أخبار عاجلة

أدب الرحلة الى العالم الآخر

لا يزال نص "رسالة الغفران" الذي يحتل مكانا بارزا في ابداع الفيلسوف والشاعر العربي الأشهر أبي العلاء المعرى، كما يحتل مكانا بارزا في "أدب الرحلة الى العالم الآخر" في التراث العربي والعالمي، لا يزال هذا النص الملغز والمعجز يحتاج من الدارسين والباحثين المعاصرين الى فطنة خاصة وموهبة بحثية ونقدية حتى تحل شفرة هذا النص ذي الوجوه المتعددة، وحتى يكشف عن معناه ومغراه الحقيقي. وفي هذا الاطار من الشوق المعرفي والرغبة، في التغلب على التحدي الذي تشكله "رسالة الغفران" للباحثين كي ينفذوا من "تلك الطرافة الفائقة الكثيفة التي تصل الى حد العنف عند ابي العلاء" تأتي دراسة الباحثة الدكتورة منى طلبة المقارنة لرسالة الغفران في سياق أدب الرحلة الى العالم الآخر في تراث الحضارات القديمة والوسيطة، والتي نالت عليها درجة الدكتوراة في الآداب بمرتبة الشرف من جامعة عين شمس 1997.

الدراسة التي بلغت صفحاتها خمسمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير تحاول الاجابة على السؤال: «ما الذي كان يعنيه ابو العلاء على وجه الدقة ؟» مصطحبة معها في رحلة البحث عن الاجابة ما اشار له الدكتور علا حسين المولع بابي العلاء وأدبه وفكره، من حاجة الباحث في رسالة الغفران "إلى دقة الملاحظة، وحذق الفطنة، وبعد نظر، ونور بصيرة ". وتضع الباحثة أمامنا – منذ المقدمة – استراتيجيتها البحثية وهي الكشف عما تعنيه رسالة الغفران، كما تضع أمامنا وسائلها للوصول إلى هذا الهدف، فهي تبدأ بدراسة مفصلة لموقف النقاد من أبي العلاء ونصه، ثم محاولة فهم مواقفه الفكرية من خلال أعماله، لتصل في النهاية إلى الدراسة المقارنة لرسالة الغفران بأدب الرحلة للعالم الآخر في النصوص السابقة عليها والتي عرفتها الآداب العالمية المختلفة، مع مقارنة خاصة برحلة القديس سان براندان “le voyage de saint Brandan”  التي كانت تروى شفافيا في القرن السادس الميلادي، وترجع أقدم مخطوطة لها إلى القرن الحادي عشر الميلادي. والقديس براندان راهب ايرلندي نسبت اليه رحلة أدبية خيالية الى «الجنة الأرضية» وهو وان عاش في نهاية القرن السادس الميلادي (ت 583) الا أن روايته لم تنتشر في أوروبا في العصور الوسطى بعد ترجمتها الى اللغات الاوروبية القديمة. وهي رحلة يمر القديس ورفاقه خلالها بسلسلة من المغامرات والعقبات طوال السنوات السبع التي تستغرقها الرحلة حتى يصلوا إلى الجنة الأرضية «التي يقال انها تحمل أوصاف القارة الامريكية» وقد ترجمت الباحثة نص رحلة القديس براندان عن الفرنسية الحديثة.. والنصان: «رسالة الغفران» و«رحلة القديس براندان» ينتميان الى أدب القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين.. حيث كتب أبو العلاء رسالته، ودونت رحلة الراهب الايرلندي.
فيلسوف المعرة الضرير

ولد أبو العلاء بمعرة النعمان القريبة من مدينة حلب السورية عام 363هـ وتوفي بها عام 449هـ في أسرة عربية عريقة، كان منها أكثر علماء وقضاة وشعراء المعرة. وأصيب وهو في الرابعة من عمره بالجدري الذي فقد بصره بسببه. وتلقى العلم – على عادة عصره – على أبيه وعلى أئمة علماء الدين واللغة والأدب، ثم قام برحلة إلى عاصمة الخلافة بغداد التقى فيها بكبار الفقهاء والعلماء والأدباء، لمدة ثمانية عشر شهرا ثم عاد الى بلدته وقد قرر ان يعتزل الحياة والناس، وفرض على نفسه نظاما صارما في المأكل والملبس، مقتصرا في طعامه على ما تنبت الأرض وفي ثيابه وفراشه على الخشن واليسير و«له وقف لا يأخذ منه الا ما يسد به حاجة قوته، ويوزع على الناس كل ماله، فلا يمنع نعمته أحدا». وفي عزلته الاختيارية انصرف الى التأليف والتعليم لا يأخذ عنهما أجرا، والتف حوله العديد من التلاميذ الذين عوذوا فضله ونبوغه من القضاة والأئمة والخطباء وأهل التبحر والديانات. وكان يجلس حوله أكثر من مائتي رجل قادمين اليه من مختلف البلدان يسمعون منه ويكتبون عنه، واشتهر أبو العلاء المعرى في الثقافة العربية والعالمية بحياته الغريبة. فقد آثر الغرابة والاختلاف مع الكثير في العالم الذي يحيط به.. فهو زاهد متعبد مؤمن بالله الواحد الأحد، وهو منكر للتدين الشكلي ولنفاق الفقهاء وغلاة الصوفية، مثلما هو رافض للملاحدة، وناقد لاذع للمعتمدين في علوم الدين على النقل والرواية، والمعتمدين على العقل والتأمل الفلسفي معا. لقد كان يبدو في نظر كثير من معاصريه، مثلما يبدو في نظر كثيرين الآن، واحدا ضد الجميع، يصدق عليه ما قاله عن الانسان عامة: «والذي حارت البرية فيه.. حيوان مستحدث من جماد» لقد رآه البعض مفكرا وأديبا متفردا في زمانه، وكل الأزمنة، وفتن بابداعه كثيرون في عصره وعصرنا، فرأوا فيه أعظم شاعر في تاريخ الثقافة العربية قديما وحديثا، وواحدا من عبقريات الثقافة العالمية، وبالطبع فقد نزل به آخرون الى الحضيض، فهو "لا عقل له ولا دين، وهو متحذلق دعي، متظاهر بالحكمة" وهو:

كلب عوى بمعرة النعمان
   

لما خلا عن ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبت إذ
   

أخرجت منك معرة العميان!

وتنظر الباحثة فيما نحته نقاد أبي العلاء القدماء من ترجمة لحياته، وتتبع لرحلاته، وإحصاء لمؤلفاته، من خلال تطور علم التاريخ، والذي تعتمد فيه على تقسيم الدكتور عفت الشرقاوي في كتابه «أدب التاريخ عند العرب، لكتابة التاريخية العربية الى مرحلتين هما: التاريخ بالرواية، والتاريخ بالدراية. «أما التاريخ بالرواية فيشمل تلك المرحلة التي عنى فيها المسلمون بالرواية وتوثيقها، ثم الترجيح بين الأسانيد، دون نظر في متن المنقول ودون تأمل فلسفي ومنهجي لمضمونه، يغلب عليهم في فكرة التاريخ وغايته معنى العظة والتأسي. ويبلغ هذا المنهج قمته في القرن الثالث الهجري عند ابن جرير الطبري شيخ مدرسة التاريخ بالمنقول. أما التاريخ بالدراية فهو يعني بالنظر العقلي في متن النص التاريخي المنقول، ويعتمد على الملاحظة والمعاينة المباشرة ومحاولة الرجوع الى المصادر الأولى، ويهتم بالمتعدد والمتحول الذي هو موضوع الظاهرة التاريخية، وبما يلامسها من ظروف سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، ويمثل المسعودي في القرن الرابع الهجري بدايات هذا المنهج، الذي اتخذ اتجاها اخلاقيا عند مسكويه، وتطور الى منهج علمي دقيق عند البيروني، وبلغ ذررته عند ابن خلدون».

وترى الباحثة ان مراحل الترجمة لأبي العلاء – سواء لدى المعاصرين له أو المتأخرين عنهم. لم تنفصل بعضها عن بعض، وأن منهج الرواية قد غلب في الترجمة له، ولم يستخدم منهج الدراية الا عند المؤرخين المتأخرين، وعلى استحياء – مثل ابن خلكان وابن العديم – ولا تتميز التراجم الطوال عن التراجم القصيرة بالتحليل او ذكر الروايات المختلفة وتحقيقها، ولكنها تطول بكثرة الشواهد التي يوردونها من شعره ونثره، حتى لتبدو هذه الشواهد والروايات المتعددة عن حياته وكأنها غاية في ذاتها، بينما يهمل معظم هؤلاء المترجمين ذكر تاريخ ميلاده أو وفاته، كما يبدو المترجم في جمعه للروايات المتناقضة، وكأنه حريص على الا يترك للقارىء حرية التمييز بينها، بينما يعطي نفسه الحق في دس التعليقات التي تعبر عن قناعاته الفكرية هو، لا المعرى، مثلما يفعل العباسي في التعليق على ما أورده من جيد شعر المعري في رأيه، يقول المعري:

رددت الى مليك الخلق أمري
   

فلم أسأل متى يقع الكسوف

وكم سلم الجهول من المنايا
   

وعوجل بالحمام الفيلسوف

ويقول العباسي "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. اللهم إني استغفرك من نظير هذه الأباطيل التي تشمئز منها القلوب، وتنفر عنها الخواطر. وأسألك التوفيق لي ولسائر المسلمين".

وترى الباحثة أن قيام ترجمة القدماء لأبي العلاء على محوري الجمع والتضاد، كان سببا في اتساع التراجم الخاصة بأبي العلاء وتقليل الفائدة المرجوة منها، وبدت جهود هؤلاء الذين ترجموا لحياة أبي العلاء «وكأنها قد عكفت على بيان الحدود بين المتضادات: الكفر والايمان -العقل والنقل – الحلال والحرام – الجنة والنار – الوعد والوعيد.. أو كأنها تستهدف تكريس التضاد والتحول بواقع ثراء منقولها من الروايات، الى نوع من الجدل للغلبة والصرعة بدلا من أن تتمثله كحوار للتكامل والتواصل يؤسر للديندميكية والتطور» وتسوق الباحثة في تعليل ذلك ملاحظة هامة وذكية، وهي أن معظم الذين ترجموا لحياة أبي العلاء كانوا من علماء الحديث، كابن الجوزي والذهبي وابن كثير الفقيه الشافعي، وقد طبقوا منهج علم الحديث الذي يعتمد على الرواية وتوثيقها وذكر الاسانيد عند سره كل خبر. أما الأدباء الذين ترجموا لأبي العلاء فقد اهتموا بأدبه أكثر من المحدثين والفقهاء، وإن كانوا لم يتحرروا من آرائهم في عقيدته. لقد اعتمدوا جميعا على استراتيجية البرهان للتدليل على آرائهم، والبراهين التي ساقوها اما انها براهين تعتمد على المنطق لاثبات تناقضات فكر أبي العلاء، اما انها براهين تعتمد اللغة والبلاغة للتأثير والاقناع. ولكن مجال البرهان، كما يقول عالم اللغة الفرنسي «فينو» هو مجال أشباه الحقائق، أو مجال المحتمل، ذلك أننا لا نحكم ولا نتداول فيما لا يحتمل التداول، ولا نبرهن على ما هو يقين. وقد شغل المترجمون لحياة أبي العلاء وفكره وأدبه بثلاثة موضوعات رئيسية هي:

1-   سعة علمه.

2-   عقيدته.

3-   غموض نصوصه.

وقد اتفق القدماء على سعة علمه، ولكنهم تناقضوا في الموقف من عقيدته، فهو ملحد، زنديق، كافر، عند فريق (ابن كثير -ابن عقيل – العيني – ابن الجوزي) وهو ناسك، ورع، زاهد عابد (ابن العديم -أبو اليسر المعري – العباسي المكي) ويعده الامام الغزالي وليا من أوليا، الله الصالحين !

وتتبع الباحثة في دأب ذكي وطول نغمر الآراء المتناقضة للذين ترجموا لحياة أبي العلاء من المعاصرين له واللاحقين، الذين شغلوا أنفسهم وقراءهم بالبحث عن عقيدة الرجل وحقيقة إيمانه من وجهة نظرهم، فأبو العلاء:

– يراوح بين الحيرة والشك والضلال.

– وهو مختلف الأحوال يصل أحيانا الى الجنون والعته والحمق.

– وهو تائب ارعوي وحسن اسلامه في آخر عمره.

– وهو مكذوب عليه، تعمل تلامذته على لسانه الأشعار، يضمنونها أقوال الملاحدة قصدا لهلاكه وحسدا لفضله.

– أو: انه كان يقول ذلك مجونا ولعبا، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد كان باطنه مسلما.

– والناس في أبي العلاء مختلفون، فمنهم من يقول: انه كان زنديقا.. ومنهم من يقول: كان زاهدا عابدا، يأخذ نفسا بالرياضة والخشونة والقناعة باليسير، والاعراض عن اعراض الدنيا.

– مارق عن الاسلام السني ينحو نحو التشيع.

– يذهب مذهب الهنود البراهمة، في إثبات الصانع، وإنكار الرسل، وتحريم أكل الحيوانات وإيذائها.

– قد شككه راهب في دينه.

– صاحب زهد فلسفي، يرى رأي الحكماء وأوائل الفلاسفة، في أن ايجاد الولد واخراجه الى هذا العالم جناية عليه لأنه يعرضه للحوادث والآفات.

وتبدو هذه الآراء – كما تعلق الباحثة – وكأنها اختراق لنسق التضاد بين الكفر والايمان «ولكنها تناثرت في بعض عبارات تبرر ولا تقوى على النهوض بمفردها في وجه تلك الثنائية الراسخة، وندر أن ترد. هذه الآراء -عند اي مترجم دون ان تدس دسا ضمن ما شيع وما تضاد من الرأي حول أبي العلاء، وهي أيضا تتبع منهج الاستشهاد بمقتطفات من نصوص أبي العلاء دون أن يكون في خروجها عن التضاد، تكلف لمشقة تحقيق النصوص وتحليلها واستقرائها في كليتها، وقد انسحب الموقف المتناقض للقدماء تجاه عقيدة أبي العلاء، على نصوصه فوقفوا أمامها موقفا مرتبكا. فأدبه «يوجب التهمة في حقه» و«أشعاره تدل على التناقض» وهي «أباطيل ولكن له شعر جيد» و"نحن نذكر طرفا من شعره ليعلم صحة ما يحكي عن إلحاده" وكان ديوانه «اللزوميات» هو المصدر الرئيسي للاستشهاد بأفكاره وتأكيد آراء المترجمين في عقيدته، وقد تعاملوا مع اللزوميات على أنها نظم للفكر والعقيدة "لا عملا من أعمال الشعراء وما تحمله من خيال كذوب، فحرموه من أي بعد فني يتدعي التأويل والتأمل، كما حرموا الشعر قبله من أبعاده الفلسفية". وترجع الباحثة قضية تعامل النقاد القدماء مع شعر أبي العلاء، في اللزوميات، على انه فكر منظوم، لمفهوم هؤلاء النقاد للأدب، الذين كانوا يرونه ابداعا منفصلا عن الفكر، فالشعر عندهم «اما أن يكون نظما لأفكار، واما أن يكون مبالغة وتزيينا لمعان ثابتة لا تنتمي الى رؤية موحدة وعميقة للوجود» كما أن أبا العلاء كان مسؤولا – في رأي الباحثة – عن التعامل مع شعر» كوثيقة دالة على أفكاره ومشاعره، وهو ما يفهم مما كتبه في مقدمة ديوانه اللزوميات فهو يبدو وكأنه ينفي الكذب عن شعره، ولكنه في حقيقة الأمر يقدم مفهومه الخاص لقضية الصدق والكذب في الشعر، كما يقدم منهجا خاصا به في الشعر، فهو يعتمد في منهجه على البناء والنظام الذي يتماسك بموجب وحدة الموضوع والفرض. والبناء الشعري عنده يعتمد على الوحدات المفردة، التي لا يلحق بعضها ببعض، ولا يقوم بعضها فوق بعض، وانما هي تنويعات على لحن واحد، تصل وصلا خفيا لا ظاهرا ما بين التمجيد والتنبيه والتذكير والتحذير والفهم. انها معاناة وليست شكلا من أشكال الدعاية. والكلمات – في شعره – ليست كاذبة ولكنها مجاز يتوخى الصدق.

وقد اهتم النقاد والمترجمون القدماء بشعر أبي العلاء مهملين نثره، اللهم الا عناية قليلة برسائله الاخوانية او رسالته الى أهل المعرة التي أعلن فيها اعتزاله الناس، ولم يلق باقي نثره الا اشارات قليلة مقتضبة "كل ذلك، دون أن ينص – ولو لمرة واحدة – على الطابع القصصي لمؤلفاته النثرية كرسالة: الصاهل والشاحج، ورسالة الغفران، ورسالة الملائكة" ويرجع الدكتور أحمد كمال زكي عدم ملاحظة النقاد القداس للسرد القصصي في أعمال الأدباء العرب الكبار الى مفهوم هؤلاء النقاد للقص الذي «يرون ان الغرض منه كان استخلاص العبرة الاخلاقية والدينية فقط. ولم يكن الاختلاق الفني او الديني عامل مصادرة للشاعر واهمالا لشعره، في حين حوكم القصاص بهما وطوردوا على أساسهما. غير أن بعض القصص قد باتت مشروعة لاحتوائها على أغراض تعليمية مثل المقامات ورسالة الغفران لأبي العلاء وقد حال ذلك دون الوقوف على بعدها الأدبي» وتصل بنا الباحثة في نهاية عرضها النقدي لآراء النقاد القدماء لنصوص أبي العلاء، او «النص العلائي» كما تسميه وتستخدمه في كل بحثها المجهد والممتع، تصل الباحثة الى تقديم موقف القدماء، على أرضيتهم الفكرية والأدبية والدينية ذاتها، دون أن تحملهم اعتسافا نتائج أبحاث ونظريات النقاد المحدثين.. فهؤلاء القداس – كما تقول – وقعوا تحت سلطان ما ألفوه، الذي وإن كان يحجر على الفهم ويعرقل التطور، الا انه يمتلك جمالا لا نجده في الغريب غير المألوف.. والنص المألوف -عند القدماء – هو ما جرى مجرى العرب الاوائل: أما النص الخارق والمتجاوز، فهو إما يجري مجرى القرآن أو يعارضه «ولما كان نص أبي العلاء غير مألوف، فقد تيسر الربط بينه وبين النص القرآني، تارة كنص معارض وتارة كنص مواز (…) لقد كان الحكم على عقيدة أبي العلاء محور اهتمام المؤرخين له والبلاغيين القارئين لنصه من القدماء، في مرحلة كانت غاية المعرفة فيها هي الوصول الى المثل الأعلى الجدير بأن يحتذى، وللمعيار الذي تقاس عليه مختلف التجارب الابداعية، وهذا المثل يتجاوز به الانسان حدود واقعه، بكل ما يحمله هذا التجاوز من ايجابية الانضباط والترابط الاجتماعي، ومن سلبية الاستهانة بالتجربة الفردية وحيويتها وابداعها وطموحها للأفضل. غير أن القدماء تركوا لنا معالم مهمة عن الرجل وكتاباته، لا سيما أن معظم أعماله قد فقد، ولولا هذا الجهد التاريخي، ورغم ما شابه من نزعات تقويمية، لما عرفنا أبا العلاء ولما استشكل علينا نصه. وعلى الرغم من كل المحاولات المبذولة للاحاطة بما روي عنه وعن مؤلفاته، واختلاف زوايا النظر اليها، الى حد تفكيكها وتجزيئها، فقد تأبى النص العلائي على التصنيف العقائدي الواقع بين الكفر والايمان، وعلى الفكر البلاغي المنتصر للوضوح والسهولة او العجيب بالفصيح الغريب.
أبو العلاء والنقاد المحدثون

يبدأ اهتمام النقاد المحدثون بأبي العلاء وأدبه بجهود المستشرقين في نشر كاباته. وكان «فون كرومر» هو أول من حقق ونشر «اللزوميات » عام 1889م ثم نشر مارجليوث «رسائل ابي العلاء 1898» – ونشر نيكلسون "رسالة الغفران" 1900 ثم كتب الاسباني "اثين بالثيوس" بحثه الشهير الذي قارن فيه بين رسالة الغفران والكوميديا الالهية لدانتي عام 1919. وقد حفظ المستشرقون على غرار القدماء – لأبي العلاء، مكانته العلمية الفريدة في الثقافة العربية: فهو أعظم شعراء ما بعد الفترة القديمة (بروكلمان) وهو المارد المقدس للأدب العربي (ايتامبل) كما أنه ذو صوت فريد متميز له أصداء بعيدة واسعة في الفكر العالمي (اندريه ميكيل). أما رسالة الغفران فهي تحفة النثر العربي بلا جدال (جاستون فييت). ولكنهم تميزوا – عن النقاد القدماء -باعادة نشر النصوص العلائية وتحقيقها من جهة، وربطها بالأدب العالمي من جهة ثانية، واخراجها من المجال العقائدي الى المجال الفلسفي او المجال النفعي من جهة ثالثة، ولكنهم فيما يتعلق بعقيدة أبي العلاء والوقوف على مغزى نصه، لم يصلوا الى حل يرضيهم. كذلك لم يغفل المستشرقون – كالقدماء – عن معطيات عصرهم. فقد كان نشر النصوص العربية وتحقيقها داخلا في مشروع الاستشراق المنفتح على الشرق استعمارا وتسلطا عليه وتعرفا به، على نحو يبدو فيه المستشرق كما لو كان بطلا جاء لينقذ الشرق من غياهب الظلمات، ويعيد نشر نصوصه، وبناء ثقافته المهملة الضائعة، ممكنا بذلك سلطة فرض منهج مستمر للدرس مؤسس على التقنيات العلمية الحديثة في القرن التاسع عشر، والتي تتمثل في المعالجة التاريخية والفيلولوجية والمقارنة للنصوص القديمة. في هذا الاطار نشر المستشرقون النص العلائي، ولكنهم في درسهم له -شأنه شأن ذخائر الأدب العربي – رغبوا في التعرف على الحياة العربية اكثر مما عنوا بدرس النص الفني. هذا من جهة، ومن جهة ثانية عنف المستشرقون النص العلائي بين مصنفات الأدب او الفلسفة وفق الدرس الغربي، مما حال دون فضهم لأغرار النص ومعانيه في ذاته، ثم جاء الدارسون المصريون في القرن العشرين ليقرأوا رسالة الغفران في ضوء نظرية متقدمة للأنواع الأدبية، رابطين بينها وبين الأعمال الأدبية العالمية التي تتشابه معها مثل «مسرحية الضفادع» لاريستوفانيس، كما فعل الدكتور لويس عوض، او وصفها بـ«أول قصة خيالية عند العرب» عند الدكتور طه حسين. او «اول مسرحية عربية» عند الدكتورة عائشة عبدالرحمن، وقد تم هذا التناول النقدي لرسالة الغفران في غياب نظرية نقدية عربية واضحة للانواع الادبية في العصور الوسطى، كما ترى الباحثة، ولكن وضع رسالة الغفران ضمن الانواع الادبية الغربية المعروفة، شكل، في الوقت نفسه، نقطة تحول خرجت بنص أبي العلاء من المجال الوثائقي الديني الى المجال الفني، وامتدت بمرجعية النص الى الادب العالمي ككل، وان كان هذا التصنيف قد وضع الباحثين امام مشكلات نابهة من طبيعة نص أبي العلاء فنسبوه مرة الى النوع الروائي القصصي، ومرة الى الدراما، ومرة الى أدب الرسائل.

واذا كان القدماء قد حاروا في تصنيف أبي العلاء دينيا، فان المستشرقين والنقاد العرب المحدثين قد حاروا في تصنيفه فلسفيا، فهو: «ينزع النزعتين معا: نزعة المتصوفة ونزعة المعتزلة» وهو «ينتمي الى المذهب الاسماعيلي الباطني بوصفه مذهبا غير تقليدي، وكان دينه الاعتقاد المجرد بالله» وهو "ديكارتي سابق لعصره" وهو «يراهن رهان الفيلسوف الفرنسي بسكال». او "يقترب في فلسفته من عمر الخيام". او من "ابيقور". او من «فلسفة داروين في النشوء والارتقاء». او «من عقلانية ارسطو ومثالية أفلاطون معا». ومن المفيد أن ننقل هنا ما نقلته الباحثة عن طه حسين ورأيه في علاقة نصوص أبي العلاء بالدين والفلسفة، يقول: «ان أبا العلاء أتعب نفسه، وأتعب معاصريه، وأتعب الناس من بعده وسيظل يتعبهم الى آخر الدهر، لأنه على صرامته وصراحته واستقامته في حياته العملية، لا يسلك الطريق الواضحة المستقيمة في عرض آرائه، وانما يلتوي بها أشد الالتواء.. وليست هذه الفلسفة الا فلسفة ابيقور قد لاءم بينها وبين بيئته الاسلامية ملاءمة رائعة حقا، حتى خدع عنها كثيرا من الناس فظنوها اسلامية خالصة، ورأوا فيها مذهبا موروثا من مذاهب الزهد والنسك… وهذه الفلسفة العلائية الابيقورية تقوم قبل كل شيء على إنكار العلة الغائية التي يؤمن بها كثير من الفلاسفة وأصحاب الديانات جميعا… فالأشياء لم تخلق لنا، والطبيعة لم تسخر لحاجتنا، فلا ينبغي ان ستحل منها كل ما نستحل، ولا ان نستأثر بخيراتها لأنفسنا، ولا أن نؤلم الحيوان للذتنا، ولا أن نظلمه لمنفعتنا. فليس حقنا في الحياة بأكثر من حقه، وليس لنا عليه هذا السلطان الذي ننتحله لأنفسنا، إنما هذا كله غرور جاءنا من هذه الأثرة التي خيلت لنا أن العالم خلق من أجلنا، هذا هو الأصل الأول… ولأصل الثاني هو أن من حقنا أن نستمتع باللذات الى أقصى حد ممكن، ولكن هذا الاستمتاع لا سبيل اليه، لانه لا يصح ولا يستقيم الا اذا خلا من الألم والظلم والعدوان. وليس الى هذا سبيل، واذن فالانصراف عن هذا الاستمتاع هو الخير كل الخير وهو الحق… والاصل الثالث هو ان هذا العالم لم يخلق نفسه ولم يخلق عبثا، ولكن خلقه إله ليس في وجوده شك، وخلقه لحكمة ليس فيها شك، ولكن عقولنا لا تعرفها، ولا تستطيع أن تعرفها لأنها لم تمنح وسائل هذه المعرفة، كما أن أجسامنا لم تمنح السلم الذي يوصلها للثريا»!

وقد درس بعض النقاد العرب نصوص أبي العلاء من خلال المنهج النفسي، كالدكتورة عائشة عبدالرحمن والدكتور محمد مندور والاستاذ أنور المعداوي، محاولين تفسير غموض نصوصه من خلال تفسير حياته الشخصية وما اصابه فيها من حرمان وألم ويأس عاطفي، ومن خلال ما خلقته آفة العمى عنده من رغبة في التعويض والاستعراض والتباهي. ويرى الدكتور مصطفى ناصف أن هذا المنهج في النظر الى نصوص أبي العلاء قد جر أصحابه من النقاد الى مزالق كثيرة، فقد نظر هؤلاء الى ما في النصوص من اخفاء ورموز، نظرتهم الى العلامات المجردة التقليدية، والتي يكمن معناها في المعاجم او كتب تفسير الاحلام «ولكن هذا تزييف ينبغي ان يقاوم، والا يحسب وزره على التحليل النفعي من حيث هو.. وليس من اللازم – بداهة – أن يكون المعنى الخبىء في العمل الفني من وادي الرموز الجنسية… وكان الكلام عن شخصية الفنان في معظم الاحيان هروبا من النص ومشقاته او تسوية وهمية بين النص وصاحبه»، وتتابع الباحثة جهود النقاد والمحدثين الذين درسوا النص العلائي دراسة أدبية، ملاحظة أن اهتمامهم الأكبر كان بديوانه الشعري «اللزوميات » وكتابه النثري «رسالة الغفران » كما اهتم هؤلاء النقاد بالدرس المقارن بين رسالة الغفران وبين أعمال أدبية شهيرة تنتمي الى أدب الرحلة الى العالم الآخر، كان ابرزها «الكوميديا الالهية» لدانتي في الادب الغربي، «ورسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الاندلسي في الادب العربي في العصر الوسيط. وقد كان لدفاع الدكتور طه حسين عن أدبية نص رسالة الغفران، أثره في انطلاق النقاد والدارسين من بعده في تصنيف الرسالة ضمن الانواع الادبية المعروفة.

– فهي تندرج في النوع القصصي لأدبنا القديم مثلها مثل التوابع والزوابع لابن شهيد.

– او هي تجمع ما بين الرواية والاطروحة والقصة الفلسفية فتقترب من قصة حي بن يقظان لابن طفيل.

– او تجمع بين الرسالة والقصة، او تنتمي الى أدب الرحلات، او هي محاورات على النمط الافلاطوني.

وتقف الباحثة وقفة نقدية أمام ثلاث دراسات حديثة أولت «التناص والشكل القصصي» في رسالة الغفران عناية خاصة:

– أولها دراسة المستعربة الامريكية سوزان ستكوفتشى عن "رمز الخمر في رسالة الغفران" والتي تتبعت فيها موقف أبي العلاء في "جنة الغفران" وعلاقة التناص بين هذا الموقف وبين القرآن والشعر الجاهلي والاساطير اليونانية.

– والبحث الثاني للدكتور عمر موسى باشا في كتابه «نظرات جديدة في غفران أبي العلاء» والذي يوازن فيه بين بطل رسالة الغفران في رحلته الى العالم الآخر، وبين المصادر الاسلامية للرحلة ممثلة في واقعة الاسراء والمعراج كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية والقصص الديني.

– اما الدراسة الثالثة فهي حول البنية القصصية لرسالة الغفران للدكتور حسين الواد. ثم تنتقل الباحثة الى مجال الدراسات اللغوية لنص الغفران عند الاستاذ محمد طاهر حمصي والدكتور جمال طلبة والدكتورة فاطمة الحبابي والدكتور أمجد الطرابلسي والدكتور مصطفى السعدني والدكتور السامرائي.. وتخلص الباحثة من استعراضها للمناهج النقدية المتعددة التي تبناها النقاد والدارسون في دراسة أدب أبي العلاء المعري عامة ورسالة الغفران خاصة، الى ان هؤلاء النقاد قد التفتوا الى الموضوعات الرئيسية في النص العلائي "وهي الدين واللغة والادب، ولكن بينهما خلاف (القدماء والمحدثين) فما كان زندقة عند الاوائل أصبح فلسفة عند المحدثين، وما كان غرابة مخلة بالبلاغة اذ ان الوضوح يتسق وتثبيت الشكل التقليدي لمفهوم التدين، أصبح تارة استعراضا، وتارة تباهيا، وتارة تعويضا لحرمان عند المحدثين (….) هكذا اجتمع النقاد على الالتفات الى ذات الظواهر في النص العلائي، واختلفوا في توجيه هذه الظواهر بحسب التوجهات الثقافية السائدة في عموهم".

لزومية أبي العلاء

ثم تنتقل الدكتورة منى طلبة الى الفصل الثاني من بحثها الكبير والهام والذي تعطيه عنوان "لرومية أبي العلاء" وفيه تصل الى مستوى من الابداع البحثي يستحق الالتفات والاهتمام أكاديميا وثقافيا "ليس فقط لما يحمله من تفسيرات جديدة موثقة في الدرس الادبي، ولكن ايضا لما ينبىء عنه من ميلاد ناقدة جديدة وجادة لادبنا القديم، وما أندر الجديد والجاد في هذا المجال الهام من مجالات ثقافتنا القومية. وهي تقسم هذا الفصل من البحث الى قسمين: منهج أبي العلاء في التأليف – ولزوميته. وبعد أن تورد قائمة بما حقق ونشر من اعمال أبي العلاء شعرا ونثرا وتفاسير تعمد الى تعريفنا بمنهج ابي العلاء في التأليف نافذة من طلاسمه وغرائبه الصعبة، التي يدركها كل من قرأ شيئا من مؤلفات أبي العلاء التي الزم فيها نفسه بما لا يلزم، والتي اتسمت – كما تقول الباحثة – بالاحاطة والشمول شكلا وموضوعا، كما اتسمت بالجمع بين العناية بالشرح والتفسير وبين تعمد الاغراب والالغاز "وكما عنى بالاحاطة فاستطرد وأطال ليتقصى، وكما حدد موضوعاته في الأدب واللغة والدين ومزج بينهما مزجا غريبا، فكان يستنطق الحروف، ويحاور ملك الموت، او يشخص الصور لتتكلم، فلماذا أغرب وفسر؟ ولماذا أجمل وتقصى؟ لعله كان محيطا لا يهمل دقائق اللغة، ومغربا يجد في الوجود غموضا أجل من أن يفض ببعض كلمات على السطر، فسعى لادراكه وصياغة معناه من خلال رمز وتاريخ وغاية تجتمع من خلال الأدب واللغة والدين. لقد التزم بموضوعات لم تكن غريبة على الثقافة العربية الاسلامية، كما التزم منهجا يحيط بالظاهرة اللغوية متمثلا في الاحاطة والاستقصاء مثلما التزم بالاغراب والتفسير" وهذا المنهج في التأليف هو اللزومية الاول من لزوميات أبي العلاء. أما الثانية، فترى الباحثة أنها ذات أبعاد ثلاثة هي: اللزوم – الالتزام -عدم الالزام. "انها لزومية تتراوح ما بين وعي الانسان بما ألزمت به نفسه من طمع الى الآنات جذاب، طامح بالمعالي، وبين اختيار ملتزم بتثقيف هذه النفس لمصارعة اطماعها وشحذ ارداتها، وعمل لا يلزم الآخرين به بل يستحثهم لتجاوزه". والطبع عند أبي العلاء له مفهوم الغريزة او الفطرة التي تتسم بالجبر، وهو يقع خارج الارادة الانسانية. ولكن الانسان يتميز عن الكائنات الاخرى بتداخل ما هو مكتسب بما هو فطري، مداخلة كبت او تثقيف. «كبت للغرائز يتم خضوعا لتقاليد المجتمع، او تثقيف لها يحاول دائما ان يكون انسانا، أي أن يروض ما جبل عليه من طبع» لم يقف أبو العلاء عند حدود ادراك تناقضات النفس الانسانية، ولكنه عبر بوعيه هذا خطوة أخرى ليجعل منه سبقا وشرطا لاختيار قائم على الرؤية والتميز. وهنا تكمن حرية أبي العلاء وصدقه – في رأي الباحثة – فلا صدق ولا حرية في اختيار يجبر الانسان عليه او يجهله، ولا صدق ولا حرية في اختيار لا يعقبه التزام باجتهاد وموازنة… وكان أبو العلاء صادق الحرية لأنه اختار حدوده، ولأنه كره الاتباع والتقليد، ولأنه أخلص لدعوة التحرير والتطور حتى خشي أن يصبح هو نفسه جزءا مما استنكره، وأبى أن يكون صنما، وبلغت نزاهته حدا مثيرا حين دعا مخاطبا لتجاوز فكره، وزجره لمخالفته لعقله:

والعقل كالبحر ما غيضت غواربه
   

شيئا ومنه بنو الأيام تغترف

ولن نقف طويلا أمام هذا الفصل من البحث المتعلق بـ"لزومية ابي العلاء" لأننا نرى أن من حقه ان يقرأ كاملا، لا ليزيدنا معرفة بابي العلاء وأدبه فحسب، ولكن ليزودنا أيضا بمفاتيح جديدة لدخول كنوز تراثنا العربي الاسلامي عامة، والذي بسطته الباحثة بسطا واضحا لا عوج فيه، بل وصل حميم لجوهر هذا التراث الفني والمولع بالانسان وعمارته للأرض، بواقع الوعي الزائف – الذي نعيش – بالتراث، والذي يشيعه في مجتمعاتنا أعداء الثقافة والتراث والدين الحق جميعا، وتساعدنا -الباحثة الجادة المجددة – بهذا المنهج على فضح وكشف الضلالات الفكرية الرائجة، زورا وبهتانا، باسم الاسلام.

وتخلص الباحثة من فصلها هذا الى أن أبا العلاء لم يكن مشتت الفكر ولا زائغ العقيدة. كما تراءى لكثير من نقاده القدماء «وانما التزم منهجا صارما في التأليف والابداع وفي سيرة حياته وفي تعامله مع اللغة (…) وقد اتخذت هذه اللزومية طابعا لغويا، اذ ورث أبو العلاء لزوم القافية الشعرية، فالتزم اعادة ابداعها من خلال القافية المزدوجة، واداراتها على حروف المعجم، ليفتح أبوابا لا نهائية من الابداع تحت فصولها الثمانية والعشرين. وهو ذات المنهج الذي نجده في الغفران في التزامه الرموز التقليدية لرحلة للعالم الآخر، وصياغته الأدبية لها، بما يتيح قراءات عدة جديدة لدلالات هذه الرموز. التي اتخذت طابعا دينيا معرفيا، اذ ألزم نفسه العبودية لله وحد»، والتزم اجتهاد عقل وضمير خشية إدعاء اليقين متقيا الله، ولم يلزم غيره تعاليا او جبرا. هكذا بدت هذه اللزومية جوهرا لفلسفة أبي العلاء في الوجود والمعرفة والاخلاق، وهي فلسفة تربط ما بين السلوك الشخصي والمعرفة اللغوية ودين التقوى، ليتميز النظام المعرفي العلائي بانتصاره للعقل والضمير معا وللاجتهاد العازف عن السيطرة».
أبو العلاء في سياق ثقافة عصره

لم تكن إبداعات الكبار من أعلام الثقافة العربية القديمة في عصر نهضتها، كما ترى الباحثه،، ظواهر شاذة ضمن سياق هذه الثقافة الغنية، كما لم تكن هذه الابداعات في الفكر والفلسفة والتصوف والأدب والفقه والجغرافيا والتاريخ تمردا على هذه الثقافة او خروجها عنها، ولكنها كانت محاور تجديد "فقد أحسن هؤلاء المبدعون الانصات الى ثقافة عصرهم، وتجاوزوها من داخلها الى ما يطو بها، وليس صحيحا انهم في تمردهم على تاريخهم الدامي كانوا مناوئين له، او منفصلين عن ثقافته، بل لعلهم كانوا الاكثر استيعابا لعوامل القوة فيه، يبرزونها وينهلون من كامل طاقاتها للعبور الى ما هو أفضل " ثم تخلص الباحثة من هذه المقدمة الى قراءتها التأويلية لرسالة الغفران، والتي تنقسم الى واجهتين. الاول هي تتبع ملامح اسلوب ابي العلاء في التأليف من احاطة واستقصاء واغراب في التفسير. يضاف اليها في رسالة الغفران تداخل القص مع الشرح. "فبمثل هذا الالتزام المنهجي الذي زاوج الابداع الفني للرحلة، استطاع أبو العلاء أن يعيد صياغة رموز أدب الرحلة للعالم الآخر، وان يتمم بمهارة معنى رسالته التي توازي بين كل من الحكم الأخروي، والنظر النقدي للتاريخ والثقافة والانسان، والاستعمال اللغوي. ومن واجهة ثانية سنقوم بدراسة مؤشرات ما خارج نص الغفران وهي: مقام التراسل الذي سيقت فيه الرسالة والفواتح والخواتم، وعنوان النص، كمفاتيح ضرورية لفهم نص الغفران في كليته من جهة، وتحديد مكانه من الثقافة المعاصرة له من جهة اخرى، وذلك بوصفه نصا منتميا للثقافة العربية ومتمردا على توجهها الايديولوجي في آن".

لقد تجلت ظاهرة الاحاطة والاستقصاء عند أبي العلاء في رسالة الغفران في: التزام الحروف، التي كان يملك حساسية خاصة لها، فقد استجاب لاتساع علوم الحروف في عصره من ناحية، ولمفهومه الخاص للغة والوجود من ناحية ثانية، فقد كان خضوعه لها مناط حريته «احاط بها حين قسم كتابه وفق فصولها كما فعل علماء الجفر، ولكنه لم يحملها مقاصد غيب كما صنعوا. ولهذا أعرض عن الترتيب الابجدي لها الى الترتيب الهجائي. كما عرف للحروف معنى اتصالها بالوجود، ففيها يكمن رمزه الروحي عند الصوفية، والغيبي عند علماء الجفر، والحسابي عند العرب القدماء، والطبيعي عند علماء المسلمين، والانساني عنده».

و مثلما أحاط إبو العلاء بالحروف في رسالة الغفران ليفتح مجالات جديدة للابداع، اتجه الى الغريب من الكلمات رغبة في رضا الله، كما يقول في كتابه "الفصول والغايات" يقول: "علم ربنا ما علم، اني ألفت الكلم، أمل رضاه المسلم، واتقي سخطا المؤلم، فهب لي ما أبلغ به رضاك من الكلم والمعاني الغراب". وترى الباحثة ان غريب أبي العلاء اللغوي قائم على التزام السجع، والتوظيف الادبي للمصطلح العلمي، واستدعاء المهجور من الألفاظ. "ان مبدأ الغرابة عند أبي العلاء هو الذي جعل القارىء يشعر أن ما يكتبه مختلف، اذ يدرك انه امام نص لا يدخل في مألوف ثقافته وما اعتاده من معاني لغته. ومن ثم لا يستطيع أن يتلقى هذا النص تلقيا سلبيا، وانما تلق في حاجة الى تأمل وتأويل (…..) ومن الخطأ أن نقصر غريب أبي العلاء على الكلمات الغريبة وحدها، علينا أن نضم الى غريبة الكلمات المألوفة أيضا، اذ تتغير معانيها في نصه، فالجديد عند أبي العلاء ليس استعمال الكلمات الغريبة، وانما ارساؤه مبدأ الغرابة كاجراء للوعي بمضامين أخرى غير تلك التي ألفناها، ليس في نصه فحسب، بل كذلك في كثير من نصوص الثقافة العربية". كما كان استخدام أبي العلاء لمصطلحات علمي النحو واللغة استخداما بلاغيا في رسالة الغفران ويخلص هذه المصطلحات العلمية من تجريدها ويذيب الفروق بينها كمنطق حاكم للغة وبين الأدب كحساسية خاصة ازاء الوجود".

وتفسر الباحثة حرص أبي العلاء على شرح وتفسير غريبه، بأنه يجعل الامر في غاية الغرابة ! فاذا كان قادرا على توصيل افكاره في لغة سهلة فلماذا يبدأ بالالغاز؟ وتورد الباحثة تبريرات بعض الباحثين لهذه الظاهرة، فالبعض يردها نزوعا تعليميا، والدكتور طه حسين يردها حرصا على النفس ووثوقا بها. فالرجل كان لا يحب أن يترك نصوصه ناقصة تحتاج لمن يكملها بالتفسير، كما أنه كان يخشى التأول والكذب عليه، فيعمد الى كلامه فيحيله ويشرح أغراضه فيه. ثم تسوق الباحثة انواع التفسير عند ابي العلاء «من تفسير معجمي، يقوم في سياق النص الادبي بدور هام في الانتقال بالمعنى الاجتماعي المتعارف عليه الى المعنى الرمزي للغة. وتفسير نحوي، ينضوي تحت لواء نظريته المقرضة لايديولوجيا اللغة «فالتفسير النحوي يبين عن تعدد وظائف المعنى الواحد، والتفسير المعجمي يبين عن جدل المعاني في اللفظ الواحد، والنص الادبي يبدو وكأنه اعادة تفسير لنصوص سابقة عليه. وما هي رسالة الغفران ان لم تكن تفسيرا لنص غائب هو نص الرحلة للعالم الآخر. بالتفسير يقاوم ابو العلاء ثبات النحو كقواعد مجردة. وثبات المعجم كقوائم مطولة تحمي المعاني، وثبات الكلام كايديولوجيا زائفة من أجل تفجير طاقاته الكامنة بما يحافظ على الهوية وينطلق بها نحو الابداع».

وترى الباحثة أن أبا العلاء في جمعه بين الخيال والشرح والاقتباس يقدم نموذجا لانواع الخطاب الثلاثة في الثقافة العربية، فمن خلال الاقتباس يقدم رموزا سابقة عليه، ومن خلال الشرح يقدم منهجا علميا لفك شفرة هذه الرموز "ليتورط من جديد ومن خلال خياله الابداعي في مجاز اشمل هو النص الأدبي في مجمله أو رحلة رسالة الغفران. فاذا كانت هذه الرموز اللغوية في الماضي، فالشرح والابداع الادبي هما المستقبل الممكن لها. هكذا يحول أبو العلاء الحلم الى درس، والفرق في معنى الكلمات الى استغراق في العمل. أبو العلاء اذن لا يتنكر للرموز اللغوية والدينية السابقة عليه، ولكنه يفض وضوحها الزائف من خلال منهج التحليل اللغوي، ثم نسيج من خيوط متقابلة ومتشابكة ومتميز بعضها عن بعض – نوعا من الحوار بين النص ولغته – او بين الكاتب وثقافته، او بين الكلمة ومختلف طبقات المعنى. أما رحلة البدء والمصير فهي تصبح متواليات من الاقتباس من الماضي وتفسيرا لها، واعادة لابداعها تستخلصها كواهن المعنى. فوحدات النص المتقطعة تقوم على لعبة مزدوجة من الاستعادة المستمرة، والتذكر الذي يلم بشتات هذه الوحدات. هكذا لم يقدم ابو العلاء -طيلة الرحلة – أي تأويل صريح لرموزه. ولكنه من خلال الشروح خلف لنا منهجا للتفسير يعيننا علة الفهم، لا لنصه فحسب، بل لكل نص نقتبسه او نقرأه او نعيد صياغته. ومن خلال الصياغة الفنية الادبية بعث النصوص السابقة عليه بعثا جديدا تماما".
مؤشرات ما خارج النص

تخالف رسالة الغفران ما عرفه الأدب العربي من رسائل أدبية نثرية. فهي رسالة اخوانية فنية من ناحية (رسالة ابن القارح ورد أبي العلاء عليها) وهي سرد قصصي على مثال قصص الامثال والاخبار والنوادر وأحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزمان والحريري. كما تتصل رسالة الغفران من جانب آخر بأدب الآخرة الذي تشكل قصة الاسراء والمعراج نواته، بالاضافة الى قصص الوعاظ والقصص الديني والسمعيات في كتب التفاسير. كانت رسالة الغفران اذن استخداما غير مألوف لسياق المراسلة في الأدب العربي. وهي أيضا – في هذا السياق – لا تقترب من أدب المراسلة الثقافية في الادب الغربي -الذي عرف في القرن الثامن عشر في انجلترا مع «رواية Pamela ريتشاردسون». وانتقل منها الى المانيا وفرنسا، اذ لجأ جان جاك روسو الى شكل الرسائل المتبادلة بين البطل والبطلة كسرد لاحداث قصته.”La Nouvell Heloise” كما لجأ اليه جوته في روايته "آلام فرتر" واذا كان ابو العلاء قد لجأ في رسالة الغفران الى اسلوب المراسلة والحوار المعروف في الثقافة العربية، الا انه اختار شكلا للحوار غايته كشف الحقيقة، مستفيدا من الانجاز العلمي لعلم الكلام، بعد توظيفه للبحث عن الحقيقة من خلال دمج الحوار بالقص مستخدما «ظاهرة تعدد الاصوات» ومازجا بين طريقة سقراط في التهكم والتوليد وتباين الشخصيات كذوات فاعلة وكاشفة للحقيقة «فالرسالة في الحقيقة لا تميط اللثام عن عقيدة أبي العلاء بشأن آخرته، ولكنها تشحذ وسائلنا للتعرف على هذا العالم كعالم لغوي شديد التعقيد، علينا أن نعاني حل رموزه. والسخرية في هذا النص (رسالة الغفران) ليست تعبيرا عن استهانة أبي العلاء المعلم بابن القارح كما ردد الكثير من النقاد، ولكنها وليدة ما يظن ابن القارح انه حق يسكن اليه، هذا الاعتقاد الذي تضعه الاسئلة في النص موضع شك (…) في مثل هذا السياق وجد أبو العلاء مبررا للانتقال بالحوار التعليمي المتسلط الذي يمثله ابن القارح وأمثاله من مؤدبي الملوك الى حوار سقراطي باحث عن الحقيقة. كما وجد في نشر الرسالة مسوغا للانتقال بالقضايا المطروحة من قبل ابن القارح الى مستوى أعم ومتعدد المستويات والاصوات هو الشكل القصصي».

وتتبع الباحثة اقسام رسالة ابن القارح التي جاءت رسالة الغفران وكأنها رد عليها، فهل تشتمل على جزء تمهيدي، يليه جزء عن احوال الزنا دقة والملحدين في الثقافة العربية، ثم جزء ثالث عن توبة ابن القارح وخشيته أن يموت قبل ان تكتب له توبة يستحق بها رضوان الله. ورابع تعطيه الباحثة عنوانا فرعيا هو "اعتذار وعدوان" وخامس تسميه «شيخوخة وبحث عن سلامة» يختم بها رسالته.

وعن "فواتح وخواتيم" رسالة الغفران، والتي هي امتداد لتقاليد الكتابة العربية، وقد لعبت دورا في توجيه الفكر العربي، وفي توثيق النصوص، وقد استخدم ابو العلاء هذا التقليد في المفتتح والخاتمة للتعبير عن النوايا الغامضة التي يسترها الكلام، وان كان معناها لا يضيع – في نظر أبي العلاء – فهو يسري خفية في لا وعي الامة بتاريخها ومصيرها.

وتقف الباحثة امام العنوان: "رسالة الغفران" ووظيفته المزدوجة، وارتباطه بالوعي الكتابي لا الشفاهي وهي ترى أن التماهي والمضاهاة في استكناه مغزى العنوان لا يكشفان عن دلالته الخفية البعيدة، محاولة انتهاج منهج خاص بها في تأويل مغزى العنوان، فهو عندها يبدو وكأنه معارضة لرسالة الامام الشافعي في الفقه السني، فالغفران هو حكم الله، وليس بابا من ابواب الفقه، لان الحكم الفقهي قد تعارضه المشيئة الالهية، كما يحيل عنوان الغفران ايضا الى الادب الاخروي الاسلامي، ولكنه يخالفه «وطلب الغفران في نظر أبي العلاء ليس رهين ارتكاب ذنب معين، يستجدي المذنب في اعقابه غفران الله، ولكن طلب الغفران الالهي واجب على الانسان بما هو كذلك، سواء ارتكب ذنبا ام لم يرتكب، ولعل ابا العلاء عندما بدأ رحلته في العالم الآخر من منطقة الاعراف يريد أن يشير الى الشرط الاول لكل انسان، حيث يستقرىء دائما في منطقة البين بين حتى يبت غفران الله في أمره».

ويرى أبو العلاء ان طلب المغفرة قد يكون انتكاسا مرضيا لذات المرض الذي خرج آدم على اثره من الجنة، كما قد يكون طلب المغفرة وعيا بالعيوب ومحاولة للسيطرة عليها يشربها القلق والجهاد. وعل هذين المعنيين تقوم رسالة الغفران؛ المعنى الاول ظاهر يتمثل في الغفران الذي يحصل عليه ابن القارح بمقتضى صك التوبة الذي منحه له قاضي حلب، وشفاعة أهل البيت. والمعنى الثاني خفي يدلنا عليه التساؤل المستمر في الرسالة عما غفر به لأهل الجنة. وكأن هذا السؤال يوقف دائما تلقينا المنفعل للنص، وتماهينا بشخصياته الناعمة بالغفران ليسلمنا الى وعي جديد بالعنوان وبالنص وبمفهوم الغفران، لا كحال يرجى به نعيم النفس وعذاب الآخرين، ولكن حال أدعى الى التقوى والتساؤل والمسؤولية والتسامح والتجديد.
الرحلة الى العالم الآخر

اختارت الباحثة مصطلح «الرحلة الى العالم الآخر» لسببين:

أولهما: اتساع معاني ألفاظه في المعجم العربي بما يتيح انطباقها على معاني هذا الادب، كما تمثل في مختلف مصادره الثقافية، والثاني: صلاحية هذا المصطلح لاحتواء التنوع الشكلي لهذه النصوص وبعبارة أوضح يستدعي لفظ «الرحلة » في لغتنا العربية معاني: الموت، والنهاية، والمغايرة والارجاء والخروج من حدود الذات، وهذه كلها معان يستوعبها الحقل الدلالي الواسع لنصوص هذا النوع الادبي. فمن هذه الرحلات ما يتم أثناء الحياة كرحلة «اخنوخ » في الاسفار الخفية، او ملحمة جلجامش، او حديث الاسراء والمعراج، ومنها ما يتم بعد الموت، كما هو الحال في «كتاب الموتى» عند المصريين القدماء، كما يشمل هذا المصطلح انواعا عدة من الأدب الاخروي، كالرحلة الدورية الى العالم الآخر في النصوص المصرية القديمة، او الرحلات الفردية في الاساطير اليونانية التي لم تعرف فكرة البعث الجماعي او كوارث نهاية العالم، أو تلك التي تبشر بيوم القيامة كرؤيا يوحنا في الانجيل. والرحلة الى العالم الآخر – في اطارها المجرد-  هي انتقال من عالم الاحياء الى عالم ما بعد الموت، وسواء كان هذا الانتقال وحيا او رؤيا او خيالا او واقعا، بالروح او الجسد. وتتميز نصوص هذا الادب الاخروي بتركيبها لعدة موتيفات تنتقل دوما من دين الى آخر ومن عصر الى آخر، كما تتميز نصوص هذا الادب بتنوع أشكالها، كما تفرض علينا معظم هذه النصوص استحالة تعيين النص الاصلي «وذلك لتعقد عملية نقل الرواية، ولتعدد نماذجها المحتملة، ومصادر النص، وتعدد نسخها واختلافها، وكثرة الايجازات المقدمة لها، والتعديلات المدخلة عليها، واعادة صياغتها، اي كل ما يشكل تطور النص وتحولاته على مر القرون» لقد ازدهر أدب الرحلة الى العالم الآخر في العصور الوسطى، فهو كما يرى بعض الباحثين يظهر في فترات الازمات التي تمر بها الشعوب، كما يرجع ازدهاره باحثون آخرون الى فترات الرخاء مثلما حدث في ايطاليا في بدايات العصور الوسطى «فالأدب الاخروي في هذا الاطار يعد تعبيرا عن الرغبة في طفرة جماعية جديدة، في سماء جديدة وارض جديدة، كما انه يشكل نوعا من المعارضة للتقاليد الكنسية الصارمة».

وتلاحظ الباحثة ان ثقافتنا العربية قد خلت من الدراسات التي تتبعت هذا النوع الادبي. ورغم اعترافها بصعوبة القيام بالاحصاء والدرس الشامل لهذه النصوص، الا انها تلقي نظرة مجملة على هذا الادب في تراثنا مرجعة ازدهاره الى فترة متأخرة عن عمر النبوة، عندما انقسم المسلمون الى فرق ومدارس متنافسة، وملل ونحل كل منها يلقي بالفرق الاخرى الى النار «كما تزايدت اخبار الاخرويات في كب التفاسير.المتأخرة عن عصر النبوة. حول الآيات الخاصة بالجنة والنار في القرآن الكريم» حتى أطلق عليها بعض المفسرين "الاسرائيليات"، لما انطوت عليه من مبالغات قد تعزى الى الاخرويات اليهودية بأكثر مما تعزى الى التفسير اللغوي للآيات القرآنية او حديث الاسراء والمعراج. وفي كتب الاحاديث نجد نسخا مختلفة لحديث الاسراء والمعراج، حتى ان حديث ابن عباس الذي يعد من اوائل الرواة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تضخم ليصل الى ست واربعين صفحة في النسخة التي يتداولها العامة في مصر. ثم تشير الباحثة الى بعض نصوص هذا الادب الاخروي في الثقافة العربية في العصر الوسيط، لتخلص الى نتيجة هي ان هذا الادب كان لازما للفقهاء لتحديد مصائر الناس ثوابا او عقابا، كما اتخذه المتصوفة مادة لاعلاء شأن العلم اللدني في مقابل العلم الشرعي. وجعل منه الفلاسفة مادة لاعلاء شأن العقل في مقابل النقل. ووجد الوعاظ فيه مادة تعليمية، كما وجد القصاص فيه مادة ترفيهية، ولعل ابا العلاء قد اراد ان ينقل بهذا التراث المتعدد الاوجه نقلة جديدة في "رسالة الغفران" حيث جعل الخطيئة ميراثا مشتركا بين الجميع. وأدب الرحلة الى العالم الآخر ليس وقفا على ثقافة انسانية دون اخري، كما انه ليس وقفا على فترات الازمات دون فترات الازدهار. ولكنه يتخذ شكلا مختلفا من عصر لآخر، فاذا كانت الكوميديا الالهية لدانتي في القرن الرابع عشر، ورسالة الغفران للمعري في القرن الحادي عشر هما أروع ما وصل اليه هذا الادب في العصور الوسطى، وان كانت النصوص الاخروية الاخري في تلك العصور قد التزمت بهذا السياق، فان الاعمال الادبية التي استلهمت موتيفات العالم الآخر في العصر الحديث، اتخذت ابعادا نفسية جديدة، مثل: الفردوس المفقود لملتون، وفاوست لجوته، وترجمة الشيطان للعقاد، وملحمة شاطىء الاعراف للهمشري، ولم يعد العالم الآخر في عصرنا الحديث رمزا شعريا بل واقعا لغويا. فالآخرة بالنسبة لانسان العصر الحديث – كما يقول جاك فرنون -هي الحرب النووية "وفي هذا الاطار لم يعد الانسان معتمدا على نار الله ليحرق العالم. ولكن يمكنه ان يعتمد على نفسه ليفعل ذلك" وهناك فروق هامة يختلف فيها ظرفنا الاخروي الراهن عن اخرويات التراث «ومنها اننا اذا كنا نعتمد على رحمة الله من قبل، فمن المجازفة المراهنة على حكمة الانسان الآن. ومنها ان الاخرويات الادبية لها ميزة تخيل أرض جديدة وسماء جديدة، وهذا ما لا ننتظره الآن من هذه الحرب التي تتربص بنا لتفنينا جميعا، كما اننا لن نستطيع بموجب هذه الحرب ان نميز بين الصالحين والآثمين، او بين الخير والشر، فالعذاب والموت مآل الجميع، والقاتل والقتيل كلاهما في النار. ولم تعد سياسة الردع الاخلاقي-التي كانت تهدف اليها الاساطير – تجدي في ظرفنا الراهن». ان مطاردة القمل العبثي للانسان ما زالت مستمرة منذ جريمة القتل الأولى وحتى الحروب الحديثة، وازاء هذه الدراما البشرية يحاول الانسان الخروج التام من الكرة الارضية ! اما بتدميرها نوويا، او بالسفر الى كواكب اخري، وفي هذا الاطار نشأت قصص التصور العلمي، استجابة للوضع الاجتماعي القائم من ناحية، وتحررا منه من ناحية اخرى. «وهكذا نرى أن الخيال الادبي والخيال العلمي يتضافران على تصور نهاية للكون ولمستقبل الانسان فيما بعد النهاية. وفيها تتخذ موتيفات أدب الرحلة للعالم الآخر ابعادا متعددة. فتدمير الكون قد يتم بارادة الله تعالى. او بيد الانسان، او وفق كارثه طبيعية. وآمال البقاء تتمثل طورا في الصلاح الديني، وطورا في ضرورة الاتفاق بين الامم، او الرحيل الى الكواكب الاخرى، او دعم التقدم البيولوجي والتكنولوجي حتى يتمكن الانسان من استبقاء نسخة دائمة من شخصه لا تفنى بفناء مادة الكون. وفي كل الاحوال يعتمد البقاء على نوع من المعرفة: معرفة الخير من الشر في القصص الادبي، والمعرفة العلمية في قصص الخيال العلمي. ولكن بقاء الفاضل في الادب قد يصبح بقاء مالك التكنولوجيا في مجال الخيال العلمي».

وتقسم الباحثة أدب الرحلة الى العالم الآخر الى ادب اسطوري وديني وانساني، غير مهملة الجانب التاريخي لهذا النوع الادبي، لكنها تولي اللغة وعلاقتها بالرمز الاهمية الاولى.. والنصوص الاسطورية هي النصوص المصادر بالنسبة لرسالة الغفران، ورحلة القديسى براندان. وتتمثل هذه النصوص في الادب الجنائزي المصري القديم، وملحمة جلجامش في الادب الاشوري البابلي، وبعض الاساطير اليونانية».

اما النصوص الدينية وهي ما تعده الباحثة نصوصا عليا لرسالة الغفران ورحلة القديس براندان، اذ ان علاقة النصين بالنصوص الدينية علاقة مباشرة، بينما علاقتهما بالنصوص الاسطورية علاقة غير مباشرة. وتتمثل النصوص الدينية في القرآن الكريم وحديث الاسراء والمعراج كنصين رئيسيين يشكلان مفهوم العالم الآخر في الاسلام. وفي المسيحية تعد رؤيا القديسى يوحنا هي المصدر الاساسي لتصور العالم الآخر. اما في اليهودية فتشكل اسفار الانبياء حزقيال ودانيال واخنوخ العلامات الرئيسية لتصور العالم الآخر.. أما النصوص الانسانية التي ينتمي اليها نص الغفران لأبي العلاء ونص القديس براندان، فهي نصوص تنسب الى مؤلف بعينه، كما تستلهم النصوص السابقة عليها او المعاصرة لها.

السؤال الرئيسي

والسؤال الرئيسي الذي حاولت الباحثة الاجابة عليه، على امتداد خمسمائة وسبع وثلاثين صفحة من القطع الكبير، ورجعت بشأنه الى مائتين وعشرين مصدرا ومرجعا عربيا ومترجما الى العربية واجنبيا، في مقدمتها الكتب المقدسة: القرآن الكريم، والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والاسفار المحذوفة، اضافة الى الاساطير المصرية القديمة والبابلية الاشورية واليونانية والفارسية، والملاحم والمعاجم، ودوائر المعارف… الخ.

هذا السؤال هو: ما الذي كان يعنيه ابوا لعلاء برسالة الغفران ؟! وفي اطار محاولة الباحثة الاجابة عن هذا السؤال الرئيسي اعادت قراءة رسالة الغفران «بوصفها نصا ادبيا متكاملا، من خلال علاقتها بمجمل الثقافة العربية، وأدب أبي العلاء وفلسفته في اللغة والدين والاخلاق. هما يتيح لنا فهمها ومقارنتها بغيرها في الآداب العالمية» ثم دراسة نص الغفران دراسة مقارنة بالجنة الارضية للقديس براندان والتي كانت متداولة شفافة في اوروبا في نهاية القرن السادس الميلادي، ثم دونت في اوائل القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمت بعد ذلك الى مختلف اللغات الاوروبية حتى اصبحت جزءا رئيسيا من الفلكلور الاوروبي، وترجمت الباحثة – لاول مرة – نص الرحلة الى العربية. وقد كان لرحلة القديسي براندان أهمية خاصة في تراث العصور الوسطى الاوروبية لجعلها ما بين المغامرة والحلم. وتعتقد الباحثة اضافة الى هذا السبب، أن اهمية رحلة القديس براندان في التراث الاوروبي الوسيط، جاءت ايضا من المزج بين موتيفات الادب الاخروي المسيحي، وموتيفات الادب الشعبي البحري الايرلندي «وبذلك كانت الرحلة تأكيدا من ناحية على الطابع الديني او المعلق للرحلة وخروجا عليا في ذات الوقت الى عالم الواقع المتحقق. وبعبارة أخرى كانت رحلة براندان قراءة جديدة للرمز الاخروي المسيحي. قراءة تستبطنه معنى كامنا وجديدا. فلم تكن رؤية براندان للجنة المخصصة للقديسين رؤية تقليدية بالمعنى المتفق عليه، فهي ليست انتقالا تاما من عالم الاحياء الى عالم الاموات. اذ أبحر براندان ورفاقه من الرهبان للبحث عن الجنة المعدة لهم فيما بعد الموت، تلك الجنة التي طرد منها آدم، وها هم يصلون اليها، وهم على قيد الحياة (…) وقد بلغ من تأثير هذه الرحلة انها سيطرت على الجغرافيا في العصور الوسطى، فالجزر الاسطورية لبراندان كانت مسجلة على الخرائط الجغرافية حتى القرن الثامن عشر الميلادي، كما نجد عند الجغرافي العربي المشهور الادريسي، في القرن الثاني عشر، ذكر لهذه الجزر عندما تحدث عن جزيرة الخراف وجزيرة العصافير، كما لو كانت جزرا حقيقية موجودة بالفعل.

وقد اتبعت الباحثة – في سبيل الاجابة على السؤال الرئيسي – منهجا يؤكد على ضرورة الانتقال من التناول النقدي لأدب أبي العلاء الى التناول التأويلي له، مما يسمح بالوقوف على المعنى الكامن في رسالة الغفران. يدفعها الى ذلك ارادة فهم النص لا الحكم عليه. لقد خضع نص ابي العلاء في القراءات المتراكمة له قديما وحديثا لمناهج نقدية لم تعول على فهم النص في كليته. وقد أفادت الباحثة – كما تقول – من مجموع الآراء النقدية التي تناوبت على دراسة النص العلائي "كمعين على فهم النص اكثر مما هي احكام ملازمة له".

وقد أعادت – وفق منهج التأويل الذي اختارته – النظر الى فلسفة أبي العلاء في اللغة والادب والدين. وقد وصلت الباحثة بدراستها لمفاهيم أبي العلاء عن الله والنفس والدين بحثا عن منظومة فكرية متكاملة لقراءة رسالة الغفران. هذه المنظومة التي تنطلق – في رأي الباحثة – مما أسمته «لزومية أبي العلاء» والتي اتخذت طابعا لغويا، كما اتخذت طابعا دينيا معرفيا. وصلت الباحثة الى ان السعي للآخرة عند ابي العلاء «يقوم على علاقة الجدل بين اجتهاد العقل والضمير والاعتبار لواقع مصالح الامة، يؤسس بذلك لدين التقوى، ويعادل بينه وبين الدرس اللغوي والابداع الادبي، وهو بذلك يتميز عن معاصريه من الجهتين: العلمية والروحية، اذ أصبح مثل هذا الدرس درسا موضوعيا يعتمد على معطيات اللغة نفسها بأكثر مما يعتمد على المصالح المرجوة من تفسير النص لصالح فئة دون أخرى، كما ان نتائج هذا الدرس اللغوي غير معروفة سلفا، اذ تعتمد فقط على جهد التفسير والفهم للغة. وجهد تتبع واقع تغير دلالاتها واستخداماتها عبر التاريخ، وهو جهد لا يصل به المجتهد الى اليقين، بقدر ما يهذب نفسه من خلال حركة الاجتهاد ذاتها. كذلك هو الابداع الادبي عند أبي العلاء، فهو لا يسير على شبيه، ويعيد قراءة النصوص السابقة عليه من خلال تقديمه لمجاز جديد فاتحا بذلك أبوابا لا نهائية من ثراء المعنى».

وقد ترجمت الباحثة – كما أسلفنا – نص رحلة القديس براندان لكي تكتمل مقومات المقارنة بين نصين من نصوص أدب الرحلة الى العالم الآخر في العصور الوسطى، واحد ينتمي الى الثقافة العربية الاسلامية. والثاني ينتمي الى الثقافة الاوروبية المسيحية. ويقوم منهج المقارنة – عند الباحثة – على سد تاريخي يستدعي الآثار المباشرة وغير المباشرة لنصوص الرحلة الى العالم الآخر السابقة على النصين، وافتراض بناء عام ينتظمها يقوم على محاور ثلاثة هي: البناء العام للرحلة، والشخصيات، والمحاكمة، وخلصت من مقارنتها للنصين الى ان: "كل ثقافة تصنع تاريخها وفق تلك (الرحلة المؤسسة) ذلك ان مفاهيم الحياة والموت والمحاكمة التي تشكل القضايا الرئيسية للرحلة، هي بدورها حوافز للفعل، ومكونات لنظام القيم في الثقافة المعنية. ولكن دينامية هذه الحركة وهذه القيم او عقمها تعتمد الى حد كبير على الطابع الادبي لهذه النصوص، فالنص الأدبي متصل بمجتمعه ومغير له في آن، وهو ذو طابع قومي وعالمي، وحامل لخطاب ايديولوجي وتأويلي معا".

لقد بدت رسالة الغفران من خلال الدراسة المقارنة التي قامت بها الباحثة «نصا من أروع نصوص الآداب العالمية الخاصة بالرحلة الى العالم الآخر، ونموذجا لأرقي ما وصلت اليه الحضارة الاسلامية على المستويين الشكلي والمضموني». فقد تميز البناء الفني لرسالة الغفران بالتعقيد والحداثه ويتعدد الشخصيات والاصوات والمشاهد، ويتنوع اشكال الخطاب من مفارقة وسخرية وتفسير واقتباس ووصف وانفتاح على نهايات متعددة بما يتيح مساحة أوسع لجهد القراءة ومشاركة القارىء في صياغة المعنى.

كما كانت رسالة الغفران على مستوى المضمون -النص الوحيد الذي ساوى بين جميع الأديان، كما ساوى بين سكان الجنة والنار، لتبدأ الجنة من منطقة وسطى بين الخطيئة والسبل المخلفة لتجاوزها.

كما كانت رسالة الغفران النص الأخروي الوحيد الذي قدم نقدا لاذعا للذات وللثقافة الاسلامية، في ذات الوقت الذي لم يكتف فيه بالتقويض وانما بإعادة البناء، في ارادة عنيدة للتحول بالخطيئة الاصلية الى فعل ثقافي ممثلا في الابداع والقراءة المتجددة دائما. وبذلك لا تقدم الغفران لنا محاكاة ساخرة للعالم الآخر، وانما هي في جوهرها سخرية من الوعي الزائف بهذا العالم، ومحاكاة جادة لمضمون اسراء ومعراج الرسول صل الله عليه وسلم القائم على شحذ المعرفة والضمير، ومن هذا المنظور فرسالة الغفران ليست الا تراجيديا منظور اليها من الخلف".!

واذا كانت الدكتورة منى محمد طلبة قد وجهت في خاتمة رسالتها التحية لمفكرنا العظيم أبي العلاء المعري لجهوده الابداعية العالية، والتي تهيب بنا أن نتجاوزها، وان نبذل قصاري جهدنا من أجل القيم الانسانية في ذاتها. فلتسمح لي، في ختام عرضي لرسالتها الغنية بالابداع البحثي والعمل الجاد والمجهد، ان أوجه اليها التحية من أجل هذا كله، وانتظارا لأبحاثها القادمة وقراءتها الذكية في ثقافتنا العربية الاسلامية، آملا أن يقرأ المثقفون رسالتها عن «أدب الرحلة الى العالم الآخر» مطبوعة قريبا، لكي يزدادوا يقينا بانتمائهم الى واحدة من أغنى الثقافات العالمية في العصر الوسيط، ولكي تشحذ هممهم مبدعين وباحثين لوصل ما انقطع بيننا وبين ثقافتنا ليضيفوا الى منظومة الثقافة العالمية المزيد من الغنى والتنوع المبدع.
 
 
عرض وتعليق: سيد خميس (كاتب من مصر)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …