أخبار عاجلة

أسئلة الرواية الجديدة في اليمن… وتحدياتها

كيف يمكن كتابة رواية جديدة في اليمن؟، ما الحيل التي يمكن اللجوء إليها لاستدراج مجتمع راكد أقرب ما يكون إلى بنية الريف، إلى فضاء روائي يهجس بالحداثة وصوغ رؤية خاصة وفريدة للعالم؟. في مجتمع لا يساعد على إنتاج رواية حديثة، هل الخلل يكون في المجتمع نفسه أم في الكاتب؟ أسئلة يواجهها باستمرار الروائي اليمني الشاب، الذي يسعى إلى نص جديد، شكلا ومحتوى.
يعود صدور أول رواية يمنية إلى العام 1939، إلا أن الرواية في أكثر أشكالها حداثة وتشوفا للجديد، لم تعرفها اليمن بعد. أكثر من سبعين سنة على انطلاقة اليمن نحو الكتابة الروائية لكن المحصلة لا تتعدى الأربعين رواية، غالبيتها تقليدية إذ تفتقد إلى شروط الرواية.
عدم وجود أرضية روائية في اليمن، متنوعة ومتعددة، يمكن الانطلاق منها أمر يضع الروائيين الشباب أمام تحد، بخاصة أولئك الذين يسعون إلى كتابة روائية متجاوزة، لا تواصل مسارا روائيا فقيرا وشحيحا ناحية الممكنات السردية، إنما تؤسس لحظة جديدة، تحفل بعناصر تجريبية تذهب بالنص الروائي في اليمن إلى فضاءات جديدة.
ومن التحديات، النظرة إلى اليمن بصفته بلدا متخلفا، لا أحد ينتظر منه أن ينتج رواية حديثة، التي استقبلها كتاب الرواية اليمنيون بتسليم تام بل وحولوها واقعا، من خلال تكريس كتابة رواية تقليدية، بلغة مباشرة وسطحية، لغة ركيكة تصلح للخواطر الوجدانية والغنائيات الممجوجة، أكثر مما تصلح لرواية تعالج مجتمعا معقدا من الداخل.
لا سبيل أمام الروائي اليمني، للتغلب على هذه التحديات وتحقيق هدفه في كتابة رواية جديدة، سوى الذهاب إلى عزلة اختيارية، عن محيط محبط لكنه، لحسن الحظ، لا يملك أن يسجن مخيلتك، أو يقصى القلم عن يدك. ويعتمد في هذه العزلة، إلى حد ما، على ما أسماه الناقد فيصل دراج «المكر الروائي»، وإن في مستوى آخر، هذا المكر الذي «لا تخوم له ولا ضفاف».
ولئن أخذت كتابة الرواية في بعض البلدان شكل الظاهرة، فإنها في بلدان أخرى، وفي مقدمتها اليمن، ما تزال نشاطاً فردياً محدوداً جدا. وينطبق ذلك على قارئ الرواية، وتحديدا الرواية الجديدة، إذ يكاد يكون غائبا أو هامشيا. وكل ذلك يعكس نأي المجتمع في اليمن عن تقاليد الكتابة الحديثة، لأسباب سياسية واقتصادية، فلا مؤسسات ثقافية ولا مسارح ولا سينما أو دور نشر أو غاليرهات. وعي الروائيين الجدد بمصير رواياتهم، أملى عليهم، بتعبير فيصل دراج أيضا، كفاحية يائسة «كأن تندد، بجرأة عالية، بكل ما يهدم المتعدد ويقدس الواحد».
تحديات كثيرة، في الواقع، تواجه الروائي اليمني الشاب، وغالبا ما تثبط من حماسه فيستسلم لها، ما لم يتحد نفسه، ويثور على ظروفه، ويتخلص من الشعور بلا جدوى الكتابة، إذ تغدو الكتابة الروائية الجديدة خياره الوحيد الذي يمنح وجوده معنى، وسط مشهد أدبي بلا معنى.
لكن الكاتب ينتمي إلى القراءات الخلاقة، في الرواية وسواها، إلى ما يشاهده من سينما طليعية، ويسمعه من موسيقى ملهمة، إلى رؤيته الخاصة للعالم وليس فقط لمجتمعه المحدود، إلى مخيلته، وإلى معرفته بأسرار الرواية وجماليتها، وليس إلى مجتمع يعيق، ولا يمنع، تخلفه وتقليدية البنى فيه، ظهور فن روائي متطور، ينتمي إلى كل ما يضعه على مسافة، المسافة الضرورية، من الواقع، بقصد التمكن من استيعابه روائيا، وفي صوغ يقدم المشكل الاجتماعي غير منفصلا عن التكنيك الروائي الطليعي.
انطلاقا من كل ذلك، سعيت إلى كتابة روائية، تجيب عن السؤال الذي افتتحت به هذه الشهادة:كيف يمكن كتابة رواية جديدة في اليمن؟ وتغامر صوب تغيير النظرة إلى اليمن روائيا، في محاولة لتخطي كل ما يمكن أن يمثل عقبات أمام أ ي مسعى روائي جديد.
فكيف اقتحمت التعبير عن مدينة مثل صنعاء، حيث صراعات القبائل التي لا تنتهي، وانتشار السلاح أكثر من الماء والهواء والخبز، إضافة إلى الفقر والأمية المتفشيتين؟. طبيعة المجتمع الذي له هذه الصفات تفرض على جيلي مقاربة من نوع ما، مقاربة لا تعيد إنتاج ما سبق إنتاجه في شكل حكاية ركيكة، بلغة هزيلة وسطحية.
لعل المسافة التي أتاحتها لي إقامتي خارج اليمن، مكنتني من رؤية الواقع من زوايا مختلفة، وبعين أخرى، ما جعلني أتوغل في تفاصيل النسيج الاجتماعي، وأبصر غير المرئي في المرئي من وجوه المجتمع وملامحه، وفي علاقات الناس في ما بينها. كل هذه الأمور كانت تقترح علي مقاربة فنية جديدة بدورها.
توزع اهتمامي على مسألتين هامتين: التعبير عن قضايا المجتمع وتبني أحلام أناسه «البسطاء» وطموحاتهم، بوعي يجابه تحول هذا التعبير إلى مجرد «شعارات» أو «كليشيهات جاهزة» طبعتا المنجز الروائي السابق من جهة، وصوغ كل ذلك بوسائط وجماليات حداثية، أي تتخطى حالة البلد المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا من جهة أخرى. الأمر يشبه التحدي مع النفس، أو المواجهة مع واقع متخلف، إما أن يهزمك بسطوة تقليديته، أو أن تزعزع ما أمكن هذا التخلف وتلك التقليدية، بتحويلها عملا روائيا يستوعب مجتمعا يبدو ساكنا وراكدا، لكنه في العمق، يمور بتعقيدات وعلائق متشابكة.
أجدني معنيا في هذه الشهادة بالحديث عن تجربتي في الكتابة الروائية، من خلال روايتي «تصحيح وضع»(2004 بيروت) و«قهوة أميركية»(2007 بيروت)، وعما فعلته فيهما حتى أطرح نفسي ككاتب، مثلما أنا مهموم بقضايا مجتمعي، كبيرة كانت أم هامشية، أيضا يظل هاجسي الانكباب على بلورة تصور روائي جديد، من خلال رؤية خاصة للعالم.
فأكثر من موضوعة يمكن الوقوف عليها في رواية «تصحيح وضع»، فهناك حرب الخليج الثانية وهناك الهجرة اليمنية، وأيضا أسئلة حول الوطن والهوية، مواضيع تعد كبيرة، وأصبحت الكتابة الجديدة في الوطن العربي تتجاوزها إلى كتابات أخرى، لا تحفل بالقضايا الكبرى، لكن لماذا وكيف كتبت عن هذه المواضيع «الكبيرة»؟ لماذا؟ لأنه لا يمكنني تجاهل القضايا التي يعانيها مجتمعي، فمهما سعيت إلى الانغماس في التجريب والمغامرة اللغوية، فانا في شكل أو آخر، مرتبط بذلك السياق الزمني، بتلك اللحظة التاريخية، التي حتما ستمنح روايتي ما تطمح إليه من خصوصية. في الواقع لا أستطيع أن انصرف بالكامل لتدوين تفاصيلي الصغيرة، أوهامي وأحلامي، في قطيعة كاملة مع ما يدور في الشارع.
أما كيف تعاطيت مع مثل هذه المواضيع؟ فأقول: لم تشغلني حرب الخليج الثانية، رغم أهميتها وحضورها كثيمة مركزية في العمل، ولم أذهب إلى رصد تفاصيلها وتصعيداتها، كانت بالنسبة لي مجرد مناسبة أو مناخ يمكن تأمل وضعية شخصيات الرواية في ضوئه، حاولت الإصغاء لذلك الاحتدام الصامت وتلك الحرب الشرسة وغير المرئية التي كانت تدور رحاها تحت جلد المهاجر اليمني، وهو يشهد حياته، تاريخه، ذكرياته، قل أحلامه تتبدد أمام عينيه في مشهد كارثي لا ينسى.
وفي ما يخص «الهجرة اليمنية» فهي موضوع طالما طرح في الكثير من النصوص اليمنية، لكن كان الطرح، وهذا ما أحاول التموقف منه، نوستالجيا، وبكثير من الغنائية والعاطفة الجارفة، الأمر الذي تحول النص معه إلى ما يشبه الاستدرار للحزن والشفقة.
وما أزعم أنه سؤالي الخاص في هذا الصدد، أي ما أجدني أكتب عنه، هو كيف يتم تعيين المسافة بين الوطن كجغرافية، أمكنة، بشر، وبينه كفكرة، وماذا يعنيه هذا الوطن بعد عشرات السنين من الهجرة والغياب. بمعنى هل سيظل الارتباط بالوطن، بوصفه بيوتاً، أزقة، حارات نجد أنفسنا في حنين دائم لها، أم إلى مجرد فكرة، فكرة يحاول الآباء أو الجيل القديم من المهاجرين تصديرها إلى الأجيال الجديدة التي نشأت وفتحت عيونها ومداركها خارج الوطن، الذي لم يعرفوه إلا عبر الصور وحكايات الجدات.
ربما بسبب تلك المسافة، بدا أن شخصيات الرواية في «تصحيح وضع» تعيش مشكلة من نوع ما، مشكلة مع الذاكرة، مشكلة مع الجسد.
ثمة لبس وارتباك تتركه هذه الشخصيات لدى القارئ، لدى أنا أيضا، من خلال علاقتها بأجسادها أو برغباتها من جهة، وبما تعيشه من مآزق يتركز على نحو كثيف في داخلها. ويصبح من العادي جدا القول ان حضور الهواجس الجنسية، ليس القصد منه إثارة لغرائز أو اللعب على منطقة تثير وتطلق العنان لمتخيل مكبوت، بقدر ما كان للتعبير ومحاولة لفهم الشخصية، أو على الأقل لجعل حضورها والإشكال الذي تواجهه مفهوما نسبيا. فكان هناك التعبير عن المهانة وعن الاختراق ليس جسديا، وإنما رمزيا، على مستوى الكينونة، بمعنى اختراق طمأنينتك، استقرارك، اختراق من القسوة، الأمر الذي راح يهدد وجود الكائن، وحقه أن يستشعر ويتحسس أثر وجوده فيما يحيطه، كما وأثر الآخرين عليه.
جاءت الرواية، في مستوى من مستوياتها، في شكل رحلة استغرقت ساعات طويلة من الليل، كانت أشبه بالسفر في متاهة الكائن الإنساني، كل شيء غامض وملتبس ومليء بالهواجس والمخاوف ولا نهايات أو بدايات واضحة. فكأنما شرط الوصول إلى المكان المقصود أن يقبض السارد على هوية واضحة له، ولمصيره الذي يظل مجهولا، وهو ما لن يتحقق. فلا يقين تنطلق منه الرواية، أو تخلص إليه. يوجد اللايقين بوعي في الرواية، ويتعزز بانفتاحه على التباس المعنى، وضبابية المآل.
انتمي إلى جيل تبلور وعيه على جملة من الانكسارات والهزائم المعنوية. جيل بدأ الكتابة في أواخر الثمانينات الميلادية، وهو يرى مدينة عدن تتلاشى كفسحة للحرية، وكإمكان حقيقي لتحقق الحريات الفردية والنضال من أجلها، وكمجتمع يمكن وصفه بالمدني، بسبب الاحتراب الداخلي وقتل الرفاق لبعضهم، ثم الوحدة اليمنية في عام 1990، التي بشرت بعهد جديد من حرية التعبير والتعددية، لكن لم تلبث الأمور أن تكشفت عن زيف، وأن تلك الحرية ما هي إلا إجراء حكومي لامتصاص احتقان الشعب وغضب الشارع، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية عقب حرب الخليج الثانية، لتكتمل التراجيدية اليمنية بالحرب الأهلية في صيف 1994.
في وضع مأساوي كهذا استحال على جيل تحقيق حلمه في هوية خاصة، في ملامح تميزه عن سائر الأجيال الأخرى، عقب انهيار كل شيء، فراح، هكذا خيل لي، يختلق أدوارا له، حتى لا يسقط ويتلاشى في (كل) بلا هوية.
تأملت في رواية «قهوة أميركية» اغتراب هذا الجيل «في مكان هجين، لا هو بالمدينة في هندستها العقلانية، ولا بالقرية في شفافيتها الفقيرة»، عبر فرد «حمل معادلة خاطئة، حين اعتنق أحلاماً مدينية في مدينة تدعى «صنعاء». فكان الاغتراب متعدد الأبعاد: فهو غريب عن مكان غريب عن القيم المحتملة التي يهجس بها المثقف، وهو غريب في معادلته التي تنشد غايات إنسانية واسعة في مجتمع ضيّق، وهو بُقْيا من زمن حالم».
ويفصح العنوان، كما عبر أحد النقاد عن «تلك السخرية السوداء ذلك أنّ أبهة القهوة المستوردة في أرض «البن اليمني» تبعث على ضحك غير مريح. «كيف تكون إنساناً حالماً في قرية زائفة تتعهّد تربية الكوابيس؟» ذلك ما حاولت الرواية أن تجيب عليه. (عارف) بطل الرواية، يبحث عن تاريخ شخصي، في زمن انهارت فيه كل القيم النبيلة، ولم يجد أمامه سوى أن يختلقه، أن يتوهم تاريخا، لكن حتى هذا الوهم لم يسمح له به، فينتهي نهاية ملتبسة، لا هو قتل برصاصة طائشة، مثل كثيرين قتلتهم رصاصة أو قنبلة يدوية تفجرت صدفة، في شارع، أوفي سوق مكتض، ولا هو جن، لينظم إلى حشد المجانين الذين يملأون نهارات صنعاء وليلها.
ليس من حكاية في هذه الرواية، على رغم أنها تعالج مواضيع يمكن تصنيفها بـ«الكبرى»، وإذا وجدت الحكاية، فهي متداخلة «لا يعنيها الوصول إلى نهاية معينة».
تستفيد روايتا «قهوة أميركية» و«تصحيح وضع» من الكتابة الروائية الجديدة «التي تجعل البناء والأصوات المتعددة واللغة والمراوحة بين الاستبطان وعين الكاميرا، وسائل للإيحاء والتشخيص والتسرب إلى ذاكرة القارئ ومخزوناتها».
حضر النص الروائي، الذي أنجزته الأجيال السابقة على جيلنا، غير منفصل عن الجو الثقافي العام، جو يسوده التقليد والبلاغة المستهلكة، والميل إلى الشعر العمودي تحديدا، ولئن حملت بعض تلك النصوص مضامين ثورية، فإن الشكل الروائي المتهالك أفقد فاعليتها وعمل على تحييدها تماما.
من المؤسف أن أكثر روائيين حاضرين بقوة هما محمد عبده ولي وزيد مطيع دماج، وكلاهما متوفيان، وحضورهما تكرس بقوة الموضوع وليس بجماليات لافتة. تفتقد الرواية اليمنية في كثير من محاولاتها إلى جماليات الرواية الحديثة، لم تتجاوز بعد البنى التقليدية إلى بنى أخرى حداثية من خلال التجريب الواعي واقتراح ممكنات سردية تقدم الحدث اليومي أو التاريخي في شكل فاتن وممتع. وأعتقد أن هذا هو المطلوب منا كجيل جديد تبرز فيه أسماء مثل حبيب السروري ووجدي الأهدل ومحمد عبد الوكيل جازم ومحمد عثمان وآخرين.
تغدو الكتابة بحساسية جديدة في أجواء طاردة، خليط من قمع المجتمع وسطوة الرقابة، وغياب القارئ النابه وانعدام النقد الحقيقي، الذي يواكب الكتابة الجديدة، تحليلا وتقصيا، وليس مديحا وتطبيلا،
إضافة إلى شظف العيش، خيارا يبعث أحيانا على السخرية.
لكنني في «تصحيح وضع» و«قهوة أميركية» راهنت كثيرا على الكتابة الجديدة، التي كانت بالنسبة لي حياة وهوية جديدة، فرحت استخدم التشكيل وتعدد مستويات السرد وتوتر اللغة وكثافتها، وأيضا حاولت الاعتناء بالوصف والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، مدفوعا برغبة وشغف قويين في الانسلاخ، من كل ما له شبهة بالرواية اليمنية التقليدية، التي ترسخت على مدار العقود الماضية.
أريد لكتابتي أن تعكس وعي الروائي، وكيف أرى إلى الرواية، انطلاقا من قراءة وتأمل واسع في المنجز الروائي العربي والإنساني، أحاول أن أستفيد من كل ذلك. الموضوعات القوية لا تستطيع أن تنهض وحدها بالعبء الروائي. الآن بالإمكان من خلال فنيات روائية عالية، إضاءة حدث بسيط وهامشي بشكل عميق ومؤثر.
أجدني كل يوم أزداد إصرارا في السعي، في شكل مرضي، إلى اقتراح أجوبة، تتعدد وتتنوع، لسؤال: كيف تكتب رواية جديدة في اليمن؟
قد لا يتيح المجتمع اليمني إمكان وجود مثل هذه الرواية، لكن خيارات الكاتب وانحيازه إلى عزلته وإلى رؤاه الجمالية، تجعل ذلك ممكنا، وإن بمقدار كبير من الصعوبة.
 
أحمــد زيــــن
كاتب من اليمن

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …