أخبار عاجلة

أميرة مدهشة

هو البطن عما في داخله لا يبوح لكني لـ"لبنى" قلت:

"لو انه ولد سأسميه محمدا.. ولو انها بنت سأسميها هاجر".

و"لبنى" قالت لي:

"انت تريد ولدا ام بنتا؟".

قلت: – "هدايا الله كلها رائعة ".

وهي تحسست بطنها وقالت:

"أشعر انها بنت !!".

قلت 0- "هاجر !!" وضحكت.

***

انا على السرير مستلق وبين يدي الكتاب مفتوح. و"لبنى" جانبي تحيك فستانا صغيرا جدا.

وعلى المنضدة الراديو فيه ناس تتحدث. و"لبنى" عن الحياكة توقفت وتأوهت.. وبيدها قبضت على جنبها. انا تركت الكتاب ونظرت اليها.. ابتسمت وهي تقول: "والله بنت ".

قلت: "ولماذا انت متأكدة !!".

قالت 0 "البنت وديعة تكون حتى وهي في بطن امها.. بخفة تتحرك. اما الولد فانه شرس ويضرب بشدة ".

الراديو فيه ناس تتحدث. وانا ابحث عن الصفحة التي كنت اقرؤها قلت:

– "يا لبنى. عندما تأتي هاجر سأضع بين يديها هذا الاسد الواقف فوق المنضدة لتلعب به ".

"لبنى" انزعجت: "ستهشمه !!".

انا ضحكت وقلت: "هو هو هوى.. ما اروع ان تكون لي طفلة قادرة على تهشيم الاسد".

كانت "لبنى" قد حاكت ثلاثة فساتين صغيرة جدا وجميلة جدا.. وانا كنت قد اشتريت "توكة " شعر صغيرة جدا وجميلة جدا.. و"لبنى" في أحدى الليالي قالت:

"اريد سريرا صغيرا جدا لـ"هاجر".

قلت: أنا يا لبنى لا أملك نقودا لشراء سرير صغير جدا. قالت: وأين هاجر تنام.

قلت: "هنا" واشرت الى المسافة الصغيرة التي بين جسدينا. "لبنى" انزعجت:

"قد تستغرق في النوم فتنقلب عليها وتكتم انفاسها!!".

قلت: "اطمئني.. عندما تأتي هاجر لن ننام ابدا بعمق..

الاطفال الصغار جدا لا يكفون عن البكاء".

اللمبة "النيون " المعلقة في الحائط تهدل جسدها. والتجاعيد غطت وجهها. ونورها صار لا يكفي.. وبرد الشتاء يتسلل من شيش الشباك الى الغرفة ويعربد فيها. وانا و"لبنى" تحت الاغطية ملتصقان.. واصابعها مغروسة في شعري تقلبه. همست:

"ربما لا تأتي هاجر.. ربما اتى محمد!".

قلت: "سنضحك عيله ونجعله يرتدي فساتين هاجر".

قالت 0 "والتوكة !!". قلت: "خذيها انت"

قالت: "وستعطيه الاسد ليلعب به ويهشمه ؟!"

قلت: "محمد اعطيه نفسي ليلعب بها ويهشمها".

زمت شفتيها "لبنى" وقالت: "ومن تكون انت !!!".

يدي اليمنى دارت في الهواء تتحسس كرة ارض وهمية وقلت:

"انا ملك العالم ".

قالت: "مأ اروع ان يكون لي طفل قادر على ان يهشم ملك العالم"

***

بطنها صار ضخما جدا. وصارت تمشي تميل.. وغرب النهر الجبل ضخم جدا.. والنهر مياهه تجري. وانا ابحلق في مياهه، مياه النهر زرقاء، مياه النهر زرقاء وصافية، و"لبنى" دست يدها في يدي. وكعب حذائها العالي يطقطق لما يخبط بلاط رصيف الكورنيش.. والشمس ترمي النور الاصفر. النور الاصفر يقع على الناس والاشجار والبهائم والعمائر. آخر نور يتبقى في جعبة الشمس يكون اصفر. قالت:

"كعب الحذاء العالي يؤلم ظهري".

"لبنى" محتاجة لحذاء بدون كعب عال لترتاح وهي تمشي. وانا فقير جدا. و"لبنى" تعرف انني فقير جدا. و"لبنى" لا تريد ان تخدش احاسيسي فتطلب حذاء تعرف انني غير قادر على دفع ثمنه. و"لبنى" في نفسها تتمنى لو انها لم تقل ان كعب حذائها العالي يؤلم ظهرها لانها تعرف ان هذا الكعب العالي سيؤلم ايضا رأسي.

قلت: "نجلس ". و"لبنى" ابتسمت لما خلعت قدميها من الحذاء الذي كعبه عال وقالت: "لماذا تريد ان تسمي البنت. "هاجر"؟!!".

امواج النهر الشفافة صغيرة جدا وتتنطط مثل السمك النطاط..

امواج النهر تجري نحو الشمال. وهو النهر يعيش منذ آلاف الاعوام. منذ ملايين السنين. وفي سنة رأته "سارة " وفيه غسلت ثيابها وبللت قدميها وبعدها ألقت عليه نظرة ثم سافرت الى بلادها البعيدة. و"هاجر" رأته ايضا لكنها القت نفسها فيه وصارت تتقلب. ومياهه غسلتها فجعلتها تبرق. وهي من مياهه شربت. وهي لم تنظر اليه نظرة الوداع وانما جمعت طوب الآرض وعلى ضغته بنت بيتا. اسماء البنات مليون. لكني من الاسماء المليون اعشق اسمين "سارة " و" هاجر" لكن "سارة " لما سافرت الى بلادها البعيدة انجبت يهودا اما "هاجر" فانها ولدت عربا. وانا عربي وملك العالم. قلت:

"أحب هاجر".

لكزتني "لبنىط بكوعها في جنبي وقالت: "ولبنى!!".

قلت: "لبنى ام هاجر".

الميدان براح. واعمدة النور الطويلة نهاياتها مشتعلة. والناس كموج النهر تتلاطم. والسيارات تحبو بعيون مضاءة. والسيارات تحبو وكلاكساتها منطلقة. و"لبنى" صورتها الوديعة تطرق باب

عقلي برفق فينفتح الباب وتدخل وتقول: "حقق لي احلامي".

عام انتهى و"لبنى" في بيتي. والآن هي بطنها منتفخ، وعشرة فساتين صغيرة جدا صارت جاهزة للآرتداء. فقط ليس على «هاجر» سوى المجيء. هي تأتي ولها عندي ان اقبلها في الصباح قبلة: وفي الظهيرة قبلة، وقبلة قبل ان تنام، قررت عندما ادخل الشقة ان اسأل "لبنى": "ما هي احلامك لاحققها لك ؟".

***

فرحة بالالم القاسي. وبالتأوهات المكتومة فرحة. وانا في الصالة الضيقة اسمعها، وانا اعصابي تشيط. وانا اقول من بين اسناني: "هاه يا هاجر تعالي بسرعة "."لبنى" تتعذب، لكن صورة الولد أما عينيها تتراقص وفم الصورة الدقيق يبتسم. وصورة البنت امام عينيها تتراقص وفم الصورة الرقيق يبتسم فتبتسم "لبنى" وهي تتأوه. وتبتسم وجبهتها تتعرق.

"كم انت متعب يا "محمد"، هو لابد "محمد"، الولد مشاكس حتى في ولادته، لو كانت "هاجر" لنزلت بسرعة.

في هذه الليلة الشتاء قلبه جاف وغير رحيم. والسيجارة بين اصبعي ترتعش، والشارع الملتصق بالبيت هادىء. واللمبة "النيون " القديمة تبصق ضوءها باهتا. و"لبنى" كفت عن الصراخ لكن عينيها كانتا تدمعان. "لبنى" عيناها حمراوان وتشهق. ولفافة بيضاء ساكنة جوارها. لفافة بيضاء تحوي شيئا صغيرا جدا. رفعت الى عينيها وقالت: "انظر" واصابعها كانت ترتعش كسيجارتي. واصابعها ازاحت طرف اللفافة عن وجه صغير ابيض. وجه مدور كالقمر، وجه ينير كالقمر، وجه على حوافه سطع لون ازرق كلون مياه النهر الصافية. انا مددت اطراف اصابعي أكس الصدر الضئيل. القلب واقف لا يدق. واللون الازرق – لون مياه النهر الصافية – يفزر الذراع الطري، هو اللون الازرق سيتدفق فيفرق كل هذا الجسد الصغير جدا.

"لبنى" قالت: "هاجر..".

صيف استوائي تفجر جواي.. صيف حار بخر ريقي وجفف حلقي، سحبت اصابعي من فوق صدرها الضئيل – "هاجر" تعشق الاستحمام في النهر – غطيت الوجه المدور بطرف اللفافة واستدرت تجاه باب الغرفة. قالت "لبنى" الى اين ؟". قلت: "اشعر بالظمأ".

"هاجرد" في لخافتها البيضاء موضوعة على طرف السرير و"لبنى" قاعدة تنظر اليها ودمعها ينزل، وانا فرطت وجهي وقلت:

– "يا ستي.. الله كبير.. يعرف هو انني غير قادر على رعايتها لآن "

ولانها لم تتوقف عن البكاء قلت: "كم انا جائع ".

ولانها لم تتوقف عن البكاء اخذت أدندن "فكروني ازاي هو انا نسيك " ادندن والدمعة تعارك عيني. قلت لـ "لبنى":

– "البنت هاجر مثل ابيها مدهشة. هي اميرة كبيرة المقام. رأت الدنيا امارة لا لميق بها فتركتها. هاجر اميرة مدهشة ".

وقلت لـ" لبنى": "ورقيقة مثل امها، رأتني فقيرا فاراحتني من شراء اللعب واراحتني من شراء الملابس. واراحتني من شراء الحلوى".

اللمبة "النيون " المعلقة في جدار الغرفة مازالت تبصق ضوءا ضعيفا. والبرد يتقافز في الدولاب وفي الكوميدينو وتحت السرير ويصفع بشدة اللفافة البيضاء الصغيرة قلت لـ"لبنى": "هيا ننام ". قالت: "واين تنام هاجر؟".

قلت: "سأضعها على الكنبة التي في الصالة ".

همست: "وحدها !! ستخاف ".

قلت: "سأضعها هنا عند الدولاب ".

قالت:"على الارض !!!؟؟".

قلت: "سأضع تحتها وسادة ".

مدت "لبنى" ذراعيها وقالت: "لا.. لا.. الدنيا برد. هاتها هنا في المسافة الصغيرة جدا التي بين جسدينا". وقالت: "لا تنم بعمق فتنقلب عليها وتكتم انفاسهآ".

أرض خضراء شاسعة، وبحر على البعد لا نهاية له، والقطار يجري، قطار عرباته فارغة، فقط انا و"هاجر" في أحدى هذه العربات، و"هاجر" من الشباك تنظر الى الشجر الذي يجري وتضحك، ضحكة "هاجر" جعلت قلبي نط الى اعلى حتى رأسي ونط الى اسفل حتى اصابع قدمي. و"هاجر" رأت قلبي يتنطط فقفزت عليه وامسكته. وانا رأسي دار ولصق على خدها قبلة.

والقطار يجري ومن نوافذه تبدو عصافير وهداها تلاحقا. والقطار يجري ومن تحت عجلاته تطلع الموسيقى، تضحك "هاجر" وتكركر وانا اقذفها الى فوق واكقاها. هي تمسك قلبي وانا اقذفها ثم اتلقاها. اقذفها واتلقاها. وفستانها الاحمر الصفير جدا والجميل جدا اطرافه ترفرف كأجنحة الفراشات. قذفتها مرة أخرى الى فوق وعندما مددت ذراعي لاكتاها رأيتها لا تعود. ورأيتها واقفة في الهواء. ورأيتها تطير ومن شباك القطار خرجت، جريت نحو النافذة، القطار يأكل الارض الخضراء و"هاجر" بين يديها قلبي تطير مع العصافير والهداهد تضحك وتكركر وتكركر وتكركر.

***
 
أشرف الخمايسي (قاص من مصر)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …