أصداء

هناك أغنية اعتادت أمي أن تغنيها عندما كانت في عامها السابع أو الثامن, وكان جانب منها على هذا النحو:

إبتاع كعكات أرز في نجازاكي,

أشعل نارا في هايمي,

طهاها في ياجامي,

بردها في كوجا,

إلتهمها في كوياما.

كانت هذه الشذرة من الطفولة قد بقيت معها, وهي تغنيها الآن, محدقة في السماء. جلست على حافة الشرفة, وظهرها المحني يتأرجح مع الايقاع, وهي تغني: »إلتهمها في كوياما«.

يتسارع غناؤها, عندما تصل الى هذا البيت, كأنها تلتهم الكلمات التهاما. في غمار اصغائي لها, يمكنني رؤية مسافر يدس كعكات الأرز في فيه, قبل أن يكتشف أحد أنه حظي بها, ويجعلني ذلك أضحك, فتضحك أمي بدورها.

لست أدري هل كانت هذه الاغنية ذائعة على امتداد منطقة نجازاكي أم في منطقة إيساهايا على امتداد نهر هونمايو, حيث نشأت أمي. وما من أحد بوسعه أن يحدد كم عدد أجيال الفتيات الصغيرات اللواتي أنشدن هذه الأغنية, قبل أن تصل الى أمي وصديقاتها في حوالي عام 1907 أو نحو ذلك. ولكن يبدو أنها لم تعد صرعة رائجة. لم يعد الأطفال يصنعون كرات من قطع من الملابس القديمة والخيوط ويجعلونها تتقافز على ايقاع الأغاني القديمة, على نحو ما كانوا يفعلون عندما كانت أمي في طفولتها. في ذلك العهد كانت البنات الصغيرات تطلبن من أمهاتهن خيوطا متألقة الألوان مما تبقى من الحياكة, ويقمن بلفها مرارا وتكرارا حول حزمة من الملابس القديمة أو قطع من الملابس, الى ان تصبح لديهن كرة. وفي حدائق المعابد أو على جوانب الطرق كن يجعلن هذه الكرات تتقافز وهن يغنين. ومع كل بيت كانت هناك حركة يتعين القيام بها, وكل حركة اصعب من سابقتها, كن يغنين, »التهمها في كوياما« ويدحرجن مسرعات كراتهن الى أذيال أثوابهن أو أردانها. وعندما يتم أداء هذه الحركة, كن ينطلقن الى الخطوة التالية.

كان المسافرون على الطريق القديم من نجازاكي الى ايساهايا يتوقفون في هايمي, ياجامي, وكوجا خلال مسيرتهم على الطريق. وبالاضافة الى وصف هذه الطريق, فان الأغنية تصور استعداداتهم الخاصة بوجبة الغداء, حيث كانوا يشترون كعكات الأرز في نجازاكي قبل الانطلاق في المسيرة ثم يتوقفون عند احدى الدور لطلب قبس من نار المدفأة, وبعد طهي كعكات الأرز, كان يتعين عليهم تقليبها لتبرد قليلا. وقيل ان المسافة بين نجازاكي وايساهايا هي سبعة راي (حوالي سبعة عشر ميلا), هكذا فان المسافر الذي ينطلق من نجازاكي في الصباح يصل كوجا حوالي الظهيرة. وتصف الاغنية الرحلة على امتداد الطريق وصولا الى ايساهايا, لكن أمي لا تتذكر إلا المقاطع المتعلقة بالجزء الواصل حتى كوياما. أما الآن وقد امتدت طريق رئيسية من نجازاكي الى ايساهايا, فما أشد التغير الذي طرأ على تلك البلدات التي اعتاد المسافرون التوقف فيها.

ولكن في 13 أغسطس, عندما كنت في عامي الثالث في مدرسة البنات الثانوية, تعرضت للقنبلة الذرية, خلال عملي في مصنع للذخيرة في نجازاكي. في مساء 12 اغسطس, انطلقت أمي من ايساهايا لتبحث عني. كنا في مارس من ذلك العام قد غادرنا شنغهاي, وعدنا الى نجازاكي. وكنا عادة نستقل السفينة »شنغهاي مارو« او السفينة »نجازاكي مارو« اللتين كانتا تقومان برحلات منتظمة بين المدينتين اللتين تحملان اسميهما. وكنا نغفو ونحن نصغي للمحرك, الذي كان طنينه يشبه دقات القلب, وفي غضون اربع وعشرين ساعة نصل الى مقصدنا. ولكن في عام 1940 كانت الغواصات الأمريكية قد اغرقت السفينتين كلتيهما, ولم تبق إلا سفن قلائل تقل الركاب. وليلا ونهارا ظهرت الغواصات الامريكية على طريقنا المعتاد في بحر الصين الشرقي, ومضت تغرق أي سفينة يابانية بمقدورها أن ترصدها. وللعودة الى اليابان سالمين, كان يتعين علينا أن نستقل مركبا من بوسان, ولم تكن هنا الا طريقتان للوصول الى هناك, إما عبر الصين برا, أو على امتداد الساحل بالمركب وصولا الى يشينجتا ومن ثم إلى داليان, حيث نستقل القطار الى موكدن وأخيرا الى بوسان. وفي وقت حادثة شنغهاي وغيرها من معارك الحرب الصينية- اليابانية, كنت قد سافرت جيئة وذهابا بين شنغهاي ونجازاكي بالقارب مع أمي واخواتي, واستمتعت بالرحلات التي نمضي فيها على مهل, والتي كنا أحرارا خلالها في البقاء على سطح المركب وتنسم هواء البحر.

كان شهر مارس ذاك مختلفا, فقد كنا مواطنات بلد يوشك على الهزيمة في الحرب, وكنا نلوذ بالفرار عائدات الى وطننا الأم. وكان هناك حد أقصى للحمولة يصل الى ثلاثين كيلوجراما لكل شخص, اضطررنا لحمله بأنفسنا, وقد حسمنا أمرنا أخيرا على المضي عبر الطريق البحري- البري. ولكن الرحلة بالمركب من شنغهاي الى داليان وحدها استغرقت خمسة أيام, فيما كنا نسير على مقربة من الساحل ونختفي في ظلال الجزر. كانت رحلة مجهدة, وبعد وقت قصير بلغنا وجهتنا, وسقطت أمي مريضة بذات الجنب. وفي اغسطس, بعد اربعة اشهر قضتها طريحة الفراش, تمكنت أخيرا من النهوض والتجوال.

على الرغم من ان امي كانت لاتزال ضعيفة, من جراء مرضها الطويل, إلا انها قطعت مساحة الراي السبعة الى نجازاكي, ووصلت الى النزل الذي أقيم فيه في الثانية من بعد منتصف الليل, وقبيل فجر الثالث عشر من أغسطس. وإذ وجدت أنني لا أزال على قيد الحياة, فقد رقدت على الحصيرة, ونالت قسطا من الراحة دام ساعة فحسب, قبل أن تشق الطريق معي للعودة الى ايساهايا.

هكذا فإن أما متهافتة وابنتها التي كانت منذ القصف يعتريها بالتناوب القيئ والاسهال, وقد شحب لونها حتى غدا ضاربا الى الأخضر, انضمت الى الحشود الهاربة من المدينة الى ممر هايمي. أشرقت الشمس في وقت مبكر من صبيحة أغسطس, ولكن في الساعة الثالثة كانت الظلمة لا تزال تضرب أطنابها, وفي ضوء على هذا القدر من الخفوت, كان النمط الخارجي للجبال المحيطة مرئيا بالكاد في مواجهة السحب, ولم نستطع تبين أي من المدينة أو الناس. وبالضجة التي يحدثونها في الظلام وحدها أمكننا أن نحدد أن هناك هاربين معنا.

كان النزل الذي أقيم به يقع في جوتين- تشو, وهو قطاع من نجازاكي يقع على تل منحدر, وكان درج حجري يفضي الى حي المال والأعمال في الأسفل. وقد أقمت هناك بعض الوقت, وهكذا فانني كنت أعرف عادة من دون النظر أي الدرجات بليت ومدى ما حل بها, لكن قوة الانفجار قضت على أي شبه بما هو عادي, أمسكت بي أمي من معصمي, ومضت تختبر كل درجة بعناية بأطراف أصابع قدميها, وتبلغني بالموضع الذي توجد فيه شظايا الزجاج, أو أي الدرجات انهارت. ولكن حينما تخلت عني قوتي, لم أعد أكترث بمثل هذه الأمور, وتركتها توشك أن تحملني حملا.

عندما بلغنا هوتارو- تشايا, كشفت المدينة عن ذاتها صفوفا من الدور تتجلى في ضياء الفجر, كما بدت للعيان كذلك الظلال البشرية التي شعرنا بها في الظلام. وبعد ساعات من السير في الظلام تأوهت أمي قائلة: »ما أفظع هذا! « وذلك عندما شاهدت جموع الجرحى في أشعة الصباح الأولى.

كان هوتارو تشايا على الطريق المفضية الى هايمي. ويجتاز هذا الشارع كذلك هاما- تشو ويمر بالقرب من مزار سوا في قلب نجازاكي. وفي هوتارو تشايا يبدأ التصاعد نحو ممر هايمي الذي يفصل المدينة عن منطقتي هايمي وياجامي اللتين تشكلان محيطها الخارجي. وكل الطرق التي تخترق نجازاكي تتقارب عند ممر هايمي. والنفق الممتد تحته يشبه فم مغارة هائلة, وما إن تلجه حتى ترى المشهد العام يتغير من الامتداد الحضري الى الريف. وهنا وهناك لم يكن ثمة وجود لمصانع الذخيرة او الثكنات العسكرية التي يمكن أن تستهدفها قنابل العدو, وانما قرى الصيادين والمزارعين في هايمي وياجامي, خليج طبيعي تحف به رمال شهباء تتألق في الشمس, ودساكر جاثمة في الجبال مع أجمات اليوسفي وشجر البشملة الوردي. ولم يبد أن الهدوء الريفي يعد ضمانا لتجنب التعرض للهجوم. ولكن على الرغم من ذلك فقد أراد الناس الهرب قبل أن تزحف شمس الصباح على الجبال وتلقي بنورها على المدينة الجاثمة في الوادي الواقع في الأسفل. أعلن نثار المنشورات المتساقط من الطائرات الامريكية أنه في الثالث عشر من أغسطس سيتم اسقاط قنبلة أخرى من القنابل الجديدة على باقي نجازاكي, وهمسوا برقة في أذاننا: »اسرعوا الآن, اخرجوا بينما لا يزال الوقت متاحا أمامكم! «. وكان طريق الخروج الوحيد هو نفق هايمي. أما سكة حديد أوراكامي, التي تعد الفم الآخر للمغارة, فقد تم تدميره تماما. ولم تكن المسافة مما يستحيل قطعه, ولكن من أفلحوا بالكاد في الهرب من مقاطعة أوراكامي ناجين بحياتهم لم تواتهم الشجاعة للعودة.

تلاقت الطرق المفضية الى الممر, ولاح النفق للعيان, وتسارعت خطى أمي. وجذبتني من معصمي قائلة: »سأدعك ترتاحين عند الجانب الآخر«.

تدلت أعشاب من نباتات معترشة عبر فم النفق الفاغر. وتدلى في المدخل مصباح دائري لا يكسوه غطاء. حملت الريح التي مضت تهب من الممر معها الرمل وحبيبات خشنة, وبدت ساخنة من الحرائق المشتعلة في أوراكامي, والتي ظلت تتقد منذ التاسع من اغسطس. تأرجح المصباح الكهربائي في الريح, وربما بسبب سوء التركيب توهج وانطفأ ومضى فيما هو يتحرك على نحو أقرب الى التنويم المغناطيسي جيئة وذهابا, وبدا كأنه منارة للموتى, ولكن الناس غذوا السير نحوه, متعثرين في تجاوزهم أحد للآخر مضيا باتجاهه. وكان بعضهم قد وضع, على عربات جانبية مجاورة لدراجات نارية وعلى عربات جر, أقارب لهم أكثر تضررا من الحروق من أن يسيروا على أقدامهم, بطانيات, قدور, مقالي, وأغراض منزلية أخرى تكومت عاليا الى جانبهم. أما من لم يكن لديهم ما يحملون عليه مقتنياتهم فقد حملوا كل ما أمكنهم حمله على ظهورهم وربطوا قدورا ومقالي الى خصورهم بحبال. ولكن حتى مع قعقعة أجسامهم ودويها كأنها طبول مما يدرج في عداد الألعاب, فقد كانوا جادين أشد الجد في الابتعاد.

كنت وأمي الوحيدتين اللتين تقع عليهما العين وهما لا تحملان شيئا إلا غطاء رأس مما يقي من النار أسدل على الكتفين.

دمدمت أمي لنفسها قائلة: »بقدورهم ومقاليهم«.

ولجنا النفق حيث حملنا الجمع معه حملا. هبت علينا ريح باردة من الطرف الآخر, صادرة من البحر عند ياجامي. كانت ريحا رطبا, تنسمتها بعمق, مالئة رئتي بأول هواء رطب أتنسمه منذ وقت طويل. وإذ شعر الجرحى بالارتياح الآن لحجب أجسامهم عن السماء, فقد خرجوا عن صمتهم وشرعوا في التأوه متألمين. ولم تدم البرودة المنعشة الا لحظة, حيث اختلطت هبات من الريح حاملة رائحة الدم والصديد الكريهة مختلطة بالهواء المشبع بالملح.

مضى الضحايا المصابون بالحروق يتأوهون بصوت أكثر ارتفاعا كأنما رائحة الجروح الأخرى تزيدهم ألما على ألم, ارتدت أصوات قعقعة العجلات والقدور والمقالي مرتدة عن جدران النفق المحدودبة فملأته بضجة تشبه أحجارا تقعقع في علبة من صفيح. ولم يلزم الصمت الا من لم يصب السوء أجسامهم. دمدمت أمي قائلة: »تماما كالصينيين, مثل اللاجئين, بقدورهم ومقاليهم« راحت ترقب أبناء جلدتها وهم يهربون من نجازاكي, ومضت تتذكر الصينيين الذين طردهم الدمار الذي جلبته الحرب من شنغهاي. ولكننا كمن نشبه اللاجئين, بل كنا لاجئين. ولم يكن بمقدور أمي أن تعتقد أن اليابانيين يمكن ان يكونوا بالفعل هاربين وقد شدوا قدورهم ومقاليهم الى خصورهم, فقد عاشت في شنغهاي باعتبارها مواطنة من مواطني أمة مظفرة. وأيا كان مدى الاذلال الذي واكب رحلتنا في مارس الماضي عائدين الى الوطن, الا أننا نحن- اليابانيين- كان بمقدورنا أن ننظر الى أنفسنا باعتبارنا المنتصرين. وعندما بدأ القتال, كان الصينيون دوما هم الذين يهربون بقدورهم ومقاليهم. وإذ أقامت أمي وأصدقاؤها اليابانيون, المنتصرون, في بلاد ليست ببلادهم, فقد كانوا أحرارا في مشاهدة الآخرين وهم يلوذون بالفرار بعيدا. وهكذا فانه في ذهنها أصبح الصينيون واللاجئون يعنون الشيء ذاته. ولم يبد هذا لها إلا أمرا طبيعيا,لانها لم يحدث أن اضطرت قط للهرب في حياتها, وانما الصينيون هم الذين اعتادوا ذلك. فحينما تحل الحرب برحاب شنغهاي كانوا يحزمون امتعتهم ويربطونها بحبل ويلقونها على أكتافهم أو حول خصورهم وينطلقون نحو الداخل. وقد ضحكت أمي عندما أبلغتنا كيف أن الصينيين  قد تحركوا أسرع من الصحف والمذياع  خلال حادثة شنغهاي والحرب الصينية – اليابانية. وربما لأنني نشأت وأنا أصغي إليها, كان لدي بدوري المفهوم البسيط القائل ان الصينيين هم وحدهم الذين يهربون. ولكن على العكس من أمي فقد رأيت حشودا من الناس تعدو في غمار سحب الرمال الصفراء التي هبت على المدينة كجزء من الطبيعة الصينية. وتماما كما تحدث أوراق الشجر حفيفا عندما تتخللها الريح وترف الطيور والفراشات منطلقة في الهواء مع مرور المواسم, فإن هذه كانت ظاهرة تحدث في بداية الموسم المسمى بالحرب.

لا تبدأ المواسم على الدوام بالطريقة ذاتها. وفي شنغهاي كان الثامن من ديسمبر 1941 مختلفا عن أي بداية موسم جاءت قبله. وقد كنت في ذلك العام في الصف الخامس. وعلى امتداد سنتين او ثلاث سنوات قبل اندلاع حرب المحيط الهادي في الثامن من ديسمبر, كان هناك حديث يدور في شنغهاي حول نشوب حرب بين اليابان وامريكا. وكان هناك أناس من كل ارجاء العالم.وباستثناء أكثر العمليات العسكرية سرية, مضت الاسرار الدولية تنتشر عبر الشائعات, ولم تكن تكهنات مبالغا فيها, وانما قامت على أساس ملاحظات لحركات الناس والتغيرات في المدينة. وعندما كانت الحرب على وشك الاندلاع, كان الناس في البلاد المعنية يغادرون شنغهاي الى أوطانهم. وجرى تدبر أمر رحيلهم سرا من خلال السفارات او القنصليات, ولكنك عندما تستيقظ ذات صباح لتجد ان الجيران قد رحلوا فجأة, فانك تحدث نفسك بأن تلك هي حقيقة الامر, فلم يكن هناك احد على قدر من الاستخفاف بالأمور بحيث يفترض أن الجيران قد انتقلوا فحسب. لقد كانت شنغهاي مدينة دولية, يساورك الشعور على الدوام بذلك, لكنك لا تحس بذلك على نحو أكثر قوة من شعورك به خلال مشاهدتك المراكب التي تدخل نهر وانجبو وتغادره.

عهد الى سفينة قيادة ما يسمى بالعمار الصينية التابعة للبحرية اليابانية, وهي السفينة »ايزومو« بحراسة نهر الوانجبو. وكانت سفينة عتيقة متداعية, ساهمت بدورها في الحرب الروسية- اليابانية, تبدو ثقيلة, عريضة المؤخرة, أقرب الى هدف ينتظر الاصابة منها الى سفينة حربية. وقد أرسيت على الرصيف الذي يحمل اسمها, على جانب هونجكيو من النهر, الذي كان خاضعا للحكم الياباني. وعلى الرغم من أن الرصيف كان محجوزا للبحرية اليابانية, إلا أن المراكب التي تعود للمؤسسات اليابانية, والتي حصلت على تصريح خاص كانت في بعض الاحيان تلقي مرساتها هناك بدورها. وعند ذلك الموضع كان النهر عريضا بصفة خاصة, وصعودا نحو المنبع كان ينعطف بشدة يسارا. ويمتد عبره جسر الحديقة. وعلى الضفة الأخرى كانت هناك المستوطنة الدولية, التي يقيم فيها البريطانيون, والامريكيون والفرنسيون وكانت دار الجمارك على مسيرة أربع دقائق أو خمس من الجسر.

أرسيت »ايزومي« مقابل دار الجمارك مباشرة, واذا رسمت خطا يصل السفينة بالجسر ودار الجمارك فانك ستجد مثلثا نحيلا يقع الجسر عند زاويته اليمنى, والجانب الممتد من دار الجمارك الى السفينة »ايزومي« يميل عبر نهر الوانجبو. وكان منزلي يقع على الخط المستقيم الممتد بين الرصيف والجسر. وكان المنزل الذي اقامت به اوكايو قريبا. وأوكايو هذه هي عاهرة يابانية شنقت نفسها. وبعد انتحارها اختفت العاهرات الروسيات البيضاوات الخمس او الست اللواتي كن يقمن معها, وغدا المنزل مهجورا. وكان أمامه مقعد خشبي, وبينما كانت على قيد الحياة اعتدت أن أجلس معها عليه ونحدق عبر الماء. كانت المراكب من كل أرجاء الدنيا, وبكل الاشكال والألوان تدخل الميناء. ومعظمها لم يكن يبقى طويلا. وكنت أمضي لرؤية سفن البضائع التي دخلت الميناء في اليوم السابق, وقد طليت بدرجة من اللون الاخضر يعيد للذاكرة أطيافا من البراري, غير انها سرعان ما تنطلق بعيدا. لكن السفينة »ايزومي« لم تتحرك قط, فما من مرة مضيت الى النهر إلا الفيتها هناك متشبثة بالرصيف. وفيما كنت أرقبها غدوت مقتنعا بأن بعض السفن تلتصق بشدة بالموضع الذي ترسو فيه, لكن ذات يوم اختفت عن العيان »ايزومي« التي يفترض أنها لا تحير حراكا.

ذهلت, كأنما أصابتني صاعقة, فمجرد حقيقة غيابها كانت مثيرة للدهشة بما فيه الكفاية, ولكنني لم أكن قد أدركت من قبل قط مدى رحابة الفراغ الذي كانت تشغله في النهر, لقد فقد الرصيف سيده, وبدا الوانجبو الذي امتد حتى الضفة الأخرى أكثر عرضا مما تصورت.

سرعان ما أصبحت السفينة التي اختفت من دون أن تخلف وراءها أثرا مثارا للشائعات بين صديقات أمي اليابانيات, فقد تساءلن عما اذا كان ذلك يعني الحرب, ورحن يرمقن في قلق سحب العاصفة المخيمة على أمريكا واليابان, وينتظرن عودة »ايزومي«. وجعلني سماع الكبار, وهم يتحدثون بأصوات خفيضة, عصبية, ولم أستطع حقا تحديد ما اذا كانت مخاوفي تضرب جذورها في الحرب التي بدت على وشك ان تبدأ في أي لحظة, أم في نفسي, ولكن بدا جليا أن احد اسباب هذه المخاوف يتمثل في أن السفينة لم تعد هناك, رافعة في فخر علم البحرية.

حتى ذلك الوقت, نادرا ما كنت أعي بنفسي باعتباري يابانية. ولم أكن أعرف الا القليل للغاية عن الحياة في اليابان, وسايرت على نحو مناسب للغاية الاطفال الصينيين الذي يقطنون في الحي الذي اسكنه. وكنا نلعب لعبة نستخدم فيها »الشطكوك« وهي فلينات مراشة بريش الدجاج, كنا نركل عاليا في الهواء بأطراف اصابع أرجلنا, وعندما أهزم كنا نتشاجر, وتصرخ كل منا في الأخرى, تماما كما لعبت أمي بالكرات المصنوعة منزليا, وقد تعلمت من صديقاتي الصينيات كيفية صنع ؛الشطكوك« من العملات النحاسية وريش الدجاج, وكنت أبصق كما تفعلن ذلك, فأعض شفتي كما تفعل شقائق البحر, وارسل البصاق عاليا من طرف لساني ليتناثر على ضحيتي.

كنت طفلة يابانية, لكنني طفلة نشأت في الصين, والتقطت الأساليب الصينية, وعلى الرغم من ذلك, فان غياب السفينة »ايزومي« قد جعلني أشعر, وان كان ذلك على نحو غامض, بعدم أمان الحياة في أرض أجنبية.

ثم عادت السفينة الى شنغهاي. هل غابت شهرا او اسبوعا  فحسب. ها هي ذي, كأنما لم يحدث شيء, راسية قبالة الرصيف. لقد تحدث اليابانيون عن انطلاقها في نهر اليانجتسي, لاجراء مناورات. وفي حدود ذلك الوقت نفسه كانت لجنة الترفيه عن العائلات التابعة لمؤسسة م. التي كان ابي يعمل بها تخطط لرحلة بحرية في نهر الوانجبو.

كان من المقرر أن تنطلق في السادسة صباحا, وان نلتقي على متن مركب مؤسسة م. الذي حظي بتصريح خاص للرسو قبالة الرصيف. كان الموسم هو بداية الصيف, وهو الوقت الذي تكسو فيه الاوراق الجديدة على الأشجار سطح الوانجبو بالخضرة.

في ذلك الصباح كنت واختي على متن المركب قبل الموعد المحدد بنصف ساعة. كانت هناك غمامة خفيفة تعلو الماء, وتزداد عمقا مع تموجات النهر الرقيقة. سمعنا مجاديف السفن الشراعية والقوارب ثم شاهدناها تبرز من الضباب وتعاود الاختفاء, وفي مدى نظرنا المحدود بدا الوانجبو مفعما بالحيوية مع حركة الصباح, ثم دوت صفارة من مصب النهر, ولم يكن هناك مؤشر بعد على قدوم السفينة, ولكن بالاستناد الى طول الصفارة, فانها لم تكن سفينة بخارية صغيرة كالمركب الذي كنا على متنه, ومع ذلك فان الصفارة لم تكن بالغة العمق بحيث تدوي في أعماق صدرك, مثل صفارة سفينة ركاب أو سفينة بضائع. وبدت الصفارة التي تشبه صرخة بالغة الحدة مفعمة بالتهديد. وتناثر طاقم مركبنا في المقدمة والمؤخرة, ومضوا يحدقون في النهر بحثا عن مؤشرات الخطر, وهتف أحدهم بنا  طالبا ان نتشبث بالحاجز.

اقتربت الصفارة مسرعة, ومضت الشمس تشرق, وتحول لون الغمامة في نورها الى البرتقالي, وبدأت تنقشع. وعبرها رأينا سفينة تنطلق مسرعة باتجاهنا. بدت مائلة للزرقة وصغيرة للغاية, ولها مقدمة مدببة على نحو حاد, تغوص عميقة في الماء وتنثر الأمواج على جانبيها, فيما هي تغذ السير في النهر.

أطلق الرجال على متن المراكب القريبة سيلا من اللعنات, وسمعنا صوت الارتطام الأجوف للزوارق الخشبية, فيما هي ترتطم أحدها بالآخر. لطمت موجات كبيرة الهيكل المعدني للمركب, ثم ارتطمت بالرصيف. أحدثت السلسلة التي تصل الرفاص بالسكان صوتا متنافرا أثناء القائها في الماء. وعندما اجتازت السفينة ؛ايزومي« أطلقت صفارة عالية بصورة خاصة- إما تحذيرا أو ايماءة اجلال- ثم اختفت, مخلفة في أعقابها أمواجا هائلة. ومضى العلم الأمريكي يرفرف عند مقدمتها. قال أحدهم: ؛تلك كانت سفينة حربية«.

كان الميناء مليئا بالمراكب الصغيرة, ولذا كان هناك حد أقصى لسرعة السير, فلو ان السفن عابرة المحيط أقبلت موغلة في النهر بالسرعات التي تنطلق بها في أعالي البحار, فان المراكب والزوارق التقليدية ستغرق. وكانت السفن الكبيرة تبحر باتجاه منبع النهر في هدوء, بحيث لا تثير أمواجا مزبدة, وعلى الرغم من ذلك, فان وزنها وحده كان يجعل سطح الماء مضطربا ومتلاطم المويجات. وقد تجاهلت السفينة الحربية الامريكية هذه القواعد.

في طريق عودتنا من الجولة في ذلك اليوم, رأينا السفينة الحربية الأمريكية راسية قبالة دار الجمارك. كانت مشدودة الى طافية حمراء في منتصف النهر, واستقرت الى جوار سفينة حربية بريطانية كانت قد وصلت قبلها. ووجهت كل منهما مقدمتهما نحو »ايزومي«.

تحركت سفينتنا الثقيلة, العتيقة, مجددا. ابتعدت قليلا عن الرصيف وصلا الى منتصف النهر, حيث وجهت مدافعها نحو السفينتين الحربيتين. الآن ها هي ايزومي تواجه السفينتين الواقعتين عند قمة المثلث الذي يصلها بالجسر ودار الجمارك.

مضت الشائعات التي دارت حول نشوب حرب بين اليابان وأمريكا تتحول الى شيء أكثر تحديدا. ولكن هذه المرة لم يغادر الصينيون المدينة. أقبل شهر ديسمبر, فمكثوا في هدوء بالمدينة, ولم يغادرها إلا الاثرياء للغاية بحثا عن ملاذ.

»الحرب على الأبواب  ألا ينبغي أن تبادرن بالرحيل? « وجهت أمي هذا السؤال الى جاراتها الصينيات, لكنهن اكتفين بالضحك ورددن, »كلا. اننا على ما يرام« كان من الغريب رؤيتهن على مثل هذا القدر من الرضا عن النفس. ومن خلال سلوكهن, خلص أبي وأمي الى انه سيمر بعض الوقت قبل أن تندلع الحرب. وخلافا لتوقعاتهما اندلعت حرب المحيط الهادي في الثامن من ديسمبر في ذلك العام.

في الثالثة او الرابعة من فجر الثامن من ديسمبر, استيقظت شنغهاي على دوي نيران المدافع. انطلقت أمي تعدو, صاعدة الدرج الى غرفتنا في الطابق الثالث, وفتحت بقوة ادراج خزانة ملابسنا, واخرجت افضل ما لدينا من الملابس, والتي نحتفظ بها عادة لارتدائها في المناسبات الخاصة. وقالت »ارتديا هذه الملابس« ثم اضافت »وابقيا تحت الأغطية«. لقد ارادت أن نكون مرتدين اكثر ملابسنا احتمالا وأطولها عمرا, إذا اضطررنا للمغادرة على عجل. صعدت وراء أبي الى السطح. وكان سطحنا الذي يعلو الطابق الثالث يطل على مشهد النهر بكامله. وخمن والداي اللذان كانا قد سمعا دوي المدافع وقت وقوع حادثة شنغهاي ان هذا الانفجار الذي وقع قبيل الفجر لابد انه قد صدر عن »ايزومي«. وطمأنتنا أمي عندما هبطت من السقف قائلة: »سيكون كل شيء على ما يرام. لم يحدث هجوم مضاد«. ثم قامت بتشغيل المذياع.

كان كل ما سمعناه هو طنين اشارة بث. تابعت أمي حديثها قائلة: »لابد أنها ايزومي. كانت هناك خيوط حمراء متألقة من نيران المدافع تنطلق مباشرة صعودا مع النهر«. ومضت تصف ما شاهدته. وبعد قليل هلت الأخبار. كما حسب والداي, كانت ايزومي قد أطلقت النار على سفينة حربية. وقد تم توقيت الهجوم ليتزامن مع قصف بيرل هاربور. وقبيل ذلك كان مبعوث عسكري قد أهاب بالسفينتين البريطانية والأمريكية أن تستسلما, ولكن البريطانيين رفضوا, بينما قبلت السفينة »أمريكا« الاستسلام. وهكذا فان السفينة التي أحدثت أمواجا كبيرة في قدومها الى الميناء أصبحت الآن في أيدي البحرية اليابانية, والسفينة البريطانية استقرت في قاع الوانجبو.

هل تمطر السماء دائما عقب جولة من القصف والقاء القنابل? في مساء التاسع من أغسطس, كانت السماء تنث نثيثا في نجازاكي. كانت القطيرات دقيقة للغاية الى حد أنها بدت كأنما هي رذاذ مع الغمام. وعلى الرغم من ذلك فان الرطوبة انسلت الى جلدنا, وأغرقت على مهل أجسامنا, فيما كنا ننتظر في الجبال توقف القصف. في الفجر عدت الى النزل الذي أقيم به وجففت نفسي بمنشفة جافة, ولكن جسمي سرعان ما ابتل ثانية.

تساقط المطر كذلك في صبيحة الثامن من اكتوبر. استمر العمل في المدارس الوطنية اليابانية كالمعتاد. سرنا في مجموعات مع اطفال من جماعات الأحياء المحددة لنا. في غمام دقيق للغاية بحيث لم نحتج الى مظلات تبعنا قائدنا المنتمي للصف السادس في شوارع شنغهاي المتوترة. كان هناك نطاق حربي مضروب حول الناصية. أوقفت مجموعة من البحرية متقلدة البنادق ذات الحراب جميع الصينيين الذين تثير حركاتهم الشكوك, ومضت تستجوبهم واحدا إثر الآخر. وجاب حراس مسلحون أرجاء المدينة في دوريات مؤلفة من مجموعات تضم كل منها أربعة جنود أو خمسة. وظاهريا بدت الأمور على قدر كاف من الهدوء, ولكن الوطء الثقيل لأحذية الجند تردد صداه في الشوارع.

عندما وصلنا الى الجسر الممتد عبر النمور الواقع قرب مدرستنا, توقف قائد مجموعتنا أمام الجنود الذي يتولى الحراسة, وجأر: »الى الأمام, سر«. تصلبنا, ودفعنا بأذرعتنا وسيقاننا مفرودة تماما, في تناسق مع أبداننا بكاملها.

هذا هو الموضع الذي أجبرت فيه أوكايو, التي نبذت من الجالية اليابانية لكونها عاهرة, على الاصطفاف مع الصينيات للحصول على تطعيمها ضد الكوليرا. ولكن اليابانيين الذين يعبرون الآن هذا الجسر ويختلسون النظرات الى وجوه الحراس فقدوا الثقة التي مكنتهم من ابعاد أوكايو من صفوفهم. ولم يكن الجنود يستثنون مواطنيهم, فكل من تساورهم الشكوك بشأنه يأمرونه بالتوقف بغض النظر عن جنسيته. وربما يمكنك القول إننا كنا نظهر ولاءنا لهم بابقاء أجسامنا متصلبة تماما ونحن نواصل المسير. كان الصينيون الذين يعبرون الجسر متوترين كذلك, بالطبع. ولكن الذعر لم يكن يستبد بهم, كما هي حال اليابانيين, ولم يحاولوا التفرس في وجوه الحراس. وعلى الرغم من أن هذا الجسر كان يزدحم بالصينيين اللاجئين كلما اندلعت الحرب, فانه ما من أحد كان يلوذ بالهرب في هذه المرة. وقد ترك الصينيون الذين بقوا بلا حراك على نحو عنيد والسفينة الحربية الامريكية التي انطلقت مسرعة بصورة حافلة بالتحدي صعودا في النهر تأثيرا أكثر عمقا لدى اليابانيين من السفينة البريطانية التي أغرقوها.

أجرى الاصطفاف الصباحي في فناء المدرسة كالمعتاد. وقفنا مرتجفين تحت المطر. بدأ ناظرنا ذو الشارب حديثه بالقول: »لقد سمعتم جميعا دوي القذائف هذا الصباح, ومن ثم فأنتم تعلمون بالفعل« ثم مضى فأبلغنا بانتصار »ايزومي« المجيد, قائلا: »هذا الانفجار سيكون الصدى الأكثر التصاقا بالذاكرة في حياتكم بأسرها. لقد انطلق وطنكم, اليابان, مستهلا معركة عظيمة الأهمية. ولقد سمعتم بآذانكم القذائف الأولى, وانتم انفسكم ستكونون جزءا منها«. ثم صاح: »تحيا الامبراطورية اليابانية العظيمة بانزاي«. ومد ذراعيه الى أقصاهما نحو السماء الممطرة. صرخنا رافعين أذرعنا: »بانزاي بانزاي بانزاي«. وفيما ارتطمت أذرعنا صعودا وهبوطا, فاضت اجسامنا انفعالا وإثارة.

عندئذ بدأ عزف مارش عسكري, ودرنا في الفناء على ايقاعه. وخلال سيري, رحت أفكر في نيران المدافع التي بلغت مسامعي قبيل الفجر. كنت قد شعرت بها في صميم صدري, ولكن أي »صدى أكثر التصاقا بالذاكرة« سوف تتركه في حياتي? تماما كما كان الناظر قد قال, اعتقدت أنني بدوري قد شاركت في المعركة, ويرجع ذلك في أحد جوانبه الى أنني كنت هناك عندما بدأت. غير أن الانفجار نفسه قد غاص غائرا في الغشاء الذي يكسو أمعائي الدقيقة, وبدأ يهزني من الداخل.

بعد أن اجتزنا هايمي وياجامي, وصلنا الى كوجا بعيد الظهر. كان المسافرون الذين أتت أغنية أمي على ذكرهم يخطون بسيقان أقوى وكان بمقدورهم قطع المسافة في خمس ساعات أو ست, لكن قطعها استغرق منا تسع ساعات. عندما اجتزنا نفق هايمي, تركتني أمي أرتاح عند قمة الجبل, كما كانت قد وعدت. ولكنها في غضون عشر دقائق أمسكت بمعصمي بقوة وغذت السير مجددا.

سرنا حتى كوجا بلا توقف. بدا أن أمي قد نالها الاعياء نفسه الذي غلبني. قالت: ؛لم يبق الا ساعة ونبلغ ايساهايا, فدعينا نتوقف ونستريح قليلا. عثرت على دار ريفية الى جانب الطريق. كانت الأبواب المنزلقة المواجهة للطريق مشرعة, كاشفة عن دهليز وراء غرفة رحبة يكسو حصير التاتامي أرضيتها. نادت أمي على أهل الدار لتبين ما اذا كان هناك أحد منهم, فخرجت عجوز ترتدي سروالا مخططا من طراز »مونباي« وأحنت رأسها محيية عندما رأتني وغمغمت: »لقد عانيت الكثير, يا عزيزتي المسكينة«. وحدثتنا كيف انه في مساء التاسع من أغسطس, فاض الطريق الذي يخترق كوها بحشود من اللاجئين من نجازاكي. وعلمت من الاستماع الى أقاصيصهم بكل ما حدث في نجازاكي.

تساءلت أمي عما إذا كان بمقدورنا شرب بعض الماء, مجتذبة المقطع الأخير في الحديث على طريقة أبناء ايساهايا. قالت العجوز, وهي تمضي بنا حول الدار الى حيث مكان البئر: »لقد كانوا جميعا يريدون الماء. لابد أن ذلك التألق الهائل كان حارا على نحو فظيع«.

كان الماء يتقاطر من دلو البئر العتيقة, متأرجحا برقة جيئة وذهابا. وقعقعت البكرة فيما المرأة تدلي بالدلو. صبت الماء في دلو أحدث عهدا, وقالت بلهجة ايساهايا »شربا ما طاب لكما«. ملأت أمي مغرفة الماء الموجودة بجوار البئر, ووضعتها بازاء شفتي , قائلة: »هلمي.. اشربي«. أمسكت بها فيما كنت أفرغها دفعة واحدة. ضحكت وهي تحدق في المغرفة الفارغة, قالت »الحمد لله«. ثم عاودت الضحك.

قالت المرأة لأمي, التي كانت تبلل منشفة في ماء البئر: »يقولون إن السوفييت أيضا دخلوا الحرب ضدنا الآن«. تجمدت يدا أمي. تساءلت: »السوفييت أيضا«. ردت المرأة: »صحيح. كل شيء مضى على غير ما يرام. إنها فوضى رهيبة. يبدو أنهم بسبيلهم الى إلقاء احدى تلك القنابل الجديدة على ايساهايا في المرة المقبلة. لذا عليكما التزام الحذر«. تنهدت أمي قائلة: »إلى أي مدى يتعين علينا الرحيل لنهرب? «. قالت العجوز: »أينما تمضيان للاختباء, ستحترقان حتى الهشاشة«. أضافت: »لم يبق أمامكما الكثير إلى أن تبلغا ايساهايا. لماذا لا تتوقفان وترتاحان قليلا? «. أشارت الى الدار في ايماءة ترحيب.

جلست على الأرضية الخشبية, مسندة ظهري إلى أحد الأعمدة, ومضيت أرقب الناس وهم يلوذون بالهرب على الطريق إلى ايساهايا. ومرت حشود لا نهاية لها من اللاجئين أمامي, معرضين لشمس الظهيرة التي تألقت في سماء زرقاء لا سحب فيها. مضوا يرمقون السماء بعيون مفعمة بالخوف. وكانت في أذني دمدمة انفجار تبعثرهم هاربين نحو الشجيرات. ومن كان بوسعهم المشي كان يتركون العربات الجانبية الملحقة بالدراجات النارية وعربات الجر الى جوار الطريق, والجرحى لا يزالون راقدين عليها, ويسرعون الى الخنادق أو يجثمون خلف الأشجار. وفي لحظة يغدو الطريق مهجورا, ولا يتناثر فيه هنا وهناك إلا الضحايا المحترقون على العربات. ورحت أتساءل عما اذا كانت هذه الكيفية التي هرب بها الصينيون. ولكن هؤلاء اللاجئين لم يكونوا بالقطع جزءا من المشهد الطبيعي.

ازدادت خطى الناس ثقلا, وملأ جر القباقيب الخشبية والنعال المتخذة من القش الهواء, مثل خشخشة نهش خنافس الأرض لجذور الأشجار والأعشاب. وتردد صدى القعقعة الكسول لعربات الجر في الأصيل الساكن. وانتقلت الأصوات من الطريق الى حديقة الدار والى جسمي. وبدأ دوي نيران المدافع المختزن هناك منذ طفولتي ذبذباته الكئيبة المنتظمة.

* كايوكو هاياشي هو الاسم الأدبي الذي كتبت تحته كايوكو ميازاكي (1930-   ) وقد ولدت في مقاطعة نجازاكي, وأقامت في شنغهاي الى أن بلغت الرابعة عشرة من عمرها. وكانت المدينة الصينية, كما هو معروف, واقعة تحت الاحتلال الياباني آنذاك. وبعد عودة هاياشي الى اليابان في ربيع 1945 التحقت بمدرسة نجازاكي الثانوية للبنات. وفي التاسع من أغسطس أصيبت بحروق, لدى تعرضها للقنبلة النووية التي ألقيت على المدينة, وذلك خلال عملها كطالبة مجندة في مصنع متسوبيشي للذخائر. وقد بدأت الكتابة في أوائل الستينيات, وفي عام 1975 نالت جائزة اكوتاجاوا المرموقة, وذلك عن روايتها »ماتسوري نوبا« أي »موقع المهرجان« التي تتحدث عن تجربة قصف نجازاكي. وقد أصدرت العديد من الأعمال التي تدور حول هذا الموضوع, وحول تجربتها في شنغهاي, وحياتها العائلية. ومن أبرز هذه الأعمال »شنغهاي« (1983) و»بيت في عالم ثلاثي الأبعاد« (1984). وهي تعد اليوم من أبرز الكتاب اليابانيين الذين تناولوا موضوع التعرض للقنبلة النووية في اليابان. وبقدر ما أعلم, فإنها بخلاف القصة الماثلة بين يدي القارئ لم يترجم شيء من أعمالها الى اللغة العربية من قبل قط. والقصة تنتمي الى مجموعة »زجاج مهشم, زجاج متناثر« الصادرة في 1978 والتي ترجمت الى الانجليزية في عدد مجلة ؛مانوا« الصادر عن جامعة هاواي في 2001 (المترجم).
 
أصداء
كايوكو هاياشي
لأول مرة باللغة العربية للرواية وهي من أكثر من الكتاب الذين تناولوا آثار القنبلة النووية على نجازاكي.
ترجمة: كامل يوسف حسين
مترجم من مصر

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …