أخبار عاجلة

إضاءات من الشعر العماني

أبو نذير السالمي (1868-1927م)
1- الأحبة

 

أترى أحبتنا الألى سكنوا الحمى

ذكروا فتى.. عن ذكرهم لا يفتأ؟

والله.. لا أنساهم أبدا ولو

طال الجفاء، وحقهم لا ينسأ

ثوب التصبر عنهم متمزق

وبغير حسن وصالهم لا لرفأ

طالت برمضاء القطيعة وقفتي

فمتى بروضة حسنهم أتفيأ؟

لا تذكروا لي غيرهم في حضرتي

إني بذكر سواهم أتقيأ
2- نرجسية الشاعر

ولرب بيضاء المحاسن بيضة

في خدرها محروسة بالبيض !

أحييت ليلتها وصالا والفتى

مثلي به تحيا ليالي البيض!
3- أطلال

هذه دارهم، وتلك رباها

ما على العين أن تفيض دماها؟!

وقليل على الجباه إذا ما

حظيت باللقاء.. لم ثراها

يا ديار الأحباب كم لك فينا

أعين لا تصيب منك كراها

وقلوب تقلبت في ضرام البعد

لا تعجبوا إذا ما شواها!

هذه مقلتي تسيل.. فبالله سلوها

هل في سواكم بكاها؟

آه من لوعة الفراق، وتعليل

المعنى بقول "آه" و "آها" !

4- مباراة

التقينا تعانقنا مصافحة

وصار كل يباري لوعة وأسى

فكدت أغرقه- أو كدت أحرقه

من عبرتي أدمعا.. أو لبتي (1) نفسا!

وكاد يشربني شوقا ويلبسني

طوقا.. وكل بنفس الآخر التباسا!

5- الظبيى النصراني

وظبي من نصارى الشام.. ألمى

يهيم بحسنه يمن وشام

إذا أبدى محياه بليل

يخر لحسنه البدر التمام

تربى في النعيم.. فصار فردا

وضمته بأحشاها الخيام

تصدى لي خلال الستر يرمي

بأسهمه.. فلم تخط السهام

وهل تخطي سهام اللحظ قلبا

غدا شبحا يلاعبه الهيام

بمنبر هذه الوجنات خال

بكعبة حسنه ازدحم الأنام!

كأن الأسود الحجر استلمنا

ولكن بالعيون لنا استلام!

6- تفاصيل ليلة ما…

فبت أجلوه من فرع الى قدم

وبات عندي.. وقد وسدته عضدي

لما كساه الحيا باللثم سابغة (2)

فككت بالضم منه جملة الزرد (3)!

بينا نجاذب أطراف الحديث هوى

حتى اعتنقنا وكفاه على كبدي

لما اعتنقنا غدونا واحدا جسدا

وأعجب الشيء من روحين في جسد

لازلت من نطقه السامي ومبسمه

أبين الفرق بين الدر والبرد

قد صرت أنعم في خلد وفي خلد

وعشت دهرا بلا جلد ولا جلد

إن كان ملكني حسن القياد فقد

ملكته من شبابي ما حوته يدي!
7- لبن الأشعار

 

من مجيري من فتاة
   

أفسدت ديناوذهنا
   

 

بلحاظ وقوام
   

جردت ضرباوطعنا

تلك أسياف وهذا
   

أسمر يهتز لدنا
   

 

تركتنا لعبة في
   

صولجان الحظ بحنا
   

 

ذكرت شوقا وحنت
   

وبكى الصب وحنا
   

 

وشكت وجدا فأنت
   

وشكا الصب وأنا
   

 

أرضعتني لبن الأشعار
   

لاسعدى ولبنى!
   

 
           

8- عاشقان في المجرة!

وريانة الساقين ظمانة الحشى

عظيمة خف الردف بيض الترائب

خلوت بها والغصن والظبى والنقا

وبدر السما يبدي كآبة شاحب

بثثنا الهوى، والنجم في صفحة السما

ونفس الدجى للنقل أضبط كاتب!

وليس لنا إلا المجرة حانة

نحن لها ما بين ساق وشارب!

كأن محياه بليل فروعها

بياض العطايا في سواد المطالب

جوارحها كادت تذوق لطافة

جوامد.. لكن أمسكت بذوائب

رهنت الحشى في قوس حاجبها هوى

ولا آرتضي رهنا لها قوس حاجب!

 9- لحظة عشق عارم

وظل معانقي جيدا بجيد
   

على شفتي تقلب وجنتاه

يميل إذاعصرت له قواما
   

ويبسم كلماقبلت فاه

ويدني لي محياه ومهما
   

أردت اللثم من خدثناه

وبات بغفلة الواشي ضجيعي
   

وبت أطيل رشفي من لماه!
10- الاغتراب

ملازمة الأوطاق عجز وذلة

وفي الاغتراب العز والمجد والفخر

وليس يهاب البحر عند سكونه

و لكنه يخشى إذا اضطرب البحر!
11- الكاشحون

والكاشمحون إذا رأوني
   

أشحنوا أشباحهم

فكأنني عزريل أقبل
   

يبتغي أرواحهم!
12- الحية في شعرها

ما صال صل غديرها متدليا
   

من لسعة لقلوبنا إلا نهش

ريانة الساقن، لكن خمرها
   

يشكو الظماء وريقها يطفي العطش

واذا اشتكى قلب المحب حرارة
   

مسح اللمى منه حرارته فبش!
أبوالصوفي (1864-1952م)
1- حانوت الموت

لعمرك.. من يسلو؟ وذا الدهر في الورى

على عجل بالموت تسعى كتائبه

هياكلنا للموت حانوت خمرة

يطوف بها عزريل والخلق شاربه

نجانب أسباب المنايا، وأننا

لنهلك بالأسباب فيما نجانبه!

 
   

2- مفارقة

 
   

إن ليل الشباب أهنأ صباحا

 
   

وبياض المشيب أدهى ظلاما!

 
   
3- ملك الهوى

 
   

نشرت شرع الهوى بين الورى علما

 
   

فكل أهل الهوى في قبضتي خدم

 
   

تراهم حول ناري يهتدون بها

 
   

يغشاهم من لظى أشواقي الضرم

 
   

بخمرتي سكروا، من نهلتي شربوا

 
   

.. أنا مليك الهوى.. والمدعون هم!

4- فناءالعشق

وليس دمعي حقا حين أنثره

لكنها النفس من عيني تعتصر

فنيت.. لولا أنيني ما اهتدى أحد

لمنظري… ساقه من سقمي الكدر!
5- شقاء

همي أتى من هممي
   

وصحتي من سقمي

من علة البدء أنا
   

في علة من هرمي

أقضي حياتي تعسا
   

مذ كنت في الرحم

منغصا في عيشتي
   

وإن تكن كالديم

أسعى ضئيلا مثلما
   

يسعى بكفي قلمي

أودأني لم أكن
   

لكن سهمى قدرمي

فها وجودي عدم
   

ليت وجودي عدمي

فإن أعش دهرا فطول
   

العيش أدنى حلمي!

ابن مداد (القرن الخامس عشر الميلادي)

1- معاناة

وهم جعلت الشعريين (4) خناقه

وقد غورت أم النجوم الثواقب

ونوم كطعم البابلي نفيته

وقد هجع النوام من كل جانب

أراقب لمحا من سهيل كأنه

ذبال يذكا في منارة راهب

كأن نجوم الليل وعي رواكد

مخانق در في نحور الكواعب

2- برهان المحبة

إن الدليل على حبي مسامرتي

للنجم يسبح في الخضراء غرقانا!

 

3- الى الأحباب

ملكت قيل الصبر يوم وداعكم

حفاظا، ولم أملك من العين أدمعا

سلوا الليل عني: هل أعد نجومه

إذا كان ليلا أسود اللون أقرعا

وهل طعمت عيناي من لذة الكرى

إذا النوم في أجفان غيري شعشعا

4- نصيحة

لا تعتمر جاهلا يروقك إن
   

واجهته في جمال رونقه

ان بدا في جميل أهبته
   

يانجس ملبوسه ومنطقه

وانظر إليه بعين مطرح
   

فإنما ذاك من تحذلقه

واسم الى عالم أخي أدب
   

عمدا فقبل بياض مفرقه

5- الحكمة

وهذه الحكمة وحشية
   

محبوسة في صدر أهل النفاق

تكاد من غم ومن ضيقة
   

تطير من فرجة باب الرواق

حتى إذا صارت ألى ربها
   

قرت وما أقطرت لطيب الوفاق!

6- دهر

وأتى بالعجايب المفظعات
   

يالدهر قد بدل الحلو مرا

قطع الوصك من ذوي الفضل
   

والعلم وأبقى للأوجه المنكرات!

7- زمان

هذا زمان تضم الخيل هيئتها
   

ذلا، وتصهل في أرجائها الحمر!

8- نصيحة؟

إذ! ما شئت منزلة وجاها
   

ومكرمة تحاولها وقدرا

وأن تؤتى مع المثرين مالا
   

وتكثر فيهم ذهبا ووفرا

فلا تتعلمن في العلم حرفا
   

ولا تقرا مع الكتاب سطرا!

فما من عالم إلا وما في
   

البرايا اليوم أضيق منه صدرا

وأكدر عيشة وأشد بؤسا
   

وأكثر محنة وأقل قدرا

تعاوره الكلاب بكل فج
   

وتأكل لحمه عدوا وقسرا

9- في رثاء الكتب

ابك لشوق العلوم إذ دثرت
   

وأصبحت مقفرا مبواها

أبك لها حين مات عالمها
   

لربي أمانها ومدراها

قد أصبحت بعده معطلة
   

لم تلق غير الغبار يرزاها

فالصرص والفأر يعملان بها
   

والطل بعد الصبيان ينكاها!

10- تفاؤل

الله أرحم ما يكون بعبده
   

إن حل في بطن القبور فريدا

أبوحمد البوسعيدي
(…….؟ – 1809م)

1- حوارية العاشق

كيف السبيل الى وصالك دلني
   

يا من هواه أعزه وأذلني

وتركتني حيران صبا هائما
   

أرعى النجوم وأنت في نوم هني

عاهدتني أن لا تميل عن الهوى
   

وحلفت لي يا غصن أن لا تنثني

هب النسيم، ومال غصن مثله
   

أين الزمان وأين ما عاهدتني؟!

لما ملكت قياد سري فى الهوى
   

وعلمت أني عاشق لك خنتني!

فلأقعدن على الطريق وأشتكي
   

في ذي مظلوم وأنت ظلمتني!

ولأشكينك عند من ملك الهوى
   

ليعذبنك مثل ما عذبتني

ولأدعين عليك كما جنح الدجى
   

فعساك تبلى مثلما أبليتني!

2- آه …

لهفي على عيش مضى
   

ماذقت أحلى منه شي

لما ذكرت عهوده
   

جرت الدموع وقلت: أي!

أبو غسان اليحمدي

(……؟ – 1053م)

1- لا حياة إلا هكذا!

ولا خير في خير ترى الشر بعده

ولا في أخ دبت إليك عقاربه

ولا العيش إلا أسمر اللون عاسل (5)

وأشقر في يوم عبوس تلاعبه!

وقرن تعاطيه الحمام وفارس

تعاطيه حينا ثم حينا تضاربه

ذريني وخلقي يا ابنة القوم إنني

رأيت الأذى حربا لمن لا محاربه

على أنني إما امرؤ ضمه الثرى

وإما فتى جلت بقوم كتائبه

وإما فتى أبكى عيون عداته

واما فتى تبكي عليه أقاربه

وإما فتى يقضي عليه حمامه

وإما فتى تمضي الحمام قواضبه

سلى: هل قطعنا سبسبا (6) بعد سبسب

تعاوى به سيدانه (7) وثعالبه؟!

سلي النسر: هل زرنا، فلم نتهض حقه

وقد نشبت في لحم قوم مخالبه؟!

فمازال يخفى الليل ما في سواده

إلا أن بدت عند الصباح عجائبه
متى يكسب المعروف من كان همه

غداء يغذي أو فتاة تراقبه؟!

الهوامش:

* أبونذير السالمي محمد بن شيخان السالمي، لقبه محمد بن يوسف أصفيش بـ "شيخ البيان" إعجابا بشعره.

عاش في كنف السلطان فيصل بن تركي سعة عشر عاما مادحا إياه، وقد فرض له راتبا شهريا يتقاضاه، ثم حصلت بينهما قطيعة، انتقل إثرها طائفا بامارات الخليج مادحا أمراءها.

وقد زار أحدهم فرأى استقباله إياه باردا، فخرج من مجلسه حافيا والوقت حمارة القيظ !

ولما رأى بضاعته كالسدة أقلع عن الشر واسود رأيه في الحياة والناس على حد تعبير "الشيبة" السالمي جامع ديوانه من صفاته أنه كان جهوري الصوت في مشيته زهو الشاعر، فعوتب! في ذلك، فقال: هذا خلقي !

يتضح من شره ولعه الشديد بالصور البلاغية والمحسنات الى البديعيه.

وقد اخترنا له هذه الاضاءات من ديوان له طبع في الأردن سنة 1979م.

* أبوالصوفي: سعيد بن مسلم المجيزي، عاش في بلاط الاسرة المالكة مقربا إليهم منذ السلطان فيصل بن تركي حتى السلطان سعيد بن تيمور وقد صار ملازما لهم مختصا في مدحهم، وله من ذلك ديوان في مدح السلطانين فيصل وتيمور، وقد طبعته وزارة ألتراث القومي والثقافة سنة 1982، بتحقيق د حسين نصار.

وفي ذكر الخصيبي في "شقائق النعمان" أن له ديوانا اخر في مدح السلطان- سعيد بن تيمور، وقد أرسل للطبع الى خارج البلاد، فعثر عليه السلطان سعيد فحجره كرها للمديح.

* ابن مداد هو محمد بن مداد، شاعر وفقيه من علماء النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، قدم له الشيخ سيف بن حمد البطاشي ترجمة ضاهية في كتابه "اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان" ونقل بعضا من قصائده، حيث له مخطوطة بنسخ الشاعر نفسه أطلعنا عليها بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، واخترنا له هذه الاضاءات.

مجهول تاريخ الولادة والوفاة، ولكن تاريخ نسخ المخطوطة كان سنة 874 هـ مما يدل على أنه كان حيا إلى هذا التاريخ.

* أبو حمد البوسعيدي: هو الامام سعيد بن الامام أحمد بن سعيد تولى الامامة من غير عقد، صنفه الخصيبي من شعراء القرن الثاني عشر الهجرى، وذكر بأنه عاصر العالم الرباني جاعد بن خميس، وقد أنكر عليه أفعاله السيئة فدبر له شيئا من أعمال السر حتى ضعفت قوته وذهبت مملكته !

ليس له ديوان شعر وقد اخترنا له هذه الاضاءات من "شقائق النعمان" للخصيبي.

 

*إبوغسان اليحمدي هو الامام راشد بن سعيد اليحمدي، من أئمة الشراة، عاش في القرن الخامس الهجري، مدحه الشاعر الحضرمي بقصائد عدة في ديوانه "السيف النقاد"، ولم ترو عنه غير قصيدة واحدة.

1- اللبة: المنحر

2- السابغة: هي الدرع الواسعة ويقصد أن الحياء كان لها درعا.

3- الزرد: الدرع المزرودة، سميت بذلك للينها وتداخل بعضها ببعض ويقصد بها هنا الخيوط التي تشبك الدرع.

4- الشعريين: كوكبان

5- العاسل: الرمح، والأشقر يقصد به الفرس

6- السبسب: الصحراء أو المفازة

7- السيدان: جمع سيد وهو الذئب
 
اختيار: هلال الحجري (كاتب واستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …