ألان بوسكيه الشعــــر، الفعـــــل المنجـــــز سابق عن كلّ النيات…

ولد ألان بوسكيه في 28 مارس 1919، حاملا اسمه الأوّل أناتول بيسك بأوديسا في أوكرانيا، من أب شاعر كان أوّل من نقل أعمال «راينر ماريا ريلكه» إلى الروسية. ولأسباب عديدة انتقلت الأسرة إلى فارنا ببلغاريا حيث عاشت حياة العوز، مكتفية بموارد ضئيلة من ترجمات الأب، أو الدروس الخصوصية للأم في العزف على الكمان، أو عمل الأب أحيانا في أحد البنوك في العاصمة صوفيا، أو حتى المتاجرة في الطوابع النادرة أحيانا أخرى.
لقد كان الانتقال إلى بلجيكا محطّة هامة في حياة ألان بوسكيه الدراسية حيث تخرّج من جامعة بروكسيل الحرّة، كما أسس مجلّة أدبية في بداية حياته الأدبية، لكن مشاركته في الحرب العالمية الثانية والهزيمة المنكرة والمذلّة لبلجيكا ثمّ فرنسا دفعته إلى اللجوء إلى الولايات المتحدة ليساهم في جريدة «صوت فرنسا» لسان حال المقاومة الفرنسية متحمّلا مسؤولية سكرتير التحرير،إضافة إلى تأسيسه لمجلة أدبية، ممّا مكّنه من التعرف على عدّة أسماء أدبية مهاجرة إلى العالم الجديد في تلك الحقبة الأكثر اضطرابا وقلقا في تاريخ أوروبا الحديث، مثل الشاعر البلجيكي موريس ماترنيك، وجول رومان، وتوماس مان، وهرمان بروخ، وأخيرا أصبح صديقا لأحد أبرز آباء السوريالية العتاة أندريه بروتون.
انخرط بعدها ألان بوسكيه في أطوار الحرب مكلّفا بدراسة الدفاعات الساحلية للقوات الألمانية النازية من قبل القيادو العليا للجنرال إيزنهاور، مرافقا جيوش الحلفاء المطاردة لفلول الجيش الألماني حتّى برلين.
لم يستقر ألان بوسكيه في فرنسا إلّا في سنة1951 حيث شارك في عدّة منابر ثقافية شهيرة مثل LE MONDE و LE FIGARO خصوصا في ملاحقهما الأدبية، وفي «الأخبار الأدبية» و« المجلة الفرنسية الجديدة».
لم يحصل ألان بوسكيه، أو على الأصحّ لم يسع إلى الحصول على الجنسية الفرنسية إلّا في سنة1980، كما لو أنّه كان يتعمّد إنهاء حياته الحافلة بمحطّة أخرى تضفي على وجوده الشخصي والخاص طابعا كوسمبولتيا، هو البلجيكي جذورا ودراسة، والروسي الأوكراني مولدا، والبلغاري طفولة، والفرنسي هوى وتجنّسا.
في أشعاره التي نقدّمها نبرة شجن ممتزجة بالسخرية السوداء، هي بالأحرى مرارة شاعر عجوز لم يجد كيف ينهي قرنه العشرين سوى بالاعتماد على شكل أدبي قديم متهالك «السوناتا»، شكل يفترض نوعا من الغنائية الرتيبة، متعمّدا أن يجعل هذا القالب الأدبي المستهلك كثيرا، قادرا على تضمين مواضيع حديثة متسارعة ومرتبطة بالعصر. كما لو كان يريد أن يكون صادما بواقعيته المباشرة، ومطمئنا في نفس الآن حين يتّكئ على الأشكال الأدبية الجاهزة والمألوفة والمهادنة لأفق الانتظار مثل شكل «السوناتا». إنّ ثقل العصر يجعل الشاعر مضطرا إلى الالتحاق بالعالم الواقعي، ألم يقل هو نفسه بأنّ في الشعر، الفعل المنجز سابق عن كلّ النيات. وهذا بلا شكّ تواضع شاعر عجوز، لم تعد تتملّكه سوى رغبة أخيرة في مغادرة القرن العشرين بطريقة مسالمة جدّا تليق بشاعر في حجم حكمة وتواضع ألان بوسكيه. وفيما يلي :
* «القصيدة، صديقة كثيرة المطالب» سيرة ألان بوسكيه بقلمه.
* مختارات من كتابه الشعري: سونتات من أجل نهاية قرن.
القصيدة، صديقة كثيرة المطالب. سيرة حياة آلان بوسكيه، بقلمه.
 1- ما بين القصيدة وطابع بريد
الشعر في كلّ مكان. القصيدة في الكلمات وليست في أي مكان آخر. أستطيع أن أقول بأني ولدت بوعي بين القصيدة وطابع بريد. كان ذلك في «فارنا» المرفأ البلغاري على ساحل البحر الأسود سنة 1923. كان عمري أربع سنوات والدي ألكسندر بيسك، الشاعر القادم من روسيا هربا من الثورة، بلا موراد، والذي كان يمارس أعمالا صغيرة ويقتحم بصعوبة مجال تجارة الطوابع البريدية. في الماضي حوالي سنة 1907 كان قد ترجم إلى الروسية لمشاهير الشعراء أمثال ستيفان مالارميه، بول فيرلين، آرثور رامبو، إميل فيرهارين… كان يقرأ علينا الشعر أنا وأمي في الغرفة الوحيدة التي نسكنها. أستطيع القول بأني عرفت الشعر قبل النثر، وهذا لم يفارقني أبدا.
2- من البلقان إلى بلجيكا
في سنة 1925 قرر والدي بأنه ليس ممكنا تنشئة ابن في البلقان فرحلنا إلى بلجيكا، بلد أجداده. درست كما يجب اللاتينية والانجليزية والألمانية والرياضيات والتاريخ والفيزياء. كنت تلميذا مجدّا وجديا، وكنت أحتفظ للشعر بمحبّة سرّية ومنذ السنة الرابعة كنت أعرف كلّ مؤلفات شعرائي المفضلين في تلك الفترة من أواسط الثلاثينات: جيرار دونرفال، شارل بودلير، وبول فاليري. أعتقد بأنّي لم أغيّر وجهة نظري رغم أنّي كنت منجذبا إلى اكتشاف شعراء أكثر معاصرة، ومثل أيّ طفل في عمري كتبت نصوصا مقفاة وسطحية، وقلّدت خصوصا في البداية فرانسيس جيمس الذي كان يبدو لي حيويا وعاطفيا… اليوم لديّ أذواق أكثر تعقيدا.
3- الحرب
انخرطت في الجندية في العاشر من ماي سنة 1940، شاركت في الحرب بداية في الجيش البلجيكي، بعدها في الجيش الفرنسي. عرفت الذلّ والجوع في فرنسا الفاشية التي غادرتها سرّا في نهاية سنة 1941. وجدت نفسي في نيويورك سنة 1942 حيث أشرفت على إدارة الصفحات الثقافية للجريدة الديغولية «صوت فرنسا»، هذا العمل سمح لي بلقاء أكثرية الكتاب والعلماء الذين كانوا لاجئين في الولايات المتحدة الأمريكية، من بينهم ثلاثة شعراء شجعوني على الكتابة، إمّا بتأثيرهم المباشر أو بحضورهم القوي. أذكر من بينهم موريس مايترلينك، جول رومان، وعلى الخصوص أندري بروتون، هذا الأخير كشف لي عن طاقة الحلم والمظاهر اللاواعية للطبيعة الإنسانية. كان كذلك قد نشر لي أولى قصائدي المتميزة تقريبا، وكان عمري حينها ثلاثا وعشرين سنة.
4- الحاجة الماسة إلى الواقع
كنت منجذبا في البداية إلى الصورة والمجاز المعاصر، والاستعارة الغريبة نوعا ما· كان جول سوبرفيل وبول إيلوار بمثابة نموذجين لي. لكن هذه القريحة الغنائية والبعد عن العصر لم يكن لهما أن يستمرّا. فالأحداث التراجيدية والمأساوية كانت قد وضعت حدّا لكشوفاتي الفكرية. جئت إلى لندن صحبة الجيش الأمريكي منذ خريف 1943، وشاركت مشاركة فعالة في التحضير «للجبهة الثانية» داخل مقرّ القيادة العامة العليا. واتّضح لي أنّه من الضروري أن أتخلى عن السوريالية وأن أستخدم قصيدتي في الصراع من أجل الحرية. هكذا فهمت دوري حينما نزلت إلى شاطئ النورماندي من أجل مطاردة العدو حتّى برلين، حيث وصلت مع الطلائع الأولى للجيوش الغربية. حتّى لمّا استتبّ السلم تحدّدت مرّة أخرى هذه الضرورة بعد هوريشيما في غشت 1945. كان عليّ أن أنشد أو أن أبكي الخطر النووي، وكلّ ما كان يعلن عن تغيير في وضعية الإنسانية. وجودية جان بول سارتر لم تتركني غير مبال، فأنا بطريقة ما طفل للعبث، ومع ذلك أنا أطالب ببنوة أخرى: فإذا كان الإنسان يعيش حياة منقلبة وقلقة وفي السؤال المستمرّ، فإنّ عليه أن يتمكّن من التغلب على ذلك.
 5-فاعلية الأحجية
 هنا تدخلت بالنسبة لي منذ 1955 تقريبا فاعلية الأحجية، تلك التي لم أتوقّف عن تمجيدها منذ ثلاثين سنة، ليست بتلك الأحجية التي تنوّم الأطفال أو تحوّل أنظارهم عن الواقع. إنّها تفيد في التعويض عن الإحساس بالعبث· أليس لنا ـ نحن الشعراء ـ الحقّ في ابتكار علاقات جديدة بين الإنسان والكون، بين الإنسان والمادة، بين الإنسان ولغته، بين الإنسان والإنسان ذاته؟ أجرؤ على الاعتقاد بأنّ قصيدتي تسمح بهذه الإعادة لابتكار الإنسان خارج حدوده الجسدية والنفسية. إنّي أراهن على مصائركم، فلا العلم ولا المنطق بإمكانهما القيام بهذه المهمة، بينما القصيدة قادرة على ذلك، إذا ما كانت في نفس الآن بسيطة، مباشرة وطموحة.
 سوناتات من أجل نهاية القرن
 قصائد مختارة/ ألان بوسكيه
بورتريه لشاعرة
ليست بالدميمة ولا بالجميلة،
كانت تكتب أشعارا
 وبعد طول إلحاح،
كان الناشرون تباعا يعيدونها إليها
مرفقةً بالمجاملات المألوفة.
 كانت ترسل أيضا قصائد غنائية فاترة
إلى كبار شعراء العصر،
ولو راودت واحدا منهم الفكرة الساخرة جدا في الردّ عليها
 لكانت قد وهبته نفسها بكلّ ما تملك من منافذ
ومن حشايا ومن روح.
حريصة على إنشاد روائعه لحظة العناق.
ثمّ هكذا بفضل هذه اللمسة الربّانية
سيتجلّى وجهها الشاعري،
ودون أن نكذب على أنفسنا كثيرا،
لأنّ المفارقة التاريخية مقبولة في هذه الحالات،
 فقد كانت في نفس الآن، عشيقة
لبيغي ولكلوديل، ولأبولينير، ولأراغون
 دون إغفال آرثور رامبو، رغم ميولاته الشاذة.
بورتريه لرجل مهموم
 ينسحب إلى عمق ذاته،
معيدا التفكير في ضآلة كيانه،
أحيانا يفوّض أمره إلى الشجرة  التي توحي إليه بموقف.
في حدود ساعة،
 الرّمل هو بالأحرى الذي يؤثّر فيه.
جامدا يتذكر حبّا قديما.
الزمن، في ظنّه، يراعيه
رغم النسيان والدم المحبوس قبالة القلب.
سيكون أقلّ يأسا لو كانت له مثلا
صداقةُ حجر،
صداقةُ عصفور محتضر، أو رابية دافئة.
 يغمض عينا ثمّ الأخرى، كي يراقب نفسه  بغضب.
لا يكتشف شيئا ذا بال في رئتيه،
ولا في جوارحه التي يتجرّد منها على غرار قمصانه،
الواحدة تلو الأخرى.
 ذلك أنّ كلّ سكينة
كانت تبدو له مهينة.
بورتريه لمتطفّل
رمى الرّجل حبّات الفستق للحمام،
احتسى مشروبه الكامباري،
ترك عشرين سنتيما في الصحن الصغير،
تصفّح وثيقة،   
استنشق عبير وردة حمراء،
توعّد زرقة السماء بقبضة قوية،
غيّر ربطة عنقه أمام الزبونة غير المبالية،
أخذ جريدة لرهانات الخيول فوق الطاولة المجاورة،
ابتعد عن الحانة،
عاد في هيئة كثيرة الانزعاج إلى قبالة الكنيسة،
أهدى حلوى إلى التلميذة الجالسة على حافة النافورة،
رفع إلى فمه بقايا سيجار،
هزّ كتفيه، كي يمنح نفسه بعض الشجاعة،
ثمّ مرتجفا بالكاد،
سحب من جيبه مسدّسا.
الشاعر باعتباره أثاثا منزليا
ينتمي الشاعر إلى عالم الأجهزة المنزلية.
نعثر عليه بين مقصّ البستاني وعجلات المطاط،
بين الحنفيات والمسامير،
وفي الطابق الثالث على اليسار في المتاجر الكبرى،
حيث هو متوفّر بأثمان مخفّضة.
كلّ رؤساء رفوف المبيعات لهم دراية بطريقة الاستعمال.
وثمّة كتيب أزرق يمتدح مزاياه.
هو لا يشغل سوى حيّز ضئيل أقصاه متر مكعب في المطبخ.
النموذج الرّائع والشائع يتغذى على الرغيف
مع ربع لتر من النبيذ.
وفي بعض الأيّام المؤلمة أو المأساوية،
يمكن أن يسدي خدمات جليلة
ذلك أنّه اختصاصه،
هو نسيم ربيعيّ أخّاذ وعليل،
يقوم بنثره على الجدران، على آلة الغسيل،
وعلى الموقد، وعلى صندوق النفايات.
مردودية شاعر
إذا ما أحبطك الواقع، فشغّل لديك شاعرا.
هو أرخص من سائق أو راقنة على الآلة الكاتبة.
و إذا ما وجدك لطيفا معه،
فقد يحدث له أن يعمل أيضا بالمجّان.
اذكر له بلا مواربة
سنّك واسمك، ومكان ولادتك
وبعض التفاصيل الدقيقة.
و في حدود ساعة أو اثنتين،
سيكون قد اكتشفك من جديد،
بحياة أخرى،
بعواطف كلّها جديدة،
بشخص أنت عينه، مجهول لديك
ويقيم بداخلك،
أو يطلب منك الفراق.
هي باختصار روح عذرية،
لسنا ندري ما الأكثر حداثة أو أصالة منها؟
المؤكّد هو أنّه لا ينبغي لك الإفراط،
فالشعر بجرعات قوية مضرّ في بعض الحالات.
الأفضل، هو أن تختار لك شاعرا محلّفا.
تعريف الشاعر
لكي تصبح شاعرا ينبغي أن تكون غبيا.
فما أشدّ حمق هذا الفجر الذي يظنّ أنّه النور.
وكم هي بلهاء تماما هذه الحصاة البالية
التي تزعم أنّها ستوقف الفرس عن الجريان.
لكي تصبح شاعرا
يا للذكاء الذي ينبغي أن تتحلّى به.
 ذكاء أكثر من هذا الفجر الذي يعدّ لحظة مجيئه،
أو من ذاك الصوان الأنوف
الذي يأمر المهر بأن يخرّ بين يديه.
لكي تصبح شاعرا،
ينبغي لك أوّلا أن تحبّ حبّا مهذبا،
لكن فيه أحيانا الكثير من الغباوة.
هو حبّ الصخرة والمهرة،
النهار والضباب
حبّ القمر والأبدية،
حشود الناس والصمت.
ثمّ، كما هو الحال هنا،
الاعتراف بذلك ببساطة
مقرّا بأنّ كلّ كلمة هي أكذوبة.
تاريخ الشعر فـي 109 كلمات
كان من الواجب بعد جريمته الأولى
أن يجلد فرانسوا فييون حتّى الموت،
والمنافق راسين،
قضية سموم أو لا،
فقد كان من الواجب
أن يجبر على تناول سمّ الشوكران.
وذاك المنحطّ جيرار لابروني،
كان من الواجب أن يشنق
بدلا من يترك له ترف الإقدام على الانتحار.
و فرلين هذا الذي كان يضاجع الرجال،
كان من الواجب أن يموت في سجنه.
و رامبو
هذا الذي كان في سنّ حمل السلاح،
و الهارب من الخدمة العسكرية،
كان من الواجب أن يطلق عليه الرصاص.
و كوستروفسكي مخرّب لغتنا،
هذا الأجنبي
كان من الواجب أن يذبح رفقة شريكه اليهودي
ماكس جاكوب، طليعة اللوطيين.
وأنت أيّها الشاعر، اغرب عنّا،
إنّك تدنّس نثرنا.
مصالح ومنافع
إذا كان لديك قلب، فالأمر يسير:
قم بالدعاية له في المجلّات الأسبوعية والجرائد.
إن كان لديك، ولو بصورة غامضة
ما يشبه حلما جميلا بهسيس غصن
يتأثر هناك في الأعالي، على شجر الزيزفون،
فأخطر وسائل الإعلام.
إن كان لديك في زاوية ما من صدرك تنهيدة تختلج.
فلا تحتفظ بها أبدا لنفسك:
هناك سادة آخرون
يودّون التعرّف على إنسان بمثل هذه المشاعر الرقيقة.
وإن حصلت على متعة ما، فقم ببيع وصفتها:
فهذا القرن مولع بالمنتجات الجديدة.
إن كان لديك روح على هيئة لائقة
فإنّنا نوصيك بلجنة من الخبراء
ستبيّن لك كيف تجلب لك الكثير من المنافع.
القلب المجدي
علينا أن نعيد ونكرّر بأنّ القلب مضخّة.
و أنّه يغذّي الجسم، مثلما يغذي الدماغ والأمعاء،
حاملا الأوكسجين والدمّ المنعش.
وأهميّته تماثل أهمية محطّة القطار،
أو مخزن كبير.
وهو يستلزم العناية به،
مثل الحاسوب الذي اتخذ منه نموذجا.
كن حريصا على إيقاعه الذي يجب أن يبقى دائما على وتيرته
وعلى مستوى تجاويف القلب،
خذ حذرك من زحمته التي تشبه طريقا سيّارا
في أحد صباحات العيد الوطني…
ثمّة من يزعم بأنّ القلب، في بعض الأحيان
هو موطن الآهات والأحاسيس الغامضة
و لحالات العشق المنفلتة.
و تلك، لعمري، افتراءات
تعود أصلا إلى القرون الوسطى.
نقد ذاتي
لم أتحمّل عناء حبّ نفسي.
أعبر هذه الحياة مثل سائح بسيط
مرغم على زيارة معالم غير مجدية:
من مصنع فارغ، من مركز بريد
ومن ملعب بلدي.
أراقب نفسي من بعيد
ولست أدري أهو تمرين سخيف أم زهو مفرط؟
مستغربا أحيانا من قلقي التافه
أو من خوفي الذي يزرع التجاعيد فوق الكلمات.
محبطا، لن أبلغ حدّ ازدراء نفسي
سيكون أمرا مجاوزا للمدى.
بيد أنّي أتساءل مع نفسي
حول هذا الجسد الذي يبدو كما لو أنّه يبحث عن هيكله العظمي،
عن هذا العقل المجوّف حيث الضباب كثيف
مثل جثمان ثور،
وعن هذه القصائد التي كان سيكتبها غيري
بحماس أكبر.
وضوح
في هذه الزحمة بين الفراغ والعدم،
هل ثمّة من متعة أكثر صفاء من التّساؤل
عن قرن مثير للريبة.
هل ثمّة من حبّ أكثر حمقا
من أن يفهم المرء أين يرحل الفضاء
وزرقة السماء،
أين يرحل الشكّ واليأس القديم؟
الرأس أسفل الأيدي،
هل ثمة من حاجة أكثر هوسا
من التحليل البارد،
ومن اجترار كلام يتمّ تفنيده بلا انقطاع:
هل ثمّة من خرافة
أكثر خداعا من هذا العقل بوروده الرصاصية،
التي تنتقل من كلمة إلى أخرى لتضيع
في الرّمال؟
هل ثمّة قدر أكثر عدالة،
من بين الكثير من الأسرار،
من أن تخضع على نفسك، كما لو على ثعبان،
تشريح السّعادة، بدلا من
أن تكون في الوقت ذاته
حلم الواقع، وواقع الحلم.
الشخصيات
إنّها في الصباح الباكر
تهجر الشخصيات كلّها الكتاب موطنها الأصلي،
 كي تهيم على وجهها في أيّ مكان
من شوارع المدينة السّاخرة   
وسط بشر من لحم وعرق.
يمكن للمرء أن يتعرّف عليها من نظرتها المرتجفة،
من أياديها المتّسخة بمداد الحبر،
ومن مظهرها الجانبي الذي يبدو حاملا بقايا من كلام.
هذه الشخصيات غير سعيدة بحرّيتها المباغتة.
فمن أين لها أن تجرؤ
على العيش في انسجام مع قدر زائف
هو حكر على أبطال المخطوطات؟
عند المساء
تعود في خفر وتلطّف إلى موطنها،
إلى هذه الصفحات الموزّعة بين النثر والشعر،
حيث تأمن الخطورة.
وهنا،
المؤلّف وقد زالت سورة غضبه،
يقوم مرتابا ومتسامحا في آن،
بردّها ثانية إلى الكتاب.
الميتة البسيطة
في هذا الصباح،
بلا تذمّر أو مرح،
كنت أحتسي قهوتي
حين قرأت في جريدتي خمسة أسطر
كانت تعلن موتي.
المفاجأة وقد زالت،
قلت مع نفسي لقد منحوني أخيرا الحقّ
في ألا أكون أحدا.
وهكذا شعرت بنفسي حرّا
في الذهاب حيث يحلو لي،
في أن أحبّ من أصادفه،
في أن أتصرّف دون أن أحفل بأيّ وازع.
في الحقيقة
أن تكون حيّا بعد الموت،
فكرة لاتخلو من جاذبية بالنسبة لكاتب عجوز،
والعيش خفية يليق بي مثل كفن باذخ.
وفجأة خطر ببالي سؤال:
لماذا لا أذهب يوم الاثنين إلى جنازتي؟
ستكون الورود جميلة،
وستنشد ممثلة قصيدة من قصائدي،
وسأقول لأصدقائي
كم أنا سعيد جدّا لفراقهم.
وعود
هذه المرّة، سترون
سنكون طبيعيين مثل لحاء الأشجار،
مثل البعوضة والعشب الأحمر
في نزالات الديوك،
هذه المرّة سنضع فكرنا العليل والمجنون
في المشفى
حتّى لا نحيا بعدها،
إلا بالعين والجلد
مثلما يحيا طير السمّان والصّخرة البريئة.
هذه المرّة،
سنقدر على سجن ذاكراتنا
في قفص رفقة الحيوانات الضارّة،
وسنكون أكثر صفاء من هذه اللامبالاة
التي توقف الرّيح وسط حقل الشوفان.
هذه المرّة،
سنبذل مجهودا من أجل أن نحبّ
من أجل أن نرضى،
وأن نكون جددا
أمام زرقة السماء التي تتألّم
أو الأرض التي تموت،
بالالتفاف على حاجز حساباتنا الثرثارة،
وأفكارنا السّامة.
لمحة على التاريخ
هل كان الإسكندر العظيم يتناول حبوبا
مضادّة لألم المجد؟
هل كان كريستوف كولومبوس
يحمل معه في رحلاته عبر البحار المريبة
بوليصة التّأمين؟
و شارلمان
هل كان يجري مقابلات تلفزيونية
و هو على صهوة جواده، فوق جسر الأركول؟
هل كانت لبونبارت مهدئات لأعصابه الثائرة؟
وجيروم بوش وهو أمام حديقة الملذّات
هل كان يطلب مساعدة من حكومته؟
وأرثور رامبو، في جحيمه الحبشيّ
مهزوما بالغرغرينا ونوبات النثر،
هل كان يدفع ضريبة على خلاعته؟
ونحن الذين لم نعد نريد تحمّل أقلّ مخاطرة،
لعجزنا اسم هو نعمة الحظوة.
الفضائل المستورة
في هذا المساء،
ما أكثر الحبّ العاطل.
المدينة بطنها يتوجّع،
والرجال المحبطون
لا يدرون هل عليهم أن يدخلوا السينما
كالولوج منتحبين إحليل امرأة.
و النساء   
يتساءلن لماذا يذبن دون توقّف
أسفل جسد مجهول تنبعث منه رائحة المستنقعات.
و الأعياد كلّها مبتلّة،
الشوارع
 صارت كلّها رخوة من شدّة البخل.
العابرون
يجتثون ظلالهم،
أترى من أجل أن يمكثوا وحيدين رفقة قلقهم،
الذي يشبه نحلة ما تدخل من الأنف، وتخرج عبر الفم؟
فيما المدينة تستدير باصقة عظامها
على الرّوابي الجوفاء،
و على النجوم الفارغة.
في هذا المساء،
ما أكثر الموت العاطل.
حيـــــاة
في العشرين كنت أرغب في تغييرالكون
دون أن تهمّني الوسيلة ولا الغاية.
في الخامسة والعشرين كنت منتصرا:
الالمان  راكعون أمامي،
فرنسا تحرّرت والنساء في سريري.
في الثلاثين كنت أنوي منح الشعب السعادة،
كان لي قلب أكبر من نهر فائض.
في الأربعين،
مثل كلب بئيس يرجع عظما،
كان على قصائدي أن تجلب ليّ المجد.
في الخمسين تكفيني
و بلا مداورة،
متعة الرّفاق، الزوجة،
ترضيات الجسد، وشباشب الرّوح.
في الستين، سيكون لي صرير الأبواب،
كي ألفت إليّ انتباه الشباب
أنا الذي لم أعد سوى مصران وضيع.
ابتـــــزاز
إنّها دائما نفس الحكاية القديمة:
لشاعر في شبابه يرغب في تغيير الناس والعالم،
وكلّ ما بحسبانه يحدّ من عبقريته.
إنّها دائما نفس الحكاية القديمة:
حين يصبح راشدا
يسرّ الشاعر في نفسه أنه الوحيد القادر
على حبّ الشعب، ومنحه السعادة
بإرغامه على قراءة واحدة من قصائده.
إنّها دائما نفس الحكاية القديمة:
قلّ الإعجاب والإصغاء إليه،
آنذاك ماداموا يقاطعونه،
فسيجعل من نفسه شاعرا
غامضا يكتب إلى الأجيال القادمة.
إنّها دائما نفس الحكاية القديمة:
يكتب عن الموت معتقدا أنّها ستفهمه
الأنهارُ، والضفادعُ المذهولة
و المذنباتُ البعيدة.
إنّها دائما نفس الحكاية القديمة:
قصيدته
ليست سوى ابتزاز.
معلوميــــات
شفرات الحلاقة تقطع الكلمات إلى شطرين.
من أيّ فم نخرج؟
الكون عبارة عن طائرة بوينغ ضائعة في ضباب الفجر.
إنّنا لا نحبّ شيئا في عصر المعلوميات.
يكفي أن نتوقّع الكواكب حبلى.
الغانيات لم تعد تمنح مواعيد للشعراء الثرثارين.
لمن يرغب في الفهم
سيتلقى ضربات في البطن.
الروح كلب غال جدّا:
فلنرم إليه بشطيرة سندويتش…
الحنين مختوم بالشمع الأحمر.
نحن من أجل مجد الشكّ
نصوّر شريطا سينمائيا أطول من ضجرنا،
من ذا الذي مثل بنك
سيفرغ عيوننا التي بلا رصيد؟
وحتّى قمّة الجبل المقدّسة
تتعاطى حبوب منع الحمل،
و لنتحبل أبدا.
كاتب ومترجم من المغرب

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …