إبداع اللغة في الرمز الخمري عند شاعرة المتصوفة عائشة الباعونية

  يظل الكون الشعري لشعراء الصوفية مفتوحاً وقابلاً لعشرات التأويلات ، سواء المعتمدة على معطيات المعجم الصوفي والمعرفة العرفانية أو المعتمدة على ثراء اللغة وفيوضاتها الدلالية وديمومة التوالد الناجم عن قوة المجاز وتوثباته. 

 وفي هذا الإطار تدرس هذه الورقة وهج اللغة وتجليات الرمز الخمري في شعر عائشة الباعونية(1).  ولأن شعر الباعونية لم يجمع في مجموع كامل مكتمل حتى الساعة ، فسأعتمد على أشعار متفرقة لها في بطون المصادر والمراجع ، باحثاً عن توظيفها لرمز الخمرة وسياقاته ، ومعلوم أن للمتصوفة معجمهم الخاص ، وعالمهم الرمزي الذي يحيط بهم ، وإذا كان هذا الأمر يشكل تيسيراً للدارس في محاولة تأويل الشعر الصوفي وفهمه من جهة ، فهو من جهة أخرى يعد واحداً من أهم المحاذير التي ينبغي التنبّه لها عند تناول النص الصوفي ؛ ذلك أن هذه المرجعية الرمزية ربما تحيل كل النصوص الشعرية الصوفية إلى نص واحد ، فلا يعود هناك أي فرق بين شاعر وآخر.

 لذا ينبغي على الدارس أن يأخذ بعين الاعتبار انفتاح النص الصوفي على مرجعياته الرمزية من ناحية ، وكونه بنية لغوية مغلقة ذات سمات خاصة بها من ناحية ثانية. ثم إننا في دراسة شعر عائشة الباعونية ، وتناول رمزية الخمرة وتجليات معجمها اللغوي ، يجب أن نلتفت إلى فرادة التجربة عند الشاعرة ذاتها ، فالباعونية متصوفة لم تعتزل الحياة ، بل مارست تفاصيلها التي يمارسها الإنسان العادي ، وهي بذا تختلف عن رابعة العدوية على سبيل المثال ، كما أن شعر المرأة في العرفان الصوفي قد يصوغ واقعاً فنياً مختلفاً عن شعر الرجل في هذا الإطار.  وعلى أية حال فإن قراءتي لتجليات الإبداع اللغوي في شعر الخمرة عند الباعونية ستعنى بالنص وعناصر الإبداع الفني فيه وعلى رأسها اللغة ، في محاولة لاكتناه هذه المنطقة في عالم الشاعرة ، والإمساك باللحظة الجمالية التي يوظف الشاعر كل طاقاته الفنية للوصول إليها ، فهذه اللحظة ، أي A533;لحظة الاندماج الكلي ، من أجلها يلجأ الصوفية إلى الرموز التي تعبّر عن نشوة المعرفة الروحية بألفاظ العشق الجسدي(2) ، وغيرها من  ألفاظ اللذة والمتعة الحسيتين ، لذا فاللجوء إلى الخمرة والبحث عن حال السكر مسألة تقع في صلب الرغبة بتوصيل التجربة ونقل الإحساس بها إلى الآخر على حقيقتها ، خاصة وأن السكر (حال) وهو بطبيعة الحال  طريق إلى (مقام).

 كغيرها من المتصوفة لجأت عائشة الباعونية إلى (رمز الخمرة) للتعبير عن العديد من المعاني المتعلقة بعالمها الصوفي ، وقد استفادت في هذا من تراث العرب الشعري في وصف الخمرة من ناحية ، ومن تراث المتصوفة في خمرياتهم ، لتعبر عن (الحب الإلهي) الذي هو غاية المتصوّف ومنتهاه ، تقول :

إليهـا بهـا فيهـا علـى المـدى

                حنيني ووجدي وافتضاحي ولهفتـي

     قبيح عليَّ الصبـر عنهـا وبيننـا

                عهــود نراعيهـــا بحــــفـظ المـــودّةِ

     ولهت بها حتـى رمونـي بجنّـة

                وما بي جنون ، بـــي غـــرام بجنّتـي

     غذيت بها في عالم الذر وانتشـى

                على نشوتي من شربها طفل جملتي

     أنفت بها مني وأصبحت في الهوى

                أغـــار عليهـــا أن تمــــــر بفكـــــرتـي

     سقاني حميّا الحب من قبل نشأتـي

                ومـــن قبل وجــداني طربت بنشوتـي

     دعاني هواه فاستجبـت بجملتـي

                إجابـــة من أفنـى بباقـي الهويّـة(3)

 ففي هذا النص نجد لغة عالية الرهافة وظفتها الشاعرة لوصف (الخمرة) والموقف منها، فاستخدام (إليها) (بها) (فيها) دلالة على إحاطة الخمرة وسلطتها وشمولها لعالم الشاعرة المكاني / وكذلك الزماني في قولها على (المدى).  غير أن الإحاطة الحسية (زماناً ومكاناً) هي مجرد إحاطة أو سلطة خارجية ، إذ تكشف كثافة اللغة الشعرية عن سلطة أو سيطرة أشد على الشاعرة داخلياً ، أي عبر معجم شعوري يعتمد ألفاظاً نفسية وعاطفية شعورية مثل :

حنيني / وجدي / افتضاحي / لهفتي

الصبر / العهد / المودّة

ولهت / جِنّة / جنون / غرام / جِنّتي

انتشى / نشوتي / جملتي

أنفت / أغار

حميّا الحب / نشأتي / وجداني / طربت / بجملتي

 فكل هذا المعجم متوالد عن حضور الخمرة التي اتخذتها الشاعرة جسراً للعبور نحو عالم من المشاعر التي ينقلنا إليها المعجم بشيء من العمق الذي يصوّر لنا شدّة التأثير ومدى تمكّن السلطة الناجمة عن اختيار لغة تحيط بالجسد والعقل والحواس بحيث تشمل الإنسان في جميع أحواله ، أعني (التوازن / وعدمه).

 فالاتكاء على المعجمة وكثافة الحضور اللغوي أغنى الشاعرة عن جوانب أخرى من الفن فلم نعد نجد للصورة الشعرية مثلاً ، ذلك التأثير أو الدور في إبداع المعنى وتصوير الأحاسيس. إذ باتت اللغة كفيلة بذلك ، وكأني بالشاعرة تعيد صياغة الأشياء والمفاهيم ، فلدى الصوفية (تتسع الرؤية فتضيق العبارة) لكن عائشة الباعونية ترى أنه قد (تتسع الرؤية فتتسع العبارة) تبعاً لذلك.  ولنتابع ذلك في النموذج الآتي :

بشريف ذكر الواحد الخـلاّق

                لذّذ فـــؤاداً ذاب بالأشـــواق

     وأعدد وكرِّر ذِكره يا مطربي

                وأدر سلافة حبه ـيا ساقـي

     ولكم بها غابوا عن الأغيار مذ

                هاموا بها في سائر الآفـاق

     ولكم بها ذابت قلوب فاعتدت

                تجري من الآماق والأعمـاق

     ولكم بها قد عاش بعد مماتـه

                حب وكم قد مات من عشّاق

     وإذا تضوّع نشرها في وجهةٍ

                عمّ الوجود وسائـر الآفـاق

     فمتى أنل منها رواءً موصلاً

                       لفنائي في ذاك الجمال الباقي

 وعلى الرغم من أن الخمرة في الآخرة هي إحدى جوائز المؤمنين والأبرار ، إلا أن الصوفي الشاعر أو الفنان يقدمها لنا ضمن إطارها الدنيوي مع ما يتعلق به من مناظر للحانة ، والساقي ، والشرب ، والطرب لصناعة أبعاد درامية للعلاقة بالخمرة ، تحاول الشاعرة من خلالها تطوير هذه العلاقة للوصول إلى قمتها أو ذروتها في (الرواء الموصل) إلى الفناء بالمحبة الإلهية التي يغيب بها المرء عن الأغيار.

 وفي دراسة لشعر عائشة الباعونية رصد الدكتور حسن ربابعة الموقف الخمري عندها محاولاً كشف ملامح (حال السكر) فوجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام : (الذوق والشرب والري) مشيرا إلى أنها تعتمد على تراث الصوفية في ذلك ، فقد جاء عند القشيري وغيره شيء من التفصيل في هذه الاصطلاحات التي تشرح (حال السكر) عندهم.  لذا فالذوق «يحصل للذائق بانكشاف الجمال له ، ويحظى بشيء منه نفساً أو نفسين ، وأما الشارب فينكشف له الجمال ساعة أو ساعتين ، وأما المرتوي فهو الذي يتوالى الأمر به ويدام له الشرب ، حتى تمتلئ مفاصله وعروقه من أنوار الله المخزونة» (4).  ولما كان هذا التقسيم تراثاً عاماً للمتصوفة فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في  طرائق التعبير عند كل واحد منهم ، لذا فسؤالنا هنا يدور حول طبيعة اللغة الشعرية التي عبّرت بها عائشة الباعوية عن هذا (الحال). لقد عبّرت الباعونية في بعض أزجالها عن مرحلة (الذوق) قائلة :

يا فقرا أفنـوا الإحسـاس

                في خمرة راقت في الكاس

ذايقها في الناس قد  كاس

                والريــــــان فيهـــا سلطـان

 ولعل اختيارها لهذا الشكل اللغوي الشعبي والبراعة في التركيب وإبداع العلاقات داخل الجملة نمط من الكثافة البنائية التي تشكل بحد ذاتها دلالة مقصودة ، لذلك جاء التركيب كما يلي (ذايقها في الناس) دلالة على عمومية مرحلة الذوق وعدم التميّز فيها ، أما قولها (الريان سلطان) فالدلالة واضحة على التملك والتفرد والتميز والوصول حيث لاحظنا كيف جاءت العلاقة مباشرة بين (الريان وسلطان) دون أي فواصل لغوية كتلك التي جاءت  في قولها  (ذايقها في الناس..).

 وإذا كان (الذوق) هو المقدمة والمفتتح ، وهو مسألة عامة ومشتركة ، فإن المرحلة التالية والدائمة ، وفي ذلك دلالة على أن الوصول إلى مرحلة( الري) تسبقه مجاهدة ومكابدة طويلة مثلتها حال الشرب التي ستنتهي يوماً إلى (ري) :

سقاني حميّا الحب من قبل نشأتي

                ومن قبل وجداني طربت بنشوتي

     هي الشمس ، إلا ما تغيب وإنها

                لتطرح أهل الشُربِ في تيه غيتي

     لها البدر كأس والنجوم حبابهـا

                وندمانها الأحباب أهـل المحبــة

     وكأس بلا كيف ، وخمر مروّق

                بدن تدانـــي حــــل حـال المحبّـة

     يدور بلطـف يمتلـي بعنايـة

                يـفوح بـروح فيهــا روحـة راحـة

 فاللغة وتركيباتها هنا هي التي تؤطّر التجربة الصوفية المتميزة بالفرادة ، وتشكل له عالماً مختلفاً عن عوالم الفن الأخرى (الشعراء من غير المتصوفة) ممن يعتمدون في فنهم على الخيال والصورة الشعرية بدرجة أولى ، لكن اللغة هنا ذات سلطة مطلقة في التعبير عن الحالة بدقة متناهية ، فالشاعرة تجهد نفسها في إيصال فكرة (اللامدرك) في شرح حال السكر الذي لا شرح له.

 فالسقيا في النص تمت من قبل النشأة (زمن المجهول) والخمرة تطرح أهل الشرب في تيه الغيبة (مكان مجهول) والكأس بلا كيف ويفوح بالروح (هيئة مجهولة).

 إذن نحن أمام جهد لغوي يعمد إلى غلق عالم الخمرة وتحديداً في مرحلة (الشرب) المرحلة الوسطى ليصبح نظام السياق الخمري عندها كما يلي :

الذوق رڤ حالة عامة تشكّل بدايات السلوك.

الشرب ــــــــ حالة مستمرة تدخل السالك في مجهول الزمان والمكان والهيئة.

 الري ــــــــ وهي نهاية طريق السالك التي تؤدي به إلى (الحقيقة) حقيقة الامتلاء بالمحبة الإلهية والقرب الأبدي من الذات المقدّسة.

الحواشي :

1) عائشة الباعونية (864هـ ­ 922هـ) هي (أم عبدالوهاب) عائشة بنت القاضي يوسف بن القاضي أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج المسلماني ، الشهيرة (ببنت الباعوني) ، المولودة في حي الصالحية بدمشق ، تلقت علومها في التصوف والفقه والنحو والعروض على يد إسماعيل الخوارزمي  ثم يحيى الأرموي ، تزوجت بنقيب اشراف دمشق وأنجبت منه (عبدالوهاب) و(بركة). رحلت إلى مصر و الحجاز والمدينة ، ومارست التدريس والإفتاء ، وتركت عدداً من المؤلفات شعراً ونثراً ، طبع بعضها ومعظمها لا يزال مخطوطاً.  اختارتها اليونسكو شخصية العام (2006) وكان هذا بمثابة تكريم عالمي لها. للمزيد حول حياتها انظر :

­ نجم الدين الغزي ، الكواكب السائرة ، تح : جبرائيل جبور ، دار الآفاق ، بيروت ، ط2، 1979- ، ج- ، 303-304.

­ محمد السخاوي ، الضوء اللامع ، مكتبة الحياة ، بيروت ، مج- ، 26-29.

­ زينب العاملي ، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ، دار المعرفة ، بيروت ، ص239.

­ د. حسن محمد الربابعة ، عائشة الباعونية شاعرة ، دار الهلال ، إربد ، 1997.

­ فارس أحمد العلاوي ، عائشة الباعونية الدمشقية ، دراسة ونصوص ، دار مصر ، دمشق ، 1994م.

­ د. محمد الصويركي ، عائشة الباعونية : فاضلة الزمان (مخطوط بوزارة الثقافة) ،2006.

2) د. عبدالخالق محمود ، سيكولوجية الإبداع في الشعر الصوفي ، ضمن (شكري عياد : جسور مقاربات في التواصل الثقافي ، عين للدراسات والبحوث ، القاهرة ، ط1 ، 1995، ص234.

3) عن د. حسن الربابعة ، ص 180.

4) نفسه ، ص256.

5) نفسه ، ص278.
 
عباس عبد الحليم عباس ناقد وأكاديمي من العراق

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …