاف الديني أثناء التوسّعِ الإمبريالي. لهذا الغرضِ، اختارت سامبسن ثلاثة نصوص: حجّ الطفل هارولد للورد بايرون Lord Byron،(83) وكتاب الطلسم لوالتر سكوت Walter Scott،(84) وسرد ذاتي للحجّ إلى المدينة ومكة، لريتشارد بيرتن. تقترح سامبسن في منهجيتها بأنّ الصورةَ الاجتماعية لهذه النصوصِ الاستشراقية الرومانسيةِ «غامضة، وغير متصلة، ومتعددة». وهي في ذلك تستند إلى نقاد من أمثال إعجاز أحمد Aijaz Ahmed، وجيمس كلفورد James Clifford، وهومي بابا، الذين حاولوا تغيير موقف سعيد إلى منطقة في البحث، تأخذ بعين الاعتبار»تناقض الاستشراق، وانحرافه، وعدم تجانسه».(85) تناقش سامبسن مصطلح «الحج» في الغرب، بأنه لم يعد يقوم به، كما كان في السابق، مؤمنون مسيحيون يَبْحثونَ عن الكأس المقدّسةِ التي شرب منها المسيح في العشاء الأخير. لكنه بالأحرى، أصبح يقوم به أناس يتعشقون البحث عن «القـِدَم، والحُبّ الإنساني، والطبيعة، والذات، والرُّحْب». لذلك فإن الحج الأدبي إلى الشرق، الذي قام به كل من بايرون، وسكوت، وبيرتون، ناسب المجتمع البريطاني، الذي كَانَ يَبْحثُ عن هويّاتٍ جديدةٍ، من جراء التمزق الذي جلبته مفاهيم العلمانيةِ والثورةِ العلميةِ.(86)
ترى سامبسن بأنّ حجَّ الطفل هارولد يُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ كمسعى يحاول فيه بايرون إنشاء حكايتِه الرومانسيةِ الشخصيةِ الخاصةِ، بعيدا عن العقيدةِ الدوغمائية التاريخية للمسيحيةِ. إنه يَعْكسُ شكا دينيا متزايدا في الغربِ؛ اتجاه تساؤلي،أحدثه الالتقاء بـ»الآخَر» الديني.(87) لذلك، كما تجادل سامبسن، فإن الشرق، بالنسبة لبايرون، أصبحَ مكانا يُمْكِنُ أَنْ يَجدَ فيه المواطن البريطاني «انعتاقا روحيا»، عبر نبذِ الهويةِ الدينيةِ التقليديةِ. علاوة على ذلك، تُلاحظُ سامبسن، بأنه خلافا لأكثر الكُتّابِ الرومانسيينِ الذين أظهروا الشرقَ في صُوَرٍ سلبيةٍ نمطيةٍ، سعيا منهم لتمجيد التفوق الديني الغربي، حاول بايرون تَفاديَ مثل هذا الاستقطاب في عمله حج الطفل هارولد، وهذا ما يَفْصلُ كتابته عنْ التمثيلات الغربيةِ التقليديةِ للشرقِ.(88) تُصرّحُ سامبسن بأنّ شرقَ بايرون يَعْكسُ الاشتياقَ النخبويَّ الغربيَّ لاعتِبار الشرقِ مكاناً رائعا، يُمْكِنُ أَنْ يَهْربَ فيه المرء مِنْ القمع الاجتماعي والديني: «المشهد كَانَ بدائيا، لكنه كَانَ جديدا»، كما يَقُولُ بايرون.(89) تشير سامبسن بأنّه على الرغم من أن الإسلام لم يبد لبايرون إيمانا بديلا، فإن كتاباته إلى عائلته وأصدقائه تدل على أن تقديره له لم يكن عَرَضيّا. وتنقل عن إسحاق ديزرائيلي Isaac Disraeli اعتقاده بأنّ بايرون «لطالما فكّرَ في التحول إلى الإسلام حينما كان في تركيا، وأنه أَسفَ على عدم تحقيق ذلك».(90)
في مُنَاقَشَتها لعمل سكوت، الطلسم، تُركّزُ سامبسن على فكرةِ التنكّرِ عند الرحالة. وهي ترى بأنّ التخفي كان فعلا واضحا قام به الرحالة الغربيون لاعتناق الثقافةِ الشرقيةِ. فالعديد مِنْ الأوروبيين، بعد إخْفاء أنفسهم كشرقيين، قَبلوا المعتقدات الدينية الثقافيةَ للبلدانِ التي سافروا فيه. وتمثل لذلك بالسّيدة هيستر استانهوب Hester Stanh­ope ، والسّيدة آن بلنت Ann Blunt ، وجين بوركهارت Jean Burck­hardt. فقد كَانوا مِنْ الرحالة الرومانسيين الذين تخفوا في ديار الإسلام كمسلمين، وأنهم «من المحتمل جداً قد تحولوا إلى الإسلامِ».(91) ومن هنا، تُجادلُ سامبسن بأنّ شرقَ سكوت يَعْملُ ك «قناع» قُدِّمتْ عبره الثقافة الشرقية، بشكل ذكي، إلى الجمهورِ الغربي. وبطل سكوت المسلم، في هذا العمل، صلاح الدين، لا يمكن أن يُنظر إليه كتمثيل بسيط. صورة صلاح الدين في الطلسم،كما ترى سامبسن، تَدْحضُ الاعتقادَ الأوروبيَّ السائد حول المسلم بأن «الوثني لا يمكن أن يكون له أدب حقيقي، أو فلسفة، أو تقوى».(92) سكوت رَفضَ الصورةَ المتوارثة من القرون الوسطى، وهي أن العرب «هَمَجٌ مُتعصّبون»، خرجوا من قلبِ الجزيرة العربية، حاملين السيف في يَد، والقرآنَ في الأخرى، «ليصيبوا إما بالموت، أو الإيمان بمحمد، أَو في أفضل الحالات، بالعبودية والجزية كُلَّ من يتجاسر على مُعَارَضَة اعتقاد نبي مكة».(93) تصوير سكوت للحاكمِ المسلمِ، كما ترى سامبسن، يَعْكسُ أيضاً الكثير من التسامح الديني. فعندما يَجتمعُ ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين في الطلسم، يتعانقان «كأخوين ندين». إنّ صورةَ الكافرِ مُلغاة بتمثيل صلاح الدين «مسلما تقيا».(94) في الطلسم أيضاً، يَستبدلُ سكوت بصورة المسلمِ البربريِّ، صورةَ عربي الصحراءِ النبيلِ، كمثالٍ للحرية والإباء. الحكومة الشرقية في هذه الروايةِ، كما تؤكد سامبسن، مُصَوَّرةٌ على أنها «حكم ملكي نقي وبسيط»، ويَعْكسُ أفكارا قومية ثورية.(95) أخيراً، تخلص سامبسن إلى أنّ النصرَ العظيمَ في الروايةِ والتاريخِ حققه صلاح الدين، الذي استطاع، متخفيا، أن «يَخترقَ معسكرَ الحملة الصليبيةِ إلى العمق، لحَجْب الاختلافِ الثقافيِّ والدينيِّ بين الشرق والغرب».(96)
بالنسبة لريتشارد بيرتن، تجادل سامبسن بأنّه على الرغم من تصنيفه دائماً في الدراسات النقدية على أنه «مُغامر استعماري»، فإن رحلته الشرقية كَانتْ دينيةً أيضاً. وسيرته الذاتية بها بَعْض التفاصيلِ حول انْضِمامه إلى طائفة البراهما في الهند، و»تحوله النهائي إلى الإسلامِ، عبر الصوفية»، الطائفة الإسلامية، التي مارست التقية، أو إخفاء الاعتقاد.(97) في مقالتِه «الإسلام»، كما تنوه سامبسن، يَذْكرُ بيرتن ما دعاه إلى الإسلامِ والصوفية، ورفض المسيحيةِ، والتي يعتقد بأنها قَدْ لُطّخَت «بالمكر، والحقد، والاضطهاد، وإراقة الدماء». وهو، على النقيض من ذلك، يثني على الإسلام بسبب «حياته الدينية المنظّمة بشكل جيد، والتي تشمل الوصفات الغذائيةَ، والتطهر الشعائري، والصلوات في أوقاتٍ مُحَدَّدَةٍ، بالإضافة إلى اعتقاداته الروحانية».(98)
الموضوعات الرئيسيّة لهذه المجموعة من الباحثين تختلف تماما مع أطروحات التيّار الأوّل. فبينما تجادل المجموعة الأولى، كما قد رأينا، بأن أدب الرحلات الغربية يكشف عن «الهيمنة الغربيّة على الشرق» (سعيد) أو «نفي الشرق في حالةِ غرابةٍ غيرِ قابلةِ للحلّ» (قبانيّ) أو «الشعور الأوروبيّ بالتفوق العنصريّ» (الطه), فإن المجموعة الثّانية تجد في نفس الخطاب قيما أخرى مثل: «عبور الحدود الثقافيّة», و«النّقد الذّاتيّ الثقافيّ» (هاوت) و«الاستشراق الرّومانسيّ» أو «الإعجاب بالشّرق» (سامبسن).
لإيضاح فكرة عبور الحدود الثقافيّة, لنُمْعِن النظر في بعض الأمثلة التي قدمها الاتجاه الثّاني من دراسات أدب الرحلات، وكيف أنها تختلف عن تلك التي قدمها الاتجاه الأول. فبينما يخلص سعيد، على سبيل المثال, إلى أن نرفال لديه «رؤية سلبيّة لشرق مُفرَغ»,(99) تخبرنا هاوت بأن نرفال قد بُهِر بالشّرق إلى حد أنه اقترح بأن الأوروبيّين ينبغي «أن يتحوّلوا إلى الإسلام لنيل التقدم»، كما رأينا سابقا. ريتشارد بيرتون، أيضا، مثال نموذجيّ لمثل هذه المقارنة. فبينما يتفق كل من سعيد, وقبانيّ، والطه حول «المهمّة الإمبرياليّة» لبيرتون, تزودنا سامبسن برؤية مختلفة، حيث أنها تجادل حول البعد الدينيّ لكتاباته، مؤكّدة أن بيرتون رفض المسيحيّة، ووجد في الصوفية الإسلاميّة بديلا. ولا أود بهذه المقارنة أن أشير ضمنيا إلى أن تفسير المجموعة الثانية للنصوص أكثر دقة من تفسير المجموعة الأولى، وإنما أردت أن أشير إلى أن إدراك الخطاب الغربي يمكن قراءته من زوايا مختلفة. وأعتقد أنّ مثل هذه الإمكانية تقدم طريقة لعبور الحدود الثقافيّة. في هذا الصّدد, تلفت ماري لويز برات Mary Louise Pratt انتباهنا لما تسميه «منطقة التّماسّ», وهو مكان, تؤكّد بأن العلاقات فيه بين المستعمِر والمستعمَر، أو الرحالة والشعوب التي زارها، يجب أن تُفهم, لا من حيث التّفرقة العنصريّة, لكن من حيث التنوع الثقافي.(100)
هناك نقطة مهمّة أخرى بخصوص «عبور الحدود الثقافيّة» تستحقّ اهتماما أكثر. تلك هي ظاهرة تخفي الرحالة أو ما تسمّيه ديان ساتشكو ماكليود Dianne Sachko Macleod «ارتداء الآخر».(101) وهنا, سنقارن بين رؤى مختلفة لنقاد من المجموعتين الأولى والثّانية. تنظر رنا قبانيّ, على سبيل المثال, إلى التخفي «كلعبة» كان يؤديها الرحالة الغربيّون من أمثال إدوارد لين, وريتشارد بيرتون، ولورانس العرب لغرضي المتعة والواجب. فمن المظاهر المضحكة للتخفي, كما تقول قباني, أنه يعرض تسلية لكل من المرتدي وجمهوره، ففيه إغواء للخيال الغربيّ حول شرق يتمتع بالمغامرة والسرّيّة. وتعتقد أن الأوروبيّ, في الواقع, لا يتمنّى أن يكون شرقيًّا في تكييف نفسه على لبس الشّرقيّ, وحديثه، وسلوكه. وعليه, تؤكّد قباني, بأن «الغرب والشرق استمرّا كيانين مختلفين لا يلتقيان، وأن الروابط المصطنعة فقط يمكن أن تكون بينهما.»(102) وتضيف بأن التخفي أيضا جاء ليخدم أهدافا سّياسيّة، فقد كان «وسيلة للتّسلّل إلى المجتمع الشرقي لجمع المعلومات».(103) فبيرتون, كما تدّعي, عندما كان في مكّة متخفيا كباشا متجوّل, اقترب منه هنديّ، وأثناء حديثه معه، أخبره، بحماسة وطنية، بالاحتجاجات التي كانت على وشك أن تُنَظَّم ضدّ البريطانيّين في الأقاليم الهنديّة. لكن بيرتون لم يضيع وقته، فأسرع بالإبراق بهذا الخبر إلى مقر القيادة البريطانية في الهند فورا. وخلافا لرؤية قبّانيّ, تقدم كاثرين سامبسن موقفا مختلفا حول التخفي عند الرحالة الغربيين، إذ تراه دلالة واضحة على التحول إلى الثقافة الشرقيّة. فهناك أوروبيّون كثيرون, بعد إخفاء أنفسهم كشرقيين, قبلوا المعتقدات الدّينيّة الثّقافيّة للبلاد التي ارتحلوا إليها، كالسيّدة هيستير ستانهوب, والسيّدة بلانت, ويوهان بركهارد، وأولريش سيتزين, وترجح سامبسن أن هؤلاء الرحالة الرومانسيّين قد تحوّلوا إلى الإسلام .
ما يستحق التنويه في هذا النّقاش أيضا، هو أيديولوجيّة «النقد الذاتيّ» التي تمثّل جانبًا هامًّا في أطروحات المجموعة الثّانية من الباحثين. مناقشة سيرين تشافيك هاوت للنّقد الذّاتيّ الثّقافيّ في أدب الرحلة الغربيّ تُربك مشروع إدوارد سعيد وتابعيه حول الاستشراق، كرؤية مركزيّة غربيّة للآخر. فبدلاً من قراءة قصص الرحلات الغربيّة كنقد أوروبيّ للشرق, تنظر سيرين إلى الجانب الآخر للمعادلة, ذلك أنها تقرأ الرحلات «كنقد ذاتيّ ثقافيّ أوروبيّ». لهذا, تعتقد أن الرحالة الغربي حين يريد أن ينتقد السّلوك الأوروبيّ بطريقة غير مباشرة, فإنه يلجأ على حيلتين، إمّا أنه يصوّر المجتمع الغريب كمدينة فاضلة، أو أنه يحضر معه إلى أوروبّا مواطنًا شرقيا لا يستطيع التكيف مع المجتمع، فيموت من رؤية الفساد أو الإحساس بالنوستالجيا.
فكرة رُؤية الذات من الخارج، التي تكرّسُ سيرين لها أطروحتها، تتفق مَع ما يدعوه دنيس بورتر Dennis Porter «بالسفر النقدي»، قاصدا به أعمال بَعْض الرحالة الغربيين «الذين أثاروا تساؤلات حول الأهميةِ المركزيةِ للمجتمعاتِ الأوروبيةِ».(104) ضمن مثل هذه الرؤية، أيضاً، يُمْكِنُنا أَنْ نقْرأَ أدب الرحلة مِنْ الزاويةِ الأخرى، أي يُمْكِنُنا أَنْ نُدركَ النَصَّ الاستشراقي الذي وصمه سعيد وأتباعه بالعداوةِ للشرقِ، كمرآة للأنا, مرآة يمكن للشرقي أن يرى فيها خللَ وعيوبَ ثقافتِه. وهذا ما سيصرح به محمد جفادي، كما سَنَرى لاحقاً، من حيث أنّه تَعلّمَ مِنْ الأدب الذي كتب حول إيران بَعْضَ عيوبِ الأساليبِ والعاداتِ الفارسيةِ. بهذا الانفتاح، يُمْكِنُ أَنْ نَقْرأَ نصوصَ الرحلات مِنْ عِدّة زوايا، وبه نَتجنّبُ الوقوع في فخ التعميمات الكاسحة، والتطرف في العواطف أثناء الحِجَاج.
علاوة على ذلك، فإن هذا الاتجاه مِنْ الدراساتِ يولي اهتماما «بالاستشراق الرومانسي»، كما رَأينا كاثرين سامبسن تلفت انتباهنا إلى الافتتان البريطاني بالشرقِ أثناء التوسع الإمبريالي. محمد شرف الدين، في كتابه الإسلام والاستشراق الرومانسي، يقدم لنا أمثلة جيدة لهذا البُعدِ الجمالي في الكتاباتِ الغربيةِ حول الشرقِ، ويتحدى بها أطروحة سعيد. يؤكد بأنّنا إذا حكمنا على كُلّ الكُتّاب الغربيين بأنهم صنيعة ثقافتهم الإمبريالية، كما فعل سعيد، فإن هذه التهمة ليست خاطئة فقطة، ولكنها مُضَلِّلةَ أيضاً، لأنها تلغي بَعْض ميزاتِ الكُتّابِ الذين يُمْكِنُ أَنْ يوصفوا بالثوريين. وهكذا، سعى شرف الدين في أطروحته إلى «إعادة التفكير في سياق النص الاستشراقي وما يهدف إليه في خطابه لجمهورِه، قَبْلَ إدانة مُؤلفه كمشارك في جهل عصره وعماه».(105) وقد اختار لدراسته نصوصا من الأدب الإنجليزي تشمل جبير Gebir للاندور Landor، وطلبه Thalaba لسوثي Sauthey، ولالا روخ Lalla Rookh لتوماس مور Thomas Moore، وحكايات تركية Turkish Tales لبايرون. وقد اختارها شرف الدين لأنها «تدل على تقدّم في فَهْم الشرق والتعاطف معه».(106)
على الرغم مِنْ الجُهودِ التي بذلتها المجموعة الثانية من دراسات الاستشراق في زَعْزَعَة السلبيةِ المطلقة والثابتةِ لمنهج سعيد وأتباعه، اعتقد أن كلتا المجموعتين يغلب عليهما التحليل الأحادي الجانبِ. ويكمن الاختلافُ بينهما فقط في أن المجموعة الأولى تأخذ الجدال إلى نهاياته السلبية، بينما تَأْخذُه المجموعة الثانية إلى النهايات الإيجابية. ولا أود هنا التقليل من أهمية هذين المنهجين، لكني أدافع عن منهج وسط في دراسة الخطاب الغربي في أدب الرحلات، ستتجلى حيثياته في الصفحات القادمة.
ثالثا: الوسطيون
المجموعة الثالثة من دراسات أدب الرحلات الغربي حول الشّرق هي ما سأسميه بالطرف المحايد، أو الوسطيين، وأعني بها تلك الدراسات التي أخذت طريقا وسطا بين سعيد وتابعيه من جهة, وخصومهم من جهة أخرى. وتعتمد هذه الدراسات على فكرةِ «عدمِ التجانس» في النصوصِ الأدبيةِ.
إيران تحت عيون غربيّة لمحمد جافادي (1984) يُمثّلُ هذا النوعَ من الانتحاء في التَعَامُل مع أدب الرحلات الغربيةِ. يَعتقدُ جفادي أن الرحالة الغربيين إلى إيران كَانوا «متباينين في آرائهم، بالقدر الذي كانت فيه قصصهم مُتنَوّعة». ذلك بأنهم غَطّوا مجالات واسعة من الكتابة حول إيران، تفاوتت بين وجهاتِ نظر شخصية إلى ملاحظات موضوعية.(107) ويرى جفادي أن الرحالة الغربيين إلى إيران ينقسمون إلى طائفتين؛ الأولى أنتجت كتبا مشبعة بالإحساسِ العميقِ بالتفوقِ الثقافي والعرقي، والثانية جاءت إلى إيران تبحث عن ملاذ، عبر السفر، مِنْ السلطات الاستبدادية في أوطانها، ومِنْ «الأوضاع الصناعية القبيحة في إنجلترا الفيكتورية».(108) يُجادلُ جفادي بأنّ الرحالة حين يزور بلادا أجنبية يُمْكِنُه أَنْ يلحظ مزايا وعيوبَ تلك البلادِ، والتي لا تبدو لمواطنيها، وهذا ما حمله على قبول فكرة «النقد ذاتي». فلأَنه قضى بَعْض السَنَواتِ في الخارج، يؤكد بأنّه يُمْكِنُه أَنْ يرى إيران مِنْ موقف غير متعصب. يقول: «انتبهت شخصيا لبَعْض العيوبِ الأساسيةِ في عادات وتقاليد الحياة الفارسيةِ، نتيجة قراءتي لكتب الرحلات حول إيران».(109)
في الفصل الثاني من أطروحته، وعنوانه «آراء متحيزة ضدّ بلاد فارس»، يذكر جفادي بأنّ اللاهوتيين الجدليين لطالما أوحوا إلى أشياعهم بالخوف من غير المسيحينِ، خصوصاً مِنْ المسلمين، لكنّ فزعَ جيمس موريير James Morier من الإسلامِ وكراهيته له، في كتابه مغامرات الحاج بابا الأصفهاني، بَدا مَرَضَيّا وخارجا عن السّيطرة.(110) فقد رَأى الإسلام خطرا محتملا لما يصفه بـ«الحضارة»، وقد عمل جاهدا في كتابته عن بلاد فارس على إظهار المسلمين كوثنيين.(111) ويؤكد جفادي أيضاً بأن مغامرات الحاج بابا الأصفهاني أساء إلى بلاد فارس بخَلْق «حياة كاريكاتورية للمحتالين»، راسما إياها للغرب بأنها تمثل معظم سلوك الفرس. كما أن الرحالة اللاحقين الذين كانوا يؤمنون بما يصفونه «بالدونية الغريزية للآسيويين»، والذين كَانوا في الغالب وكلاءَ الحكومةِ البريطانيةِ، اختيروا لوظائفِهم بسبب مواقفِهم المحتقرةِ لغيرِ الأوروبيين، قد أخذوا مغامرات الحاج بابا الأصفهاني «كحقيقة مطلقة».(112) ويضيف جفادي بأن دونالد ستوارت Donald Stuart ، يقف بجانب موريير في «نظرته الدونية الراسخة تجاه بلاد فارس»، وأن عنصريته واضحة في قلة اكتراثه بمعاناة «الجماهير المضطهدة» من الفرس. ويوضح سلوك ستوارت هذا بأنه ربما لم يدرك حقيقة أنّ الجماهير التي «كَرهَها وأساء إليها» كَانتْ من نتاج الأشكالِ الاستبدادية، التي كَانتْ مدعومة في أغلب الأحيان من قبل المحتل الذي وظف أناسا مثل موريير، وستوارت نفسه، ليحتفظ بهيمنته على البلدانِ المُسْتَعْمرةِ.(113) ويذكر جفادي بأن من مظاهر عنصرية الرحالة البريطانيين أيضا، شجبَهم للاستبداد في الغربِ، وقبولَه في الشرقِ، ويقتبس لستوارت قوله بصراحة: «إنّ الشرقيين لا يَستطيعونَ فَهْم الديمقراطيةِ، ولا يمكن أن يحكمهم إلا طاغية، لأن الديموقراطية زهرة حسّاسة لا تَنْمو إلا في الغربِ».(114)
في الفصل الثالثِ، يُجادلُ جفادي بأنّ أواخر القرن التاسع عشر شَهدَ دافعا جديدا للسفرِ إلى الشرقِ؛ وهو «السفر كهروب». بَعْض الشباب الطليعيين من البريطانيين ذهبوا إلى الشرقِ باحثين عن معانٍ جديدة في المعتقدات والأفكارِ الشرقيةِ. في بلاد فارس، كما يذكر جفادي، حاولوا عَيْش نداء عمر الخيام، «اغتنم الفرصةَ»، لكن هؤلاء الرومانسيين خابَ أملهم. فبدلاً مِنْ أنْ يَجدوا الناس يحيون في «جنة عدن» وفي طبيعة خلابة، «يمشون في حدائقِ الورد، ويتحدثون فيما بينهم بالشعرِ»، وجدوا التخلف والفاقة.(115) ومن بين هؤلاء الرحالة، كما يُوضّحُ جفادي، جيرترود بيل Gertrude Bell، التي رسمت الصورة الأكثر رومانسية لبلاد فارس.(116) ومن مواقفِها الرومانسيةِ الظاهرةِ، مديحُها لقدرة الفُرْس على انتزاع السعادةِ مِنْ الأشياءِ البسيطةِ في الحياةِ، معتقدة بأنّ السببَ الرئيسيَ للضجر في الغربِ كَانَ انحدار قدرةِ الغربي على التَخَيُّل وتذوق جمال الطبيعة، خلافا لما وجدته في الشرق.(117) ويؤكد جفادي بأنّ السيدة بيل، متأثرةً بحب البساطةِ، استطاعت أَنْ تَتجاوزَ حدودَ العِرْق، والثقافة، والجنسية لترى نفسها كجزء مِنْ الأخوّة الإنسانية العالمية، تقول: «آه، سعادة بسيطة، مألوفة في أرض قصية جدا! لا تجدها في المدن الكبرى، في مثل هذه الأماكن نحس برابطة الإنسانيةِ التي تَرْبطُ الشرق والغرب».(118) ومع ذلك، كما يلحظ جفادي، فإنّ بيل لم تقتصر فقط على إظهار البُعد الرومانسي لبلاد فارس، وإنما صورت أيضاً» جانبها المريع والبشع». فقد كانت متعاطفة مع الفقراء، وقد راعها أن ترى مجموعة من النادبين الجوعى والمهزولين، يضربون أنفسهم، وينوحون «غرقى بالدموع والعرق»، محاطين بجمهورٍ أكثر فقرا منهم، «وجوههم متجعدة، من قسوة الجوع والفاقة». ويُبرّرُ جفادي غضب السيدة بيل بأنه موجه نحو أولئك الذين استغلّوا الدينَ كوسيلة لإبْقاء العامة في حالة من الجهل والعوز. ويُجادلُ بأنّ بيل لَيسَت متزمّتة، ولا «كارهة للأديان»، وأن نقدها بناء، خال من التحيز والانفعال الذين طبعا هجوم كل من موريير وستيوارت.(119)
في الفصل الرابعِ، «الرحالة اللارومانسيون» يجادل جفادي بأن الرحالة الغربيين الذين جاءوا إلى بلاد فارس بعد الحرب العالمية الأولى كَانوا معادين للرومانسية، لأنهم كانوا «اشتراكيين ومتأثرين بالثورة الروسيةِ»، وحاولوا إظهار الجانبِ غير الرومانسي للشرقِ. فعوامل الجذب الشرقية مثل الأسواقِ الشعبية، والحدائق، والجِمال، والقوافل، والحرف التقليدية، والبساطة الريفية، وغيرها، مما استهوى الرومانسيين، لَمْ يجد هوى في نفوس هؤلاء الرحالة. ومع ذلك ورغم اهتماماتهم، كما يصرح جفادي، فإنهم رسموا «صورة غير متحيّزة لبلاد فارس».(120) ويَستشهدُ بفريا ستارك Freya Stark كأفضل من يمثل هذه المجموعة مِن الرحالة،(121) ففي كتابها أودية القتلة أبدت إعجابها برفض البدو لقيود الحياة الروتينية، وبشجاعتهم، وكرمهم الفياض، وحياتهم الصحّية والطبيعية، وعلى النقيض من ذلك، انتقدتْ هوسَ الإنسان الغربي بوسائل الكسب المادي، «مما لم يترك له وقتا ولا تفكيرا للاستمتاع بالحياة نفسها».(122)
في الفصلِ النهائي «الرحالة كعاشقين للجمال الإنساني»، يذكر جفادي بأنّه في السنَواتِ بين الحربين العالميتين، أنتج الكثيرُ من الرحالة الشباب الموهوبين أدبَ رحلاتٍ يتميز «بتسامحٍ وفهمٍ جديد لأنماط الحياة الشرقية». هؤلاء «الشباب الطليعيون»، كما يصفهم جفادي، حاولوا تَجَنُّبَ الأفكارِ الموروثة في ثقافتهم حول تفوقِهم العِرْقي، واتجهوا إلى الشرقِ للحصول على المعرفةِ المباشرةِ حول المنطقة.(123) ويمثل جفادي لهذه الطائفة من الرحالة بروبرت بايرون Robert Byron،(124) الذي ذكر بأنه أثناء مروره بالهند صُدِمَ «بحقيقتين مُرَوِّعتين: عدمِ اكتراث المواطنين بمصيرِهم، وغطرسةِ الضبّاطِ الإنجليزِ واحتقارِهم للشعبِ الهنديِ». ويُصرّحُ بايرون بأنه راعه رُؤية المسؤولين البريطانيين، يغمرهم الإحساسُ بالتفوقِ الأنجلوساكسوني، والازدراءُ لعاداتِ وتقاليد الآخرين.(125) ويرى جفادي بأن بايرون كَانَ عادلا في نقدِه، «يُدينُ الفسادَ والحماقة أينما رآهما، سواء عند الأوربيين أو الشرقيين». وقد أغضبه في إيران رُؤيةُ بَعْض القلاعِ والحصونِ- وكانت أعمالا فنية رائعة- مهّدمةَ بطلبٍ من القائدِ العسكري البريطاني.(126)
على نفس هذا المنهج، نجد إدواردس فان دي بلت في أطروحته القرب والنأي (1985) يُجادل بأنّه إذا أردنا أن «نتجنب خطأ سعيد» فيَجِبُ أَنْ لا نعالج علاقات الرحالة الغربيين بالشرقِ في تعميمِاتٍ كاسحة.(127) في دراسته لاستجابات الرحالة الأمريكيين للشرق الأوسطِ، يتبنى فان دي بلت منهجا مختلفا جداً عن منهج سعيد. يَعتقدُ بأنّه، في دِراسَة أدب الرحلات، ينبغي على الباحث أن لا يميز فقط بين الفتراتِ الزمنية المختلفةِ للسفر، أَو بين مجموعاتِ الرحالة، وإنما يتحتم عليه أيضا إدراك الأصواتِ المختلفةِ في العمل الواحد لكاتب الرحلة. يؤكد فان دي بلت بأنّنا، لكي نُعالجَ بإنصاف تعقيدَ تجربةِ السفر ومواضيعَها الحرجةَ، يَجِبُ أَنْ نأخذ في الحسبان الاختلافات بين الرحالة في الدينِ، والطبقة الاجتماعية، والجنس، وأن «نمعن النظر في ازدواجية، وغموضِ استجاباتهم للشرق».(128) في مقدمتِه، يَذْكرُ فان دي بلت أهداف دراستِه، والتي تتلخص في استكشاف الطرق المختلفةَ التي سلكها ما لا يقل عن مائة رحالة أمريكي في تعاملهم مع الشرق الأوسطِ عبر كتاباتهم، وكذلك استكشاف نتائج مواقفِهم المتنافرة. يشير فان دي بلت إلى أن هناك نوعين مختلفين مِنْ الاستجابات التي تُميّزُ أدب الرحلات الأمريكي حول الشرق الأوسطِ، في الفترة من 1819 إلى 1918. (129)
يوضح فان دي بلت بأن النوع الأول من الاستجابات كان إنتاج سلسلةٍ من الصور المتحيزة والمتحاملة على الشعوب الشرقية. ففي كثير من قصص الرحلات، كان الأمريكيون يصفون مواطني الشرق «بالحيواناتِ ذات الشكلِ الإنساني». وبشكل عام، ركّزَ الرحالة بتعمد على تشويه الإنسان الشرقي، والحديث عن «جبريتِه، وبلاهته، وافتقاره للنشاط والمغامرة».(130) وليام لورينج William Loring، كما يستشهد فان دي بلت، يعتقد في كتابه جندي متحالف في مصر،(131) بأنّ الشرقيين «عاجزون عن التأمل أو التفكير بعمق. يَحْلمونَ ويُدخّنونَ، ويَتْركونَ كُلّ شيءٍ إلى اللهِ».(132) ويضيف فان دي بلت بأن العديد مِنْ الرحالة اتفقوا مع ما أشاعه ستيفن أولن Stephen Olin في كتابه رحلات في مصر،(133) من أن «المسلمين يكذبون دون وازع من ضمير»، وأن الشرقيين إذا أرادوا قَول الحقيقةِ، لا يَستطيعونَ، لأن لغتَهم مغالية جداً، أَو كما يعبر بايارد تايلور Bayard Taylor : «العرب يسرفون في الاستعارات الوقحة».(134) علاوة على ذلك، يَزْعمُ فان دي بلت بأنّ الإسلام نُظِرَ إليه في قصصِ الرحلات الأمريكية على أنه السبب الوحيد لانحطاط الشرق، فبعض الرحالة اتهم الإسلام بأنه وراء كل المشكلات في بلدانِ الشرق الأوسط، بداية مِنْ «الافتقار إلى القوة الثقافيةِ»، وحتى «الاستخفاف بالنساءِ». ويصرح فان دي بلت بأن النبي محمد،صلى الله عليه وسلم، صوّرَه بعض الرحالة الأمريكان على أنه «دجال».(135) كما صوروا الشعائر الدينية مثل الصلوات اليوميةِ على أنها «ضرب من النفاق والتباهي، يُناسبُ الفَريسيّين».(136) وبعض الرحالة تناول موضوع العبيد في الشرقِ، ورأى أن وضعهم أسوء حالاً من وضعهم في أمريكا. ويعلق لورينج، مثلا، على وضع الفلاحين في مصر، قائلا بأن وضعهم سيء للغاية، وإذا ما قورنوا بالعبيد في أمريكا، سيكون حال الأمريكيين مُرَفـّهًا «يعيشون في القصور، ويلبسون الكتان».(137)
و يذكر فان دي بلت بأن النوع الثاني من استجابات الرحالة الأمريكان، هو تقديم مواقف نزيهة حول الشرقِ. فلم ينظر جميع الرحالة إلى وضع المرأة الشرقية على أنه «منحط»، فجيمس ديكي James DeKay وصموئيل كوكس Samuel Cox كانا «مبهورين من الاحترام العميقِ الذي يؤديه كافة الأتراك إلى الجنسِ النسائي»، وكانا مقتنعين بأن «المرأة التركية تتمتع بالحرية أكثر من أي امرأة».(138) وإذا كان بعض الرحالة الأمريكيين قد أدان العبودية في الشرقِ، فإن بعضهم، كما يؤكد فان دي بلت، قد وجد العبيد الشرقيين أفضل حالا من غيرهم. يقول كوكس، مثلا، بأن «العبد التركي ليسَ عبدا فلاحا بالوراثة: لا توجد هناك عبودية وراثية في الشرقِ، كما أنّ الدين خفف من قسوة نظام العبودية، وجعله بمثابة الظل، إذا ما قورن بنظيره في أمريكا».(139) علاوة على ذلك، يُلاحظُ فان دي بلت بأنّ الرحالة الأمريكان قدموا شهادات انتقادية لثقافتِهم وبلادِهم. فتوماس أوفام Thomas Upham، على سبيل المثال، كان مقتنعا بأنه « لكي نعْرفَ شعوب الشرقِ، يَجِبُ أَنْ نُحبَّهم»، وهو يوجه مثل هذه النصيحة لرفاقه من الرحالة، الذين طالما ترفعوا، وعَزلوا أنفسهم عن أهل الشرق.(140) ويضيف فان دي بلت بأن العديد مِنْ الرحالة الأمريكان وجدوا مزايا شرقية مذهلة، مما دفعهم إلى مقارنتها بمثالب بلدانهم وانتقادها، فكثيرا ما كانوا يمتدحون تقوى المسلمين وامتناعهم عن الكحول. ويقتبس فان دي بلت فقرة لجورج وليام كيرتيس George William Curtis،(141) يثني فيها على الرسول الكريم، ويهاجم المسيحية: «إذا كنت رجلا، فلا بد أن تقدر عبقرية نبي المسلمين، وأن تكون سعيدا من أجلهم لأنهم وُهِبوا هذا المعلم الإنساني. ولا بد أيضا من أن تفكر في حقيقة أن المسلم الشرقي أفضل من المسيحي الغربي».(142) ويُلاحظُ فان ديبلت بأنّه على الرغم من أن كيرتيس يَرْفضُ تعددَ الزوجات أخلاقيا، فإنه معجب به كسمة «لطبيعة الشرقِ الرائعةِ»، وهو يَشْجبُ «النفاق الغربي»، فيما يَتعلّقُ بالنساءِ.(143) ويخلص في أطروحته، إلى أن «المثالية الخيّرة» التي تدفع كيرتيس لتَقييم الشرقِ وناسِه إيجابياً، مدعومة من قبل رحالة آخرين من أمثال أوفام، كما أنها تتردد في كثير من كتب الرحلات الأمريكية ذات «النزعة الإنسانية الخيّرة».(144)
و ينضم إلى هذا المنهج الوسطي أيضا، جون سبينسر ديكسن، في أطروحته تمثيلات الشرق في أدب الرحلات الإنجليزية والفرنسية من 1798−1882 (1991). ديكسن مهتم بالتَحقيق فيما إذا كان كُتّابُ الرحلة الغربيون «إمبرياليين، وعنصريين بشكل مطلق»، كما يُجادلُ سعيد، في مواقفِهم نحو الشرقيين، وخصوصاً، نحو المصريين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أم أن هناك «دليلا على خطاب مختلف».(145) يَختلفُ ديكسن، من الناحية المنهجية, مع سعيد، ويُهاجمُ أطروحتَه بأنها «انتقائية جدا»، من حيث اقتصاره، دعما لحجّتِه، على أولئك الرحالة ذوي المواقفِ الإمبريالية الظاهرةِ. ويقول بأن النصوص التي يَعْرضُها في أطروحتِه تثبت بأن أدب الرحلات الغربي في القرنين الثامن والتاسع عشر «واسع المجال، ويمثل مصر من أوجه عدة»، وأن بعضه فقط يظهر التحيّز والإجحاف.(146)
من الأمثلةِ الجيدةِ التي يَختارُها ديكسن، الرحالة الليدي هيستر ستانهوب Lady Hester Stanhope. وهو يُجادلُ بأنّ مذكراتها ورحلاتها فريدة في طريقِتها لقلب مفهوم النزاعِ بين الشرق والغرب. فقد كَانتْ، كما يرى ديكسن، استثنائية بين الرحالة الغربيين، من حيث أنّها «تَبنّت العادات الشرقيةَ كرفض متعمد للعادت الغربيةِ».(147) كما أنّ كتاباتها فريدة في تحررها مِنْ الإجحاف الغربي المعروف حول ديانات أهل الشرق وأعرافهم. إنّ أهميةَ السّيدةِ هيستر، كما يُصرّحُ ديكسن، بأنّها تُقوّضُ مصداقيةَ حجّةِ إدوارد سعيد، المتعلقة بالرحالة البريطانيين والفرنسيين، حيث أنه لم يتناول في الاستشراق أيا من الرحالات، بل اقتصر على دراسة الذكور.(148) ويَعْرضُ ديكسن أمثلة نسائية أخرى لدَعْم حجّتِه، مثل فلورنس نايت إنجل Florence Nightingale ولوسي دوف جوردن Lucy Duff Gor­don. ( 149) زعم أن الأولى كانت ميالة روحياً إلى الإسلامِ، وأنها وجدت فيه « فرَجًا مِنْ المادّيةِ المستبدّةِ للمسيحيةِ»،(150) والثانيةَ جردت نفسها مِنْ الثقافةِ الإنجليزيةِ لِكي تَعِيشَ بشكل حقيقي وصادق بين المصريين، وتستمع بحرية، إلى «أفكارهم حول المعتقدات الأوروبيةِ، ولم تكن متحمّسة لتسجيل اتجاهاتها حولهم».(151)
و رغم ذلك، فإن ديكسن يُصرّحُ بأنّ هذه المواقف لَيسَت الرؤيةَ الكاملةَ للرحالة الفرنسيين والإنجليزِ حول الشرقِ. فهو يتفق مع سعيد بأنّ الشرقَ وُصِف بشكل عام في أدب الرحلة كمكان طبيعي «للحيل السحرية»، وبِأَنَّ هذا الوصف قادَ الرحالة الغربيين إلى اعتقاد أن المكان «الملائم للتفكير العقلي « هوالغربُ، وأن المكان «الصحيح للسحرِ» هو الشرقُ. ويرى ديكسن بأن تخصيص إدوارد لين فصلا مسهبا، في كتابه، حول الخُرافاتِ في مصر، دليلٌ واضح على هذا الاعتقاد الغربي الشائع، لأنه يظهر «التفوق الطبيعي للعِلْمِ الأوروبي مقابل الجهل المصري له».(152) ويضيف ديكسن بأن الكُتّابَ والمؤرخين من أمثال لين ورسل Russell لم يستطيعوا تَجَنُّب الوقوع في فخ الأنماطِ الأوروبيةِ النموذجية، وعليه فإن نصوصهم تَكْشفُ عن «حاجز بين الأنا والآخرِ، بين الأوروبي والمصري، الغربي والشرقي».(153) ويخلص ديكسن إلى أنّ خطابات معيّنة من أدب الرحلات الغربيةِ مُشَبَّعة بالمواقف الإمبريالية والعنصريةِ. ويرى بأن اتهامات سعيد لكينجليك وبيرتن بالتمييز العنصري والإمبرياليةِ معقولة، لكنه يؤكد بأن سعيدا «أهمل كثيرا من الرحالة البريطانيين المتعاطفين مع الشرق» أمثال فلورنس نايت إنجل، ولوسي دوف جوردن.(154)
واضح بما فيه الكفاية، أن هذا الاتجاه النقدي، كما رَأينَا مِنْ الأمثلةِ المذكورة سابقا، يسوق حجّتَه إلى طريق وسط بين الاتجاهين، الأولِ والثاني. الموضوع المهيمن الذي يَتخلّلُ كُلّ دِراسات هذه المجموعةِ هو النداءُ إلى أن أدب الرحلات متنوع وغير متجانس. ولهذا فإن ميل إدوارد سعيد وأنصاره إلى مجانسة ما هو متباين مَرْفُوضٌ لسببين رئيسيينِ.
السبب الأول هو أن تلك الأمثلة العديدة، التي تكشف عن تعاطف الرحالة الغربيين مع الشرق، تشكل تحديا لتجاهل المجموعةِ الأولى لدورِ المستشرقِ المستقل. وكما لاحظ فان دي بلت، فإنه يتحتم علينا في دِراسَة أدب الرحلةِ، ليس فقط التفريق بين مختلف الرحالة، والأزمان التي سافروا فيها، لكن علينا أيضاً الإدراك لوجودِ الأصواتِ المختلفةِ في العمل الواحد للرحالة. بَعْدَ أَنْ رَأينا كُلّ التجارب المختلفة للرحالة الغربيين في الشرق الأوسطِ، نحن مدعوون إلى مساءلة فرضيات استشراق إدوارد سعيد . وقد اقترح العديد مِنْ علماءِ نظرية ما بعد الاستعمار بأنّ النَصَّ الاستعماري لا يَذْهبُ فقط في اتّجاهٍ واحد. هومي بابا، على سبيل المثال، في جداله حول « ازدواجية الخطاب الاستعماري» يَتكلّمُ عن رغبةِ المستعمِر في «تَقليد الآخر». ويُشيرُ إلى التسوية الممكنة بين «الذات» و«الآخر»: «المحاكاة الاستعمارية هي الرغبةُ في آخَرٍ صالحٍ ومتميز».(155) كما يُصرّحُ، دينيس بورتر، في معرض تعليقه على نداءاتِ إدوارد سعيد الأخيرة لما يسميه «بالطرق الأخرى مِنْ الإخْبار»، بِأَنَّ هذه الطرق كَانتْ متوفرة في خاصية «عدمِ تجانس» الكثير مِنْ النصوصِ الاستعمارية.(156) ولإثبات هذه الفكرةِ، يُزوّدُنا بورتر ببَعْض الأمثلةِ مِنْ كتابات لورانس، الذي اتهمه سعيد بأنه «عميل إمبريالي».(157) علاوة على ذلك, تقدم ليسا لوي Lisa Lowe حجّة جيدة تدعم بها فكرة عدمِ تجانس النَصِّ الاستعماري، وذلك في كتابِها، حقول نقدية. في الفصل الأولِ «الخطاب وعدم التجانس: وضع الاستشراق» ، تَرْفضُ ليسا لوي وجهة النظر، التي تجعل الخطاب الاستشراقي كله في سلة واحدة، وتَعْرضُ رأيا آخر. تَقُولُ:
«يَصِفُ هذا الكتاب حقولا مُطردة متباينة، لا لتُسهم في نموذجٍ تعدّدي ليبرالي مِنْ تعدديةِ الثقافات، ولكن بالأحرى لتؤكد أن العلاقاتِ بين أوروبا والثقافات المستعمَرة مجتسرة بتطابقاتٍ لا يمكن أن تنزل إلى مستوى الخصومات الثنائيةِ الشائعة، والأهم من ذلك، لتؤكد هذه الكتاباتِ المتقاطعةَ والمتعدّدةَ، كلحظاتِ اختراقٍ في البُنى الاستطراديةِ المُهيمنةِ».(158)
هذا «الاختراق» لهيمنة الاستشراق قد أوضحناه بالعديد مِنْ الأمثلةِ خلال هذه الدراسة، خصوصاً حين ناقشنا أفكارا مثل «عبور الحدود الثقافية»، و«الاستشراق الرومانسي»، و«النقد الثقافي للذات». وعليه فإن المشروع المنليثي لسعيد وأنصاره مُقَوَّضٌ بمثل هذه المحاولاتِ مِنْ الدراساتِ ما بعد الاستعمارية. وهذا بالضبط ما تؤكده ساره ميلز Sara Mills، حين تقول:
«أربكت نظريةُ الخطاب الاستعماري، والنظرية ما بعد الاستعمارية، نظرةَ إدوارد سعيد التي تنص على أن النصوص الاستعمارية كلها متجانسة، وهكذا أصبح من الممكن تحديد علاقاتِ السلطة بين المُسْتَعْمِرِ والمستعمَر، ليس ببساطة من ناحية العلاقة بين ‘السيدِ’ و’العبدِ’، ولا من حيث نجاحُها في تَأكيد القوَّةِ الاستعمارية».(159)
السبب الثاني، هو أن تعميم الاستشراق على أنه خطاب عدائي مخترق بأدب الرحلات النسائي. فقد لاحظَ كثير مِنْ النقّادِ بأنّ مشروعَ سعيد في الاستشراق يُهملُ كتابات النساء، أَو كما يصفه جون إم . ماكينزي John M. Mackenzie «نتاج ذكوري محض».(160) رَأينَا، سابقاً، أمثلة سبينسر ديكسن من الرحالات النساء مثل السّيدةِ هيستر استانهوب، وفلورنس نايت إنجل، ولوسي دوف جوردن. هؤلاء النساء البريطانيات في تعاطفهن وافتتانهن بالشرق يشكلن ظاهرة بارزة تربك التقليدَ المنليثي للخطاب الغربي، الذي هاجمه سعيد وأنصاره. ولهذا فإن الاهتمام بنقد الكتابة النسائيةِ حول الشرقِ ضروري لأنه، كما تقول رينا لويس Reina Lewis:
«يرْفضُ تصورَ الخِطاب مُتـَعمَّدا ومُوَحَّدا، بإبْراز الدورِ البنائي للاختلاف الجنسي والعرقي في تشكيلِ مواقعِ الموضوعِ الاستعماري؛ إنه يزعزعُ الأدب الذكوري المستبد، بالتأكيد على وجود التناقضات المطردة في أدب الرحلات النسائية».(161)
في هذا السياق، لنتذكر ما لاحظه محمد جفادي في قصصِ جيرترود بيل حول بلاد فارس. حيث أكد بأنّ حبَّها للبساطةِ جعلها تتجاوز حدود الجنسِ والثقافةِ والوطنية لترى نفسها جزءا من أخوة إنسانية كونية. فاليري كنديValerie Kennedy، في كتابِها حول إدوارد سعيد، تلفت انتباهنا إلى هذا الغيابِ للصوت النسائي في مشروع سعيد، وتعتقد بأنّ العديد مِنْ الرحالات الغربياتِ، خاصة السّيدة ماري ورتلي مونتيجوMary Wortley Montague، كَانَ لديهن مواقف مختلفة جدا تجاه النساءِ الشرقياتِ. وتُصرّحُ بِأَنَّ هؤلاء الرحالات «كُنّ في أغلب الأحيان متعاطفات مع الشرق»، وقد انتقدن في أحيان أخرى الإمبريالية الغربية.(162)
الخلاصة
ناقشتُ في هذه الدراسة بَعْض الأطروحات المتعلقة بالاستشراق، بغية التوصل إلى منهج لدراسة أدب الرحلات. ومن خلال مراجعة السجال الحالي حول الاستشراق، تبين أنّ هناك ثلاثة اتّجاهاتٍ مختلفة تتناول كتابات الرحالة الغربيين حول الشرق عامة، والشرق الأوسط خاصة. الاتجاه الأول، يتزعمه إدوارد سعيد وأنصاره، ويُركّزُ على العلاقةِ بين المعرفةِ والسلطة، كما طرحها ميشيل فوكو، وعلى فكرةِ الهيمنةِ السياسيةِ والثقافيةِ، كما بينها جرامشي. وهكذا حاول كل من إدوارد سعيد، ورنا قباني، ومحمد الطه عرض الجوانب السلبية لأدب الرحلة الغربي الذي كتب حول الشرق الأوسط، مركزين على فكرةِ التقسيم المُطلقِ بين الغربِ والشرقِ. لذلك، كما رَأينَا، كانت المواضيع الغالبة على نقاشهم هي «هيمنة» الغرب، و«اختلافه»، و«تفوقه». أما الاتجاهُ الثاني فقد تحدى هذه النظرة مركزا على العناصرِ الإيجابيةِ للخطاب الغربي حول الشرقِ. ولذلك، كانت مُناقشات البُعدِ الجماليِ ونقدِ الغربِ في أدب الرحلات، بارزةً في دراسات سيرين هاوت، وكاثرين سامبسن. والاتجاه الثالث للدراسات الشرقيةِ شكّل طريقا وسطا بين سعيد ومعارضيه. وكما ذَكرتُ سابقاً، تبنى محمد جفادي، وفان دي بلت، وجون ديكسن فكرة «عدمِ تجانس» النصوصِ الاستعمارية. وعلى غرار علماء ما بعد الاستعمارية مثل هومي بابا، وليسا لوي، ودينيس بورتر، رفضت هذه المجموعة تعميم الاستشراق كخطاب منليثي وثابت. وعليه، قدّمتْ بَعْض النصوصِ المتباينة مِنْ فترات زمنية مختلفة لكي تبرهن على تعددية الأصوات في الخطاب الاستعماري.
و في نهاية هذا البحث نستطيع رصد ملامح لمنهج وسطي يمكن الإفادة منه في دراسة أدب الرحلات الأجنبية حول الشرق بشكل عام. تتجلى هذه الملامح على النحو الآتي:
– أدب الرحلات جنس أدبي، تتعدد فيه أصوات المؤلف، ولا تسير في اتجاه واحد. وتعددية الأصوات هذه ملحوظة، مثلا، في كتابات الرحالة الأوروبيين حول منطقة الشرق الأوسط، لا على مستوى مجموعة مختلفة من الرحالة فحسب، وإنما على مستوى الأعمال المختلفة للرحالة الفرد.
– تختلف الصور التي يرسمها الرحالة حول ثقافات الشعوب، بين سلبية وإيجابية، حسب اختلاف البلدان التي ينتمون إليها، والأزمنة التي ارتحلوا فيها، والخلفية المرجعية الخاصة لكل رحالة.
– لا يمكن وضع جميع الرحالة الأوروبيين في سلة واحدة، واتهامهم بالعمالة للاستعمار الغربي، فقد أثبتت الدراسات أن بعض الرحالة كانوا مستقلين في أهدافهم ورحلاتهم، ولم يتورطوا في مشاريع التجسس للدول الاستعمارية.
– ينبغي في دراسة أدب الرحلات أن نتجنب ثنائية الغرب والشرق، وأن نفسح المجال لنقد الذات، فما يراه بعض الرحالة من عيوب في ثقافتنا قد لا تراه «عين الرضا» عندنا.
– الرحالة الأوروبيون ليسوا جميعهم سواء، منهم عنصريون شوفينيون، في نظرتهم إلى الشرق، ومنهم معتدلون منصفون لحضارة الإسلام والعرب، كما أن منهم من انتقد الحضارة الغربية المادية، وشن هجوما على سياسات الاستعمار في الشرق الأوسط.
– ينبغي وضع نصوص الرحالة في إطارها الزمني، فلا يصح أن نسقط الصراعات السياسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط، على نصوص كتبت في قرون سالفة. فرحالة القرن التاسع عشر مثلا جاءوا إلى الجزيرة العربية، في ظروف زمنية ومكانية تختلف كليا عما عليه المنطقة الآن.
– ينبغي التعامل مع نصوص الرحالة بموضوعية تامة، والابتعاد عن انتقائية النصوص، لأنها تخدم أفكارا مسبقة عند الباحث، وتؤدي إلى نتائج مغلوطة.
– ينبغي التخلص من التعميمات الجارفة، فليس صحيحا أن جميع الرحالة الأجانب، في رؤيتهم إلى الشرق، ينطلقون من رؤية منسجمة واحدة.
– التحليل الأحادي الجانب لنصوص الرحلات لا يتسع لتعددية الأصوات فيها، لذا فإن تتبع الجوانب السلبية فقط، أو رصد الجوانب الإيجابية فقط، في هذه النصوص، يؤدي إلى نتائج خاطئة.
الهوامش والمراجع
1 – بعض المترجمين العرب آثر نقل المصطلح الإنجليزي Colonial Theory إلى «النظرية الكولونيالية»، وكذلك نقل Postcolonialism إلى «ما بعد الكولونيالية»، ولكني أوثر، تسهيلا للقارئ العربي، نقلهما إلى «النظرية الاستعمارية»، و«ما بعد الاستعمارية».
2 -إنّ المعيار لاختيار هذه الدراساتِ له جانبان. أولاً، هذه الدراسات معنية، في مستويات مختلفة، بأدب الرحلات الأوروبيةِ، الخياليةِ والحقيقيةِ، في الشرق الأوسطِ. ومفهومُ الاستشراق مفهوم فضفاض يتصل بالشعرِ، والفنون الجميلةِ، والتاريخِ والمجالاتِ الأخرى؛ لِذلك كان من الضروري حصره في مجال معين وهو أدب الرحلة. ثانياً، تُمثّلُ هذه الدراسات منهجيات مختلفة في تحليل الخطاب الغربي حول الشرق، إذ لم يعد مشروع إدوارد سعيد، المشروع الوحيد لتناول هذا الخطاب. بعض هذه الدراساتِ منشور وبعضها ما زالَ أطروحات دكتوراهَ غير منشورة. وتركيزي على الأعمالِ التي تناولت الكتابات الأوروبية حول الشرق الأوسطِ فقط، مسوغ لهذا التنوع.
3 – مع أن كتاب الاستشراق قام بترجمته كمال أبو ديب، ونشره سنة 1981، عن طريق مؤسسة الأبحاث العربية في بيروت، إلا أنني سأعتمد في هذا المبحث على النسخة الإنجليزية، تحريا للأمانة والدقة في مناقشة أطروحة الكتاب. والنسخة التي سأعتمد عليها هي:
Said, Edward Orientalism (London: Penguin Books, 1995)
4 – انظر: Rana Kabbani, Imperial Fictions: Europe’s Myths of Orient (London: Pandora, 1994)
و Muhammad Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers: Kinglake, Burton and Palgrave’ (unpublished doctoral thesis, Leicester University, 1989)
5 انظر: Syrine Chafic Hout, ‘Viewing Europe From The Outside: Cultural Encounters and European Culture Critiques in the Eighteenth-Century Pseudo-Oriental Travelogue and the Nineteenth century ‘Voyage en Orient’’, (Doctoral dissertation, Colombia University, 1994 [published later in 1997 by Peter Lang]).
وانظر: Kathryn Ann Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient: Byron, Scott, and Burton’ (unpublished doctoral dissertation, University of Texas at Austin, 1999)
6 – انظر: Mohamed Javadi, ‘Iran Under Western Eyes: a Literary Appreciation of Travel Books on Iran from 1900 to 1940’ (unpublished doctoral dissertation, The University of Wisconsin-Madison, 1984)
وانظر: Eduardus Franciscus Van de Bilt, ‘Proximity and Distance: American Travellers to the Middle East, 1819-1918’ (unpublished doctoral dissertation, Cornell University, 1985)
وانظر: John Spencer Dixon, ‘Representations of the East in English and French Travel Writing 1798-1882 with particular reference to Egypt’ (unpublished doctoral thesis, The University of Warwick, 1991).
7 – طبقاً لنظرية فوكو، فإن المعرفة ينبغي أَنْ تُوْصَفَ بالإشارة إلى المؤسساتِ. فالمؤسساتُ لا تَستطيعُ العَمَل بدون استخدام السلطة. ويرى فوكو بأنّ علاقات السلطة وثيقة الصلة بخطاب الإنسان، لأن «علاقات السلطة لا يمكن أن تكون قائمة متماسكة بذاتها، ولا يمكن أن تكون قابلة للتطبيق بدون إنتاجِ الخطاب، وتراكمِه، ونشره، وتوظيفه.» انظر:
Michel Foucault, Power / knowledge: Selected Interviews and other Writings 1972-1977, ed. by Colin Gordon (New York: Pantheon Books, 1980), p.93.
كذلك ، فإن مفهوم جرامشي لـ«الهيمنةِ» مُتصَوَّر على أنه موازنة بين المثقّفين والسلطة. في رسالة بعث بها من السجن في 7 سبتمبر، 1931, يقول جرامشي:
«هذا البحث سيتناول أيضا مفهوم الدولة، الذي يتم تصوره عادة كمجتمع سياسي؛ بمعنى أن الدول دكتاتورية أَو أنها جهاز قسري يُستَعمل للسَيْطَرَة على الجماهير وفقا لنوعٍ معين مِن الإنتاجِ والاقتصاد، وليس كميزان بين المجتمعِ السياسي والمجتمع المدني، الذي أَعْني به هيمنةَ مجموعةٍ اجتماعية واحدة على الأمَّةِ بأكملها، تُمارسُ خلال ما تسمّى بالهيئات الخاصةِ مثل الكنيسةِ، واتحاداتِ العمال، أَو المَدارِسِ. لأنه قبل كل شيء في المجتمع المدني يمارس المثقّفون تأثيرَهم. بنديتـّو كروتنشيه، على سبيل المثال، هو نوع مِنْ الباباوات العلمانية، وآلة فعالة جداً للهيمنةِ، حتى لو يبدو أحياناً ضد الحكومةِ في السلطة.» انظر:
Antonio Gramsci, Letters from Prison, ed. by Lynne Lawner (London: Quartet Books, 1979), p.204.
8 – انظر: Edward Said, Orientalism (London: Penguin Books, 1995), pp.2-3.
9 – إدوارد وليام لَين Edward William Lane (1801-1876) رحالة بريطاني، وعالم بالآثار المصرية، واسم معروف لدى أغلب العلماءِ المهتمين بدِراساتِ الشرق الأوسطِ. كتابه الشهير وصف عادات المصريين المعاصرين وأنماط حياتهم An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyp­tians (first published in London by C. Knight, 1836)
، يعتبره بعض النقاد «الوصفَ الأكثر روعةً في أدب الشعوب». كتب لَين أيضاً مجموعة من الأعمالِ المهمةِ الأخرى: منها ترجمته لألف ليلة وليلة The Thousand and One Nights (first published in London: C. Knight & Co., 1839–41)
لمزيد من المعلومات حول إدوارد لين، انظر:
Leila Ahmed, Edward W. Lane: A Study of his Life and Works and of British Ideas of the Middle East in the Nineteenth Century (London: Long­man, 1978).
10 – السّير ريتشارد فرانسيز بيرتن Richard Francis Burton (1821-1890) عالم، ولغوي، ورحالة إنجليزي شهير. أهم مساهماته الرئيسية في الدراساتِ العربيةِ تَتضمّنُ:
Personal Narrative of a Pilgrimage to El-Medinah and Meccah, 2 vols (first published in London: Longmans, 1855), Unexplored Syria, 2 vols (first published in London: Tinsley Bros, 1872), Translation of The Kasîdah (couplets) of Hajî Aboû El-Yezdî (first published in London: Bernard Quaritch, 1880), A Plain and Literal Translation of the Arabian Nights Entertainments, 16 vols (first published in London: Kamashastra Society, 1885–88), and Translation of The Perfumed Garden of the Shaykh Nefzawi (first published in London: Cosmopoli, 1886).
ولمزيد من المعلومات حول شخصية بيرتن، انظر:
Edward Rice, Captain Sir Richard Francis Burton: the Secret Agent who Made the Pilgrimage to Mecca, Discovered the Kama Sutra, and Brought the Arabian Nights to the West (New York: Scribners, 1990).
11- Said, Orientalism, pp.157-158.
الرسّام الفرنسي والشاعر جيرار دي نرفال Gerard de Nerval (1808-1855) رحل إلى الشرقِ، والقاهرة، وبيروت واستنبول في سنة 1843. كتابه رحلة إلى الشرق Voyage en Orient (1851) نتيجةُ هذه المغامراتِ. ظَهرَ العمل في اللغة الإنجليزية تحت عنوان:
The Women of Cairo: Scenes of Life in the Orient, trans. by Conrad Elphinstone, 1st edn, 2 vols (London: Routledge, 1929).
12 -Ibid, p. 43 .
13- Ibid, p.179.
ألفونس دي لامارتين Alphonse de Lamartine (1790-1869) شاعر فرنسي له رحلات في فلسطين وسوريا، خلال السنَواتِ 1832-1833. وقد نشر أسفاره في كتابه رحلة إلى الشرق (1835). يرى سعيد بأن لامارتين سوغ احتلال أوروبا للشرق، مقتبسا له هذه الكلمات: «هذا النوع مِنْ الهيمنةِ، محددا كحق أوروبي، سَيَتضمّنُ أساسا الحقّ في احتلال أرض أو أخرى، بالإضافة إلى السواحلِ، لبناء إما مُدنٍ حرة هناك، أَو مستعمراتٍ أوروبيةٍ، أو موانئ تجارية…».
14- Ibid, p. 213.
جورج ناثانايل كرزن George Nathaniel Curzon ((1859-1925 سياسي من الحزب المحافظ في بريطانيا، عَملَ كنائبِ ملك للهند. كَانَ من أبرز المؤيدين للإمبراطوريةِ ومهمّةِ بريطانيا الاستعمارية. سافرَ على نحو واسع حول العالم، فقد زار الهند وسيلان وإيران وتركيا وأفغانستان والصين واليابان وكوريا. كما زارَ عُمان في سنة 1892 أثناء مسحِه للخليج العربي، وقصة رحلته في مسقط موجودة في كتابِه فارس والمسألة الفارسية.
انظر حول كرزن: Nayana Goradia, Lord Curzon: The Last of the British Moghuls (Oxford: Oxford University Press, 1993).
15 – توماس إدوارد لورانس Thomas Edward Lawrence (1888-1935). عرف بشكل عام بلورانس العرب، وقد أصبحَ أسطورةً لدورِه العسكري كضابط بريطاني في الثورةِ العربيةِ أثناء الحرب العالمية الأولى. وقد روى دوره في هذه الثورة في عمليه الرئيسين: أعمدة الحكمة السبعة، الذي طَبعَ بشكل خاص سنة 1926، ثم نُشرَ تجارياً في سنة 1935، وثورة في الصحراءِ، الذي نشر سنة 1927. وتأثيرُ لورانس بيّنٌ على الرحالة البريطانيينِ الذين خَلفوه في جزيرة العرب؛ فجميعهم قد استشهد به في قصص رحلاته. بيرترام توماس، وولفريد ثيسيجر على سبيل من الذين استلهموا معلمهم الأول في اختراقهم لصحراء الربع الخالي. هناك عدد مِن التراجم والكُتُبِ النقدية حول لورانس، انظر مثلا:
Harold Orlans, T.E. Lawrence: Biography of a Broken Hero (London: McFarland, 2002).
16 – هاري جون فيلبي Harry St. John Philby (1885−1960) من أشهر المستكشفين البريطانيينِ للربع الخالي وغرب جزيرة العرب. عين سنة 1917 رئيسا لبعثة سياسية بريطانية في وسط الجزيرة العربية، فقام برحلات شاملة في الجزءِ الغربي لبلاد العرب وأصبح أول أوروبي يصل إلى الأقاليمِ الجنوبيةِ لنجد. في سنة 1930 تَركَ «السلك الأجنبي» البريطاني وتَحوّلَ إلى الإسلامِ، وأخذ اسما جديدا هو الحجي عبد الله. خَدمَ أيضاً كمُستشار رئيسي للملك إبن سعود عاهل المملكة العربية السعودية. من أهم أعماله:
The Heart of Arabia: A Record of Travel & Exploration (London: Constable, 1922). Arabia of the Wahhabis (London: Constable, 1928), The Empty Quarter: Being a Description of the Great South Desert of Arabia Known as Rub `al Khali (London: Constable, 1933), The Background of Islam: Being a Sketch of Arabian History in Pre-Islamic Times (Alexandria: Whitehead, Morris, 1947), Arabian Highlands (New York: Cornell University Press, 1952), and Forty Years in the Wilderness (London: R. Hale, 1957).
17 -وليام جيفورد بالجريف William Gifford Palgrave (1826 – 1888) مبشّر، ورحالة، ودبلوماسي بريطاني. في سنة 1853 أُرسلَ إلى سوريا كمبشّر يسوعي، وفي الفترة من 1862 إلى 1863 ارتحل على نحو واسع خلال شبهِ الجزيرة العربيةِ متنكرا في زي طبيب وتاجر سوري. اتهم بالجريف بالتجسس لنابليون الثّالث، وأنه كان يهيئ الأرضية السياسية للفرنسيين لبِناء قناة السويس. عادَ إلى إنجلترا في سنة 1863 منهيا عبوره لبلاد العرب مِنْ سوريا إلى عُمان. نشر هذه المغامرة في عملِه الشهير:
Narrative of a Year’s Journey Through Central and Eastern Arabia, 1862–1863, 2 vols (London: Macmillan, 1865).
لمزيد من التفاصيل حول بالجريف، انظر: Allan Mea, Palgrave of Arabia: The Life of William Gifford Palgrave, 1826–88 (London: Macmillan, 1972).
18- Said, Orientalism, p. 80.
19- Ibid, p.59.
20- Ibid, p.38.
سعيد محق كل الحق في أن كرومر، خلال كتابه مصر الحديثة، حريص على التفرقة بين الغربِ والشرقِ، وبين الأوروبيين والشرقيين؛ «فالأوروبي عقلاني في تفكيره» لكن الشرقي حين يفكر فإنه «يصف دون تركيز»؛ والأوروبي «كثير الكلام»، و«نشيط الذهن»، بينما الشرقي «صامت ووقور»؛ وإذا كان الأوروبي «يزدري المتزلّفَ والشخص الذي يعجبه التزلف»، فإن الشرقي»مجبول على التملّقِ المقيتِ.» في الحقيقة، كرومر في معظم كتابه هذا يتبجح بما يسميه «القوة، والدهاء، والسمات الوطنية الأصيلة للجنسِ الأنجلوسكسوني». انظر:
Evelyn Baring Cromer, Modern Egypt, 2 vols (London: Macmillan, 1908), II, pp. 146-1167.
21- Said, Orientalism, p. 62.
نورمان دانيال يُشير، بشكل خاص، إلى عالِم ديني فرنسي في القرن الثاني عشر اسمه بيتر، قاده عداؤه للإسلام إلى أن يصف النبي الكريم بأنه «سارق، وقاتل، وخائن».
انظر: Norman Daniel, Islam and the West: The Making of an Image (Oxford: Oneworld, 1993), pp. 88-89.
22- Said, Orientalism, p. 152.
ما يستحق التنبيه هنا أن توماس كارلايل يَنتقدُ القرآنَ المُتَرجَمَ وليس المصدرَ الأصلي. فهو يَعترفُ بأنّ العرب يَجِدونَ القرآنَ «متناغما» لكنه يَقُول بأن «هذه الميزة العظيمة فُقِدَت في الترجمة». ولا يَبْدو أنّ رؤيته حول القرآن ناتجة عن عداء، كما فهم إدوارد سعيد. لأن كارلايل يصرح بأن القرآن «كتابَ صادقَ «، ويَنتقدُ بَعْض الأوروبيين الذين مثّلوه على أنه «مجرد حزمة ألاعيب». ويعترف بأن «الصدق، بكل معانيه، يتجلى في القرآن». علاوة على ذلك، يُحاولُ كارلايل رَفْض الصورةِ الشائعة في الغرب حول النبي الكريم محمد بأنه كَانَ «رجلا حسّيا»، ويُصرّحُ ‘ بأنّنا سَنَخطئ على نحو واسع إذا اعتبرنا هذا الرجل شهوانيا، لا هم له إلا المتعة. كلا لا تروق له المتع».
انظر: Thomas Carlyle, Sartor Resartus, On Heroes Hero-Worships and the Heroic in History (London: J.M. Dent, 1914), pp. 299-305.
23- Said, Orientalism, pp. 286-288.
مع أَنَّ سعيدا لم يقدم أيّ مثال لهذه الصور السينمائيةِ للعرب، فإن ساري ناصر، الذي دَرسَ هذا الموضوع بشكل أعمق، قدم لنا العديد مِنْ الأمثلةِ. يُجادلُ ناصر بأنّ أفلاما مثل مطاردة صحراوية Desert Pursuit (Monogram, 1952)، ونزوح جماعي Exodus (United Artists, 1960)، ولورانس العرب Lawrence of Arabia (Columbia, 1962)، والخرطوم Khartoum (United Artists, 1966) ، تصور العرب بأنهم «أنذال»، ويظهرون في « ملابس فضفاضة؛ نظراتهم مستعرة، ولهم عادات غريبة تتناقض مع المعتقدات الغربية».
انظر: Sari J. Nasir, The Arabs and The English (London: Longman, 1979), p. 159.
24- Said, Orientalism, p. 320.
شاوبي مقتنع بأن الفصل بين «العربية الأدبية المثالية» و«العربية العامية الواقعية»، مع بَعْض السماتِ اللغويةِ للغةِ العربيةِ مثل «التوكيد المفرط» و«المبالغة» هي السبب الرئيس «للتناقضِ الواضحِ في بنية الشخصيةِ العربية».
انظر: E, Shouby, ‘The Influence of the Arabic Language on the Psychology of the Arabs’, in Readings in Arabic Middle Eastern Societies and Cultures, ed. by Abdulla M. Lutfiyya and Charles W. Churchill (The Hague: Mouton, 1970), pp. 688-703 (p. 702).
25- Said, Orientalism, p. 260
26- Ibid, p. 12.
27- Ibid, p. 40.
28- Ibid, p. 42.
29- Ibid, p. 232.
لا بُدّ أن أنوه هنا بِأَنَّ هذه المناقشة مَعْنية فقط بمشروعِ إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، في طبعته الأولى سنة 1978، لأن سعيدا، في تعقيبه على مداخلات المختلفين معه حول أطروحته، وقد ظهر في طبعةِ 1995، تجاوز كثيرا من التعميمات التي وردت في الطبعة الأولى. يقول: «لا أعتقد أبدا بأن الاستشراق شريّر، أَو موحل، أَو أنه يتخذ شكلا واحدا في عملِ كُلّ مستشرق». (p 342). كما يُصرّحُ بأنه «حقا يكبر أمثال إدوارد لَين وغوستاف فلوبير، الذين سُحِرَ ا بمصر». (p. 336).
30- Rana Kabbani, Imperial Fictions: Europe’s Myths of Orient (London: Pandora, 1994), p. 10.
تصرح قباني في هامش دراستها بأنها تَعتمدُ على نظرةِ إدوارد سعيد: «أَنا مدينة إلى تعريفِ الأستاذِ سعيد للاستشراق كطريقة لتصنيف الشرقِ الذي ارتبط بشكل معقّد بالنظرة الاستعمارية العالميةِ». (p 141).
31- Ibid, p.12.
32- Ibid, p. 6.
33- Ibid, p.91.
34- Ibid, p. 14.
35- السّير جون ماندفيل John Mandeville رحالة إنجليزي من القرن الرابع عشرَ. كتابه رحلات السّير جون ماندفيل ألفه أصلاً بالفرنسية، ثم أصبحَ مشهورا وترجمَ إلى الإنجليزيةِ وعددٍ مِنْ اللغاتِ الأخرى. والكتاب يحكي قصةَ رحلات ماندفيل في القدس، ومصر، والأردن، وسوريا، والصين، وأماكن أخرى. ومع أن إشارة قباني صحيحة بأنّ ماندفيل عِنْدَه بَعْض المفاهيم المغلوطة حول الإسلامِ، إلا أن كتابه خالٍ مِنْ روح البغضاء التي انتشرت تجاه المسلمين في القرون الوسطى. في الفصلِ الخامس عشر يَصِفُ ماندفيل عادات المسلمين وأنماط سلوكهم، ويقدم للقارئ الأوروبي معلومات هامة، مع أن بعضها غير صحيح، حول النبي والقرآنِ. والصورة التي رسمها حول المسلمين يلخصها ب «أنّهم مخلصون وأتقياء في قضائهم». انظر: The Travels of Sir John Mandeville, trans. by C.W.R.D. Moseley (London: Penguin, 1983). P. 108.
36- Kabbani, Imperial Fictions, p.17.
37- تشارلز مونتاجيو داوتي Charles Montagu Doughty (1843- 1926) مستكشف وشاعر إنجليزي مشهور. في سنة 1870 رحل إلى فلسطين وسوريا ومصر. وبَعْدَ أَنْ تَعلّمَ العربية في دمشق، ذهب إلى مكة المكرمة متخفيا في قافلة من الحجاج. قضى حوالي سنتين متجولا في الجزيرة العربية، وقصةُ مغامراتِه، رحلات في الصحراء العربية، نُشرت أولا في جامعة كامبردجِ سنة 1888. هذا العملُ حظي بالإعجاب مِنْ قِبَل أغلب الرحالة البريطانيين في بلاد العرب، خاصة لورانس العرب، الذي كَتبَ مقدمة لطبعةِ 1921 معتبرا الكتاب «توراةً لنَوْعِه». يمكن قراءة السيرة ذاتية الكاملة لداوتي في: Andrew Taylor, God’s Fugitive: The Life of C.M. Doughty (London: HarperCollins, 1999).
38- Kabbani, Imperial Fictions, pp. 103-106. ، وانظر أيضا: Charles Doughty, Travels in Arabia Deserta, 3rd edn, 2 vols (London: Jonathan Cape, 1936), II, p. 66.
39- Kabbani, Imperial Fictions, p. 67. وانظر أيضا:Leila Ahmed, Edward W. Lane: A Study of his Life and Works and of British Ideas of the Middle East in nineteenth Century (London: Longman, 1978), p. 1.
40- P. 29-30 Kabbani, Imperial Fictions, من المفارقة أن تنتقد قباني في مكان آخر من أطروحتِها ميلَ بَعْض الأوروبيين لتَصوير مظاهر الفقر والتعاسةِ في بَعْض البلدانِ العربية. فهجومها على الروائي والكاتب البلغاري إلياس كانيتي Elias Canetti، في كتابه أصوات مراكش، هنا، واضح جدا: « المغرب بالنسبة لكانيتي مكان للتزوّد بصورٍ لانهائيةٍ مِنْ الفاقةِ والمرضِ والسحرِ والخُرافةِ والجنسِ. وكأنَّ عينه كَانتْ تَبْحثُ عن حالاتِ الاختلاف التي يُمْكِنُ أَنْ تثير في جمهوره، صدمة، وقرَفـًا، وضِحْكـًا، أَو شفقة». (ص 128).
41- Ibid, p. 41.
قباني محقّة جداً في رأيها بأن إدوارد لَين كان مأخوذا في صورتِه حول النساءِ المصرياتِ بألف ليلةٍ وليلةٍ، الذي ترجمَه إلى الإنجليزية في سنة 1839. وفي الحقيقة، لَين بنفسه يؤكد «بأنّ بَعْض قصصِ دسائسِ النساءِ في ألف ليلة وليلة تقدّمُ صورًا صادقةً لحوادثَ عديدةٍ في الحاضرة الحديثةِ لمصر». انظر:
Edward Lane, An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians (London: East-West Publications, 1989), p. 298.
42- Kabbani, Imperial Fictions, pp. 52-53.
43- Ibid, p. 62.
44- Ibid, p. 63.
نظرا لأن قباني لم تقدم أيّ دليل مِنْ كتابة بيرتن على هذا الإدّعاءِ، فإنها لجأت إلى مصدر ثانوي للوقوع في هذا التعميمِ. وفي الحقيقة، بيرتن لَمْ يَحْصرْ فكرةَ «الرجلِ الوحشي» على الشرقيين، وإنما طبّقَها على الأجناسِ المختلفةِ، بما فيها الأوروبيين. على سبيل المثال، يَنتقدُ بَعْض الأساليبِ البريطانيةِ في مصر، فيقول: «سَيَكُونُ الأمر جيدا لأولئك الذين يَتّهمونَ الشرقيين، بشكل جارف، بحاجتهم إلى اللياقة، أن يقارنوا هذه الميزة بالمشاهدِ الوحشيةِ للحضارةِ التي تَحْدثُ في أحياء الأجانب بالقاهرة والسويس. لا يُمكنُ لأي زائر للمرة الأولى دون أن يحمل انطباعا دائما بأن أبناء بريطانيا العظمى برابرة من الطراز الأول».
انظر: Richard Burton, Personal Narrative of a Pilgrimage to El-Medinah and Meccah, 2 vols (New York: Dover, 1964), I, p. 210.
45- Kabbani, Imperial Fictions, p.59.
46- Ibid, pp. 91-92. ، وانظر أيضا: T. E. Lawrence, Seven Pillars of Wisdom: A Triumph, (London: Penguin Books, 1986), pp. 28-29.
47- Kabbani, Imperial Fictions, p. 108.
مع أَنَّ صورة داوتي للساميين، هنا، مُقْرِفة، إلا أن السياقَ العامَّ للجملةِ لا علاقة له بـ»التمييز العنصري». بمعنى آخر، يَنتقدُ داوتي الإيمان الجبري عند بَعْض الشرقيين الذين يَرْبطونَ ضعفَهم وحياتَهم البائسةَ بالسماء دون عَمَلِ أيّ شيء. هنا، سياق الجملةِ المقتبسة أعلاه واضح:
«المسافر يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ، في عيونِ الرجالِ، رجلا جديرا بالعَيْش تحت إرادة سماءِ الإلهِ، وحتى إذا كان بدون دينِ: فإنه كمن عِنْدَهُ قلبٌ إنساني نظيف ، وقد عانى طويلاً تحت قميصِه العاري؛ وهذا يكفيه، ومع أنَّ الطريق ملئ بالأذى، سيُسافرُ إلى نهاياتِ العالمِ. هنا أرض ميتة، ومن لا يموت فيها، فلا يرجع إلى وطنه إلا بوهنٍ دائمٍ في عظامِه. إنّ الساميين مثلُ رجلٍ يَجْلسُ في بالوعةٍ حتى عينيه، وحواجبُه تلامِسُ السماء. من جوانب الإنسانية العظيمةِ والقديمة للصحراءِ الساميةِ، أن هناك لحظةً في كُلّ مغامرة، يمكن أن تعيش فيها بسلامٍ مع العرب، ومن ثـَم تعرفهم». انظر: Doughty, Travels in Arabia Deserta, I, p. 95.
48- Kabbani, Imperial Fictions, p. 39.
49- Ibid, p. 139.
50- ألكسندر وليام كينجليك Alexander William Kinglake (1809- 1891) مؤرخ ورحالة إنجليزي. في سنة 1835، حين كان لا يزال طالباً، قام برحلات عديدة في الشرق الأوسطِ، فزار لبنان وسوريا وفلسطين ومصر. سجل مغامرته هذه في عملِه البارزِ يوثين Eothen، الذي نُشرَ أولاً، دون ذكر اسم المؤلف، في سنة 1844 وبعد ذلك ظهر في عدة طبعاتٍ جديدة. يُعد يوثين في أدب الرحلات الكتاب الأكثر شعبيةً حول الشرق الأوسط، وتذكر ين موريس Jan Morris، في مقدمتِها لطبعةِ جامعة أكسفورد 1982 بأن كينجليك ظل معروفا طوال حياته بـ «كينجليك يوثين»، دلالة على شعبية الكتاب. (ص 3).
51- Muhammad Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers: Kinglake, Burton and Palgrave’ (unpublished doctoral thesis, Leicester University, 1989), P. 4.
يتحدث كينجليك ،خصوصاً، عن المسيحيين السوريين الذين يَدّعي أنهم كانوا ينظرون بِلَهْفة إلى إنجلترا كبلاد مسيحية يُمْكِنُ أَنْ تُخلّصَ سوريا مِنْ حكم محمد علي. يقول: « كَانتْ إنجلترا قوية ونشطة جداً (اللّورد بالميرستون حَكمَ في تلك الأيامِ)، مما حدا بالسوري المسيحي بأن يفتخر ويبتهج وينظر إلى الأعلى ليقول بأن دين الرجل الإنجليزي دينه أيضاً». انظر: Kinglake, Eothen, p.261.
52- Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers’, p. 3.
و انظر أيضا: . Burton, Personal Narrative of a Pilgrimage to El-Medinah and Meccah, I, p. 258
على أية حال، بيرتن لا يتحدث هنا عن العرب كجنس. بالأحرى، تعليقه هجوم ضدّ الوهابية في الحجاز.
53- Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers’, p. 18.
و انظر أيضا: . Personal Narrative of a Pilgrimage to El-Medinah and Meccah, I, p.114. and II, p. 268
في الحقيقة، بيرتن يَضعُها بشكل علني «بأنّ الأمر لا يَتطلّبُ معرفة نبي لحَدْس اليومِ الذي سترغمنا فيه الضرورة السياسية […] على استخدام القوة لاحتلال النبع الأساسي للإسلامِ». انظر: II, p. 231.
54- Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers’, p. 144.
55- Ibid, p. 170. وانظر أيضا:
William Gifford Palgrave, Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia (1862-1863), 2 vols (London: Macmillan, 1865), I, p. vii.
56- Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers’, p. 182.
و انظر أيضا:
Palgrave, Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia, I, p. 175.
57- Al-Taha, ‘The Orient and Three Victorian Travellers’, p.170-171.
58- Ibid, p.189.
59- Said, Orientalism, p.204.
60- Tripta Wahi, ‘Orientalism: A Critique’, Revolutionary Democracy, 2, no.1 (1996), http://revolutionarydemocracy.org/.
61- Said, Orientalism, p.324.
62- Homi Bhabha, The Location of Culture (London: Routledge, 1994), p.25.
63- Homi Bhabha, ‘Cultural Diversity and Cultural Differences’, in The Post-colonial Studies Reader, ed. by Bill Ashcroft, Gareth Griffiths and Helen Tiffin (London: Routledge, 1995), pp. 206-209 (p.209).
64- Dennis Porter, ‘Orientalism and its Problems’, in Postcolonial Theory: A Reader, ed. by Patrick Williams and Laura Chrisman (New York: Columbia University Press, 1994), pp. 150-161 (p.153).
65- Syrine Chafic Hout, ‘Viewing Europe From The Outside: Cultural Encounters and European Culture Critiques in the Eighteenth-Century Pseudo-Oriental Travelogue and the Nineteenth century ‘Voyage en Orient’’, (Doctoral dissertation, Colombia University, 1994 [published later in 1997 by Peter Lang]), p. 6.
66- البارون تشارلز دي مونتسكيو Baron Charles de Montesquieu (1689 – 1755) كاتب وفيلسوف فرنسي عاش في عصر التنويرِ. كتابه رسائل فارسية Lettres Persanes ، نشر بالفرنسية سنة 1721 ، وقد جَلب له سمعة واسعة. في هذه الرسائلِ، المكتوبة،تمويها، كمراسلات بين مسافرين فرسِ في أوروبا وأصدقائهم في آسيا، ينتقد مونتسكيو أساليبَ الحياة الفرنسية والباريسية. ظهرَ الكتاب باللغة الإنجليزية تحت العنوان الآتي Persian Letters, trans. by Mr. Ozell, 2 vols (London: J. Tonson, 1722).
67- أوليفير غولد سميث Oliver Goldsmith (1730- 1774) كاتب ، وشاعر، وروائي أيرلندي. كتابه مواطن العالمِ (1762) تقليد واضح لكتاب مونتسكيو رسائلِ فارسية، حيث انتقد فيه غولد سميث التقاليد والعادات الإنجليزية عبر رسائل كَتبها فيلسوف صيني، متخيل كان يقيم في لندن ، اسمه لاين تشي التانجي Lien Chi Altangi. وقد كتب رسائله إلى أصدقائِه في الشرقِ.
68- فرانسوا رينه دي شاتوبريان Françpois-René de Chateaubriand (1768- 1848) روائي فرنسي، يعد من أبرز المبشرين بالرومانسية في الأدب الفرنسي. كتابه Itinéraire de Paris à Jerusalem (1811) ترجم إلى اللغة الإنجليزية في نفس السنة تحت عنوان: Travels in Greece, Palestine, Egypt, and Barbary, during the years 1806 and 1807, trans. by Frederic Shoberl (London: Henry Colb­urn, 1811).
69- Hout, ‘Viewing Europe From The Outside’, pp.1–2.
70- Ibid., pp.47–48.
71- Ibid., p.89.
72- Ibid., p.139.
73- Ibid., pp.184–185.
74- Ibid., p.200.
75- Ibid., p.221.
76- Ibid., p.250.
و انظر أيضا: Oliver Goldsmith, The Citizen of the World, The Bee (London: Everyman’s Library, 1970), p.252.
77- Hout, ‘Viewing Europe from the Outside’, pp.287–288.
جولد سميث، في الحقيقة، انتقد المطامع الاستعمارية لإنجلترا وفرنسا، بشكل مفتوح. يُصرّحُ بأنه: « حيثما حل الفرنسيون، دَعوا البلادَ ملكهم؛ وكذلك فعل الإنجليز تحت نفس الذرائعِ». انظر: Goldsmith, The Citizen of the World, p.44.
78- Hout, ‘Viewing Europe From The Outside’, p.335.
79- Ibid., p.341.
80- Ibid., pp.358–361.
81- Ibid., pp.364–366.
82- Kathryn Ann Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient: Byron, Scott, and Burton’ (unpublished doctoral dissertation, University of Texas at Aust­in, 1999), p.vii.
83- جورج جوردن بايرون George Gordon Byron (1788-1824) شاعر إنجليزي، وأحد الرموز البارزةِ للحركةِ الرومانسيةِ في إنجلترا. اشتهر فور نشره لكتابه حجّ الطفل هارولد Childe Harold’s Pilgrimage (1812), وهو عبارة عن قصيدة قصصية طويلة حول رحلة يقوم بها الطفل هارولد إلى جنوب أوروبا والشرق. أحد نقّادِ هذا العملِ يُصرّحُ «بأنّ فضاء بايرون الشرقي يَعْرضُ إمكانياتٍ متحررة لنقدِ المفاهيمِ الإنجليزيةِ والأوروبيةِ والغربيةِ، وما يتصل بها من تابو، ومعايير ثقافية، وسياسية، واقتصادية، وأدبية، وجنسية، واجتماعية».
انظر: Saree Makdisi, Romantic Imperialism: Universal Empire and the Culture of Modernity (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p.137.
84- السّير والتر سكوت Sir Walter Scott (1771-1832) روائي وشاعر اسكتلندي. روايته الطلسم The Talisman نُشِرَت أولا مصحوبة برواية The Betrothed تحت عنوان حكايات الصليبيين في 1825. ونَصُّ الطلسم هو قصة لقاءاتٍ بين الغربِ، تحت قيادة الملكِ ريتشارد قلب الأسد، والشرق، تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي، أثناء الحملة الصليبيةِ الثالثةِ.
85- Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient’, pp.1–9.
86- Ibid., pp.19–20.
87- Ibid., pp.130–131.
88- Ibid., pp.140–142.
89- Byron, Child Harold’s Pilgrimage And Other Romantic Poems (New York: The Odyssey Press, 1936), p.62.
90- Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient’, pp.152.
91- Ibid., p.174
92- Ibid., pp.176–178.
93- Walter Scott, The Talisman (London: J. M. Dent, 1956), pp.20–21.
94- Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient’, pp.179–180.
95- Ibid., p.183.
96- Ibid., p.205.
في هذا الصدد أيضا، نجد دبليو . إم . باركر W. M. Parker، في مقدّمتِه لطبعةِ 1956، يُصرّحُ «بأنّ الطلسم مِنْ الرواياتِ الإنجليزيةِ المبكرة التي أثنت على المسلمين». انظر:
p.ix. .Walter Scott, The Talisman (London: J. M. Dent, 1956)
97- Sampson, ‘The Romantic Literary Pilgrimage to the Orient’, p.208.
98- Ibid., p.209.
99 Said, Orientalism, p.184.
100- Mary Louise Pratt, Imperial Eyes: Travel Writing and Transculturation (Lon­don and New York: Routledge, 1992), pp.6–7.
101- Dianne Sachko Macleod, ‘Cross-Cultural Cross-Dressing: Class, Gender and Modernist Sexual Identity’, in Orientalism Transposed: The Impact of the Col­onies on Brit­ish Culture, ed. by Julie F. Codell and Dianne Sachko Macleod (England: Ashgate, 1998), pp.63–80.
في هذه المقالةِ، تتكلّمُ ديان ماكليود عن تبني الرحالة الغربيين لللباسِ الشرقي, وتُجادلُ بأنّ بَعْض الأرستقراطيات الغربياتِ مثل السّيدةِ ماري مونتيجيو Mary Montague، والسّيدةِ آرتشيبالد كامبل Archibald Cambell والسّيدة أوتلاين موريل Ottoline Morrell، عندما ظَهرن في سراويل تركية طويلة في مجتمعاتِهن، لم يكن سلوكهن مجرد موضة. وإنما «نزعة العبور الثقافي وارتداء أزياء الآخر سمحت لهن بتجاوز حدودِ جنسِهن؛ لإبْعاد أنفسهن عن المعايير الضيقة للأنماط الجنسيةِ الشائعة في العصرين الفيكتوري والإدواردي». p.64.
102- Kabbani, Imperial Fictions, p.89–90.
103- Ibid., p.91.
104- Dennis Porter, Haunted Journeys: Desire and Transgression in European Travel Writing (Princeton: Princeton University Press, 1991), p.16.
105- Mohammed Sharafuddin, Islam and Romantic Orientalism: Literary Encoun­ters with the Orient (London and New York: I. B. Tauris Publishers, 1994), pp.viii–ix.
106- Ibid., p.xviii.
107- Mohamed Javadi, ‘Iran Under Western Eyes: a Literary Appreciation of Travel Books on Iran from 1900 to 1940’ (unpublished doctoral dissertation, The Uni­versity of Wisconsin-Madison, 1984), p.8.
108 Ibid., pp.6–7.
109 Ibid., p.5.
110- جيمس جوستينيان موريير James Justinian Morier (1780- 1849) دبلوماسي، وشاعر، وروائي إنجليزي. شغل في الفترة مِنْ 1810 إلى 1815 منصب السكرتير البريطاني في بلاط بلاد فارس. تجربته في الشرقِ دفعته لتَأليف ثلاثة كتب في أدب الرحلات، أهمها مغامرات الحاج بابا الأصفهاني The Adven­tures of Hajji Baba of Ispahan، الذي ظهرت أول طبعة له سنة 1824. هذا الكتاب حظي بإعجاب الكثير من النقاد. السّير والتر ستيوارت Sir Walter Stewart في مقدمتِه لطبعةِ 1925 يُصرّحُ بأنّ كتاب مغامرات الحاج بابا «يصلح أن يكون رواية، وأدب رحلة»، لأن «مؤلفه استطاع أن يقدم الحقائق في أسلوب درامي مثير».
انظر: James Morier, The Adventures of Hajji Baba of Ispahan (London: Oxford University Press, 1925), p.vii.
111- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, p.48.
112- Ibid., p.59.
113- Ibid., p.70.
114- Ibid., p.73.
و انظر أيضا:
Donald Stuart, The Struggle for Persia (London: Methuen, 1902), pp.129–130.
115- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, pp.104–105.
116- جيرترود مارجريت بيل Gertrude Margaret Bell (1868-1926) عالمة آثار، ورحالة، ودبلوماسية بريطانية. بعد تخرجها في أكسفورد سنة 1888 قامت بأولى جولاتها إلى الخارج وزارت بلاد فارس. تَعلّمتْ اللغة الفارسية ونَشرتْ أول كتبها بعنوان:
Safar Nameh: Persian Pictures: A Book of Travel (London: R. Bentley, 1894)
كما قامت بترجمة قصائد من ديوان حافظ الشيرازي إلى اللغة الإنجليزية. في سنة 1899 سافرتْ إلى القدس، لتَتعَلّم العربية وتطور اهتماماتها في التاريخِ وعِلْمِ الآثار. رَجعتْ إلى الشرق الأوسطِ في سنة 1905 لتسافر على نحو واسع في سوريا وآسيا الصغرى وتركيا، وأثناء ذلك كانت منشغلة بالتنقيب عن الآثار، وكتابة قصص الرحلات. تضمنت أعمالها في هذه الفترة:
The Desert and the Sown (London: Heinemann 1907) –
The Thousand and One Churches (Lon­don: Hodder and Stoughton, 1909)-
Amurath to Amurath (London: Heinemann, 1911)
The Palace and Mosque of Ukhaidir (Oxford: Clarendon Press, 1914).-
في سنة 1916، عُيّنتْ مسؤولة سياسية مساعدة في البصرة، وبعد الحرب عُيّنتْ «وزيرة شرقية» في بغداد. هذه التجربة قادتْها لكِتابَة:
The Arab of Mesopotamia (Basrah: The Superintendent, Government Press, 1916).
لمزيد من التفاصيل حول حياة جيرترود مارجريت بيل، انظر:
Janet Wallach, Desert Queen: The Extra­ordinary Life of Gert­rude Bell (London: Phoenix Giant, 1997).
117- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, p.119.
118- Ibid., p.120.
انظر أيضا: Bell, Persian Pictures (London: Ernest Benn, 1928), p.119.
يَبْدو بأنّ فكرةَ توحيد «الشرقِ» و»الغربِ» كانت مما شغل السيدة بيل في كتابها هذا بشكل واضح. إحدى العبارات المختلفةِ التي تُصرّحُ بهذه الفكرةِ في عملِها: «مذاق عجيب لمزيج من الشرق والغرب، يزين هذا القصر الصغير». p.141.
119- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, pp.131–133.
120- Ibid., pp.183–184.
121- السّيدة فريا ستارك Dame Freya Stark (1993-1893) من أشهر الرحالة البريطانيين إلى الشرق الأوسطِ، في القرن العشرين. بدأت رحلاتها في الثلاثينياتِ حين كانت تعمل في خدمة الحكومة البريطانيةِ في الشرق الأوسطِ. ارتحلت على نطاق واسع عبر العالمِ العربيِ، وإيران، وتركيا، وأفغانستان، مستخدمة الجمال والخيول والبغال. فريا ستارك تَركَت وراءها إنتاجا غزيرا من أدب الرحلات، يتضمن:
Baghdad Sketches (London: John Murray, 1932),
The Valleys of the Assassins, and other Persian Travels (Lon­don: John Murray, 1934),
The Southern Gates of Arabia: A Journey to the Hadhramaut (London: John Murray, 1936),
Winter in Arabia (London: John Murray, 1940),
East is West (London: John Murray, 1945),
Traveller’s Prelude: Autobiography 1893–1927 (London: John Murray, 1950).
لمزيد من التفاصيل، انظر:
Molly Izzard, Freya Stark: A Biography (London: Sceptre, 1993).
122- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, p.218.
123- Ibid., p.249.
124- روبرت بايرون Robert Byron (1905-1941) رحالة، ومؤرخ بريطاني. كتابه الشهير الطريق إلى أوكسيانا The Road to Oxiana (London: Macmillan, 1937) يدور حول أسفاره خلال الفترة 1933 – 1934 في قبرص وفلسطين والعراق وإيران وأفغانستان. كَانَ بايرون معجبا بالفَنِّ الإسلامي وهندسته المعمارية، وكان الهدف الرئيسي مِنْ رحلتِه دراسة هذا الفن وتذوقه.
125- Javadi, ‘Iran Under Western Eyes’, p.258.
126- Ibid., p299.
127- Eduardus Franciscus Van de Bilt, ‘Proximity and Distance: American Travel­lers to the Middle East, 1819–1918’ (unpublished doctoral dissertation, Cornell University, 1985), p.16.
128- Ibid., p.18.
129- Ibid., p.20.
130- Ibid., p.82.
131- وليام وينج لورينج William Wing Loring (1818-1886 ) ضابط أمريكي قام في سنة 1859 برحلة بحرية شاملة إلى أوروبا ومصر لدِراسَة الإستراتيجياتِ العسكرية. في سنة 1869 زار مصر ثانيةً للعَمَل كضابط في الجيشِ المصري للخديوي إسماعيل. كتب تجربته هذه في أول كتاب له بعنوان جندي متحالف في مصر
A Confederate Soldier in Egypt (New York: Dodd, 1884)
132- Van de Bilt, ‘Proximity and Distance’, pp.82–83.
لورينج رَأى في مصر، حسب زعمه، « أكثر مِنْ مائة ألف شخص، حَضروا مآدب مجانية نهاراً وليلاً على حساب الحكومة». لكنه كان ينبغي أنْ يُدركَ بِأَنَّ هذا السلوك لا علاقة له بجبريّتِهم، لأن حكومة سعيد باشا، كما ذكر هو بنفسه، كَانَت «متقلبة ومستبدّة»، ولم توفر للشعب المصري فرصَ عَمَل. انظر: Loring, A Confederate Soldier in Egypt (New York: Dodd, 1884), p.48.
133- ستيفن أولن Stephen Olin (1797-1851) بروفيسور أمريكي، كان رئيس جامعةِ ويلسيان Wesleyan. في سنة 1837 بَدأَ برحلة طويلة إلى الشرقِ، زار فيها أثينا، وسوريا، والإسكندرية، والقاهرة، ومُدنا أخرى في مصر. مِنْ القاهرة رحل إلى البتراء، عن طريق السويس، وسيناء، والعقبة، ومن هناك إلى فلسطين. ثمّ ذهبَ إلى بيروت واستنبول، في طريقِ عودته إلى أمريكا. سجل أولن أحداث رحلته هذه في كتابِه رحلات في مصر والبتراء والقدس Travels in Egypt, Arabia Petraea, and the Holy Land (New York, 1843).
134- Van de Bilt, ‘Proximity and Distance’, p.85.
بايارد تايلور Bayard Taylor (1825-1878) شاعر ورحالة أمريكي. بعد رحلتِه في الشرق الأوسطِ، والهند، والصين، واليابان في الفترة 1851-1853، نَشرَ كتابه: أراضي المسلمين؛ أَو صور لفلسطين، وآسيا الصغرى، وصقلية، وأسبانيا The Lands of the Saracen; or, Pictures of Palestine, Asia Minor, Sicily, and Spain (New York, G.P. Putnam, 1855).
135- يشير فان دي بلت، هنا خصيصا، إلى وليام وينج لورينج، الذي خصص في كتابه المذكور آنفا، الفصل الحادي عشر بعنوان «محمد وديانته»، ليهاجم فيه الإسلام والرسول الكريم بألفاظ نابية، مثل «الدجل»، و«الوحشية» و»الطغيان». انظر:
Loring, A Confederate Soldier in Egypt (New York: Dodd, 1884), p 136.
136- Van de Bilt, ‘Proximity and Distance’, pp.174–175.
الفريسيون (Pharisees): طائفة من يهود عهد المسيح، عرفت بتمسكها بالطقوس وبالتقوى الكاذبة. انظر: منير البعلبكي، المورد (بيروت دار العلم للملايين، 1998)، ص. 680.
137- Ibid., p.180.
138- Ibid., p.171.
جيمس ديكي James DeKay، رجل أعمال أمريكي، زارَ تركيا في الفترة 1831- 1832 وكَتب: صورة وصفية لتركيا Sketches of Turkey (New York, 1833).
أما صمويل كوكس Samuel Cox فكان سفيراً أمريكياً في استنبول، وكَتبَ تجربته في كتاب بعنوان: تسالي دبلوماسي في تركيا Diversions of a Diplo­mat in Turkey (New York, 1887).
139- Van de Bilt, ‘Proximity and Distance’, p.181.
140- Ibid., pp.194–195.
توماس كوجزويل أوفام Thomas Cogswell Upham (1799-1872) فيلسوف، ومصلح أمريكي، له عدد مِنْ الكُتُبِ في الفلسفةِ والدينِ. تجربته في الشرقِ، نشرها في كتابه: رسائل جمالية وأخلاقية واجتماعية، كَتبت مِنْ أوروبا، ومصر، وفلسطين Letters Aesthetic, Social, and Moral, Written from Europe, Egypt, and Palestine (Philadelphia: H. Long­streth, 1857).
تعاطفه مَع العرب واضح في هذه القطعة:
«لا يوجد عربي من المدينةِ ولا مِنْ الصحراءِ، حسب مشاهداتي، يُمْكِنُ أَنْ يُتَّهمَ بالظلمِ، أو الوَحْشيَّة، أو الجحود، كما يتهم العرب دائما؛ ولا يصح أن نحكم على الرجال من شاهدات الآخرين. ولكي نحكم عليهم بدقّة، يَجِبُ أَنْ نَعْرفـَهم. لكنّ المعرفةَ نتيجةُ الاتصال والثقةِ. وو عليه، لكي نعْرفـَهم، يَجِبُ أَنْ نُحبَّهم». (p.346).
141- جورج وليام كيرتيس George William Curtis (1824-1892) كاتب، وصحفي، ومصلح اجتماعي أمريكي. في الفترة مِنْ 1846 إلى 1850، قام بجولة كبيرة إلى أوروبا والشرق الأوسط. وبَعْدَ أَنْ أنهى هذه الرحلة، نشر أسفاره في كتابين: مُلاحظات الخواجة في النيلِ Nile notes of a Howadji (New York, Harper, 1852)، والخواجة في سوريا The Howadji in Syria (New York: Harper, 1852).
142- Curtis, The Howadji in Syria, p.336.
143- Van de Bilt, ‘Proximity and Distance’, p.200.
144- Ibid., p.202.
145- John Spencer Dixon, ‘Representations of the East in English and French Travel Writing 1798–1882 with particular reference to Egypt’ (unpublished doctoral thes­is, The University of Warwick, 1991), p.2.
146- Ibid., p.3.
147- Ibid., pp.113–114.
السّيدة هيستر لوسي استانهوب Lady Hester Lucy Stanhope (1776- 1839) رحالة إنجليزية، تَركَت إنجلترا في سنة 1810 وقامت بالعديد مِنْ الرحلات في مصر، وفلسطين، وسوريا. استقرّتْ لاحقاً في لبنان في قريةِ جون، حيث قضت بقية حياتها. طبيبها الشخصي، تشارلز لويس ميريون Charles Lewis Meryon رَوى حياتها في كتابين، هما:
Memoirs of the Lady Hester Stanhope, 3 vols (London: Henry Colburn, 1845)
Travels of Lady Hester Stan­hope, 3 vols (London: Henry Col­burn, 1846).
148- Dixon, ‘Representations of the East’ p.117.
149- فلورنس نايت إنجل Florence Nightingale (1820- 1910) رحالة، ومصلحة، وممرضة بريطانية. زارتْ مصر في سنة 1849. رحلتها هذه مسجلة في كتابِها، رسائل مِنْ مصر Letters from Egypt: A Journey on the Nile, 1849–1850 (London: Spottiswoode, 1854).
لوسي دوف جوردن Lucie Duff Gordon (1821-1869) رحالة بريطانية، عالمة بالآثار المصرية. قضت سبع سَنَواتٍ في مصر، من 1862 إلى 1869، خاصة في الاُقصر، والقاهرة، والإسكندرية. كتابها، رسائل مِنْ مصر Letters from Egypt، نُشِرَ في سنة 1865، وحظي بعدد مِنْ الطبعاتِ في نفس السنةِ. وتعاطفها مع العرب بين في هذا العملِ.
150- Dixon, ‘Representations of the East’, p.155.
151- Ibid., p.164.
152- Ibid., p.168.
يُكرّسُ لَين الفصل العاشر من كتابِه لما يسميه «خُرافات» المصريين.
انظر: Lane, An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians, pp.223–265.
153- Dixon, ‘Representations of the East’, p.169.
154- Ibid., p.220.
155- Bhabha, The Location of Culture, p.86.
156- Porter, Haunted Journeys, p.5.
157- انظر على سبيل المثال Orientalism, pages 196, 224, 225, and 238.
158- Lisa Lowe, Critical Terrains: French and British Orientalism (Ithaca: Cornell University Press, 1991), p.29.
159- Sara Mills, Discourse (London: Routledge, 1997), p.129
160- John M. Mackenzie, Orientalism: History, Theory and the Arts (Manchester: Manchester University Press, 1995), p.13.
161- Reina Lewis, Gendering Orientalism: Race, Femininity and Representation (London: Routledge, 1996), p.20.
162- Valerie Kennedy, Edward Said: A Critical Introduction (Cambridge: Polity Press, 200­0), p.40.
 
 
هـــلال الحجــــري شاعر وأكاديمي من عُمان

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …