إسماعيل فهد إسماعيل نزعة التجديد في تقنيات السرد العربي «كانت السماء زرقاء» رواية رائدة بنزعتها التجريبية وابتكاراتها الفنية

تعتبر رواية (كانت السماء زرقاء) للروائي إسماعيل فهد إسماعيل من الروايات التجريبية القصيرة التي صدرت في وقت مبكر من تاريخ الرواية العربية القصيرة (1970)، إضافة إلى أن زمن كتابتها يعود إلى منتصف ستينيات القرن العشرين. الذي لم يشهد سوى روايات قليلة تميزت بهذا الشكل القصير دون التقنيات الخاصة التي حفلت بها هذه الرواية المتميزة في الإنجاز الروائي العربي..

وتتضح النزعة التجريبية في هذه الرواية بعدة مستويات بعضها يتعلق بعالمها والآخر يتمحور في تقنياتها الأسلوبية الجديدة التي ستكون إحدى المحاور الأساسية في قراءتنا هذه.
ومن السمات الأساسية في النزعة التجريبية في هذه الرواية اعتمادها على تجزئة العالم الروائي وكسر خطيئة الزمن وتقطيع الحكاية إضافة إلى اعتماد عالمها على سارد مصاحب للشخصية يستخلص إحداثها وآراءها من خلال أعماق هذه الشخصية مما يعني إحلال العالم الداخلي في هذه التجربة الروائية بدلا من عالم الخارج الذي تضج به الروايات السائدة في بداية السبعينيات.
وتأتي تجزئة العالم الروائي باعتماد مؤلفها على تقنية المونتاج وهي تقنية سينمائية تتضح من خلالها بعض الخواص الجوهرية لظهور الصورة وتجسدها في الحاضر خلافا للادب الذي يعتمد على أزمنة نحوية تسمح بوضع الإحداث بعضها نسبة للبعض الآخر. ولذا فالتقنية السينمائية المعتمدة على المونتاج وعين الكاميرا والعناوين الداخلية المسموعة او المرئية جعلت الأفعال تقع في الحاضر دائما (انظر التسلسل 3 الهامش الثاني)وقد استثمرت تقنية المونتاج في الرواية لتقطيع الحكاية والزمن والمكان.في إشارة دالة على عالم مفتت تحكمه آلية التباعد والتشرذم والضياع. ويتضح ذلك جليا في بنية العالم الروائي في حركة السرد التي سنفصل الحديث فيها لاحقا. وما ما يهم هنا الآن فهو التأكيد على أن زمن كتابة هذه الرواية زمنا يكاد يخلو من الروايات القصيرة باستثناءات نادرة(1) وهذه الحقيقة تجعلنا نؤكد ان رواية (كانت السماء زرقاء) هي أحدى الروايات القصيرة الرائدة في الساحة العراقية والعربية لأنها لم تسبق برواية عراقية أو عربية تمتلك تقنياتها وعالمها المكثف الضاج والمنضبط بصفحات لا تتجاوز الـ(142) من القطع المتوسط(2).
لقد ولدت الرواية العراقية الحديثة عندما صدرت رواية(النخلة والجيران) للروائي غائب طعمة فرمان عام 1968 بعد زمن كتابة رواية (كانت السماء زرقاء) بثلاث سنوات. كما ان رواية (جواد السحب الداكنة) للروائي عبد الجليل المياح التي ورد اسمها في الملاحظة الهامة كانت قد صدرت عام 1968 أيضا وقد اطلع عليها الروائي إسماعيل فهد إسماعيل بعد أن كتب روايته هذه. وكانت سببا في اعتذاره في الملاحظة الهامة التي تصدرت الرواية ليؤكد انتماءه الفكري والايديولوجي الجديد والذي اتضح فيما بعد في روايته الرابعة (الضفاف الأخرى) حين جمعت شخوصا من رواياته الثلاث ضمن واقع جديد يبتعد عن أجواء العبث وهموم ألذات التي تبحث عن هوية في تلك الروايات والتحول الى عالم الانتماء والنضال السياسي والمطلبي.
ولم تظهر في الوطن العربي في عام 1965 روايات حديثة في شكلها وتقنياتها باستثناءات قليلة وهذا ما أكده الشاعر صلاح عبد الصبور في مقدمته لهذه الرواية عام 1970 أي بعد زمن كتابتها بخمسة أعوام مندهشا من هذا النمط من السرد الروائي الجديد حين أكد :(وكانت هذه الرواية مفاجأة كبيرة لي. فهذه رواية جديدة كما اتصور.رواية القرن العشرين. قادمة من اقصى المشرق العربي. حيث لا تقاليد لفن الرواية) ثم اعتبرها (من أهم الروايات التي صدرت في أدبنا العربي حتى الآن..) وملاحظا قبل هذا : (إننا في أدبنا العربي لا نستطيع حتى الآن أن نقول ان لنا طموحا إلى تجاوز الأفاق التقليدية إلى آفاق جديدة. فما زال معظم أدبنا الروائي ينبع من منطق(الحدوتة) وهو في سبيل ذلك يعنى بوصف ظاهر الأشخاص….ملامحهم وسيماهم…ويهتم بما يجري فوق سطح جبل الجليد لا بما يعتمل في أعماقه الراسخة في قاع البحر.ص8) وهي شهادة مهمة لصالح هذه الرواية وشهادة صادقة على النتاج الروائي العربي زمن صدور هذه الرواية.
 ان ميلاد الرواية القصيرة في الوطن العربي المتمثل في هذه الرواية يمثل إضافة نوعية للرواية العربية وابتكارا فنيا يسعى الآن العديد من كتاب الرواية العربية على إنجازه.
وتسعى هذه القراءة إلى إضاءة هذه التجربة الروائية من خلال التوغل في بنيتها وتفحص آليات تحقق هذه البنية وبالشكل الذي يضعها تجربة روائية رائدة في مسار الإنتاج الروائي العربي القصير.
 العالم الروائي
في عالم هذه الرواية يتداخل عالمان متناقضان عالم الشخصية المأزومة وعالم الخارج الذي يظهر كخلفية باهتة لعالم الداخل الضاج بالحيوية والتساؤل والسخرية المرة. ويبدو العالم الخارجي الذي يحيط بالشخصية عالما حياديا من دون أية دلالة فهو استمرار مكاني لا بد من وجوده ولذا نراه من دون تفصيل او أوصاف فيظهر المقهى مثلا في الرواية عبارة عن (أريكة خشبية ملقاة إلى جانب الشارع عند مفترق الطريق التي توصل سوق البصرة القديم.والأخرى التي تتبعه ناحية الزبير) ص25.
أما حاضر السرد فيحدد المكان من خلال حركة الشخصية في المكان الجديد بعد أن يتعرض زورق المهرب إلى مهاجمة الشرطة العراقية.ويتضح المكان بالشكل التالي : أسلاك شائكة. أشواك منتشرة في ارض زراعية متروكة. اسم المكان (السيبة): (بالأمس كان قد اتصل بأحد أصدقائه القدامى من سكان ناحية السيبة. اخبره بأنه قرر اجتياز الحدود العراقية إلى إيران). كما يتحدد المكان أيضا بأسماء أعلام كشط العرب وشط السيبة..وكل هذه الأسماء والأماكن ليس لها دلالات في العمل الروائي باستثناء الأسلاك الشائكة التي تشي بواقع مسور وشائك خصوصا اذا ارتبطت بالشخصية الثانية (الضابط الجريح) وعلاقته بالحدث المركزي إذ يظهر أمام أنظار الشخصية المحورية بهذا الشكل كمدخل تعريفي بالشخصية الثانية (الضابط):
(جسد ضخم معلق بصورة محكمة على الأسلاك.احد الحذاءين الكبيرين قبالة وجهه. أما الثاني فكان مشنوقا من الناحية الأخرى).
ويتضح العالم الداخلي الضاج من خلال منتجة حكايتي الزوجة والحبيبة المشخصة بذات الثوب الأزرق الذي سنفصل فيه عند تناول تقنية بناء زمن الحكاية.
ينبثق عالم الرواية الداخلي من أعماق الشخصية الرئيسية في الرواية. وأحداثها عبارة عن ذاكرة متأزمة ووعي ذاتي يتشكل على وفق حساسية مفرطة بانتمائها إلى ألذات في حين يشكل الخارج إطارا لتحرك الشخصية ولتداعيتها التي تنبثق دائما من مرئيات تحيط الشخصية أو تقع أمام أنظارها.
ويبتكر الروائي لهذا العالم الداخلي تخطيطا طباعيا شكليا لفصله عن العالم الخارجي المشاكس على وفق تقنية طباعية تقسم فضاء الورقة على وفق نمطين للكتابة اولهما يستخدم اللون الفاتح والثاني بالحرف البارز الغامق وقد ورد في هامش الصفحة الرابعة والعشرين من الرواية إيضاحا بذلك (من اجل زيادة الإيضاح عملنا على أن يكتب التداعي الذي يرد ذهن البطل والتداعي الذي يرد عن طريقه بحروف بارزة)(الهامش ص24).
ولم تكن هذه التقنية التي أصبحت معروفة الآن مألوفة أو مستخدمة في الرواية العربية أثناء نشرها في عام 1970 وبهذا المسعى السردي افرد المؤلف بوعيه الفني المتقدم حيزا واضحا لعالم الشخصية الداخلي باعتباره عالما خاصا ومتفردا في حين بدا العالم الخارجي إطارا لهذه المغامرة الحياتية التي يخوضها البطل باتجاه عالم لا مرئي يحاول أن يراه عبر تأزمه من عالمه الخاص الضيق الرتيب والعالم المحيط الذي يطرح عليه أسئلة محيرة تتصل بالوجود والحرية وعبث الحياة.
وبتقنية هذا الفضاء الطباعي يعمد الروائي إلى بناء عالم ضاج بمستويين أولهما يواكب حاضر السرد المشخص في حركة الشخصية في المكان الذي وصل اليه (السيبة) بعد فشل تجربة العبور الى ايران ويتضح عبر ردود الفعل الآنية التي ترافق رحلته بعد مهاجمة الشرطة للزورق الذي اقله ومجموعة من الهاربين.وثانيهما عالم الداخل الضاج بالأسئلة الوجودية المحيرة المنبثقة من أعماق الشخصية وهي تواجه إشكالات الوضع الجديد.
ويتحقق المستوى الأول حين يجد البطل نفسه في فضاء غريب عليه يتعامل معه بردود فعل مباشرة حين يسمع كلمة (- اركض) باستنكار حاد لهذا الأمر (من يأمرني !) ويعطي السارد المصاحب له توضيحا لهذا الاستنكار: (هو لا يعي ما يسمع. ويكاد لا يعي ما يدور في مخيلته. كل الاتجاهات تبعده عن الموت. إلا اتجاها واحدا…الوراء ص17) ويتعزز هذا الشعور بردود الفعل الداخلية الرافضة لتفوهات الخارج التي يسمعها من الضابط الجريح عبر صوته الداخلي منها: (عليهم أللعنة ص17) (لست منكم ص18) (لست ضابطا ص19) ثم بصوت مسموع (ولا إنسانا ص19) إضافة إلى تلخيص ممنتج لحكاية وصوله إلى السيبة وركوبه الزورق باتجاه إيران مع عشرين هاربا التي تشكل القسم الأول المرقم بالعدد 1 وجزءا كبيرا من القسم المرقم بالعدد 2.
 وإذا احتكمنا إلى الحكاية التي كانت السبب المباشر في أزمة البطل وقرار هروبه إلى إيران سنجد انها أزمة مألوفة وعادية لا تستلزم كل هذا التأزم وطرح الأسئلة العبثية والوجودية. فالحكاية عبارة عن علاقة زواج فاشل ومفروض من الأهل وهي من الإشكاليات المتكررة والمألوفة. غير أن كل ذلك لم يكن ألا سببا مباشرا تكمن خلفه أسباب عميقة أساسها تلك العلاقة المتوترة مع العالم المحيط الذي يزرع الإحباط واللاجدوى والخيبة. وبعض ذلك توضحه الملاحظة الهامة التي تصدرت الرواية في طبعاتها المختلفة. التي كتبت بعد أنجاز الرواية بأعوام وهي تنتمي إلى بداية السبعينيات من القرن العشرين. وتكشف عن وعي مؤلف الرواية بالخلفية الاجتماعية والسياسية التي انبنت عليها أحداث روايته وأزمة بطلها. ولذا سنلجأ الى بناء هامش مفصل ننظر فيه الى الفضاء الواقعي الذي ظهرت فيه هذه الرواية سواء في العراق او الوطن العربي لأجل الانطلاق منه إلى فضاء الرواية ليكون بمثابة تأسيس كيان مصاحب لبنائها الفني يشير إلى المبررات الموضوعية والفنية التي أسهمت في ظهور هذا النوع من الكتابة المكثفة المفارقة للرواية العربية آنذاك والتي انعكست أيضا في الروايات العربية التي ظهرت في منتصف السبعينيات من القرن العشرين. فهي نتاج ظروف موضوعية حياتية وثقافية متشابهة.
وتلخص العبارة التي وردت في الصفحة 20من الرواية عالم الشخصية المحورية. وتنص على أن (حياته كلها سلسلة من الركض المتواصل. هو هارب. هارب من كل شيء حتى من نفسه..) وهذه العبارة تأتي كرد فعل لفعل الأمر (اركض) الذي يتفوه به الضابط الجريح. وهي عبارة خارج ذهن الشخصية أي أنها لا ترد من خلال ذهنه. بل كتعليق من قبل السارد المصاحب للشخصية. وبهذا المعنى فإنها تكتسب شموليتها في التعبير عن عالم مشظى لا يمكن الإمساك به. ويتعزز هذا المفهوم عن هذا العالم المتداعي من خلال ذكريات الشخصية او بالحوارات التي يتلفظها بشكل ساخر او من خلال تعليقاته الملفوظة او الداخلية. ففي معرض تعليقه على قرار القاضي الشرعي بإرجاع زوجته له بعد ان طلقها عدة مرات لأنه كان مخمورا يعلق تعليقا غير مسموع ورد بالشكل الآتي (هو لا اتعاطى شرب الخمر. شل لسانه امام الرجل المسؤول وفي داخله تعتمل ثورة. رغب أن يقول:
(كيف تتوفر القدرة السحرية لكلمات معدودة للقضاء على علاقة زوجية؟! ألا يجب ان تتوفر الأسباب الكفيلة بإقناع الطرفين للابتعاد عن بعضهما…..ص30)
وفي حواره الداخلي حين يرى الأسلاك الشائكة وهي تحيط بالأرض الزراعية يعلق ساخرا وهو يتساءل (لماذا أحاط صاحب الأرض أرضه بالأسلاك الشائكة؟… ويجيب (من اجل ان يحميها من الآخرين؟.. هو يزرعها من اجلهم !.) وتبلغ السخرية مدى كبيرا عندما يعلق قائلا: (الحيوانات تعيش على هذه الأرض. تأكل منها. تموت عليها. لكنها لا تبيعها أو تسورها. لعل الحيوانات لا تعي وجودها…ص37). إن هذه الأفكار العبثية التي ترد ذهن البطل في حاضر السرد. هي نفسها التي تشكل حياته في عالم الزوجية او بالعلاقة مع ذات الثوب الأزرق. ففي علاقته الزوجية لم يشعر يوما بالانتماء الى عالمه العائلي وكان دائم التمرد والشكوى من هذه العلاقة. الامر الذي دفعه لطلاق زوجته ثلاث مرات. كما انه كان يرفض كل التوسطات التي تتحجج بالأطفال والأم والأب متجاوزا كل ذلك باتجاه ساخر او غاضب ويؤكد هذا المقطع الممنتج وجهة نظره في الحياة الزوجية :
(في المرات السابقة كانت تنتابني نوبة من الشرور سرعان ما تتحول الى صراع داخلي مجنون. وتدوي في رأسي آلاف المطارق «..أطلقها؟..لا. أطلقها؟ نعم. أطفالي؟…الى الجحيم بهم. أطفالي؟..ضحايا بريئة. أنا؟.. اكرهها..أنا؟..تعودت معاشرتها. أبي؟ إلى الجحيم به. أبي؟ قادها الي بزواج أعمى. أمي؟.. لا يمكنك احتمالها الى الابد. امي؟ والأطفال أخي؟ لا دخل لي في الأمر….ص87-88).
ان هذا التداعي المكثف والممنتج يكشف العلاقة مع الزوجة والاهل. ويشي بالقطيعة مع الجميع حين يرد الحوار ونقيضه في ذهن البطل وهو يسرد علاقته الزوجية لذات الثوب الازرق، ولو كان قد تخلص من الكابوس العائلي لورد هذا الحوار بشكل آخر وليس بشكله المتشنج والمتقطع الدال على الضيق النفسي والرفض القاطع لذلك العالم الرتيب.
اما علاقته بذات الثوب الأزرق فتبدو من خلال نزوة عابرة تتحكم به من اجل الإيقاع بها وجرها إلى عالمه المجنون. ويتضح ذلك من تعليقاته المصاحبة لعملية الإيقاع بها : «انا اسرقها…اسرق شيئا إنسانيا»ص32 ويتكرر ذلك بعد عدة اسطر. كما ان هذه العبارة تتكرر في صفحات أخرى من الرواية إضافة إلى عبارة (أنت إنسان خاص) التي يرددها دائما باعتبارها معادلا لهذا الخراب الروحي الذي يحيط به ويأخذ بخناقه.
أما وجهة نظره عن الحياة فتلخصه هذه العبارات :(يتألم..ما هو الألم؟..هو ما عاد يحس إحساسات إنسانية. كل الذي يعرفه انه ولد عفوا. ودون مبرر. ثم القي به في خضم الحياة. هو لا يعني سوى الشعور باللاجدوى وإحساس آخر يحز في نفسه…الغثيان ص 86-87).
ان عالم الشخصية الروائية في هذه الرواية هو عالم شخصية واعية لمصيرها ومثقفة تمارس كتابة القصص. وفي أحد لقاءاتها الممنتجة مع (صاحبة الثوب الازرق) يصرح لها بما يهدف اليه من كتابة القصص (ان انصر انسانية الانسان الذي اضطره المجتمع. ودفعته ظروف معينة الى سلوك مسلك مغاير لسلوك الاخرين.ص43) غير ان العالم الواقعي المعيش يضعه في ازمة وجودية عميقة تطرح عليه تساؤلات محيرة عن معنى الحياة التي يريد وبين الواقع الصلد الذي يرعبه برتابته وحركته البطيئة باتجاه تكريس العلاقات البائدة وادامتها. بالضد من تطلعاته الثقافية والفكرية.
وتتضح وجهة نظره في الاحداث السياسية في بلده (العراق) في تلك الفترة من تاريخ العراق من خلال تعليقاته وحواراته مع الضابط الجريح وهي وجهة نظر مفارقة لما كان يحدث من عسف وتنكيل وإبادة. ففي معرض تعليقه على عبارة عامل السينما الذي يصف بناية السينما بانها بناية قديمة جرى تجديدها وطلائها بالالوان قائلا :(اذن فالمادة الخام هي…هي..الجوهر هو..هو.. تبدلت الاسماء. وزوق المظهر الخارجي بالوان رخيصة. واقع ما قبل سنوات هو واقع اليوم..ص45) وهو رد ضمني على الشعارات الزائفة التي رفعها انقلابيو 8 شباط في ذلك الوقت(عام 1963).
وفي حواره مع الضابط الجريح يتبدى ذلك الغضب والحقد على هذه الفئة التي كانت تحكم قبل ان يطيح بها انقلاب عسكري. ويظهر ذلك جليا في إصرار الشخصية على استخدام كلمة (ثورة) بدل انقلاب او تغيير الذي يستخدمه الضابط الجريح في حواره.وأهم من ذلك وجهة نظر الشخصية عن الواقع السياسي الذي سبق انقلاب مثل تعليقه على هيئة الضابط الجريح وهو معلق على الاسلاك الشائكة قائلا (اسلاكهم تمسكهم!) اوعندما يسأله الضابط عن وظيفته او انتمائه السياسي يجيبه بكلمة (لا) النافية لكل شيء مما يضطر الضابط الى ان يقول (اذا انت مجنون!) فينفجر صارخا: (أانا المجنون !..انت المجنون!… الق نظرة على نفسك. انظر ما آل اليه مصيرك !.. كلمات معدودة من المذياع استطاعت القضاء على رتبتك العسكرية وعليك ايضا. انت مصاب… شرطي نفر وضع لك نهاية لم ترضها لنفسك.ص67) ثم يستطرد : (…. كانت بيدك السلطة تستطيع الخدمة عن طريقها. ما رستها لاشهر..فماذا فعلت؟ (انظر الهامش الاول تحت الرقم2) واخيرا يحدد الصفة الدالة عليه وعلى جماعته من الانقلابيين: (كل الذي فعلته انك نافقت من هم اكبر منك مركزا واسع نفوذا. من اجل الحفاظ على الكرسي خاصتك…ص69).
بنية السارد
يمثل السارد في هذه الرواية إحدى العلامات المهمة المفارقة التي تضع هذه الرواية في مقدمة التجديد الروائي العربي. فهو في بنيته مفارق للساردين الذين اعتمدهم كتاب الروايات في ذلك الوقت. خصوصا في قدرة السارد على المعرفة الكلية بأعماق ومشكلات ابطال الروايات. من خلال الهيمنة الكلية على مصائر تلكم الشخوص. وهي سمة عامة في معظم النتاج الروائي العربي. باستثناءات نادرة استخدم فيها مؤلفو الروايات ساردين ذاتيين. يعرفون بقدر ما تعرف الشخصية او أقل منها او السرد بضمير الانا. وتكشف هذه البنية امكانية السارد المرافق للشخصية على تأثيث الخطاب الروائي بالتقنيات الجديدة. ومتابعة الاحداث الخاصة بالحكايات التي تضمنها متن الرواية.
ويمكن توصيف السارد هنا بأنه سارد محايث للشخصية بما يسمى (الرؤية مع) وهو نوع من الساردين يؤثث الخطاب الروائي من خلال منظور الشخصية. ويسمح لها بنفس الوقت بالحديث المباشر عن نفسها من خلال استخدام ضمير الانا. وهنا يكون منظور الشخصية مساويا لمنظور السارد. وبهذه الطريقة في السرد يلغي الروائي تلك المسافة بين (من يروي ومن يرى. بين من يتكلم ومن يوجه….هامش ثان رقم 4). وهي من الإشكالات الاساسية في التاليف الروائي. الذي لم يحسم الا بعد تطور تاريخي طويل نسبيا. جرب كتاب الروايات في هذه الفترة صيغ متباينة لظهور السارد في العمل الروائي وعلاقته بالمؤلف الضمني او المؤلف الحقيقي. وبهذا المعنى حققت رواية (كانت السماء زرقاء) إنجازا هاما في اختيار مؤلفها لهذ النمط من الساردين. في وقت مبكر نسبيا.
ويعمد الروائي الى تأشير هذا التباين. بصيغيتين متلازمتين احدها نحوية. باستخدام الضمير (هو) في سرد الحدث الحاضر مرة، وضمير (الانا) في المنلوج المسرود مجسدا الشخصية في حواراتها المباشرة او سردها للاحداث التي عاشتها مرة اخرى. والصيغة الثانية من خلال الفضاء الطباعي. باستخدام الحرفين الغامق والاعتيادي. الذي يؤشر هذا التباين ويشير اليه.
ان استخدام سارد محايث للشخصية. مرة بضمير الغائب والآخر بضمير الانا. اسس لنوع جديد من السرد المكثف الذي. يوائم بين العالم الخارجي. برموزه المكانية والشخصيات الرئيسية والثانوية. كالزوجة والحبيبة والاب والام والاخ والعشيقة العجفاء. وبين العالم الداخلي الضاج بالاسئلة الوجودية. والحوارات الساخرة. والافكار الرافضة لكل شيء.
والسارد المحايث بضمير الغائب. ليس ساردا دراميا ممسرحا. ولكنه سارد (يضبط عمليات التحول الى الداخل في شخصية او اكثر من الشخصيات المركزية….. ولذا فالشخص الثالث الذاتي يمثل من الناحية البنيوية نوعا من الوساطة بين الراوية المتنوع الذي يحول المنظور واللهجة والمسافة حسبما يقتضي هدفه. وبين وحدة الصوت الشديدة الكامنة في رواية البطل الواحد) (انظر الهامش الثاني الرقم5)، والسارد المحايث بضمير الغائب بهذا المعنى. هو صورة اخرى للسارد الذاتي بضمير الانا. يؤثث الخطاب الروائي بما يحيط الشخصية. ويعبر عن إحساساتها وحيرتها. كي يعطي الحرية الى الضمير الذاتي بالتعبير عن خصوصيات الحياة الداخلية. وسرد الاجزاء المهمة والشخصية من التجربة الحياتية والوجودية للشخصية المركزية. وفي هذه الرواية يمكن التأكيد على ذلك باستشهادات وافية من متن الرواية : فعلى سبيل المثال نجد ان السارد بضمير الغائب يتولى سرد الحضور المكاني للشخصية المركزية وما تراه او تحس به لحظة تواجدها في المكان الجديد (مدينة السيبة وقرب نهر السيبة). كما ينقل لنا حيرتها. وعبثية قرارها الذي قادها الى هذا المكان :(قفز خطوة الى الوراء، عجب من نفسه. تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها جسده يتصرف دون إيعاز منه. قفزته رغم قصرها وضعته الى جانب اسلاك شائكة.ص17
(غمرته راحة. وحاول جمع شتات افكاره. هو ما عاد يذكر كيف وعلام وصل الى هنا. الذهول يقعد رأسه عن الاخذ بذيول تفكير منطقي محدد ص19).في هذه المقاطع وفي غيرها يعمل الصوت بضمير الغائب على مراقبة الشخصية من الخارج ويرصد تحركاتها وردود افعالها. كما انه يسجل تلك الردود بكلام مباشر يضعه المؤلف بين قوسين للدلالة على انه حديث منقول بشكل مباشر من ردود فعل الشخصية الرئيسية. وليست تداعيا منه. فهو رد فعل آن له، ومثاله (….عشرون منهم في الزورق..نوتي الزورق اعترف..هرب منهم ثلاثة..
«اذن…انا احد الثلاثة !!»(ص19).
كما ان هذا الصوت يضبط العلاقة التي تنشأ بينه وبين الضابط الجريح. الذي بقي معلقا على الاسلاك الشائكة. وفي هذا المجال يضع الروائي على لسان الشخصية المركزية مجموعة من الحوارات المتسائلة ثم الرافضة لكل علاقة انسانية. (لا ارى وجهه) الحشائش المتسلقة تخفي الوجه الضخم.الحذاء الثقيل امام وجهه مد يده وتحسس الحذاء «غريب!»دهمه احساس صغير بروح المغامرة ص48).وحلم يطلب الضابط مساعدته يجيب باستنكار «يريد مساعدتي !..انا طلقت الانسانية» او «لن ارتبط به!»ص49 غير ان هذه التفوهات لم تستمر طويلا. بسبب ظهور جملة «انت انسان خاص» التي تفاجئه وهو في موقفه الرافض لتعيده الى انسانيته. فيعمد الى تخليص جسد الضابط من الاسلاك الشائكة. لتبدأ العلاقة الجديدة مع الضابط. ونلاحظ في سرد هذه العلاقة. ان الروئي يستثمر ضمير (الهو) في ثأثيث هذه العلاقة مرة بالسرد غير المباشر واخرى بالحوار الذاتي المباشرالمحصور بين هلالين صغيرين.وفي القسم الاخير المعنون باليوم الثالث. يستثمر الكاتب الضمير الغائب في ضبط العلاقة مع الضابط. ثم الانتقال الى ضمير المتكلم ‘ من خلال اجابات الشخصية على اسئلة الضابط. التي تكون مختصرة في البداية ثم تأخذ مداها في الحديث عن ماضي العلاقة مع الزوجة او صاحبة الثوب الازرق،ويكون الحوار على شكل استجواب يمارسه الضابط. مستشعرا رغبة الشخصية في الحديث عن نفسه وعن تجربته.وخلال الحوار بينهما او حوار الشخصية المباشر او غير المباشر نلاحظ ان السارد الذاتي يتحول الى سارد عليم في أجزاء محدوده من الرواية. وفي الاقسام التي تنظم العلاقة مع الضابط الجريح. اما السرد بضمير الانا. فهو سرد درامي ممسرح في معظم الاجزاء المؤشرة بالشكل الغامق للفصل بين الضميرين. وهناك فرق كبير بين استخدام ضمير الانا في الاقسام الخاصة بالسرد غير المباشر (ضمير الغائب المصاحب) وبين ضمير الانا في الاجزاء التي تستخدم التداعي المكثف او المنلوج الداخلي المروي. بسبب ان الضمير في الحالة الثانية (الممسرح) يكون عادة على شكل حوار بين ذاتين : الزوجة او الحبيبة. في حين يرد في الشكل المباشر غير الممسرح بصيغة فردية كتعليق داخلي لايمكن البوح به او احساس مترجم بكلمات. وعلى وفق ذلك فأن السارد في رواية (كانت السماء زرقاء)، يمثل انتقالة جديدة في السرد الروائي العربي انذاك. ومن خلاله استطاع الروائي ان يكثف سرده ويوازن بين عالمي بطله ‘ حتى يمكننا ملاحظة ان الاجزاء المسرودة بالنلوج الداخلي المروي والتداعي الممنتج يكاد يكون متساويا مع السرد غير المباشر بضمير الغائب. وهو توازن افرزته التقنيات الجديدة التي كانت ضرورة فنية وموضوعية نسبة الى الزمن الذي افرزها وافرز تجارب مماثلة في الكتابة الروائية وفي السرد القصصي القصير ظهرت في بداية السبعينيات من القرن العشرين.
بنية الزمن
من اهم إنجازات رواية (كانت السماء زرقاء) التقنية بنية الزمن وهي بنية أساسية اتخذت لها شكلا خاصا ومحددا في معظم رواياته التي كتبها بعد هذه الرواية. الامر الدال على قصدية الروائي في عمله هذا. ومن الملاحظات المهمة في هذه البنية أن حاضر السرد يستثمر حركة الزمن الاعتيادية دون تدخل واضح من المؤلف في منتجة الأحداث التي تجري فيه بل أن هذه الحركة تبدو متصلة مع بعضها في اليومين الأول والثالث وهي تؤشر حركة الشخصية المحورية في المكان وكذلك علاقته مع الضابط الجريح. أما حركة الداخل المسرودة بالذكريات والتداعي بطريقة المونتاج الكتابي فهي التي تبرز فيها التقنية الجديدة سواء في بنية الزمن أو الحكاية أو الحوار. الأمر الذي يعني اتصال هذه الرواية بالمنجز الروائي العربي من جهة في الجزء الخاص بحاضر السرد. ومفارقة هذا السرد بالجزء الخاص بدواخل الشخصية وهمومها وأفكارها المعرفة في الرواية بالحرف الغامق.
 ويتجسد الزمن في هذه الرواية عبر مفهومين له اولهما بنية الزمن الكرنولوجية التي تتحدد في الايام الثلاثة المعبر عنها في رحلة العبور الفاشلة الى ايران وحواراته مع الضابط الجريح. التي تشكل حاضر السرد.وهذه البنية محسوبة بثلاثة ايام اسقط الروائي اليوم الثاني منها. لعدم اهميته فهو تكرار لليوم الاول يكرس للعلاقة الجديدة المرفوضة من قبل الشخصية اصلا. ولكنها تتخذ في اليوم الثالث شكل علاقة تبعية يستثمرها الروائي في استكمال تفاصيل حكاية شخصيته المأزومة وصولا الى قراره الأخير. اما القسم الآخر فهو الزمن(التخيلي) الروائي الذي تجسده رحلة الذاكرة الملغومة بكل التشظيات والانقطاعات والمنتجة القاسية للإحداث والتفاصيل. ويبنى الزمن الروائي على وفق عتبات نصية ترد دائما ذهن الشخصية الرئيسية. ليتم الانتقال الى عالم الذاكرة البعيد والقريب. ومعظم هذه العتبات النصية على شكل كلمة او جملة ترد ذهن البطل. ثم يتم الانتقال منها الى عالم الذاكرة. فلكي يتم الانتقال بالذاكرة من حاضر السرد الى الماضي القريب الذي يكرس اللقاء مع صاحبة الثوب الازرق تتحفز الذاكرة لهذا الماضي القريب عندما ترد كلمة اللون الأزرق في العبارة التالية : (ثم نقل عينيه عن الأضواء الحمراء التي تعلو خزانات النفط إلى ضوء ازرق بعيد. وأحس انفتاحا نفسيا ص24) (كان ثوبها ازرق يبرز مفاتن صدرها وفخذيها….)
وتعيده عبارة (وابتسم بغباء ص33) إلى ماضي السرد بنفس العبارة (صاحبه ابتسم – ايضا – عندما ألقى هذا بجسده على الأريكة الخشبية ص33)
وتعيده عبارة (وألحت عليه ذكرى بعيدة ص42) الى ماضي العلاقة مع ذات الثوب الأزرق. (ثوبها كان اصفر تلك المرة ص42).
وتتضح بنية الزمن وتقنياته الجديدة في عرض حكاية الشخصية المحورية مع زوجته وصاحبة (ذات الثوب الازرق) التي تشكل جزءا مهما في هذه الحكاية. وكذلك علاقته بالضابط الجريح. وبالشكل الاتي :
فالحكاية في (كانت السماء زرقاء) تعتمد على مجموعة أحداث مألوفة في الحياة وفي الروايات والقصص المنجزة في ساحة الإبداع العراقي والعربي. متمثلا بالزواج المفروض من قبل العائلة. والحب الذي ينشأ نتيجة هذا الفشل وعلى أعتابه باعتباره حلا مؤقتا تعمل الشخصية على التمسك به أو الدخول في تفاصيله هروبا من الأزمة الزوجية. وفي هذه الرواية تتحدد حكاية الزوجة بذلك النمط من النساء اللائي يعمدن إلى استعباد الزوج وإلغاء كل تطلعاته الثقافية والفكرية بحجة تعزيز مكانة العائلة والعلاقة الخاصة مع الزوج.
وتبنى الحكاية في هذه الرواية بناء ممنتجا. ومنتجة الحكاية هنا لا يعني تقطيع الحكاية على وفق أنساق سردية متنوعة باستخدام تقنية التناوب في السرد مثلا. بل ان المونتاج هنا يستثمر القطع والتوليف لإبراز أهم اللحظات الإنسانية في العلاقة المفروضة (الزواج) او علاقة الحب مع (ذات الثوب الأزرق) وبالشكل الذي يضيء هاتين العلاقتين ويتخطى المألوف والمكرر في هذه الحكاية الامر الذي يسهم في ايضاح تقنية بناء الزمن في هذه الرواية.
وبنية الحكاية في هذه الرواية تتمحور على ثلاث أحداث مهمة هي :
– قرار الهروب إلى خارج العراق باتجاه إيران الذي يشكل حاضر السرد وهاجسا معلنا لبطل الرواية.
– العلاقة الخاصة في البيت مع الزوجة والعلاقة الخاصة مع (ذات الثوب الأزرق). ويمثل ماضي السرد البعيد والقريب.
– العلاقة الجديدة التي تتكون بعد فشل الهروب إلى إيران مع الضابط الجريح ويمثل عودة الى حاضر السرد.
إن بنية زمن الاحداث في الحكاية تسير على وفق نسق خاص تتداخل فيه الأحداث مع بعضها على وفق تشكل الزمن الروائي فيها وبالشكل الممنتج الذي يعلن عن بعض التفاصيل ويخفي الكثير منها حسب رغبة الشخصية وليس رغبة السارد الذي يتخفى دائما وراء الشخصية المحورية في الرواية. وعلى وفق الآليات التالية :
المونتاج : يستثمر الروائي إسماعيل فهد إسماعيل تقنية المونتاج السينمائي في وقت مبكر من تاريخ الرواية العربية. وتتمثل هذه التقنية بشكلها الفريد في رواياته الأربع التي كتب ثلاثا منها في العراق قبل سفره واستقراره نهائيا في الكويت عام 1966. ونؤكد هنا ان زمن كتابة هذه الروايات الثلاث (كانت السماء زرقاء. الحبل. المستنقعات الضوئية) كان في نفس الفترة (1965 او بفترة أقدم من ذلك بقليل، وبهذا المعنى فان استخدام تقنية المونتاج السينمائي. كان استخداما واعيا منذ تلك الفترة المبكرة. ومن أهم أسباب ذلك أن هذا الروائي كان مغرما بالسينما وكانت السينما تشكل احد الاهتمامات المبكرة في حياته الفنية والأدبية.
ويتضح استثمار المونتاج بشكل واضح في بنية الحكاية التي تتوزع على معظم صفحات الرواية.حيث تنقسم أحداث الرواية على قسمين رئيسيين :
القسم الأول – اليوم الأول وينقسم بدوره إلى إحدى عشرة فقرة مرقمة بأرقام (1- 11) وهي فقرات قصيرة يغلب في سردها تقنية (الاسترجاع) سواء في السرد أو الحوار.
 اما القسم الثاني -اليوم الثالث (بإسقاط مقصود لليوم الثاني.) فيتكون من أربع فقرات طويلة نسبيا تهتم بواقع الحدث الذي يتشكل آنيا ويغلب عليه الحوار والاستذكار الممنتج على وفق تقنيات السرعة والابطاء والوقف التي تشي بتنويع الايقاع في هذه الرواية وبما سنشير اليها لاحقا.
 وبهذا التقسيم الخارجي للرواية يعلن كاتبها عن نيته في إسقاط وإهمال الكثير من تفاصيل أحداث الرواية باتجاه تأكيد هذا التكثيف والمنتجة المكثفة للإحداث بما يؤسس لذائقة جديدة في الكتابة الروائية لم تكن مألوفة في ذلك الوقت.
 تبدأ الرواية بحاضر السرد أي من اليوم الثالث الذي يمثل نهاية الحدث وانثيالاته باتجاه إعادة تشكيل الإحداث الماضية بطريقة مبتكره تستفيد من الاسترجاع الممنتج سواء في بنية الحكاية المركزية التي تتمحور على ثلاث حكايات او بمنتجة الزمن والحوار باستخدام تقنية الحذف والتكرار والوقف(بنية المشهد الحواري) الملازمة لتقنية المونتاج.
في القسم الأول نتعرف على حيرة الشخصية الرئيسية حين يتعرض الزورق الذي أقلتها مع مجموعة من الهاربين باتجاه إيران إلى نيران الشرطة ووقوع أكثرهم بأيديهم. ويسرد الجزء الأول من هذا القسم بلسان سارد مصاحب للشخصية بتقنية الصورة والصوت السينمائية وهو يرى الأشياء وتفاصيلها بعين الشخصية (قفز خطوة إلى الوراء. عجب من نفسه. تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها جسده يتصرف دون إيعاز منه). ص15
 فالشخصية الرئيسية في الرواية تتصرف على وفق منظورها في تجسيد المكان الجديد إضافة إلى اشتراك حاسة السمع أيضا، ويتضح ذلك حين يتعرف على الضابط الجريح: (جسد ضخم معلق بصورة محكمة على الأسلاك. احد الحذاءين الكبيرين قبالته. أما الثاني فكان مشنوقا من الناحية الثانية ص18.
ومن خلال الصوت تكتمل الصورة بتفوهات الضابط الجريح : أنا مصاب…لا..لا فائدة من هربي ص18.
وتكتمل بعض تفاصيل الحكاية بصوت الضابط الجريح حين يهمس: (سيلقون القبض عليك..حاول أن تجد صاحبنا الثالث ص19) بعد ذلك نتعرف على وظيفته (أنا أيضا ضابط..لعلي اصغر رتبة..لكنه أمر اهرب ص19).
كما يستثمر السارد المصاحب تقنية المنلوج الداخلي غير المباشر لاستبطان أعماق هذه الشخصية (لست ضابطا..ص19)
او (أريد أن احدد نفسي لنفسي..ما بالي !..هم لا يدعونني افعل.ص19) او الديالوج : بصوت مرتفع (ولا إنسانا ص19)
إن هذه اللقطات المكثفة تسعى إلى إضاءة حاضر السرد اثر تعرض الزورق الذي ينقل الشخصية الى ايران مع مجموعة من السياسيين وتعرضه إلى نيران الشرطة ونلاحظ أن هذا الحدث موزع على أقسام اليوم الأول ذي الإحد عشر قسما مكثفا تتواشج فيه حكاية الضابط الجريح مع حكاية الحبيبة ذات الثوب الأزرق والزوجة وبنفس طريقة التقديم السابقة :تداعي الصور والمواقف التي حدثت قبل ليلة الهروب. من خلال حافز بصري يتركز على اللون الأزرق (ثم نقل عينيه عن الأضواء الحمراء التي تعلو خزانات النفط إلى ضوء ازرق بعيد ص24).
ومن خلال هذا الحافز تتداعى الذاكرة لتروي حكاية ذات الثوب الأزرق التي تبدأ بداية مثيرة تحفز على المواصلة من خلال التركيز على الجسد (كان ثوبها ازرق ضيقا يبرز مفاتن صدرها وفخذيها…ص24).وهذه البداية تمثل استرجاعا زمنيا قريبا :(حدث ذلك قبل يومين ص24) وهو استرجاع يبدأ من نهاية الحكاية. حيث تتعرف صاحبة الثوب الأزرق على عزم الشخصية على المغادرة. مع تلخيص مكثف لما آلت إليه علاقته مع زوجته. ويتضح ذلك عبر منتجة قاسية لتأزم هذه العلاقة. وعبر تلخيص وحذف لكثير من الأحداث وعبر منتجة لزمن هذه الحكاية أيضا.
يتضح العطب في العلاقة الزوجية عبر حوار بين الشخصية الرئيسية وبين ذات الثوب الأزرق باستخدام الشكل الخطي الغامق الذي أشار إليه المؤلف باعتباره تداعيا يرد ذهن البطل او الذي يرد عن طريقه حين تسأله :
– لماذا فعلت ما فعلت؟
– مع من؟
– مع زوجتك.
– حررت نفسي من عبوديتها.ص27
ونلاحظ أن الحوار لا يسير باتجاه استكمال هذه الحكاية من خلال الحوار بل انه يقطع في الصفحة الواحدة بإدخال استذكارات الشخصية أو تعليقاتها والاهم من ذلك تداعياتها. وكل ذلك يتم التعبير عنه وفرزه شكليا بواسطة استخدام علامات الترقيم المعروفة للتعبير عن هذه المستويات المتنوعة التي تحدث في زمن واحد.فالتداعي الذي يرد عن طريق البطل يكتب على شكل سرد بالحروف البارزة الغامقة وكذلك الحوار. أما المستوى المتعلق بتداعيات الشخصية التي ترد من خلال ذهنه وخلال حواره في نفس الفترة الزمنية فيضعها المؤلف بين قوسين للدلالة على هذا المستوى الثاني والذي يعبر عن أعماق الشخصية وتعليقاتها ورؤيتها للحدث الذي يتشكل كعلاقة خارجية وداخلية.بمعنى آخر أن الحدث الذي يجري خارج الشخصية مع آخر يعبر عنه بالسرد والحوار والوصف في حين يعالج المستوى الآخر الذي يتعلق بأعماق الشخصية من خلال التعليقات الموضوعة بين قوسين للتعبير عن حوار الذات مع نفسها.وهذا التقنية لم تكن معروفة حتى وقت قريب في الرواية العربية. وهي تقنية تجري على عدة مستويات :الاستذكار عن ماض قريب والاستذكار عن ماض بعيد وحوار الذات مع نفسها كتعبير عن الحاضر وهي تقنية مستخدمة في كل المقاطع المكتوبة بالحرف الغامق في كل صفحات الرواية ويمكن التدليل على ذلك بالمقطع التالي :
هي لم تمد له يدها عندما اقترب منها.
أهلا.
قالت فقط.لم يكن من عادتها أن تفعل ذلك..
«ما بها»..داهمه- وقتها – إحساس بالحقد.
«لابد إني فقدت امتيازات كثيرة نتيجة الحالة التي ألت إليها !» ازدادت وطأة الحقد عليه.نظر إلى يدها المدلاة.«لماذا»
هي كانت تميل إليه.«أ لأني اتخذت قرارا لنفسي !!».قرر أن يشعرها بأنها أمام شخص يختلف عما عليه الأمس.
«مادامت…فلاكن..»لم يرفع عينيه عن يدها وقال:
– لابد أني فقدت امتيازات كثيرة نتيجة الحال التي ألت إليها !كلامه صادف ضيقا من جانبها. وتمتمت:
-هذه صراحة في غير محلها !ص26.
ونلاحظ ان منتجة حكاية الزوجة تجري بمستويين بالعلاقة مع مرو له مشخص في السرد والحوار. فعندما يكون المروي له (صاحبة اللون الأزرق) يسرد الراوي أو الشخصية الرئيسية بالتناوب هذه الحكاية ابتداء من الوضع المتأزم التي وصلت إليها الحكاية بقصد الاقتراب من الشخصية الثانية صاحبة اللون الأزرق عبر تأكيد حالة الافتراق النهائي بين الزوجين ومن اجل ادامة العلاقة الجديدة مع ذات الثوب الازرق. في حين تروى نفس الحكاية لمروٍ له آخر هو الضابط الجريح باستطراد نحو بدايات التعرف على الزوجة باتجاه توكيد الألفة مع الزوجة والعلاقة الخاصة التي ينميها البطل خصوصا في الجانب الجنسي من العلاقة (لاحظ الصفحات 111 -117 الطبعة الأولى من الرواية).
 وكل ذلك من اجل تحفيز هدفين اولهما: تأجيج الأزمة باتجاه الهروب واغتصاب ذات الثوب الأزرق علامة على عبثية الشخصية المحورية وانغمارها في تساؤلات لا إجابة لها عن الوجود والإنسان والعلاقات الإنسانية ومعظمها لها علاقة بالمفاهيم العبثية لالبير كامو وسارتر وغيرهم من الوجوديين ويكون هذا الجزء المروي على لسان الشخصية ومن خلال حواراتها مع صاحبة الثوب الأزرق منبثقا من أعماق الشخصية وليس سردا عنها أي انها على شكل تداعيات من ذهن الشخصية ومن خلالها. وهي ممنتجة بشكل صارم باتجاه توكيد الرغبة في الخلاص من هذا العالم الكابوسي.
اما ثاني الهدفين فيتضح بالحوار مع الضابط الجريح كمرو له رئيسي هنا. وهنا تأخذ حكاية الزوجة استطرادا نحو الماضي البعيد وضمن بنية الزمن الاعتيادية بستخدام التناوب في السرد والتركيز على الناحية الجنسية التي تسطرد الشخصية في وصف جزء كبير منها إلى الضابط الجريح. وتكون المنتجة محصورة في الحوارات المباشرة مع الزوجة التي ترد ذهن الشخصية. لتلبي حاجة الانفراج النفسي الذي تطمأنه الحوارات مع الآخر – الضابط وصولا الى نهاية الرواية باتجاه الانفراج النفسي للبطل (افلتت ضحكة واهنة من فم الضابط. بينما رفع الآخر عينه إلى سقف الكوخ. ثم أطبق جفنيه. ومن خلالهما كان شارلي شابلن يضع يده في يد المتشردة.ويسيران معا عبر طريق سماؤها زرقاء غنية الاضواء. وبلا وعي منه افترت شفتاه عن ابتسامه).ص142
ونلاحظ في بنية زمن الحكاية انها تهتم كثيرا بالإيقاع كمنجز مهم في بنية الزمن الروائي في هذه الرواية. ويتمثل الايقاع في رواية كانت السماء زرقاء بالبطء الشديد في اللحظات الدرامية المتمثلة بالتداعي الممنتج لحكاية الزوجة المروية الى صاحبة الثوب الأزرق. والتي يغلب عليها البناء المشهدي الحواري الذي يتميز بنسبة عالية من الثبات. بحيث يجعل الأفعال وكأنها تقع في الحاضر. ذلك لان استثمار الحوار في المشهد يجعل زمن سرد الحكاية مكافئا لزمن النص الروائي المجسد بعدد الصفحات. كما نلاحظ في بنية الابطاء هذه ميل الروائي الى التنويع في بناء المشهد الحواري بطريقتين متضافرتين بهدف التنويع في إيقاع وازالة الملل والرتابة التي يخلفها التاليف المتماثل. ففي بنية المشهد الحواري الممنتج الذي اقتبسنا الكثير من فقراته. يعمد الروائي الى تجسيد هذا المشهد بشكله المعروف أي الشكل المباشر في الحوار. ولكنه يعدل هذه الشكل المباشر الى شكل آخر بين الحوار والسرد. ليضفي الحركة على المشهد الحواري ويخلصه من الثبات وافتقاد الحركة. ففي الصفحة 57 من الرواية يجري الحوار بهذا الشكل :
-(لن اظل معك…طلقني!»
هو طلقها مرتين قبل ذلك.
– «قلت لك طلقني !»
عليها ان تفرغ النفط الذي في معدتها قبل ذلك.
……
– «طلقني !»
هي مخبولة.
ويستمر الحوار بهذا الشكل ثلاث صفحات من الرواية. كما يكرر هذا الشكل من الحوار ايضا مع صاحبة الثوب الازرق حيث يكون الحوار المباشر للرجل. في حين يكون حوارها غير مباشر. يستثمر فيه الروائي إمكانية التعليق على حديث الشخصية الرئيسية بالتصديق او التشكيك في صحته ثم يكون مباشرا لصاحبة الثوب الازرق وغير مباشر للشخصية الرئيسية.(انظر الصفحات 84. 85، 86).
اما التسريع في السرد كعلامة من علامات الإيقاع في هذه الرواية. فيكون في الاجزاء غير الدرامية المتمثلة في حاضر السرد. حين يجري الحذف والتلخيص لبعض احداث الرواية. علامة من علامات تسريع السرد. ويتم ذلك حين يحذف السارد احداثا ومواقف جرت مثل كيفية وصول الشخصية الى السيبة. وما جرى من احاديث بين الشخصيات التي تزمع الهروب الى ايران وغيرها من الاحداث التي تم التكتم عليها. اما التلخيص وهو من تقنيات تسريع إيقاع في الرواية. فيتضح بشكل جلي في احداث اليوم الثالث الذي يكرسه الروائي اسماغيل فهد اسماعيل لإنماء العلاقة مع الضابط الجريح. وفيه يتم سرد أجزاء من حكاية الزوجة وصاحبة الثوب الازرق. بطريقة الحذف والتلخيص.وايضا ببناء المشهد الحواري من خلال الحوار المباشر بين الشخصية والضابط الجريح. ويعمد المؤلف الى وسائل خاصة من اجل ادامة تسريع الايقاع كأن يضع يده على فم الضابط الجريح لمنعه عن الكلام او التهديد بذلك ويتضح ذلك ابتداء من الصفحة 133 والى نهاية الرواية.
ويعتبر الايقاع في رواية (كانت السماء زرقاء) من الإنجازات المهمة في تكثيف وتسريع السرد. وبناء المشهد الحواري الذي اكسب الاحداث حضورا مجسدا.وخلق ذلك التوازن. بين الاحداث في الحكاية التي تغطي زمنا طويلا من حياة الشخصية الرئيسية وبين عدد صفحات الرواية المعبر عنه بزمن النص. وقد نتج هذا التوازن كما اشرنا من خلال اعتماد تقنيات جديدة. لم تكن معروفة في الإنتاج الروائي العراقي والعربي وقتذاك.
تقنية التكرار
وهي تقنية من تقنيات بناء الزمن استخدمها الروائي إسماعيل فهد إسماعيل في هذه الرواية إضافة الى رواياته القصيرة التي اشرنا اليها سابقا.وهي هنا تقنية تروي مرات عديدة ما وقع مرة واحدة. ويتضح ذلك في حكاية الزوجة وبالضبط في العلاقة الجنسية معها التي تشكل حافزا نحو الانفراج النفسي وكذلك تكرار بعض العبارات الدالة التي يحاول البطل من خلالها إضفاء نوع من الإنسانية والتميز في سلوكه وبعض الحوارات مثل (انت انسان خاص) (انا لست منهم او منكم) (انا اسرقها اسرق، شيئا انسانيا) (الكتب لم يعد لها مكان لدي او الكتب لا مكان لها لدي) وكل هذه التكرارات تلبي حاجة في اعماق بطل الرواية وتشي بتضخم الذات والفردية والعبثية التي تتغدى من الكتابات الوجودية التي كانت سائدة في منتصف الستينيات. ويتضح ذلك من عبارة (انت انسان خاص) التي تكررت عدة مرات أو عبارة (لست منهم او منكم) التي تشي بعزلة وعبثية مريرة. اما عبارات (انا اسرقها. اسرق شيئا انسانيا) فهي عبارة دالة على الاعتراف بالذنب من جهة. وتشهر التميز الذي تحاول الشخصية ان تجد نفسها فيه من ناحية ثانية. في حين تؤكد عبارة (الكتب لا مكان لها لدي) على نزوع ذاتي بالتفوق نسبة للعائلة والزوجة وحتى الحبيبة وكذلك هي تعبير عن وصول الذات الى درجة من الإنهاك والضجر من الحياة باعتبار ان الكتب احد الموجودات المهمة في حياة المثقف.
ان التكرار كتقنية من تقنيات السرد ترد هنا باعتبارها لوحات لغوية مشخصة ومستقرة في حركة السرد لتضفي عليه انارة وتركيز عين المتلقي باعتبارها عبارات او حوارات مهمة ينبغي على المتلقي الوقوف عندها والتامل في معناها بعيدا عن الكل الذي تحققه حركة السرد. فهي بنية مشهدية ساكنة معروضة للتأمل والفحص.
 لقد كان ظهور هذا الشكل الروائي الجديد في الساحة العربية. إشارة على ميلاد مزاج جديد في الذائقة الادبية والفكرية وحتى الاجتماعية. اساسه ميلاد جيل جديد. رأى ان العلاقات الابوية الاقطاعية – الزراعية التي تؤمن بسلطة الاب والكيان العائلي المنسجم والمتضامن في الاسرة الواحدة او المجتمع. قد اصبح صورة شائهة ليس لها وجود فعلي. بفعل تقدم واجتياح العلاقات الرأسمالية لكل ما هو علاقة جمعية مطمئنة ومنسجمة باتجاه تحطيم تلك الأواصر. وتأسيس علاقات جديدة اساسها الفرد المغترب والعائلة المفككة. في مجتمع لا يؤمن بالجماعة بل بالفرد. وقد اتضح ذلك في معظم النتاج العربي القصير الذي نشر في السبعينيات من القرن العشرين. وفي رواية (كانت السماء زرقاء). يظهر تفكك العائلة وضعف سلطة الاب وانهيار القيم العائلية. بشكل واضح سواء من علاقة الرفض الحاد للعلاقة الزوجية بشكلها القديم (العائلة المنتجة للأطفال والمنسجمة) او من خلال وجهات النظر التي تطرحها الشخصية. عن الام والاب والاخ اي انه قطع علاقاته بكل ماضيه: (الانسان الذي يحزن لا بد ان يدرك رابطة بماضيه فيسف عليه. ورابطة بمستقبله فيبدا بداية جديدة بعد ان ينفس عن عواطفه بالبكاء. اما هو فلا يجد مبررا للبكاء. ما عادله ماض. هو قطع كل صلة به.ص98). وكذلك للعلاقة الجديدة التي يؤسسها البطل مع ذات الثوب الازرق القائمة على العلاقة الحرة ‘من خلال مسؤولية الرجل والمراة عنها. وقد ورد هذا الهاجس في تداعيات الشخصية الروائية المركزية «…كنت اعيش لحظتي فقط. قالت :-(ابدنا هو هذه اللحظة» ص137 أو :(لم اكن اعرف ما اقول. هي..هي ارادت انتشالي..ارادت خلقي من جديد..هي مجنونة !ص139) وخلال حديثه مع الضابط الجريح يصرح له انه هي التي سمحت له بالاعتداء الجنسي عليها. وهو تصريح يكشف عن تفكك العلاقات الاسرية بالشكل الذي يسمح لصاحبة الثوب الازرق ان تخرج وحيدة الامر الدال على حرية نسبية كانت قد توفرت للمرأة منتصف ستينيات القرن العشرين.
لقد كان ميلاد هذه الرواية في منتصف ستينيات القرن العشرين.استجابة فنية مبكرة للتحولات الفكرية والسياسية والادبية التي وجدت لها مناخا ملائما بداية سبعينيات القرن العشرين في العراق والوطن العربي.وهي استجابة ظهرت لاحقا في النتاج الروائي العراقي والعربي.(انظر الهامش الثاني تحت الرقم 6).
الهوامش
1- هامش اول
1- صدرت رواية كانت السماء زرقاء عام 1970 عن دار العودة تتصدرها هذه الملاحظة الهامة التي كتبت بعد إنجاز كتابة الرواية بخمس سنوات واثناء طبعها وقد بقيت ملازمه للرواية في كل طبعاتها المتعددة وتنص على :
(كتبت هذه الرواية عام 1965. بعد أن تعرضت قوى الخير للابادة. أما وقد عرف المسار فمعذرة يا جواد السحب الداكنة…) والملاحظة الهامة هذه تشير إلى أحداث عراقية صاخبة حدثت قبل زمن الكتابة بسنوات وهي تحتاج إلى إضاءة لإيضاح مؤثرات الواقع العراقي المعيش آنذاك والخلفية الثقافية التي أسهمت في هذا الإنجاز الروائي المتميز. مضافا إلى ذلك طموح كاتبها في الكتابة المفارقة للسائد في الرواية العربية بشكل خاص.
 يفيد تقطيع العبارة الخاصة بالملاحظة الهامة إلى التأشيرات التالية :
– ان الرواية كتبت عام 1965.
– تعرض قوى الخير للابادة.
– معذرة لجواد السحب الداكنة.
التأشير الأول يؤكد على زمن الكتابة عام (1965) وهو عام ذو دلالات سياسية واجتماعية عاصفة في العراق بعد انتهاء الحكم الدموي الذي أسسته مذبحة انقلاب شباط الدامي عام 1963. وفي الرواية دلالات نصية على هذا التاريخ تخص المكان والزمان، فأحداث الرواية تبدأ من اليوم الثالث للانقلاب المضاد الذي قاده عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني عام 1963ضد انقلابي 8 شباط ويتضح ذلك في السرد أو في الحوار(1) :
(بالأمس كان قد اتصل بأحد أصدقائه القدامى من سكان ناحية السيبة اخبره بأنه قرر اجتياز الحدود العراقية إلى إيران. صاحبه ضحك.
– هل أطاحت بك الثورة أيضا؟ ص18).
 وفي الصفحة 21 (كلهم سياسيون هاربون) إلا هو. قبل أيام ثلاثة حدثت ثورة. ثورة في الخريف أطاحت بنظام حكم معين).
وفي حوار الشخصية الرئيسية في الرواية مع الضابط الجريح يسأله.
-أكنت تصلي؟.
– منذ أكثر من عشرين سنة. عدا الأيام التي تلت الانقلاب الأخير.
– قل الثورة الأخيرة.
– حسنا… الثورة الأخيرة ص110.
وتشير الملاحظة الهامة أيضا إلى تعرض (قوى الخير للابادة).
وفي هذا المجال يمكننا التأكيد بان زمن الكتابة كان زمنا عاصفا تغيرت فيه وجهات النظر واختلت الموازين الفكرية والايدولوجية التي سادت الساحة العراقية بعد انقلاب 8 شباط الدامي.فقد تعرضت التنظيمات السياسية المعروفة في العراق إلى تصفيات دموية وتسقيط الهوية وإرغام الناس على اعتقادات ومفاهيم بالإكراه.وقد أدى ذلك إلى تخريب منظم للذات العراقية وتشكيك بالمعتقدات والأفكار التي اعتنقوها طيلة عقود من الزمان بسبب لا جدواها في مقاومة هذا العسف أو مواجهته وقد افلح ذلك العسف والاضطهاد في تحطيم جيل كامل من المثقفين والادباء والسياسيين الذين وجدوا انفسهم غير قادرين على مقاومة هذا العسف وهذا الاضطهاد مما اضطرهم الى نبذ الافكار والمثل التي تربوا عليها وآمنوا بها وبذلك انشطرت ذواتهم وتأزمت بشكل عميق وقد دفعهم ذلك الى الالتجاء الى اعماق ذواتهم في رحلة معاكسة اساسها مقولة جان بول سارتر القائلة (الآخرون هم الجحيم) وقد عزز دخول الكتب والروايات الوجودية متمثلة في روايات وكتب جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار والبير كامي وغيرهم هذا الأمر وخلق جوا من التشكيك في قدرة الإنسان على صنع مصيره مع آخرين من أمثاله وكرس الذاتية والعبثية. ويتضح ذلك في رواية (كانت السماء زرقاء) بالكشوفات الذاتية للشخصية المحورية في الرواية التي تجد نفسها دائما خارج إطار الإنسانية وكثير من حواراتها مع ذاتها تحيل إلى أفكار البير كامو العبثية.
أما العبارة الأخيرة في الملاحظة الهامة فتقول: (فمعذرة يا جواد السحب الداكنة) التي أهملها كل النقاد الذين كتبوا عن هذه الرواية وقد فسرت هذه العبارة وكأنها عبارة مجازية يعتذر فيها الكاتب عن بعض المفاهيم العبثية والوجودية التي وجدت لها مكانا واضحا في هذه الرواية. وإذا كان ذلك صحيحا بسبب استثمار الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عالمه الروائي بعد ذلك بالانتصار للانسان في معظم رواياته التي أنتجها في الكويت. غير ان عبارة معذرة يا جواد السحب الداكنة هي إشارة إلى رواية بهذا الاسم صدرت عام 1968 للروائي العراقي عبد الجليل المياح (اعدمته السلطة الدكتاتورية في عهد صدام حسين عام 1980) وتتضمن ثيمة الرواية دعوة الى الالتزام بقضايا الناس وهي بمثابة ردة فعل واضحة ضد الافكار العبثية التي سادت في الانتاج الفصصي والروائي العرافي منتصف عام 1965 ودعوة عامة مغايرة للالتزام بقضايا الآخر الذي كان هو الجحيم في روايات منتصف الستينيات وفي روايات الروائي اسماعيل فهد اسماعيل الأولى. ذلك لأن هذه الرواية إضافة إلى روايتي الحبل والمستنقعات الضوئية التي كتبها هذا الروائي في العراق (البصرة تحديدا) تؤكد هذا المنحى التجديدي وهو منحى ينتمي إلى الواقع الأدبي في العراق حصرا وضمن الأجواء السياسية والفكرية والأدبية في العراق إبان منتصف الستينيات. مما يعني ان تجربة الروائي اسماعيل فهد اسماعيل قد نضجت واكتملت في العراق.ومما يؤكد ذلك ان الكاتب لم يتناول الواقع الكويتي برواية خاصة الا في عام (1980) في روايته الموسومة (خطوة في الحلم) إضافة إلى مجموعة قصصية صدرت قبل هذه الرواية حملت أجواء الكويت وتأثيرها على المقيمين في دولة الكويت من الأقوام المتنوعة هي (الأقفاص واللغة المشتركة التي صدرت عام 1974) ولذا يبدو التدقيق في الملاحظة الهامة أمرا مهما لإنشاء الخلفية الضرورية لهذا الإنجاز الروائي المهم.
2- تشير عبارة الشخصية المحورية (كانت بيدك السلطة تستطيع الخدمة عن طريقها. مارستها شهر….) بشكل واضح الى انقلاب 8 شباط الدموي الذي نفذه البعثيون عام 1963 في العراق وخلاله استطاعوا تدمير الانسان العراقي وسحق كل التطلعات الانسانية في الحركة الفكرية والسياسية في العراق.فقد دام هذا الانقلاب عدة اشهر (ابتداء من 8 شباط 1963 الى 18 تشرين الثاني 1963.) وقد ورد في الرواية ما يؤيد ذلك حين يشير السارد الى ذلك في الصفحة الرابعة والعشرين من الرواية : (قبل ايام ثلاثة حدثت ثورة.ثورة في الخريف اطاحت بنظام حكم معين..) وفي الصفحة الحادية والتسعين يذكر في حواره مع ذات الثوب الازرق ما يلي : (تذكرت بانني ارخت الورقة بتاريخ 18 من الشهر بدلا من 17.).
2- هامش ثان
(1) الروايات التي صدرت قبل هذه الرواية وهي تحمل مسحة التجديد في الرواية العربية هي : (رجال تحت الشمس) لغسان كنفاني و(وسداسية الأيام الستة) لاميل حبيبي وقد اكد الروائي اسماعيل فهد اسماعيل في مقابلة منشورة معه انه لم يطلع على هاتين الروايتين اثناء كتابته رواية (كانت السماء زرقاء) ولكنه اطلع على رواية (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني (انظر :الحوار الذي أجريته معه– جريدة المدى العراقية –المدى الثقافي – العدد496 السنة الثالثة 3 أيلول 2005).
(2) اعتمدت في قراءتي لهذه الرواية على الطبعة الأولى الصادرة عن دار العودة – بيروت عام 1970.
(3) استفدنا من كتاب الدكتور (صلاح فضل) الموسوم (بلاغة الخطاب وعلم النص – سلسلة عالم المعرفة العدد 164 الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – الكويت اب 1992.
وكذلك كتاب (بناء الرواية) لسيزا فاسم.
(4) بلاغة الخطاب وعلم النص – د.صلاح فضل – مصدر سابق ص308
(5)صنعة الرواية – برسي لوبوك – ترجمة عبد الستار جواد بغداد 19 ص225
(6)الروايات القصيرة التي صدرت بعد هذه الرواية. وكانت تحمل شكلا جديدا هي :
* رواية الوشم للروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي عام 1972 بعد نشر رواية كانت السماء زرقاء بسنتين وقد اشار الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي ان عام 1972 (الذي نشرت فيه لم يكن عام كتابتها. بل انها كتبت قبل ذلك التاريخ بخمس سنوات. وفي الشهور الاولى التي اعقبت نكسة حزيران (يونيو) عام 1967ولم ينتبه الى هذا الامر إلا قلة من نقاده – –اصوات وخطوات- اشارات في مسيرتي الروئية ص16– مقالات في القصة العربيةغبد لرحمن مجيد الربيعي المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1984)
 
جميـــل الشبيبـــي
      كاتب وناقد من العراق

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …