ألغاز الغابة

فاروق يوسف

تعلم الغابة النسيان.
كلما دخلت إلى الغابة خُيل إلي أنني كمن يُبتلع. كمن يُسحب مشدودا بحبال متينة، غير مرئية. هناك قوة هائلة تجذبني إليها وعصف قوي يدفعني في اتجاه نقطة كانت تتشكل تدريجيا أمامي. نقطة كثيفة ولينة، بُنية مخضرة، تدور حول نفسها وهي ترتجف. كل جزء منها له لمعانه الخاص الذي يهبه نوعا من الحضور الطاغي الذي يخطف البصر. ومهما قيل عن الإجراءات الوقائية والاحترازية التي يقوم بها المعنيون في شؤون الغابات من أجل أن يكون المرور في طريق الغابة آمنا وأن لا يعكر صفو هدوئها حدث جارح فإن الغابة تفرض على المرء شعورا بالخوف، قد يحتاج المرء إلى شيء من الشجاعة لمواجهته. وهنا لا أقصد الشجاعة التي هي نقيض الجبن، بل هي القدرة على التوازن الذاتي والامتزاج المنصف بما يمكن أن يقع كل لحظة خارج ما نتوقعه. ولأن الغابة تظل بلادا غير مأهولة، مظهريا على الأقل فإن كل ما يقع فيها يعتبر من ناحية تاريخه جديدا. لا يتكرر شيء من وقائعها. كل شيء يقع منضبطا وفي مواقيت محددة غير أن غموضه يجعله كما لو أنه يحدث لأول مرة. من الأصوات إلى الروائح مرورا بحفيف الورق وتهشم الأغصان واهتزاز الأعشاب الصغيرة واخضرار الصخور القديمة. هناك دائما عالم يتهاوى وعالم آخر ينهض من نومه. ومهما كانت الغابة صغيرة فإن سعتها لا يمكن أن تقارن بسعة أي شيء يمكن الاستيلاء عليه بنظرة واحدة. فما من نظرة يمكنها أن تقبض على شريط واحد من المرئيات المتعددة. ذلك لأن فعل البصر سرعان ما يجد نفسه غارقا في بركة متلاصقة من الطبقات التي يشف بعضها عن البعض الآخر. هناك نوع من الأخضر الذي يخاله المرء معتما، ما إن يسقط عليه شعاع نظرة حتى ينفتح فتتلاشى عتمته لتحل محلها درجات من الأخضر متفاوتة في قوتها، غير أن كل واحدة منها لا تبقى ثابتة في مكانها. تموج ساحر لا يصلح سوى أن يكون منجما لصبغات يتناثر غبارها ما إن يقترب منها أصبع عن طريق الخطأ. لم أكن إلا ذلك الخطأ. كنت أنصت إلى وقع خطوتي. هل كنت موجودا هناك حقا؟ كنت واحدا من تلك الكائنات التي كانت تتبارى في ما بينها لتكون مؤهلة للعيش في الغابة. لم أكن إلا كائنا افتراضيا. كنت الكذبة التي لن تعترف بها الغابة كونها حقيقة. أنا الرجل العابر. لقد ألصقت الأشجار على ظهري ظلالها. صار قلبي يستيقظ في الوقت الذي يبدأ فيه نقار الخشب عمله.
بعد مترين من بيتي أكون سيد الكائنات التي لا تشبهني. أشارك في أكثر الهذيانات شاعرية. نعمة إلهية تهبني القدرة على دوزنة الأصوات التي صارت تستقبلني بأنغامها. كما لو أن النداء كان موجها لي وحدي، أحث قدمي على المشي على أرض اسفنجية، تشترك الأعشاب الصفراء الرطبة والماء في تأليف تربتها اللينة. هناك من يخاطبني باسمي السري الذي لا يعرفه أحد من البشر. اسمي العالق بمنقار طائر صغير، صوته أكبر من جسده. أرفع رأسي لأتأمله. كم كيلومترا من العاطفة أحتاج لكي أصل إليك؟ المسافة بيننا تبدو شاهقة. لديك ما تفعله ولدي ما أفعله. غير التأمل، غير المشي، كان هناك ما يشغل جسدي بعيدا عن حواسه المباشرة. ستحل الروح مشكلاتها بطريقة خفية. قد يكون غريبا أن لا يحل التعب بعد ساعات من المشي. ولكن الوقت يبدو عاطلا. ما من وقت في الغابة. وبسبب ما تفرضه الغابة على المرء من عادات فقد استغنيت عن ساعتي اليدوية. لم يعد يقلقني أن معصمي لم يعد مطوقا بحزام الساعة. الوقت هنا يسقط مثل الأوراق التي لا تكف عن الضحك وهي تموت. أدوس على الأوراق الصفراء باطمئنان، من غير أن أشعر بإثم القتل. بعكس حذري من أن أدوس على حلزون، يمشي ببطء كما لو أنه لا يمشي. أهي رحلة العمر أيها الحلزون؟ لا أنثى ولا عائلة ولا ماض. وحدك تسافر في مسافة متر هي آلاف الكيلومترات مما نعد. بعدك سيكون قياس المسافات كذبة. تحمل بيتك مثلما نفعل ونحن نحمل بيوتنا من غير أن نتمكن من العودة إليها. بيوتنا هناك أما بيتك فهو هنا. غربتك تحل عقدة في صدري. أقف إجلالا لصبرك واستبسالك. أيها النبيل أعنّي على مقاومة قهري. لا يلتفت الحلزون. حياة كاملة تذهب إلى مصيرها الذهبي.
متأثرا بروايات هيرمان هيسه كنت أحلم في كتابة نص عن الغابة. ولم أكن أتوقع أن قدري سيلقي بي قريبا من باب الغابة، بعيدا عن باب بيتي الذي لن يغفر لي بلوطه أن يدي ما عادت تمحو عرقه. لقد بعُد بيتي بعد أن اختفت بلادي، فصار علي أن أعتبر كل متر يحط فيه جسدي بلادا عابرة وما من باب. أنام على سرير أظنه لآخر، سيأتي يوما ما ليطردني منه ويستلقي عليه كما لو كان أنا. ما الذي يجعل الساعات تركض كما لو أنها في سباق جنوني؟ تعلمني الأوراق الصفراء التي تسقط من الشجرة شيئا عن حياة كاملة، استنفدت خضرتها في خلق عالم جميل. عالم لا ينتمي إلى التاريخ الذي نتعلق به، باعتباره خشبة خلاصنا المنقذة. يحدثني الحطاب عن خشب الغابة الذي لا أراه. كان صاحبي قد انتقل بسبب مهنته إلى الضفة الأخرى. هناك حيث الموت يلهو سعيدا.
سأمر في كل مرة أدخل فيها إلى الغابة ببابها. يضحك اللؤلؤ في الفم. ولكنه باب افتراضي. ما من باب للغابة. الخرائط تقول غير ذلك. الطرق الملونة ليست لي. إنها حصة العدائين. لن أعد خطواتي. سأقع دائما في الخطوة التي لا تتذكرني. الخطوة التي لا تذكر بي. هو ذا باب لا يشبه بابا آخر. باب لم ألمس خشبه من قبل. باب للا أحد. في متر منه تزرع أحلامي شتلاتها. لقد كنت غائما فصحوت. كنت منسيا فتذكرت. كنت محمولا على أجنحة فاستقرت قدمي على أرض صارت تمسني بحنان الأم. لن يسألني أحد «متى عدتَ إلى البيت؟» في الغابة يشعر المرء كما لو أنه يعود إلى بيته، إلى رحم أمه دائما. يحيطني باب الخرافة بحكاياته. تسقط زهرة على كتفي فأشعر بفرحها. سعادتها تلتهمني. أنظر إلى الغيمة البيضاء. أتذكر ديك الجيران. كانت له صيحة بيضاء تصل إلى برج الكنيسة. أستعيد ذكرى العائلة. يحدق بي سنجاب بسخرية. كان علي أن أقف أمامه باحترام. لو أنني ضحكت لافتضح أمري. كان الكائن البري يأخذني إلى أرض خياله. «ألِيس أبعدي أرنبك عني» قلت للأوزة العراقية ما إن اقتربت مني وهي تظن أن كيسي كانت ممتلئة بالطعام. «هل تأكلين الكلمات؟» سألتها وأنا أفكر في الكتب التي كنت قد وضعتها في الكيس. أنا مثلك مرمي في آخر الأرض. أقرأ من أجل أن لا أفقد رأسي.
لقد مشيت من أجل أن أقرأ. تنظر إلي الأوزة بإشفاق.
أنت تكون أنا. أنصت إلى الأصوات الخفية وأعرف أن هناك من يلتقط أنفاسي على هيئة أصوات. للغابة أصواتها التي لا تقبل الاستعادة. تزدحم الخزانة بالأنغام. مَن يقوى على تذكر ما أملاه هذا الشتاء من اللعثمات في الشتاء القادم؟ لن تتعلم شيئا يا صديقي إذا ما فكرت أنك ستكون سيدا إلى الأبد. تتبارى المخلوقات في استعراض سعادتها. هناك دين لكل طائر، لكل نبتة، لكل حجر. أوهم نفسي أننا نصلي. مسجدنا، كنيستنا، معبدنا الكون. غالبا ما كنت أجد نفسي منغمرا في صلاة جماعة لا إرادية. هناك لغة صلاة تتسع للجميع، لا ينظر أفرادها جانبيا. لن يقول أحد منهم للآخر «قل لي مَن أنت؟ أقول لك مَن تكون» ستتبع مَن أنت مَن تكون دائما. أنا فائض. في الغابة لن يقول لك أحد إنك على خطأ. غير أن ذلك لا يعني أن المخلوقات التي قُدر لها أن تعيش في الغابة ستكافئك على اكتشافك العبقري. هل ترغب في أن تكون كائنا طارئا دائما؟ لن يطردك أحد من بيته. هنا كل البيوت مفتوحة. عليك أن تصدق ان الكرم ليس شرطا، بل هو أسلوب عيش. ابتسم تبتسم لك المخلوقات. لقد صرت أبله البحيرات. هناك من يدعوني إلى التصوير دائما. ابتسم من أجل أن تكون الصورة أحلى. تذكرت مصوري الهندي الذي كان كلما ابتسمت وبخني. «أريدك جادا. هذه صورة رسمية» كان يقول لي. ليته رآني وأنا أتجول بين دروب الغابة مبتسما مثل معتوه.
أتنفس هواء الغابة، محمولا على قدمين من حرير.
أنا أبي وأمي وديك العائلة وأخواتي والجيران الذين اختفوا بعد الحرب الأهلية. تتذكر جارتي البوسنية الجسر التاريخي الذي كانت تعبره كل يوم. «كانت بلادا رائعة» تقول. أنظر بعمق إلى عينيها. المرآة لا تكذب هذه المرة. زئبقها يحملني إلى بلاد الياسمين. لن أخبرها أن السوريات جميلات مثلها. سنتكلم عن الخير. ربما سقطنا في خطأ لغوي. تضحك جارتي. «كنا نلعب باللغة. الشعراء ملأوا المقاعد في المقاهي. كان لدينا في كل حي شاعر عظيم. غير أن اللغة لم ترحمهم» قالت.
كنا منسيين. في الغابة تذكرنا.
«أليس أبعدي أرنبك عني» كنت أقول لشبح جارتي البوسنية. لقد تسربت حياتي بين أحجار بيوت سراييفو المهدمة. كنت هناك كما لو أنني لم أكن في مكان آخر. أنا المسافر في عربتك. المنسي بين أدوات تجميلك. الضائع في حقيبتك اليدوية. أعثر على مصطبة لأنام. تأتيني الأحلام جالسا. لا يخلو الأمر من الخطأ. يسقط حرف هنا وحرف هناك فتصير البلاد متاهة كبرى. أتذكر كذبة بورخيس يوم ترك إمبراطور الصين تائها في الصحراء العربية. سيكون ذلك الإمبراطور رمزا لكل الضائعين. في الغابة يصدق المرء ولو للحظة في حياته أن هناك ما يبرر شعوره بالضياع. هناك منطق آخر. منطق يعتبره حيا، لكن في حياة أخرى.
كانت الكائنات من حولي تتنفس بعمق فيما كنت أفكر في الموت.
إلى أين تذهب كائنات الغابة حين تموت؟ مئات الكيلومترات الغابية مشيتها من غير أن أرى جثة حيوان أو طائر أو حشرة. لم أفكر في جواب علماء الغابات الذي قد يفسد خيالي. كنت أفكر بطريقة أخرى. ربما تستشعر تلك الكائنات دنو لحظة موتها فتخفي نفسها في مكان بعيد عن الأنظار. مخبأ آمن تعرف أن الأيدي المستفهمة لن تصل إليه. أمن أجل أن لا تفسد بالموت صورة الغابة تفضل تلك الكائنات أن تتوراى؟ أتخيلها وهي تجلس وحيدة، مفتوحة العيون، حريصة على أن ترى ذلك الشيء الغامض الذي قرر أن يضع نهاية لحياة صاخبة، قُدر لها أن لا تشبه أية حياة مجاورة. حينها هل تنقص الغابة أم أنها تملك نظاما لتعويض ما تفقده، مثلما يحدث مع الأشجار تماما؟ تخسر الغابة شجرة لتكسب مقابلها شجرة من النوع نفسه. شجرتان لا تتشابهان، فما من شجرة تشبه أخرى، غير أن الغابة لا تخطئ الطريق إلى أبنائها المختلفين. فهل يقع الشيء نفسه مع المخلوقات الأخرى؟ يولد غزال في اللحظة التي يموت فيها غزال آخر. يهبط طائر على رأس شجرة في الوقت الذي يغادر فيه طائر إلى الأبد. ما بال الحشرات تطير مجتمعة كما لو أنها في موكب عرس أو في جنازة؟ لقد رأيت آلاف الحشرات تفعل الشيء نفسه، من غير أن تكترث بمروري قريبا منها. إنها تعيش زمنها مبتهجة كما لو أن أحدا قد أخبرها أن رمل ساعة سعادتها في طريقه إلى النفاد.
ما من قبر يتسع لموت استثنائي. فأين يضع الطائر صيحته حين يموت؟
حتى الموت في الغابة يملك طابعا زئبقيا. ليس الوقت وحده.
حين تموت مخلوقات الغابة، تعود إلى مادتها اللينة لتمتزج بعجين التربة التي خرجت من أعماقها. تقبض على سر الخلق وهي تتلصص من أمكنتها الخفية على وقع خطوات كائن غريب، تواطأت معه على أن لا تشعر بمروره الخفيف. تنصت إليه وهو يوزع قهقهاته بين الجهات وتعرف أن شغفه بها لا يخيف. كانت حين يمرض ذلك الكائن فيتعذر عليه الحضور تشعر بالقلق. كان يهجس وجودها من غير أن يبحث عنها. عيناه سارحتان ويداه مسبلتان وفمه يصفر. لقد غزاها مثلما غزته. كانت العاطفة سلاحهما المشترك.
أفكر وأنا أخترق طرق الغابة أن هناك مَن صار يحرص على أن يراني كلما مررت. يضبط ساعته على خطواتي. سيمرض الوقت هناك لو أنني تأخرت. كم يستغرق تأمل سروة من الوقت؟ كل إبرة هي مخطوطة أنسلُ إلى صفحاتها لأمتزج بحبرها الذي لا يزال دافئا. لا أقف لكي أتأمل بل لأبكي. هذه الأم العميقة في حنانها، العاكفة على أبنائها، تهبني مناخا شتويا. لو سألني أحدهم «كيف الطقس لديك؟» لأجبت «أشعر بالبرد اللذيذ» حتى لو كان الفصل صيفا. في الغابة شيء من توازن الجنة. في الشتاء لا يشعر المرء في الغابة بالبرد الذي يشعر به في شوارع المدينة أو حتى في بيته. الثلج نفسه ودرجة الحرارة نفسها غير أن هناك دفئا ينبعث من حنو الكائنات هو ما يجعل الأمور مختلفة.
لا بأس. لن أتحسر على ما خسرت من العمر، قبل أن تطأ قدماي أرض الغابة.
في الغابة ينسى المرء عمره الأرضي.
يقول الإحصاء الرسمي إن هناك أكثر من نصف مليون مواطن أسوجي يعيش في الغابات. لقد رأيت عددا منهم، بل إنني كلمت بعضهم، وأتيحت لي فرصة شرب النبيذ أو القهوة مع بعضهم الآخر. كانوا بطريقة أو بأخرى شعراء وموسيقيين وروائيين ورسامين، حتى وإن لم يكتبوا أو يرسموا أو يؤلفوا قطعا موسيقية. ولكن من أين تأتي الحكايات وسط العزلة التي يحرصون على سقاية نباتات جدرانها بنظراتهم الصامتة؟ كنت كلما التقيت إنسانا غابيا أُفاجأ بتدفق الكلام المؤنس والموحي. إنه كلام لا يشبه أي كلام آخر. فيه عذوبة ورقة وصدق وتفاؤل ورقي لا يمكن للمرء أن يجدهم مجتمعين في ما يسمعه من كلام يومي في محيطه المديني. كنت كلما خرجت من بيت أحدهم أردد مع نفسي الجمل ذاتها، وهي جمل لا معنى لها على المستوى الواقعي. كأن أقول «كان نبيا، كانت قديسة، كان شاعرا، كان عزفا كنسيا من باخ، كان سيزان حاضرا بقوة إنشاءاته»
ذات مرة عثرت على بيت يقع على الماء.
«منذ مائتي سنة بنى أجدادي هذا البيت. كان مستقر العائلة. عشت طفولتي كلها فيه» قال لي ساكن ذلك البيت. «قبل ست سنوات انفصلت عن زوجتي فقررت أن أعود إلى العيش فيه، فأنا الوارث الوحيد»
«إذًا، أنت تعيش وحدك؟» كان سؤالا غبيا، هز الرجل رأسه نافيا أن يكون وحده. «هناك مئات الكائنات تشاركني العيش هنا. لن أحدثك عن الأشجار والأعشاب والغزلان والأفاعي والقنافذ والأسماك والسناجب وغيرها من الكائنات التي كنت قد رأيتها، ولكني أحدثك عن أبطال روايات ديستوفسكي وهمنغواي وفلوبير وفوكنر وسترنبرغ، عن أصوات موسيقى بيتهوفن وفاغنر وفيفالدي وروسيني. أنا محاط بالأعزاء من كل جانب يا صديقي. وقتي ممتلئ بالأحداث كما رأيت» كان رجلا مسنا، غير أنه لم يكن ينتظر الموت. كان ينتظر زرقة الفجر ببراءة طفل.
يومها خرجت من بيته وصرت أدخن.
هل تجلب الغابة سكانها من كواكب أخرى؟
ما إن ألتقي أحدا منهم، حتى أكون مضطرا إلى تأمل قوة المعنى في الحياة التي يعيشها، منفردا بنفسه، محيطا بنزعاتها وأهوائها، قادرا على مواجهة مرآتها بجرأة ذئب. ماذا يحدث لي لو أنني وضعت نفسي مكانه؟ كنت أتساءل كلما غادرت بيت أحد من سكان الغابة. كان علي في البدء أن أتخلى عن كل عاداتي السابقة، فللغابة عاداتها. بعدها يمكنني ببطء أن أتماهى مع الطبيعة، لا في صفتها مزارا بل باعتبارها أمًا ومعلمة بل ونبعا لأسرار إلهية لا يمكن الكشف عنها عن طريق اللغة العادية. هناك لغة تقع مثل آثار أصابع غريق في الهواء بين شجرتين، في المسافة التي تفصل بين الماء وخريره، على رفيف الزقزقة. لغة هي المزيج الكوني ما بين ما نستطرد في الكلام، بحثا عن أسباب ارتباكنا أمامه واللعثمة التي يتركها ظهوره بين شفاهنا وبين ما نستسلم بين يديه مباشرة، حين نشعر أن كل الأبواب قد أغلقت أمام حواسنا ولم يعد أمامنا سوى أن نستغيث بقوة جانبية، لن تكون رؤيتها جزءا من الأمل الذي نصبو إليه.
لغة الغابة هي أشبه بتميمة تركها الساحر معلقة بباب كهف تسكنه الشياطين والملائكة معا. يُخدع المرء بصممه إن استرسل في إعجابه بصمت الغابة. لا لشيء إلا لأن الذبذبات الصوتية هناك لا تحدث صخبا. ولطالما شعرت أن اللغة الصينية هي أقرب اللغات إلى لغة الغابة. تقطع غريب في الجملة تملأ فراغاته الشهقات. شيء كثير من الحب يفرغ آهاته في أباريق مصنوعة من الماس الذي يتلذذ في صنع أبعاد جديدة له في كل لحظة نظر. لغة الغابة لا تختزلها أصوات النداء وحدها، بل تدخل وقائع كثيرة في تشكيلها. هناك من يتنفس. هناك من يهذي. هناك من يجامع، هناك من يصلي، وأخيرا هناك من يحلم. أزعم أنه لا ماضي لهذه اللغة، وأنا أعرف أنني أضلل الحقيقة. ذلك لأنني لا أقول ما أعرفه، فأنا لا أعرف شيئا. ما أقوله هو ما أفكر فيه وأنا أشعر بنوع من الهيجان العاطفي، كان يصل بي أحيانا إلى الصراخ وأنا أنصت بخشوع إلى الأناشيد التي كانت تتسلل إلى روحي، من غير أن أكون قادرا على فك طلاسمها. ليتني أمتلك واحدا بالمئة من ذلك النغم الجبار الذي كان يفتك بي.
في (هلستا همر) وهي قرية سكنت فيها قبل أكثر من عشرين سنة كنت أجلس على صخرة مبتلة، تقع على ضفة قناة مائية كانت تخترق الغابة. قدماي في الماء ورأسي تلمسه الطيور بأقدامها بخفة. مَن كنت يومها؟ كانت الأسماك الصغيرة تحيط بقدمي، تلمسها بزعانفها، فأشعر بلذة مَن تترك حورية على شفتيه شيئا من عسلها. أسمع صيحة فأرفع رأسي لأرى غرابا «لقد رأيت كل شيء» فأعرف أنه غريب مثلي. ستكون تحيتك يا صديقي تاجا على رأسي. ولكن عليك الآن، في هذه اللحظة البهية من عمري أن تصمت. كان الماء يبدل أسماكه مثلما يودع أمواجا ويستقبل أمواجا أخرى وكانت قدماي تسترسلان في أحلامهما الذكورية. سيُخيل إلي أنني ما تبقى من الطوف الخشبي الذي أنقذ به نوح معنى الخلق. كان الوقت يركن دراجته الهوائية على جذع شجرة ويقترب مني حافي القدمين. كانت الملائكة تهز شجرة كرز ، صارت حباتها الحمراء تتساقط على رأسي. ليس سوى الخريف مَن يفعل ذلك. ها هو يفتح كيسه ليخرج مارده الذي يسليه أن ينفخ هواء باردا تتساقط إثره الأوراق. كما لو أن هناك أحدا ينثر تلك الأوراق على رؤوس كائنات الغابة في احتفال يكاد يكون مجنونا. وكانت المياه تشارك في ذلك الاحتفال بصخب أمواجها التي صارت تغطيني لثوان بمرح الصديقات النضرات. كنتُ تمثالا محتملا، أمسُ وأُمسُ. كنت الضيف المحتفى به في دائرة صار قطرها يضيق. تذكرت حينها الفكرة التي تضع الخريف في قائمة الأسباب التي تدعو إلى الكآبة والشجن. كم يكون المذنب بريئا حتى بعد إصدار الحكم عليه. كان الخريف كذلك. لقد حملناه أوزار جريمة لم يرتكبها. يده التي تمحو ماضي الطبيعة الأخضر إنما تترك أثرا من أصباغها نادرا من نوعه. في لحظة بعينها تكتسب الغابة طابع الكون الذي يعاد تشكيله. تخرج الألوان كلها من مخابئها السرية، لتذكرنا أن ما رأيناه في أوقات سابقة لم يكن ليمثل إلا جزءا من الحقيقة، ربما هو الجزء الأصغر. كانت الألوان الجانبية تضعني في قلب بهجتها. الشذري، القرمزي، البنفسجي، البرتقالي، الزهري، البني، الأرجواني، الكستنائي، الجهنمي، النبيذي، التركواز، الناري وما لا اسم له من الألوان الأخرى.
النزهة في الغابة الخريفية كانت تعيدني إلى لحظات الخلق الأولى. يومها لم يكن قد تقرر شيء ما بشكل نهائي. في مرآة الطبيعة كانت الكائنات والأشياء تستعرض أشكالها المتحولة ليقع الاختيار بعدها على الأحلى والعملي والمتناغم والمنسجم والمختلف ومن ثم الكامل. كانت الحياة تتخذ هيأة مسرح لحياة لم تتشكل بعد. حياة هي في طريقها إلى أن تكتشف أشكالها. ليست الأشكال وحدها هي ما تبدو نضرة وتجريبية أكثر مما يتوقع المرء. الأصوات هي الأخرى ترتقي سلالم موسيقية لا تظهر إلا في الخريف. هناك روائح لم يشمها البشر من قبل تطير في الهواء. ألمس ورقة فأشعر أنها تتأوه، غير أنها وقبل أن تتهشم تطلق رائحة تغمرني برنين أجراسها. هو ذا العالم يشهد حفلة ولادته في خريف مبتهج مثل طفل. أصرخ فرحا «إنها الحياة الحقة».
غير أن هناك صوتا ينبعث من أعماقي يصرخ بي «كل هذا الموت من حولك ولا تريد أن تعترف أنك قد غادرت حياتك الحقيقية منذ زمن بعيد. يا لك من أحمق» لا ألتفت. أعرف من أين ينبعث ذلك الصوت فأغمض عيني.
ما لا يعرفه ذلك الشخص وهو أناي المغمورة بتعاستها أنني صرت أسير الهمس الذي يتسلل إلى أذني قادما من أماكن خفية. كانت الغابة مستودعا للأصوات الخافتة التي لا تؤجل غبطتها. وكنتُ أقيم في ذلك المستودع. كان من حسن حظي أني اهتديت إلى الباب الذي صرت كلما دفعته تتلقفني عاصفة من الأصوات الناعمة لتحملني على بساطها إلى عالم سحري، يقيم في مخيلة البيانو. هناك يجلس الأمل وهو ينصت إلى ما أبدعه من موسيقى بإعجاب. «لمَ تبكِ يا صاحبي؟ هنا لا يصح البكاء» يقول لي القنفذ وهو يقودني إلى بلاد، لطالما حلمت أن أكون من سكانها.
أبكي لأنني لا أزال أتذكر.
أبكي لأن الحنين وهو عدوي لا يزال ممسكا بثيابي.
أبكي لأن العشق لا يمكن أن يكون مؤكدا ما لم يقع الهجران.
سأضع بلادي على قارب من ورق وأغني «أيها النهر لا تسر/ انتظرني لأتبعك».
بين البصرة وبغداد يمشي قطار، كان دخانه يعمي القرى فلا يرى الفلاحون أشباح الأولياء الصالحين التي كانت تلتهم مثل الخيول سنابل القمح. كان العمى يتسلل إلى الأحلام، فتحضر نساء المستنقعات باعتبارهن كاهنات الزقورة السومرية التي وضع عليها الغزاة طائرة خشبية. أعبر ساقية لأكون بعد نهر الحلة في شارع الموكب الذي سحقته المدرعات البولندية. كان علي أن أغني بصوت عال لأصحو «يل الماشية بليل لهلك» كان ليل ابي الطيب طويلا.
تتسلقني موجة وأنا أفكر أن العمر لم يمض هدرا. كل ما عشته، كل ما فعلته، كل ما قلته كان يمهد للحظة أكون فيها غريبا. ها أنذا في الغابة الاسوجية وحيدا مثلما كنت في رحم أمي. البذرة تحت الأرض وحيدة. برج ايفل في باريس وحيد. الثيران المجنحة وحيدة. برج المر في بيروت وحيد. بلقيس في قصر سليمان وحيدة. الحلزون وهو يعبر مترا في الغابة وحيد. السياب على سرير موته في المستشفى الأميري بالكويت وحيد. إبراهيم في بئر يوسف الخال المهجورة وحيد. نحن نمشي إلى وحدتنا. يا لهول ما ستكتبه الوحدة عنا.
بعد الجسر الخشبي أجلس على حجر مبتل. مَن وضعه هنا؟ كما لو أن الانفجار العظيم قد حدث بالأمس. مثل فاكهة صامتة كان ذلك الحجر. في انتظار الرسام كان الحجر يقف صامتا. الضفادع تنق من الجهة الأخرى من العالم. خُيل إلي أنني كنت مرئيا. الله على الأقل يراني. ما أعظم فكرة من هذا النوع. في الغابة يخشى المرء أن يكون قد انتهى إلى الدرب الموحش الذي لا عودة منه ومع ذلك كنت أشعر أن هناك من يراقبني. «سأكون معك» أهدأ قليلا. غير أن شيئا من الفكرة لا يزال يستفزني. يقال إن كل هذه الكائنات تعبد الله. تصلي مثلنا وتسبح مثلنا بحمد الله. فهل هي مؤمنة؟ وبأي دين؟ أيحق لي أن أتبع ديانتها وهي التي تعبر البرزخ منعمة بدلال إلهي؟ كنت أغتبط وأنا أرى واحدا من تلك الكائنات الصغيرة وهو يقف صامتا من غير حراك. «إنه يصلي» أقول لنفسي وأبتعد:
سأكذب حين أتحدث عن الحرية.
ذلك المفهوم هو اختراع بشري يتحرر منه المرء ما إن يستقر قلبه في الغابة.
«أنا حر» لا تعني شيئا في الغابة، ولن يفهمها أحد.
لا تكتب الغابة رسائل إلى أحد. لا ماضي للغابة. لم أكن مريضا بالماضي، بالرغم من أنني لم أخف على أحد من كائنات الغابة ندمي على كل خريف عشته كئيبا. كلما أغمضت عيني كنت أتمنى أن تصاب أحلامي بالعمى. أدور في الدائرة نفسها ولا أصل. ذات مرة انتبهت إلى أن سنجابا كان يراقبني. نظرت إليه فاختفى وراء جذع شجرة. نظرت إلى الجهة الأخرى فشعرت أنه قد خرج من مخبئه وصار ينظر إلي. التفت إليه بسرعة فإذا به يسرع مرتبكا إلى إخفاء نفسه. وهكذا بقينا نكرر حركات اللعبة ذاتها، أنظر إليه فيختفي. يظهر حين يراني منشغلا عنه. كانت لعبة مسلية لكلينا. ولأني شعرت أن صديقي السنجاب كان مستعدا للاستمرار في تلك اللعبة العبثية إلى ما لا نهاية فقد قررت أن أضع حدا لها. ابتسمت له وكان قد اختبأ لتوه وأومأت له وأنا أقول «وداعا». يومها حملته إلى أحلامي باعتباره صديقا.
كانت الغابة قد نظفت أحلامي.
لم تكن رائحة الغابة لتطاق في البيت، على الرغم من أن بيتي في فستر فيك، وهي أشبه بجزيرة، لم يكن يبعد عن الغابة إلا أمتارا قليلة. كلما دخلت إلى البيت كنت كمن يهبط من كوكب بعيد. لذلك انتقيت من ثيابي ما صرت اعتبرها ثيابا لرجل الغابة. كنت أنزعها ما إن أدخل إلى البيت لأذهب مباشرة إلى الحمام وأقف تحت الدوش لكي أتخلص ولو مؤقتا من رائحة الغابة. لم أكن ثعلبا لأرضى في الذهاب إلى سريري ممتلئا برائحة الدجاج القتيل. غير أن روحي تظل تعبق بتلك الرائحة التي تخلص منها جسدي. وهو ما يظهر على شاشة أحلامي. كنت ذلك الملك الذي ينصت إلى حديث النمل فيضحك. كنت النبي الذي عاش في بطن الحوت الجزء الأكبر من حياته. كنت البدوي الذي عبث المراهقون بمزاج ناقته. كانت الحروب قد تركتني على قارب أزرق يطفو على مياه وردية. ابتسمت الأوزة لي وقالت «أنا عراقية مثلك. غير أنني قدمت من سيدني» أردت أن أخبرها أن هناك العشرات من أصدقائي لم يصلوا إلى سيدني. لقد التهمتهم التماسيح في البحر بعد أن غرقت مراكب المهربين التي كانت تقلهم. تنظر إلي بأسى.
أجلس على ضفة البحيرة من أجل أن أتعلم النسيان. شقيقاتي الأوزات العراقيات يحطن بي من كل جانب. أشم رائحتهن، فهل يفعلن الشيء نفسه؟ الغابة بلاد خلاسية.
لو قدر لك أن تولد في الغابة فستكون كائنا آخر، كائنا لن يرضى بمواطنة تكون حكرا على بلد بعينه. لقد التقيت بشرا في الغابة، هم في حقيقتهم ليسوا أسوجيين. لقد فرض عليهم أن يكونوا كذلك. إخوتهم يقيمون هناك، في القارات البعيدة وليس في المدن الأسوجية المجاورة للغابات. كانوا أجانب مثلي. ما يفرق بيننا شعورهم العميق بأنهم يقيمون على الأرض التي تستجيب لنداء أقدامهم. أما أنا فإن قدمَيّ لا تصلان إلى الأرض. لا تزال خطواتي تذكر بخطوات غريب يشبهني.
ناعمة ستكون أقدام الأيائل
في درب ضيقة وقف أيل أمامي. وجها لوجه ولم يكن هناك متسع للتراجع أو الهرب. «إلى أين تمضي؟» هل سألته أم سألني؟ كنا حائرين. كل واحد منا يريد أن يؤلف حكاية لصاحبه. كنا غريبين مرة أخرى. أحنى الأيل رقبته وانحرف عن الطريق لكي أمر. هل كان يضحك في سره؟ هل كنت أبكي في سري؟ في تلك اللحظة القلقة من عمرينا كنا نسابق شجاعتنا إلى الموت. لقد قرر الأيل أن يبقيني حيا من أجل أن تكون لحياته معنى. كنت أركض. لم ألتفت. ربما التفت الأيل إلي براحة. كان ضميره مرتاحا. ثلاثة أرباع اليأس يقيم هناك. لقد ذهب إلى نومه بحلم إنسي. سيستعيد ذكرى لقائنا الآسر كلما اضطربت أحوال الغابة بمرأى الصيادين. كانت حكايتنا مختلفة. سيكون حكواتي جاليته التي قد تعتبره رسول مخيلتها.
بعد ساعات من المشي في الغابة أذهب إلى نومي مطمئنا.
أحلم بمن يحلم بي. أنا رجل الغابة الذي ترتجله لحظة إلهام لتضعه في مكان لن يتسع لقدميه. أصدق أن تلك الكائنات قد عبرت الممر السري الذي يفصل بين لغتينا وصارت تحدثني باللغة المتاحة. لغة الغابة التي تجلسني على ورقة لتكتب من خلالي مخطوطتها. ليس شرطا أن تبتسم لكي يرى الناس سعادتك. سأبكي كثيرا من أجل أن تكون سعادتي ممكنة. ولأني أعرف أني أقترب من السطر الأخير فقد قررت أن أختتم المسألة كلها بحكاية. قال لي القنفذ «ادعت الضفادع أنني أقلق نومها بغنائي فقررت أن أصمت. صرت أغني في نومي. حين صمتُ ادعت الضفادع أنها لم تعد قادرة على النوم لأنني لم أعد أغني. أخبرني القاضي أن الضفادع قد أدمنت على غنائي ولم يعد أمامي سوى الاستمرار في الغناء من أجل علاجها»
فيما كانت الطائرة تهبط كنت أنظر إلى نيويورك من خلال النافذة وأنا أفكر في غابتي الأسوجية. كم كنتُ سعيدا هناك.

شاهد أيضاً

جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن …