أخبار عاجلة

إطار صورة

(الفسحة بيضاء، مضاءة بكاملها، يحدُّها من الجهة الخلفية جدار أبيض بدوره، ما خلا بقعة في وسطه مستطيلة طولياً، ما يشبه الحيز الذي كانت تشغله صورة أو لوحة، معلقة منذ زمن بعيد. 
متكلمون مختلفون، بين رجال ونساء، من دون تمييز بينهم: ينهمكون – ما أن تضاء الفسحة – بالعودة من جديد إلى أمام الإطار الشاغر، بعد أن قاموا – على ما يمكن ترجيحه – بنزع الصورة أو اللوحة من مكانها):
متكلم 1 : أووف! أووف!
متكلم 2 : هذه ليست من الفصحى!
متكلم 3 : قلْ: تنفسوا الصعداء، أخيراً!
متكلمة 1 (متوجهة إلى المتكلمة 2) : قلْ. لا تقلْ… يلتهون بالمناكفة كالعادة، ألا ترين؟
متكلمة 2  (وهي تنسحب) : على حالهم! على حالهم!
متكلمة 3 : ماذا نفعل بالإطار الفارغ؟
صوت (في العتمة) : متكلمون بالتساوي… هذه إشارة أولى.
متكلم 2 (مرتداً إلى الخلف) : من يكون؟
متكلم 1 : لعله يعمل في المستودع.
متكلم 2 : لعله عامل تنظيفات.
متكلمة 3 : كلنا عمال تنظيفات…
متكلمة 1 (مقاطعة) : … لإعداد منظر…
متكلمة 3 (مقاطعة) : … لإعداد جملة.
(متكلم 1 يشد ساعد المتكلم 3، ويتهامسان فيما يخرجان من الحلقة).
(عتمة).
صوت (في العتمة) : إطار الصورة شاغر.
صوت آخر (في العتمة) : لا، إطار الصورة فاغر.
صوت ثالث (في العتمة) : لا، إطار الصورة شاعر.
(تضاء الفسحة إذ يدخل إليها متكلمون ومتكلمات، كما لو أنهم يبحثون عن مصدر الأصوات… ثم يخرجون خائبين).
(عتمة).
(عتمة ما خلا البقعة التي تَظهر فيها شاشة إلكترونية، تتوالى فوق صفحتها المضيئة الجمل التالية):
أيجوز أن تستقل القصيدةُ القطارَ بعد صفّارته الثالثة؟
أيجوز أن تُمسك الجملة عن الطيران لكي تتمهل في مشيها وراء طابور نحل… لكي تعاين ما يقع بين الغبار وحافته، بين الصوت والمتكلم؟
أيجوز أن تستعير الحروف عكازات ومسامير وفسحات لكي تستقيم خطواتها صوب الشرفة، صوب اللقاء؟
أيجوز أن تستعير الكلمات حركات وأفعالاً وتعبيرات وجه لكي تزدهي في حلتها قبل احتفالات؟
أيجوز أن تَظهر كلماتي من دون هيئتي؟ وصفحتي المرئية من دون أصابعي؟
أيجوز تدبير المواعيد في العلن لمن كان يرود في العتمة؟
أيجوز، أيجوز، أيجوز… فيما تستوي الجمل مثل منصة كلام، مثل تدافع أرجل ورؤوس بين الضيق والخيبة؟
بلى، يجوز لي ما لا يجوز لغيري. بضربة من إصبعي، أنهي جوقاً عن الإنشاد، أو أطلقه فوق منحدرات الوحشة…
(متكلمون ومتكلمات يَظهرون تباعاً في عتمة خفيفة، فتختفي الشاشة الإلكترونية، وينسحبون خائبين).
(عتمة).
(مقعد جلدي يصلح لثلاثة جالسين، من دون مساند جانبية ولا خلفية: متكلم ومتكلمة جالسان وينظران إلى البقعة الخالية):
متكلمة 1 : هذا يذكرني بما كان يفعله البعض في المتاحف…
متكلم 1 : عمَّ تتحدثين؟
متكلمة 1 : في المتاحف مقاعد جلدية مثل هذه، يجلس عليها الزوار المسنون طلباً للاستراحة، أو غيرهم للتأمل المزيد في لوحة.
متكلم 1 : عرفتُ عما تتحدثين عنه… قولي لي: لماذا يختار مخرجون وروائيون عديدون هذه المتاحف، وهذه المقاعد، لكي يجمعوا بين شخصيات تخطط لعملية قتل؟
متكلم 1 : ألا يكون مثيراً الجمع بين الموت والفن؟
متكلمة 1 : أهذا ما يجمعنا؟
(عتمة). 
 متكلمة 3 (واقفة أمام البقعة الشاغرة، ممسكة بممسحة تنظيف) : لحسن الحظ لم يؤنبني أحد… لم يؤنبني بعد! ما كنت أنظفه كل يوم من الغبار طار من مكانه، وما بقي على الحائط كشفَ الوسخ الراسخ. 
(وهي تخفض رأسها) هذا ما لم أكن أحسن الانتباه إليه.
(وهي تنسحب إلى العتمة) يبدو أن ما كانت تجلوه الصورة لم يبدد ما كان يتراكم حولها.
متكلم 1 (داخلاً، رافعاً عصا التهديد) : إطار الصورة لم يذهب معها: بقي في الجدار. 
متكلم 2 (داخلاً، رافعاً معولاً ورفشاً) : لو نحطم الجدار… لو نبني جداراً جديداً.
متكلم 1 : ألن نحتاج حينها إلى صورة أخرى؟
متكلمة 3 (تعود من جديد، ممسكة بممسحة تنظيف، وترفعها مثل علم تُلوِّح به، ثم تقفل عائدة إلى العتمة).
(عتمة).
(أحدهم يركض عابراً الفسحة المضاءة، والتي تخلو له وحده). 
صوت (في العتمة) : له الصدى والمدى.
صوت (في العتمة) : له الهواء والهباء.
صوت (في العتمة) : علقتُ لوحةً، علقتُ معطفاً…
علقتُ، أي: تركتُ لغيري، وخلفي…
علقتُ، أي تخليتُ عما كان لي… 
علقتُ، أي: خسرتُ برضاي.
(عتمة).
متكلم 1 (متحدثاً أمام البقعة مع إحدى المتكلمات) : أتلاحظين أن البقعة خالية، بيضاء، نظيفة، فيما يحيط بها الوسخ؟
متكلمة 1 (تقترب بأنفها من البقعة، وتبتعد) : … فضلاً عن العفونة.
متكلم 1 : مثلنا تماماً. أما كنا نحيط بها فيما سبق؟
(يمسك بذراعها ويخرجان سوياً صوب العتمة).
متكلم 1 (يتقدم من أحدهم، المطأطىء الرأس) : ما لك؟
متكلم 2 (يرفع رأسه، فإذا به يبكي).
متكلم 1 : ما لك؟
متكلم 2 : أبكي.
متكلم 1 : لماذا؟
متكلم 2 : كنت أبكي سابقاً في صمتي، أما الآن فأبكي علناً.
متكلم 1 : أهو الفارق؟
متكلم 2 : يمكنك أن تقيس على هذه الحالة، إن شئتَ أن تفهم…. أنا يعنيني أن أبكي ليس إلا.
(عتمة).
(متكلمان متقابلان على كرسيين).
متكلم 3 : لا يكفي نزع الصورة… لا يكفي تبديل العَلم… لا يكفي استعمال الكلام نفسه في وجهات جديدة…
متكلم 2 (ينظر إليه بشيء من الدهشة من دون أن يشارك في الحوار).
متكلم 3 : جمعتُ صورهم واحداً واحداً في غرفتي. علقتهم على الحائط بدبابيس، كما يفعل محققو الشرطة في الأفلام، في مكاتبهم، لتعقب المجرمين… وكلما قتلوا أو اعتقلوا أحدهم شطبوه بالقلم.
متكلم 2 : هل قتلت أحدهم؟
متكلم 3 : هذا ما باشرتُ به؛ شطبت أكثر من واحد منهم، اسماً اسماً، كلمة بعد كلمة.
(عتمة)
(متكلمان يمشيان في اتجاهين مختلفين).
متكلم 2 : أتعرف؟ الحفيد يصنع الجد.
متكلم 1 (يستمر في المشي).
متكلم 2 : أتعرف؟ المتفرج يصنع الصورة.
متكلم 1 (يستمر في المشي).
متكلم 2 : أتعرف؟ الخطوة تصنع الحذاء.
متكلم 1 : أتعرف؟ إذ أمشي، أخط سطراً. إذ أتسرى في الهواء، أفتح غيمة ذات دفتين، وأقلِّبُ وردة من صفحات مطوية…
أتعرف؟ إذ أمشي، لا أفكر إلا في الطيران.
(عتمة).
متكلم 1 (يخاطب أحدهم من دون أن يكون ظاهراً) : أتعرف؟ أنت تجعلني في موضع الحمَّال، الذي حمَّلََه أحدهم الكثير، من دون أن يسأله عن طاقته على الحملان، ولما وقع أرضاً، سأله: ما جرى؟ فأجابه: لا يهم الآن، حمِّلني… لا تكترث للأمر… من قال لك بأنني سأنهض؟
متكلمة (تنزع حجابها من أن تجلس على كرسيها، وتخاطب أحدهم من دون أن يكون ظاهراً) : هذا كلُّ ما نجحتَ فيه: أن تستقوي عليَّ!
(عتمة).
متكلم 1 : أتعرِفُ؟ وعدتُ نفسي بكثير من الآمال… (متوقفاً).
متكلم 2 : والآن؟
متكلم 1 : أتمنى النجاة بنفسي.
متكلم 2 : والآمال؟
متكلم 1 : تركتُها لغيري.
(عتمة).
(أحدهم يركض عابراً الفسحة المضاءة، و التي تخلو له وحده). 
متكلم 1 : وأخيراً: لقد انتهيتُ إلى فهم ما يجري!
متكلم 2 : لا، لقد استيقظتَ من كابوس… وها أنت تتحسسُ ما أصابك.
متكلم 1 : وهذه الفرحة التي تغمرني؟
متكلم 2 : حبة زيتون فوق مائدة فارغة.
(عتمة).
(الفسحة معتمة تماماً، في البقعة الخالية صور تلفزيونية متتابعة عن مشاهد احتفالات وتظاهرات تَظهر مشاركات الحشود فيها).
صوت (في العتمة) : أهم أنفسهم؟… لعلهم أنفسهم.
صوت آخر (في العتمة) : لعلهم غيرهم، ولكن بالطريقة نفسها.
صوت ثالث (في العتمة) : ما يزعجك في الأمر؟
صوت رابع (في العتمة) : الشهيد يقود التظاهرة.
صوت خامس (في العتمة) : الشهيد بدل عن ضائع…
صوت سادس (في العتمة، مقاطعاً) : … لا، عن موجود.
(عتمة). 
(متكلمون ومتكلمات أمام البقعة المضاءة وحدها).
متكلم 1 : لا يجوز أن تبقى شاغرة.
متكلم 2 : هي صفحة بيضاء…
متكلمة 1 (مقاطعة) : لا، شاشة عرض…
متكلمة 2 (مقاطعة) : لا، جدار شعارات…
متكلم 3 (مقاطعاً): لا، فسحة انتظار.
متكلمة 3 (مقاطعة) : لا، هي ما نفعله بها، ولنا.
(عتمة).
(متكلمان على كرسيين متقابلين): 
متكلم 1 : لم نجد حلاًَ بعد؛ وأصابني الملل. 
متكلم 2 : هو أكثر من ملل: ألمٌ وخيبة.
(متكلم ثالث يأتي بكرسيه ويتوسطهما) : نزعنا الصورة، ووجدنا الفراغ المحيط بها.
متكلم 1 (مقاطعاً) : لا، لقد وجدنا الفراغ الذي انبنت عليه.
ألن تضجرا إن أخبرتكم بما حصل لي عند زيارة إهرامات الجيزة؟
(يأتي متكلم ومتكلمة بكرسيين، ويتابعان ما يجري. ينتظر المتكلم 1 إجابة من دون أن تأتي. يتابع) : 
أخبرنا الدليل، بعد الدخول إلى جوف الهرم الكبير، عن وجود تابوت الفرعون في العالي…
(يأتي متكلم ومتكلمة بكرسيين، ويتابعان ما يجري). 
لم نتردد في التوجه صوب التابوت، لا أنا ولا مجموعة من السياح، فيما اتجه غيرنا صوب الغرف ذات الرسوم الحائطية. وجدتني أرتقي فوق درجات سلم معدني، سلمٍّ موضوعٍ لهذه الغاية. كانت الدعسات ضيقة، ولا تسع الواحدة منها غير صاعد واحد، فيما كنا نتشوف إلى رؤية الفرعون الذي كان يقع تابوته في منتهى السلم، على ما كنا نخمن. طال صعودنا، كما زادت الدعسات، على ما قال جاري الذي أمامي لصديقه الذي يصعد خلفي. وإذا بركبتييَّ تؤلمانني، ولا أقوى – لو شئتُ – العودة إلى الخلف… كفاني أنني نظرت إلى خلف، وإذا بنظرات تزجرني كما لو كنت أعيق تقدمها، أو أؤخر وصولها.
عند وصولي، تنفستُ الصعداء، وقد بلغت مع الواصلين فسحة تسع لأكثر من عشرين شخصاً، وأسرعتُ بعد جاري إلى التابوت. ألقيت نظري على داخل التابوت المفتوح مثل من يرجو رؤية وجه نفرتيتي نفسها، أو أنجيلينا جولي، وجهاً لوجه، وإذا بي أجد التابوت فارغاً إلا من عتمة فراغه.
متكلمة 1 : فراغ مثل هذا (وهي تدل إلى البقعة الفارغة أمامهم)؟
متكلمة 3 : لعله رمى إلى أكثر من ذلك، وهو أن السياسة هي الفراغ…
متكلم 2 (مقاطعاً) : … البكاء صامتين في الزنزانات… حتى الموتى ما كان يَحق لنا البكاء عليهم إلا في الصمت! ما كان نأمل حتى بزيارة مقابرهم، عدا أنهم قبروا في مقابر جماعية أو خفية.
الفراغ ربما، أي من دوننا!
متكلم 1 : أتحدث عن فراغ آخر… عن التوهم بوجود قوة. 
متكلم 3 : أهي الهيبة؟
متكلم 2 : هي خوفنا منه… الهيبة هي سحره البادي في عيوننا.
متكلم 3 : سبق أن قرأتُ عن الخنجر الذي يرهب الناس، من دون أن نرى لا مقبضه، ولا نصله.
متكلم 2 : أهو لمعان الخفي؟
متكلم 3 : أهو لمعان بسمة عبلة فوق سيف عنترة في العراك؟
متكلم 1 (رافعاً اليدين إلى أعلى في نوع من التذمر) : أوه! أوه! كنت أود التخفيف عنكم، ليس إلا.
(ينسحب المتكلمون مع كراسيهم، فيما يقف المتكلم 1 متسائلاًَ بحركاته عما حصل له معهم).
(عتمة). 
(أحدهم يركض عابراً الفسحة المضاءة، فيما يراقبه متكلمان واقفان على مبعدة منه).
متكلم 1 : أراه للمرة الثالثة في أقل من لحظة. أتعرف من هو؟ أتعرف ماذا يريد؟
متكلم 2 : لعله يتمرن…
متكلم 1 (لا يجيب).
متكلم 2 : لعله يهرب من… لعله يتعقب أحدهم…
متكلم 1 (لا يجيب).
متكلم 2 : لعله يبحث عن ملجأ… عن طائرة… عن مصور «بث مباشر»…
(ينتظر إجابة لا تأتي) : قلْ لي. ماذا جرى؟ أنتَ سألتني عنه! ماذا جرى!؟
متكلم 1 : يكفيني السؤال. 
متكلم 2 : كيف ذلك؟
متكلم 1 : ألا ترى أن الفسحة متاحة لأكثر من عابر سبيل؟
متكلم 2 : فعلاً. لكن ألم تقرأ مثلي على الشاشة الإلكترونية أن الجمل تحتاج إلى التجول بدورها؟
متكلم 1 : لا،  لم أقرأ. ماذا قرأتَ أيضاً؟
متكلم 2 : قرأتُ أن الداخل لا يعرف طرقاً متعرجة ولا معبدة للوصول إلى القصيدة… لها نوافذ وحسب، قد يحتاج الداخل إليها إلى فتحها.
متكلم 1 : هل تعرف؟ أنت لا تكتفي بالأسئلة، كما قلتَ.
متكلم 2 : أحياناً.
متكلم 1 : كيف ذلك؟
متكلم 2 : أنا مثله أعدو… فالكلام لا يصل بل يسير؛ لا يتقدم، بل يميل…
متكلم 1 : سبق أن قرأتُ هذا.
متكلم 2 : ها أنت تعترف بأنك قارىء، ولك ذاكرة.
متكلم 1 : يحلو لي أن أعيش في كتاب: أكثر حرية ومتعة وطمأنينة.
متكلم 2 : لكنها عابرة… ما تفعل إذ تنقضي اللحظة هذه؟
متكلم 1 : أعود إلى كتاب آخر… في انتظار أن أمشي من دون عيون مذعورة من جاري قبل البعيد عني.
(عتمة).
(متكلمون أمام البقعة المضاءة وحدها).
متكلمة 1 : وجدتُ حلاً.
(المتكلمون الآخرون ينظرون إليها واجمين).
متكلمة 1 (متذمرة) :  لم أقلْ بعدُ شيئاً. 
(المتكلمون الآخرون واجمون).
متكلمة 1 : لندعْها بيضاء… خالية… مثل أمل مفتوح… مثل شرفة. 
(عتمة). 
 (الفسحة مضاءة بالكامل. أحدهم يجر ولداً حاملاً شنطة مدرسية على ظهره، وأخرى تسوي حجابها وتتعجل في وضع أحمر شفاهها، وثالث يراقص حاسوبه على أنغام «تانغو»، ورابع ينتقل مع نارجيلته وينفث دخانها بمتعة بادية…). 
صوت (في العتمة) : ما أطلقوا عليه: «الربيع» بدأ في الشتاء واقعاً.
(يختفون على عجل، في اتجاهات مختلفة).
صوت (في العتمة) : مرة ثانية، أتكفل وحدي بما يقال، وما لا يقال، بما يظهر في الشارع، وما لا يظهر خصوصاً…
متكلم 3 (يتعقب ما لا يجده في الفسحة المضاءة) : لعله تسجيل قديم.
صوت (في العتمة) : مرة ثانية، ينفرد صوتي مثل نبتة تشرئب وحدها من صقيعها، مع أنني لست مواطناً، ولا متفرجاً. أنا صوت وحسب… صوت منفرد. صوت ضاج وصامت في الوقت عينه.
(عتمة).
(متكلمان يمشيان في اتجاهين مختلفين).
متكلم 1 : أتعرف؟ ما نقول، هو واقعاً ما نستعيد قوله.
متكلم 2 (يستمر في المشي).
متكلم 1 : أتعرف؟ حين نتحاور: نتحابُّ أو نتنابذ.
متكلم 2 (يستمر في المشي).
متكلم 1 : أتعرف، القارىء هو الذي يصنع الكتاب؟
أتعرف، إذ يتهالك الكاتب ينام في الكتاب؟
(عتمة).
(أحدهم يركض عابراً الفسحة المضاءة، فيما يراقبه متكلم ومتكلمة واقفان على مبعدة منه).
متكلمة 2 : رأيته للتو…
متكلم 2: رأيتِ غيره.
متكلمة 2 : لا، لا. هو، هو.
متكلم 2 : حتى حين نرى قد لا نعرف ماذا يجري.
متكلمة 2 : لكنه قال لنا بأنه يحتاج إلى الصورة لكي يعوض عما لا تقوله الكلمات.
متكلم 2  : أتصدقين فعلاً ما يقوله لنا؟
متكلمة 2 (تنسحب إلى العتمة).
متكلم 2 (وهو يلحق بها) : إنه يلعب. إنه يلعب… 
يتظاهر بأن له عكازين، فيما يعدو، ويعدو، ويعدو…
(عتمة).
(عتمة ما خلا البقعة، التي تَظهر فيها شاشة إلكترونية، تتوالى فوق صفحتها المضيئة الجمل التالية):
لا يسع القصيدة السكوت.
لا يسع القصيدة الصراخ، طالما أن بكاء الصابرة يبقى أشد بلاغة من الخنساء.
صوت (في العتمة) : ألهذا استعانت القصيدة بوجوههم وحركاتهم؟
(فوق الشاشة) الدمعة تنقضي، لكن ندى الألفاظ لا يجف. 
القصيدة – كما المدفأة المشتعلة – تنتظر من يرمي فيها الحطب لكي تبقى منيرة، مثل دمعة سقطت للتو فوق خد قارئة.
(عتمة).
(متكلمون ومتكلمات أمام البقعة الخالية، المنارة وحدها):
متكلم 1 : ما العمل؟ 
متكلمة 1 : لماذا لا نقف أمام المصوِّر لالتقاط صورة لنا؟
متكلم 2 : وماذا نفعل بالإطار؟
متكلمة 2 (منصرفة) : تغيرَ كل شيء: تغير الإطار؛ تغيرت الصورة.
متكلم 3 (منصرفاً) : المهم أن نرى بشكل مختلف.
متكلمة 3 : أياً كان الأمر، لن أعود إلى ما كنتُ عليه. 
متكلم 1 (منصرفاً) : لماذا أنتِ متفائلة إلى هذا الحد؟ 
متكلمة 3 (منصرفة) : لا، أنا مصممة فقط.
متكلم 2 (منصرفاً) : يجب أن نخرج من الجدار.
متكلمة 1 (منصرفة) : أنا تركتُها فارغة لغيري… 
متكلم 2 (مقاطِعة، وهي تنصرف) : … في عهدة الغائب.
(عتمة).

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …