أخبار عاجلة

إلياس خوري: الكتابة … المهنة الأكثر مُخادعة

«كل الأدب سفر، منذ هوميروس، مرورا بجلجامش، حتاي»، بهذه الكلمات بدأ الحوار مع الكاتب الروائي الياس خوري، الذي أكد بأن الكتابة سفر وفعل حياة وحب، وبأن اللغة فعل حين يتأنث يعطي العالم معنى وأبعادا جديدة..لأن الأنوثة هي التي تحمل عبء الحياة. وهوالمثقف المنتمي لقضايا العصر الذي قال إنه عالم ليس لنا، كتعبير عن منعطف الدم الذي يجتازه المشرق العربي.
فإذا كان لكل مدينة كاتب، يرصد ذاكرتها، ويؤرخ حكايات أحداثها وناسها، فإن الياس خوري هو كاتب بيروت.ودمشق أيضا …هو كاتب القدس يدرك أن هذا العالم وصل بنا للحضيض فيحاول أن يقول كل شيء.
الكاتب والروائي الياس خوري يكسر التابوهات ويحكي يتداخل مع شخصياته، يعيش ويسافر معها، يتماهى وكأن الحياة تصبح داخل الرواية وفعل الكتابة في فضاء مفتوح على لغة شعرية
في الحوار مع الياس خوري تسأل نفسك من أين أدخل النص، وتحت أي سماء أقف، وإلى أي المدن والنساء تأخذنا الحكايات، تختلط سيرة حياته بفعل الكتابة بشخصياته، فيدهشك بعشقه لأبطاله وشخصيات رواياته، وكأنه يستعير وهج الكتابة من هذه الشخصيات، حتى تضيق على تجربته الأسئلة، فهي فضاء مفتوح على حروب طائفية في لبنان وسوريا، ونكبة 1948، وثورات القرن الواحد والعشرين،وذاكرة مكان تركتها مدن ثلاث في تجربته بيروت- باريس ونيويورك، ومدن أخرى علّمته كيف يقرأ عبدالرحمن منيف في مدن الملح.
ورغم الوجع الفادح يؤكد إلياس خوري أننا نعيش مرحلة مابعد اليأس يقف دائما مع صرخة يونس في باب الشمس «من الأول».
ويقول: «في عملي الروائي الذي احتلّ العمر كله، كانت مسألة كيف وأين تبدأ الحكاية هي السؤال. ففي مدرسة «ألف ليلة وليلة» لا وجود لنهاية القصة، أو لنقل إن القصة لا تنتهي، فهي قادرة على التوالد الدائم والاستعادة وإعادة التكوين إلى ما لا نهاية. هذا ما علّمنا إياه بورخيس» وهو يقرأ هذا الكتاب بعينيه المغمضتين»..
الحوار مع الروائي الياس خوري، مفتوح على التجربة والحياة، وأسئلة الحاضر وذاكرة المكان، ومعنى الكتابة، وتطوّر فن الرواية، وكأننا أمام دفق من العشق والصور والذكريات حيث يقف الآن على رأس الهرم حاملا أسئلة اللحظة وقلق الوجود كله..
uv المرأة بطل أول وحقيقي في رواياتك، كيف تحضر المرأة إلى النص، اللعب بين الواقع والخيال في الكتابة، وأثر المرأة على الياس خوري؟
السؤال صعب لأنه يمزج بين عالمين الواقع والخيال، حتى لو اختلط العالمان معا، عالم الرواية، والعالم الواقعي، أنا الذي تعلمت جمال القصص وأهمية رواية الحكايات من النساء، تعلّمت بأن الحكايات هي الحياة، فأول راوية بتاريخ الأدب العالمي هي شهرزاد وهي المعلمة الأولى التي وضعتْ أسسَ العالم الخيالي الذي ليس موازيا للواقع، ولكن الذي يصنع الواقع، بهذا المعنى فإن القصة ليست عالما متعاليا على الواقع، القصة هي العالم، والحكاية حياة هذا على المستوى الأدبي، أما على المستوى الشخصي، فتربيت مثل معظم أطفال جيلي على حكايا جدتي، تعلمت حب اللغة العربية والأدب العربي، الشعر والقصص منها، كنت أنا القارئ أقرأ لها الكتب والصحف، وكنت أتنافس معها على قول الشعر العربي الكلاسيكي كونها حافظة، هذه العلاقة فتحت لي على أبواب شهرزاد، جدتي وشهرزاد علماني بأن الأدب فعل تأنيث للعالم، وتأنيث للغة، عكس مايقال عن لغة العرب انها لغة ذكورية، مثل كل لغات العالم، فأول أختراق أنثوي للغة الذكورية المهيمنة على العالم كان لشهرزاد وحصلت في اللغة العربية، اللغة هي فعل حين يتأنث يعطي العالم معنى جديدا، وأبعادا جديدة لأن الأنوثة هي التي تحمل عبء الحياة وهي التي تعطي الحياة معنى.
المرأة هي التي تحمل وتلد وترضعنا، المرأة هي التي تعطي حياتنا بعدا متجددا، المرأة هي التي تحبنا، تجدد الحياة والاشياء، ففي الحياة تكرار فظيع، كل يوم نصحو الصبح ونذهب إلى العمل، تشرق الشمس وتغرب، الذي يكسر رتابة الحياة هو الحب، من أجل هذا أقرأ الأدب بصفته فعل حب، فتأخذ المعاني القديمة اشكالا جديدة، في الحب الكتابة تصبح ممكنة وبالحب الثورة تصبح ممكنة.
uv لو توقفنا عند شخصيات رواياتك، نجد حضورا كبيرا للمرأة كبطل، آليس في «غاندي الصغير»، فاطمة في «الوجوه البيضاء»، الشركسية وداد في «مملكة الغرباء»، نورما في «مجمع الأسرار»، نهيلة وشمس وأم حسن في «باب الشمس»، شيرين في «يالو»، ميليا في «كأنها نائمة» وهي رواية كاملة عن المرأة، تلوينات المرأة في «سينالكول»، منال في «أولاد الجيتو»؟ عكس مايقال بأن أبطال رواياتك رجال مارأيك، وهل المرأة عندك مفارقة أم علاقة؟
نعم في الحقيقة، أبطال رواياتي نساء، فلو أتيح لي قراءة رواياتي نقديا، سأقرأ هذه الحقيقة،
أذكر مرة كنا في نقاشات حول «باب الشمس»، فقيل لي البطل يونس وخليل كراوٍ، فقلت لهم لا البطل لا يونس ولا خليل، البطل نهيلة وشمس وأم حسن، هن الشخصيات اللواتي يضبطن إيقاع العمل الروائي والأدبي، بهذا المعنى أفكر بأن اكتشاف أنوثة العالم وأنوثة اللغة هو الذي يعطي العالم المعنى ومن دونهما لا معنى، فالمرأةعلاقة مثل اللغة، وأعمق من اللغة لأنها حية.
uv روايتك «كأنها نائمة»، تحيلنا إلى فرويد، وابن سيرين، والوهراني ، الخلط بين مناماتك ومنامات ميليا، الاتكاء على الشعر والبعد الميثولوجي، كيف دخلت هذا العالم الغريب عالم المنام الأشبه بالسوريالي، هل تخلق توازنا بين الأدب والمنام؟ أم أنك تقرأ المسافة بين الموت والحياة، هل المنام هو الذهاب إلى الحرية ،وهل تعيش في حالة منام ؟
أنا مررت بتجربة بدأت فيها أدخل إلى هذا العالم الغريب، الذي هو عالم منامات ميليا، ثم اكتشفت مناماتي، اكتشفت عمليا أننا نعيش بمناماتنا، واننا لانذكر إلا الجزء اليسير منها، الجزء العلوي الذي نحلم به في آخر النوم، نحن فعليا نعيش حياتين، الإنسان يعيش في الواقع، وعالم النوم الذي هو عالم مركب وجميل وصعب، عالم يحمل كلّ سمات العالم الخاصة بنا، انا لست عالم نفس، رغم أني اشتغلت على أحلام فرويد ومنامات الوهراني وابن سيرين، فعليا نكتشف أن الفكرة الكبرى عند ميليا هي الموت، بمعنى الدخول في المنام وعدم الاستيقاظ منه، هذا حلّ لي مشكلة فلسفية شخصية وفسّر لي للمرةِ الأولى المعنى العميق للموت، كلنا نقول بأن الموت شكل من أشكال الحياة، بمعنى لاشيء يفنى المادة تتحول إلى تراب، ونحن بعد الموت نبقى بشكل ما، نصير جزءا من الطبيعة ننحل فيها وينحل وعينا الفردي، وكلّ الذي فوق التراب تراب.
uv إلى أي درجة يشكّل المنام رحلة والمرأة رائية، من أم حسن في «باب الشمس»، إلى «ميليا»، في «كأنها نائمة» بالنسبة إليك كروائي ومثقف وإنسان؟
المنام رحلة داخل هذا العالم الذي نعيش به، رحلة إلى عالم غريب إلى اللاوعي الخاص فينا، والذي يعتبر ملخص للبشرية كلها، من أجل هذا نستقدم التراث العالمي الشعر والذي يشكل جزءا من الحياة اليومية الخاصة بنا، والتي هي شكل من أشكال المنامات.
ميليا تزوجت رجلا اسمه منصور تقوم الصبح تكمل مناماتها، تعتبر أن مناماتها جزء من حياتها، ومن أجل أن يقدر منصور الرجل الذي يحبها أن يتوازن معها، كان يلجأ إلى شعر المتنبي لأن الشعر شكل من اشكال الرؤيا التي تطلع من أعماق أعماقنا، فالتوازن في الرواية كان بين الأدب والمنامات، الاثنان مصدرهما واحد العمق الإنساني الذي يختبئ داخل كلّ واحد فينا، بهذا المعنى، ميليا أمرأة مضطربة، امرأة لبنانية عاشت في فلسطين قبل النكبة بالناصرة ثم يافا، رأت النكبة قبل النكبة، وكان عندها خوف من تلك الصورة السائدة التي يجسدها ليس فقط شخصية المسيح ، بل التي تتجسد في التراث الثقافي في منطقتنا، والتي تبدأ من ابراهيم الخليل وقتل الأب للابن، هذه القصة سوف تأخذ مساحة في أولاد الجيتو، ميليا رأت الكارثة، أي النكبة قبل أن تأتي، وكي تتلافى قتل الأبن ماتت، يعني هي عملت عكس مريم العذراء، التي وقفت تحت الصليب وهي تبكي كما تقول الكتب، ميليا ماتت أثناء ولادتها، كي تفدي ابنها، لأنها رأت في منامها بأن الابناء الذين يلدون في فترة النكبة هم أبناء مُعدون للموت، لهذا قررت ان تموت، بهذا المعنى النوم والمنام شكل من أشكال الوعي العميق بمعنى الحياة.
uv هل المنام رحلة، أم كشف، وإلى اي درجة يأخذك الحلم إلى الأدب، وبالتالي كيف يكون شكل العلاقة مع الزمان والمكان؟.
المنام ليس فقط مثل المدرسة الفرويدية، او المدرسة التقليدية التي تعتبر المنام رؤيا كما قلت، المنام حاضر بشكل كبير في التراث الديني، كقصة المسيح والإسراء والمعراج في احد تفاسيرها منام ورؤيا، المنام والواقع وجهان لنفس الشي، منامات ميليا ليست منامات نفسية نتيجة عقدة كما تفسير فرويد، ولا هي منامات رؤيا نرى ما لايرى، هي عمليا عجينة من كل هذه الأشياء تعبر عن الذي لايقال، من هنا فإن دور الأدب أنه يأخذنا في رحلة لنقول فيها ونستمع إلى ما لا يقال.
الأدب نفسه هو حلم، في المنام تتحرر من الزمان والمكان، مثلا أنت تحلمين أنك في الشام تكملين الحلم فتصيرين في أبوظبي أو بيروت، في رحلة الأدب هناك تواز بين المنام والأدب لنصل إلى حرية ان نقول ما لايقال، والذي لا اللغة تحتمله ولا المجتمع ولا الحياة.
uv انت أوجدت «باب الشمس»، كمكان متخيل، هل خطر لك وأنت تكتب مكان ماركيز المتخيل» ماكوندو»، في رواية مائة عام من العزلة، وبالتالي المكان من خلال حضور المرأة، الأم نهيلة، والجدة أم حسن، وشمس امرأة الرغبات، أيّ من هؤلاء النساء الأقرب لروحك؟
أنا لم أؤلف باب الشمس، أنا رحت على باب الشمس، لم أخترعه رغم عدم وجوده في الواقع، شعرت أن هذا مكاني، أما نساء باب الشمس أم حسن نهيلة وشمس،فيكملن بعض، هن صور وتعابير مختلفة لتجلي الأنوثة والأمومة في آن واحد، أم حسن أم مُطْلَقَة، القابلة في المخيم خلفت كل الناس رعت خليل واهتمت بيونس، نهيلة هي الحبيبة والزوجة والمرأة المتمردة، في آخر الرواية تتمرد على يونس وتُكَسره، حين يجلس معها في باب الشمس يكتشف أنها لاتحب العرق، وانها كانت كل الوقت تكذب عليه، يكتشف أنه بلا معنى وأنها هي عملت كل شي، بالآخر هو لا يستطيع أن ينام معها هي تنام معه، وهنا تنقلب كل الأدوار بين الذكورة والأنوثة، بين نهيلة ويونس رأسا على عقب.
uv اللجوء وما يخلفه من عنف، المخيم كمكان مغتل، كيف انعكس هذا على المرأة،شمس نموذجا؟
شمس ابنة المخيمات، أمرأة طالعة من عنف المخيم، من قسوة الحياة بعد الطرد من فلسطين، أمرأة متحررة، ما يمارس عليها من عنف، هو عنف المخيم، عنف اللجوء، عنف الشعب الذي فقد نقطة ارتكازه، بينما نهيلة بقيت في دير الأسد واستطاعت أن تعمل توازنا بعد صراع عنيف مع المجتمع ومع الاحتلال، حين تعتقل يسألها أحد الجنود، كيف حملت، تقول أنا «شرموطة»، كسرت كل التابو، شمس أيضا كسرت التابو والحصار الخانق لجسد المرأة وروحها، وللقمع الممارس عليها من الرجل.
uv صورة المرأة في الرواية، صورة تقارب الواقع، صورة الأم التي تمثل الأرض، والعشيقة ممثلة بشمس، وصورة الجدة سيدة الحكمة، لماذا هذا الفصل، وإلى اي درجة يدفع اللجوء والاقتلاع إلى العنف؟
قتلت شمس بطريقة فظيعة، وقد جاء واحد من كل عائلة وقتلها، المجتمع أعدمها لشمس، في حين خليل هوالرجل الذي أحبها، رغم معرفته أنها تخونه، الأنوثة ليست صورة واحدة المرأة ليست أم فقط، وليست غواية وعشق، وعجوز تحمل الحكمة، المرأة هي كل هذا التنوع إذا جمعن مع بعض تصبح هناك رواية وباب شمس قرية وعالم جديد.
uv الحوار بينك وبين أبطالك أثناء الكتابة، تبادل الأدوار بينك وبين شخصياتك، هل تتجدد مع كل عمل روائي، هل يؤلفك النص، حدثنا عن فعل الكتابة وتعددك أمام مرايا الوجود؟
لاشك أن عملية الكتابة مركبة جدا، هؤلاء الشخصيات ألَّفوني، المؤلف الذي لا يعيد النص تأليفه يكون في حالة تكرار وعدم تجدد، الإبداع ان تستسلم لا أن يعاد تأليفك من جديد، من أجل هذا حين أبدأ بالكتابة أشعر أنني لا أعرف أن أكتب.
وبالتالي النص رحلة إلى المجهول، أنا عملت باب الشمس ولم اذهب إلى فلسطين، تعلمت فلسطين من باب الشمس، تعلمت اللد ومأساة اللد في أولاد الجيتو تعلمت المنام في كأنها نائمة، الكتابة تعني أنك تتعلم الحياة أنت تكتب لأنك لا تعرف، الكتابة أن ترجع تلميذا في مدرسة الحياة ، ليس هناك قالب للحياة وبالتالي كل مرة تشعر أنك تغيرت، وأنك شخص آخر كما يقول ابن عربي:
وما الوجه إلا واحد غير أنه
إذا انت عددت المرايا تعددا
تغير المرايا يعيد اكتشاف الأشكال، المؤلف الحقيقي هو الذي يقبل أن يؤلفه النص، أنا حتى المقال الأسبوعي الذي أكتبه يعذبني بشكل لا يوصف.
لهذا حين تقوم بتركيب شخصيات العمل، عليك أن تصغي لها، أن تحبها، أن تقبلها كما هي، وأن تقبل أنها مختلفة عنك ومتمردة على إرادتك، مهنة الكاتب أكثر مهنة مخادعة. ليس ثمة كاتب مهم، لهذا أعتبر أن هاملت أكثر أهمية من شكسبير،واسأل هوميروس هل وجد حقا؟ طه حسين يبرهن أن امرؤ القيس غير موجود. لكنه موجود في الأدب. بهذا المعنى، فإن الكاتب الفرد هو أداة للوصول إلى إعادة تركيب العالم بطريقة جديدة ومختلفة وملائمة.
uv كيف تصف اللحظة التي يعيشها العالم اليوم، وما دور الكتابة؟
يمرُّ العالم اليوم بأزمة أخلاقية، اليوم نعيش في زمن هذا الكابوس بالمعنى العميق لكلمة أخلاق، بهذا المعنى فإن الأدب والفن يعيدان بناء الأخلاق في العمق، الأخلاق نظام من القيم التي تحمي الإنسان من التفكك ومن التحول إلى وحش. هذه وظيفة الأدب، فالأدب ليس سوى تأويل للتجربة الإنسانية، وهو بدوره عرضة للتأويل الدائم.
uv كيف تنظر إلى الصمت كمعنى، وما دور الكاتب الفنان الأديب في استنطاق لغة الصمت، ولماذا عدت إلى وضاح اليمن كحكاية واستعارة في «أولاد الجيتو»؟
«،كلمة هاملت» ماتبقى صمت»، The rest is silence»
صمت هاملت دعوة إلى الكلام. إنه صمت يختزن احتمالات رواية الحكاية من جديد.
«إنني أموت يا هوراشيو
والسم يعلو على النفس
فيّ بصياحه
فلن أعيش لأسمع الأنباء من إنكلترا
غير أنني أتنبأ أن خلافة العرش ستستقر
على فورتينبراس، وأنا أهبه صوتي المحتضر
فارْوِ له عن الكبيرة والصغيرة»
هذه العلاقة بين الصمت والكلام قادني إليها آدم دنون عندما جعل صمت ضحايا غيتو اللد يتشقق في النص الذي كتبه في رواية «أولاد الغيتو – اسمي آدم». وقد قادني صمت وضّاح اليمن وهمسات منال في هذه الرواية إلى صمت هاملت، لا لأن الكتابة هي شكل من أشكال إعادة الكتابة فقط، بل لأن صمت الضحايا يقاوم ضجيج المنتصرين بحقيقته الإنسانية أيضا
وفي السياق نفسه أعدت قراءة المتوالية الحكائية والكلامية في مونولوغ خليل أيوب في «باب الشمس»، وهو النص الذي تتوالد في داخله حكايات الجليل في النكبة، بصفته استنطاقاً لصمت يونس، الميت – الحي الذي أسكته النزيف الدماغي ورماه في الغيبوبة، خليل يُنطق الصمت حكايات، وينسج من عتمته صورة للكارثة فتصير حكاية قادرة على مواجهة كلام المنتصرين الذين صادروا كتابة التاريخ.
المكان الروائي المكان المتخيل:
uv لو توقفنا عند ذاكرة المكان، مكانك الأول بيروت، وأمكنتك الروائية، التي تتوزع بين الواقع والمتخيل، أتذكر الآن انتقاد إميل حبيبي لغسّان كنفاني، حين كتب الأخير،رواية «عائد إلى حيفا «،أنت كتبت عن مكان لم تزره، وتكتب اليوم الجزء الثاني من أولاد الجيتو كيف تستحضر الأمكنة إلى النص؟
حضور بيروت كبير في رواياتي، حتى في رواية باب الشمس حاضرة، إنها مدينتي التي أحبها ، بعض النقاد في أمريكا كتبوا بأن بيروت ارتبطت بالكاتب الياس خوري،في « اللوس أنجلوس تايم»، ولكن انا أحترم الأمكنة، أحترم حقيقة المكان، فأترك الرواية تذهب إلى المكان الذي تصنعه الشخصيات، سواء كان مكانا واقعيا أو متخيلا.
توجد حالتان محددتان عندي، الجليل في فلسطين برواية باب الشمس، لم يكن حينها الآيباد، فطلبت من طلابي أن يصوروا لي أفلاما طويلة، حيفا ويافا وتل أبيب في رواية أولاد الجيتو، في هاتين الحالتين كتبت عن أمكنة لم أزرها قط، فقد عملت بحثا نظريا وبحثا بصريا، طلبت من بعض الأصدقاء أن يذهبوا قبل وجود الآيباد والسكايب طلبت منهم أن يصوروا دير الأسد والقرى التي كتبت عنها، صوروا لي أفلاما طويلة وهذا يجعلني أصفها غيبا لأنني رأيتها بعيني، في اللد مثلا، حيث يعيش زملاء وتلاميذ لي، أخذوا الآيباد، وكنت أطلب منهم أن يذهبوا إلى وادي النسناس، ومكتبة بياليك، وهذا جعلني أجلس في المكتبة، وأمضي إلى الكافتيريا، معهم ومع شخصيات روايتي، وهذا يستغرق مني وقتا طويلا، حتى في مكاننا القريب، حين أردت أن أكتب عن عين المريسة في بيروت
زرتها، هذا يعني أنني أتعرف على المكان بصريا، رغم أنه لايأخذ إلا حيزا صغيرا جدا من الرواية، ورغم أنه غير مهم، عليك ألا ترتكب أي خطأ يرافقه، لأن الرواية يجب أن تذهب إلى الحقيقة وأي خطأ جغرافي يعتبر مأخذا على الكاتب، فإذا قلت أنا بحيفا نازل من الكرمل الفرنسي على شارع عباس لازم تعرف الطريق والتفاصيل، حين تكتب مثلا عن صيادي السمك لازم ماتغلط لأن الصيادين يصطادون فجرا
من أجل إعطاء القارئ الأساس الحقيقي ليصدق ما يقرأه، كنت أقول لزملائي وطلابي ، خذني لساحة كذا في وادي الصليب، أمضِي إلى مكتبة بيالك حتى لا أرتكب الخطأ الذي ارتكبه غسان كنفاني في روايته «عائد إلى حيفا»، فمن الضروري أن تعطي القارئ أساسا حقيقيا ليصدق.
إذا قلت مثلا التقى آدم في حيفا شيئا، أو اليوم الخميس الساعة أربعة المطر خفيف هذا تفنيص يصدق، نضع عناصر حقيقية صغيرة من أجل ضبط ومنح الخيال الحرية، فأنت هنا تفهم الضرورة لتتحرر منها.
uv لماذا أخترت المغارة، وإلى اي درجة أنت مسكون بالبعد الميثولوجي، المسيح والمغارة- الرسول وغار حراء، كيف جعلت من هذا المكان، ومن هذه المرأة معادلا لوطن؟
المنطقة جبلية كلها مغارات صخرية، تشبه معلولا الشام، المكان كله مغارات، يونس يأتي إلى نهيلة متسللا، لأن القرية كلها مخبرين يريدون رأسه، كونه فدائيا مقاتلا، ورغم ذلك كان يقول :» أنا كنت روح مو مشان حرر فلسطين، أنا مغرم بامرأة»، من هنا فإن الغرام بامرأة والنضال هو واحد، والمغارة هنا لعاشقين، وقد صنع في هذا المكان طقوس اللقاء، وطقوس الأكل، والشرب، هو يبحث عن مخبأ لأنه لايستطيع أن يلتقي بها في المنزل، ولا في الطريق، لايستطيع أن يستعير منزل أحد أصدقائه لم يكن عنده من حل سوى أن يخترع هذا المكان…
المغارة هنا مكان مفتوح على الفضاء، هي مخبأ محجوب عن الآخرين، لكنه مضاء بالحب الذي يصنع الأفق، وجود نهيلة يضيء المكان كامرأة وعاشقة ومعشوقة، في هذه المغارة صنعوا الحياة خلفوا سبعة أولاد. وصار عندهم أكثر من 50 حفيدا، من أجل هذا جاءت وصية نهيلة لأحفادها وأولادها بأن يغلقوا المغارة لأنها مغارة يونس، وهي المنطقة الوحيدة المحررة من فلسطين…
فهي رمز، صحيح أن نهيلة أقفلتها، لأن اللحظة التاريخية تقتضي ذلك على أمل بلحظة ما، أن يأتي فيها الأولاد أوالأحفاد ويفتحوها.
uv قلت أن الأدب يقلّد الواقع، حدثنا عن أصعب اللحظات وأحلاها التي حدثت معك؟
في كانون الأول 2014، قام مجموعة من الشابات والشبان الفلسطينيين بالسيطرة على أرض قرب القدس، أطلقوا عليها اسم «باب الشمس»، في إشارة معلنة إلى الرواية التي تحمل العنوان نفسه. طبعاً قام جيش الاحتلال بتدمير هذه القرية بعد ثلاثة أيام تلك اللحظات كانت ساحرة وأجمل ما فيها هو أن مؤسسي القرية، أسسوا بعد طردهم منها، قرية جديدة أطلقوا عليها اسم «أحفاد يونس»، تيمناً ببطل رواية «باب الشمس» يونس الأسدي،
وهذا حصل وأنا فعلا أصبت بصدمة وبتلعثم، صرت عاجزا عن الكلام لأنه في العادة يقلد الأدب الواقع، نحن رأينا كيف يقلد الواقع الأدب، وهذا دليل على أن الأدب أهم منّا أهم من الكاتب، أهمية الكاتب أنه يسمح للفعل أن يعتبره مجرد أداة، الكاتب أداة للحياة أداة تنبت عليها الكلمات بطريقة الكاتب لايعرفها، الكُتّاب ليسوا انبياء، ولا أصحاب رؤى خارقة .
uv لكنك حين رحت إلى المغارة وضعت نفسك مكان نبي؟
أنا لم أذهب إلى المغارة، يونس هو الذي ذهب، أنا أغار من يونس بالعمق، أغار منه لأنه أستطاع أن يذهب إلى أماكن لا أستطيع أنا الذهاب إليها، هو عرّفني على المغارة وبالتالي لا بد للكاتب من أن يتقبل الشخصيات ويحبها، يتقبل أن تأخده إلى المكان الذي تريده، وليس بالضرورة أن تأخذك لمكان تحب أن تذهب إليه .
uv لماذا اخترت ليونس أن يموت حتف أنفه؟.
كنت أحب ليونس أن يحرر فلسطين، وأن يموت بطلا في المعركة، لأن هذا يليق به، لكنه مات في انفجار بالدماغ، أنا لم أكن أريده أن يموت هكذا، ولا أن تموت نهيلة، فحين ماتت في الرواية أصبت بانهيار عصبي بقيت شهرين لا أستطع أن أكتب لأنني فوجئت أنها ماتت، هذا صدق حقيقة.
uv إلى أي درجة تنفصل أثناء كتابة الرواية عن الواقع؟
أنا برأيي هذا هو الواقع، ألا تعرفي أن الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا هذا حقيقي في الأدب
الوعي هو هذا، الحياة تمرين لأتعلم، حتى النضال ولا مرة نظرت له على أنه شيء مطلق بذاته، وأنا فعليا ناضلت، النضال تمرين كي نقدّر الحياة، تمرين، من أجل هذا ليس عبثا في الف ليلة وليلة، بأن تكون الفكرة أهم من الحياة، الحكاية هي الحياة.
من هنا فأنا لست منفصلا، أنا أعيش بهذا العالم، أتمرن فيه على الحياة،
أنا لا أنفصل، أتعاطى مع الناس اكتشف عالما جديدا يعرفك، أتمتع كأنني سافرت إلى مكان جديد، الحياة قصص، وكلّ هذا لا يجعلني أبدا أتخلى عن واجباتي، مؤخرا شاركت بمظاهرات ببيروت من أجل النفايات، وأكلنا ضربا، الحياة تمرين للثورة تمرين لنكتب، وأنا أكتب مقالات آخذ فيها مواقف، وهكذا يكون الواقع جزءا من الأدب، وليس الأدب جزء من الواقع.
uv يقال أنك متأثر بإميل حبيبي بالشغل على حكاية داخل حكاية، فهل هي مرجعيات ثقافية متقاربة، وهل تتقصد أن تدخل القارئ في متاهة، ينجرف القارئ مع سيل الحكايات التي تذكر بأسلوب ألف ليلة وليلة ؟
الكتاب مثل المدن والطرقات، هناك علامات تربطك بالمكان، فأن نضيع هو جزء من اللعبة الأدبية، أن نستسلم إذا لم تستسلم لا تطرب متل سماع أم كلثوم أنا برأيي أم كلثوم شيء لاحدود له في تاريخ البشرية بالأخير نعيش حياتنا ونكتشف أننا لانفهم شيئا الأدب أن نعيشه، في المدن نضع علامات، لهذا فإن القارئ الحقيقي يستطيع الإمساك بها.
uv ما العلاقة بين الروائي والمعماري؟
لعل العلاقة بالمدن التي تحتل اليوم الحيز الأكبر في التجربة الروائية في العالم، هي مفتاحنا لفهم العلاقة المعقدة والتكاملية بين الكاتب والمعماري. فالمدن سواء كانت مُتخيّلة أو حقيقية، هي أطر التجربة الإنسانية، التي تجري على أرضها الصراعات الاجتماعية والطبقية والثقافية، وهي ميدان التغيير الذي يشكل قاعدة الحياة الإنسانية التي لا تعرف الجمود..
هنا تدور معارك خيارات الحاضر الأكثر عمقا، فالمعماري يعكس في رؤاه وتوجهاته هذه الصراعات، وعليه أن يختار بين الاستسلام للقوى المسيطرة أو مقاومتها، بين السقوط في غوايتي السلطة والمال، والحفاظ على دوره بوصفه يمارس الفن الذي يضم جميع الفنون، والمهندس الذي يسهم في هندسة المستقبل وهو يرسم بيتا أو يخطط لمدينة، حين بدأت أكتب رواية «الجبل الصغير»،كنت مقاتلا، وأردت أن أكتب الحاضر كما أعيشه، فكتبتها مُقطعة لأن حياتي كانت مقطعة، بيروت كانت مقطعة، اكتشفت أن الناس حين يحكون مع بعض، لا يحكون بشكل خطي، بل يحكون بالمداورة، فتركت نفسي أكتب كما نعيش، طبعا كل هذا يحتاج إلى إطار.
uv ماذا تقصد بإطار الحكاية؟
بداية الحكاية هي المسألة، وهذا ما يسميه نقّاد «ألف ليلة وليلة» «الحكاية الإطار»، أي الحكاية التي أدت دور نقطة الانطلاق للتوالد العجائبي للحكايات.
صحيح أن الرواية كفنّ أدبي جديد، يمكن أن تُقرأ بصفتها قطيعة مع التراث الحكائي، لكنها كانت في حاجة دائمة إلى إطار. الإطار الروائي يختلف عن الحكاية الإطارية في الأدب الحكائي الشعبي، لكنه يشترك معه في رسم الأسس التي ينبني عليها السرد. هكذا شهدنا تحولات شكلية جذرية من الروايتين الطبيعية والواقعية، إلى الرواية الرمزية وبروز تيار الوعي، وصولاً إلى الواقعية السحرية
uv متى بدأت الرواية العربية، ومن تعتبر أهم مؤسسيها، وإلى اي درجة تعتبر الرواية نتيجة لمجتمع ممأسس؟
أنا برأيي أحمد فارس شدياق مؤسس الرواية الحديثة أستاذ الجميع، هو خلطة من ألف ليلة والمقامات والشعر واللغة والسيرة الذاتية، وطبعا أعتبر بعض النقاد أن الرواية بدأت من رواية» زينب» لمحمد حسين هيكل، والتي تأثرت بالرواية الفرنسية الرومانسية.
في أواخر الستينات بدأت الرواية تكتشف لغتها الخاصة، بعيدا عن التقليد، مرجعها الشدياق والمويلحي، وليس هيكل، وهما اتجاهان متعاكسان في قراءة الأدب، وطبعا أستاذي الحقيقي الشدياق، هذا الكاتب الذي حين مات لم يجد مقبرة تقبله، لأنه مسيحي واسلم، المسلمون لم يصدقوا إسلامه، والمسيحيون رفضوه، وفي الأخير دفن في مقبرة حقيرة، مرة ذهبت إلى قريته كسروان، وجدت أن لا أحد يعرفه، رغم أنه يستحق أكبر تمثال، فقد كتب عن خيانة زوجته بجرأة لامثيل لها، في القرن التاسع عشر.
النهضة الروائية من نجيب محفوظ فصاعدا ،وعمليا نجيب محفوظ ظاهرة كبرى لأنه لخّص الرواية العالمية، كتب الرواية التاريخية عن مصر القديمة، ثم انتقل للكتابة عن الرواية الطبيعية الواقعية – النفسية وبآخر حياته كتب الحرافيش التي هي تأثر بألف ليلة وليلة أو الواقعية السحرية، عمليا نجيب محفوظ حررنا من أننا لا نمتلك تاريخا في الرواية رواية عربية متكاملة..
لاشك أن فن الرواية حتى في أوربا فن حديث مرتبط بالثورة الصناعية، مرتبط بالتصنيع، وبتغير جذري في المجتمع،مرتبط بدور المدن ، وما رافقها من فكر فلسفي، شكّل حالة انتقال الإنسان ليكون مركز الكون.
الرواية المصرية نتاج مجتمع ممأسس، مصر دولة من بداية التاريخ، مصر أول دولة مركزية، هناك دراسة لغالب هلسا، تؤكد بأنه لا يوجد رواية عربية سوى الرواية المصرية، بسبب السلطة والحداثة هذه نظرية غالب هلسا.
عمليا ما حصل أكثر تعقيدا من ذلك، أنا نظريتي بأن الرواية العربية بدأت من المويلحي والشدياق كل واحد استوحى شكلا تراثيا وبنى عليه، الذي استوحى من المقامات في عمله المويلحي استوحى أحاديث عيسى بن هشام، ولم تتوقف عن التكرار، وقد استخدمها زكريا تامر في قصصه بشكل ساحر، فقد جعل أميرا مملوكيا يرجع يعيش في هذه الأيام.

ومما لا شك فيه أن المدارس الأدبية التي تعاقبت على البحث عن شكل روائي ملائم، من سرفانتس إلى بروست، ومن الشدياق والمويلحي إلى نجيب محفوظ، كانت جزءاً من مركّب اجتماعي ومعرفي عرف تحولات شتى أفضت إلى تغيرات كبرى في البنى السردية ومآلاتها.
الرواية اللبنانية:
* الرواية اللبنانية وكسرها للتابو في حروب طائفية متتابعة، فهل الرواية ابنة الحروب؟
يقال بأن الرواية اللبنانية الحديثة هي وليدة الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و 1990، فيما تمتنع الدولة اللبنانية عن أي شكل من أشكال تأريخ الحرب أو رسم الذاكرة الرسمية حتى يومنا هذا. وربما يكون هذا أحد أسباب المعالجة المتواصلة التي يقوم بها الفنانون والكتـّاب والمخرجون لهذا الموضوع.
تتراوح تقديرات أعداد قتلى هذه الحرب بين 150 ألفاً و 230 ألفاً، بالإضافة إلى حوالي 115 ألف مصابٍ ومشوّهٍ، وتشريد خـُمس السكان من منازلهم وتدمير مدينة بيروت. وقد انتهت الحرب رسميًا بعد عقد اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف، تلاه إصدار عفو عام عن كلِّ الجرائم التي ارتـُكبت قبل سنة 1991 في سبيل إنهاء «مرحلة الحرب الأهلية». واستـُثنيت من هذا العفو الجرائم التي ارتـُكبت بحق الدبلوماسيين الأجانب فضلا عن عددٍ قليلٍ من الحالات المحددة. ولم يُحاكم سوى زعيم ميليشيا واحدٍ هو سمير جعجع، حيث تمت إدانته بسبب جرائم ارتكبها خلال الحرب الأهلية. وقد أطلق سراح جعجع في عام 2005
حين عدت أثناء تخصصي الجامعي إلى المراجع، لم أجد أي أثر في الكتابات عن حرب 1860، في حين كان الناس يتهامسون فيما بينهم عن الحرب بين المسيحية والدروز،سألت أبي، ماذا سمع من أبيه وجده، فحكى لي.
اكتشفت أن أجدادي من رواد عصر النهضة قرأوا حربهم عبر تجاهلها أو تهميشها خجلاً من أنفسهم، ربما، وأن إحدى مهمات الكتابة، بالنسبة اليهم، كانت الدعوة إلى التناسي، عبر الفكرة القومية التي كانت أداة صهر اجتماعي يتعالى عن البنى الطائفية والعشائرية
غير أن الحرب الأهلية المعاصرة التي بدأت في سنة 1975، بدت في منعطفاتها ومراحلها التي أعقبت حرب السنتين، كأنها انتقام من النسيان، فسقطت الثقافة اللبنانية المسيطرة تحت أقدام الوقائع الفجة، وبرزت لغة جديدة لا تعير التابوهات اللبنانية أي أهمية، وكان هذا إيذاناً بولادة رواية لبنانية قادرة على بناء مرايا للتجارب الفردية والجماعية.
إن هذه الولادة كانت ممكنة لأنها أيضاً وريثة مبنى روائي عربي افتتحه جيل الستينيات المصري بتجريبيته، ووجد روافده في أعمال جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وهاني الراهب وغالب هلسا وصنع الله إبراهيم وإميل حبيبي ويوسف حبشي الأشقر وآخرين.
زمننا المثالي المفترض للكتابة يتكشف عن صعوباته الكبرى، إذ يكتشف الكاتب الذي يريد لكتابته أن تكون شاهداً على زمنه، أنه عرضة في أي لحظة للتحول من شاهد إلى شهيد.
* اليوم تكتب آدم في أولاد الجيتو…في حين هو كتبك في الجزء الأول..كيف يعيدك إلى المراهقة إلى الحب، لماذا أردت أن يكون أولاد الجيتو عمل ثلاثي؟..هل تكتب ملحمة فلسطين وأساطيرها، وإلى أي درجة زعزع اللجوء مفهوم الهوية؟
أولاد الجيتو مشروع ومسار حياة كاملة لشخص، آدم دنون الذي يهاجر إلى نيويورك هو مثقف يكتب مقالات عن الموسيقى هو إسرائيلي، فلسطيني، تغطى باليهودية ليعيش في المجتمع اليهودي و لم يستطع، هو وحيد ويتيم.
في الجزء الأول كان هناك صراع بين الياس خوري وآدم، المخطوط جاءني من تلميذتي، لأن آدم دنون بهدل الياس خوري في إحدى الندوات وقال له أنا أعرف كل الشخصيات التي ألفتها، ولكن كيف يعرفهم، سوف نكتشف بأن آدم يعيش في عالم خيالي، هو إنسان غريب في بلده، غريب بين أهله ولد بطريقة غريبة، اكتشف فجأة أنه رمي تحت شجرة زيتون، وأنه ليس ابن شهيد، يكتشف أنه إنسان لايملك شيئا، من أجل هذا يخترع نفسه ويكتب مذكراته.
يريد أن يخترع نفسه، لأنه عمليا مجهول الهوية، أراد أن يكتب رواية وضّاح اليمن فكتب قصته، يكتشف أنه استعارة، يصاب بالجنون يقول أنا هربان من الاستعارات، فيقرر أن يكتب الحقيقة.
التوتر بين آدم والياس خوري:
الجزء الأول يروي أدم حكاية طفولته، مجزرة اللد التي لم يعشها، لكنه يرويها استنادا إلى كلام الآخرين.
وحين يذهب إلى نيويورك يلتقي بمراد العلمي الذي حكى له عن المجزرة، فيجمع القصص أي يستعيد ذاكرة الآخرين ويكتب كيف عاش الشباب في الجيتو بظروف فظيعة.
الجزء الثاني هو يكتب عن حاله لأنه يتذكر فترة المراهقة، آدم الذي أعتاد أن يكتب عن الآخرين بصيغة الغائب. فهو فعليا غائب، حسب قانون إسرائيلي الحاضر الغائب، فإذا لم تكن يوم 15 أيار 1948 فأنت غائب. آدم عمليا الحاضر الغائب، لهذا قرر أن يكتب عن آدم بصيغة الغائب، لأن الآنا الذات الخاصة به غير موجودة، فهو يكتب الرواية بعد أن عرف أنه ليس ابن حسن دنون، هو اللا أحد.
في الجزء الثاني أيضا يكتب ويروي عن آدم، يبدأ وعمره 15 سنه، بعد أن ترك بيت أمه، الجزء الأول ليس رواية، بل ذكريات وقصص، بينما الجزء الثاني رواية مكتوبة بضمير الغائب عن آدم دنون، وينتهي الجزء الثاني حين يعيش بيافا بالعجمي.
الجزء الثالث يبدأ من أمريكا، بنيويورك وهذه قصة فظيعة تنتهي بموته، خاتمة كل الروايات هي الموت متل الحياة.
* الحب بالنسبة للكاتب، الحب والكتابة، هل هناك حب عابر برأيك؟
أسماء الله الحسنى99، في حين للحب عند العرب أسماء لاتحصى، في روايتي الجديدة أولاد الجيتو 2، احصيت بعض أسماء الحب المختلفة، فالحب مراتب ودرجات واللغة العربية، أغنى لغة فيها تنويعات على كلمة حب، الحب عالم شاسع له مستويات مختلفة، ففي كل مرة يظن العاشق أن عشقه أبدي، لكنه يكتشف أن هناك حب آخر، فلكي يزهر الشجر ويثمر يحب بعضه، الحب هو تجديد الحياة والبيولوجيا، تجديد معانيها بهذا المعنى لايوجد حب عابر وحب ابدي، يوجد حب وهذا وحده إبداع.
* الراوي بالنسبة للأحداث، إلى اي درجة ترى أن العلاقة مركبة بين الرواي والأحداث، أحيانا نراك نسمع حديثك على لسان أبطالك، الراوي عندك يستعين بكلماتك بأفكارك ومشاعرك، الراوي لا يخفي الكاتب، الراوي وأثره الفكري والإجتماعي والجمالي والنفسي؟
سؤالك معقد، الحقيقية ما بعرف، مرة ناقد أدبي كتب آدم يحكي متل الياس خوري، فاتصلت به بعد صدور الرواية، قلت له ليه مفترض أن آدم يحكي متلي، ربما أنا أقلده، في الحقيقة العلاقة مركبة بين الراوي والمؤلف، خليل أيوب أو أدم دنون شخصيات كاملة، عندهم قصة حب وغرام مع شمس، خليل أيوب اصيب وتعالج وتدرب في الصين، ممرض يصطنع دور الطبيب، صحيح أنا أصبت في إحدى المعارك إلا أنني لم احب شمس، ولا اشتغلت بمخيم شاتيلا.
* الشبه لايعني التطابق، أنا أتحدث عن اللغة، بعيدا عن تطابق التجربة مع شخصياتك؟
لاشك بأنك تعيد تجاربك الحميمة للشخصيات لتعطيها مصداقية، ولكن أنت لاتعيرهم موقعك ولاموقفك
أنا عكس جبرا الروائي الكبير الذي أحبه، فهو وبدءا من «السفينة»، مرورا «في البحث عن وليد مسعود»، هو نفس البطل، البطل مثقف فلسطيني، هو نفسه، وأنا كاتب مثقف، ولكن خليل أيوب رجل معتّر، مستواه التعليمي لايتجاوز الثانوية العامة، هو شخصية متكاملة ممكن يعيرني شخصيته وأنا استعير منه، يقولون لي هذه تجربتك مع نهيلة أقول لهم ياريت أنا أغار منه، لو كان عندي أمرأة مثل نهيلة أحلى أمرأة بالعالم، لكنت أسعد إنسان، سؤالك يذكرني بأمرأة التقيتها في باريس، قالت لي أخبرنا أكيد أنت تعرف نهيلة، قلت لها لو عرفتها لتزوجتها ، (حدا بضيع وقته بهيك روايات)، طبعا لحقت بي وقالت لي أنت كذاب، قلت لها هذا أكبر مدح يسمعه كاتب، أنك تصدقي الكتاب وما تصدقيه.
لايوجد شيء يوازي هذا في العالم، بالنسبة لي أنا أحب نهيلة، وخليل، وإذا أحببت احد أعطيه،
وحين أنتهي من كتابة الرواية، اشعر أني تعلمت من هؤلاء الأشخاص، فبعد أن أنهيت «باب الشمس»، لم اعد قادرا على الكتابة، وأجلت نشرهاعاما كاملا، كنت لا أستطيع الخروج منها، ولا أريدها أن تخرج من البيت، فنشرت عام 1998، ظن الناس انني تقصدت نشرها بمناسبة مرور 50 سنة على النكبة، كنت أحدث نفسي إذا انتهت الرواية، ماذا سأعمل في الحياة، كنت آكل معهم، أحلم معهم، من هنا تكون الصعوبة..
*تتسم رواياتك بمشهدية متكاملة، تأخذنا للسينما للتراجيديا، للشعر، للغناء، ويبدو واضحا التفاعل مع الفن البصري، حدثناعن التأثر الروائي بهذه الفنون؟
انا برأيي قمة الفنون الكتابية، هي الشعر، كونه تكثيف عالي للعالم، وأكيد أحد مصادري هو الشعر،
أثناء السرد يكون في تضمين شعري، القصة لازم تكون شفافة سرد شفاف يضيء كأنه شعر،
«كأنها نائمة»، كلّها شعر، أما في رواية «مجمع الأسرار»، فهناك مشهد مسرحي كامل، لهذا تمسرحت الرواية، و قام المخرج المسرحي روجيه عساف»، بتجسيد النص، أذكر كيف انهار البطل حين أراد تمثيل مشهد القتل فيقول :»التمثيل بوجع»، وأنا برأيي تاركوفسكي نبهني للسينما الشعرية، فالأدب حين يتفاعل مع الفن البصري يتفاعل مع شعرية هذه الفن، الأدب التقاط ظلال الأشياء هكذا تعلمت من امرئ القيس،
حين يقول: قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل
بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
يقف هو وظله، الأدب هو التقاط هذه العلاقة، بين الواقع وظلاله، بهذه المسافة تتجمع الفنون، فتصيرتكتب رواية كأنك تكتب شعرا، أو مشهدا سينمائيا، وتصير تروي كأنك تقف على خشبة المسرح تمتزج الأمور ببعضها لتعطي الوصول إلى هذه اللحظة لحظة التعبير القصوى عن الداخل الإنساني.
*هل اثرت التغيرات الدراماتيكية للثورات العربية في نهوض فن الرواية؟
أرى بأن الحركة الفعلية حصلت في التحولات التاريخية الدراماتيكية والكوارث، مجتمعات سوريا والعراق ولبنان أنتجت شعر، سعيد عقل إبراهيم طوقان بدوي الجبل الماغوط السياب درويش، ولم تبدأ الرواية فعليا في بلاد الشام إلا بعد انفجار هذه المجتمعات لأن انفجار المجتمعات حرر اللغة والثقافة من التابو من الممنوعات، وقد كتبت دراسة طويلة عن هذا الموضوع بأن الرواية اللبنانية بدأت مع الحرب الأهلية، قبل الحرب هناك روائيون لبنانيون كبار لويس عواد، سهيل أدريس ليلى بعلبكي، الرواية فعليا بدأت كحركة في الحرب الأهلية لأنه قبلها كان مسيطرا على لبنان لغة سعيد عقل والرحابنة، اللغة الجمالية لغة الريف، بعدها طلعت لغة المدينة.
هل تعتبر بأن الرواية فن مدني أم ريفي، أعود بالسؤال إلى أي درجة تنعكس الانفجارات والحروب على لغة السرد؟
الرواية تعكس لغة المدينة أنتجت فن الحكواتي- وقبلها فن خيال الظل قصص كركوز وعواظ، مدننا هي مجمعات أرياف باستثناء المدن العريقة متل دمشق وحلب، أما بيروت فهي مدينة مهجرين، مدينة حديثة نشأت في القرن التاسع عشر حين جاءت حملة إبراهيم باشا على المدينة 1830 كان عدد سكانها 5 آلاف يعني هي ريف.
في كل التاريخ المعاصر لا ذكر لبيروت، ولكن بعد الحرب الطائفية الأولى عام 1860 هاجر المسيحيون بعد أحداث الشام إلى بيروت أيضا في الثورة السورية الكبرى ، هاجر الحوارنة إلى بيروت ثم الحوارنة، ثم الأرمن ثم الفلسطينيون، واليوم يهاجر السوريون.
بيروت مدينة غرباء ولكن البنية الاجتماعية حين انفجرت بدأت تسمي الأشياء بأسمائها، سمحت للغة أن تتحرر.
أتذكر المرة الأولى التي التقيت بها بالروائي أميل حبيبي، كان لقاء جميلا رحت على براغ أنا ومحمود درويش، على هامش المقابلة قال لي إيميل حبيبي كيف تتجرأ أن تسمي أبطالك بأسماء مسيحية وإسلام ؟
قلت له أنا أكتب مثل الحياة هذا الفرق الذي يعبر عنه هو فرق في انفجار المجتمع، حتى الرحابنة استخدموا في مسرحهم اسماء شاعرية غير واقعية محايدة.
جبرا إبراهيم جبرا جبرا سرياني من بيت لحم، وكل رواياته فيها المسيح والدين، ورغم ذلك يتعمد أن يسمي أبطاله أسماء محايدة كأنه لا يريد أن يعترف بالواقع، نحن مجتمع متعدد ثقافيا دينيا، وهذا غنى حقيقيا..
الانفجار الاجتماعي والحكاية:
الأانفجار الاجتماعي في بيروت، الانفجار الاجتماعي في سوريا الثورة السورية، الانفجار العراقي حرر الكتابة وطلّع السرد، طلّع الحكاية.
أنا عملت أطروحتي عن الحرب الأهلية اللبنانية لم أجد أثرا في الأدب اللبناني للحرب، ذبحنا بعضنا 20 سنة، وانتقلت الحرب الأهلية إلى الشام، كل الناس يتذكرون كيف حمى عبد القادر الجزائري النصارى في الشام ، كل هذا كان مسكوت عنه في الأدب، أدب عصر النهضة البستاني كله يبشر بالوطن والعروبة، النظرية التي اخترعها جبران تقول بأن الكاتب نبي، فصارت مصيبة الأدب العربي المعاصر بأن الأديب نبي وهذا مرجعه عربي قديم من أيام أمرؤ القيس الشاعر والملك. حتى المتنبي هذا الشاعر العظيم ادّعى النبوة، وأراد أن يكون نبيا، واميرا مهيمنا.
المثلث العربي، يرى الشاعر السلطة، الشاعر الملك، الشاعر النبي، ترسّخ هذا مع جبران في العصر الحديث، السياب تبنى هذا حين قال انني أرى الشاعر مثل يوحنا الذي أكلت رؤياه عينيه وهو يرى الخطايا أما أدونيس، فهو أجرأهم، لم يأخذ أسم النبي، وإنما اسم أحد الآلهة الكنعانيين القدامى، مهيار، إلى أن جاء الأنفجار وحرر الأدب، صارت وظيفتنا ليست أن نبشر بل أن نروي التجربة

* الرواية والربيع العربي…انكسار التابو، وتسليط الضوء على الكثير من الأسماء، وظهور أسماء جديدة، مصطفى خليفة…خالد خليفة- ابراهيم الجبين عين الشرق- خليل صويلح اختبار الندم- هوشنك وطأة اليقين، فهل بتنا نعيش زمن الرواية، وإلى أي درجة تراجع دور الشعر؟
جابر عصفور يقول نحن نعيش زمن الرواية، فن الشعر يمر اليوم بأزمة لأنه لايوجد شعراء كبار،
بعد الشعر الجاهلي عشنا 40 سنة حتى وصلنا للشعر الأموي، بعد العصر العباسي ظهرت أهم المؤلفات بتاريخ العرب، ألف ليلة وليلة، ومقدمة ابن خلدون، وابن رشد، ربما اليوم يعيش الشعر بأزمة، أخذ الشعر على عاتقه مهمة انبعاث العرب، كل فكرة الإبداعات فكرة مدمرة أنتجت حزب البعث أكبر كابوس بالعالم العربي.
غزارة الإنتاج الروائي اليوم ناتج عن التحول الاجتماعي، ولكن المبيعات هي المقياس، الشعراء اليوم يطبعون كتبا لكنها لا تباع، نزار قباني ومحمود درويش يبيعون بشكل خيالي، يجب أن ننتظر، العرب كانوا يحتفلون بالشاعر، الشاعر ظاهرة كبرى في الأدب وفي الثقافة، ولكن لايوجد أصوات تحل مكان الأسماء الكبرى.
*هل تلعب الجوائز دورا في ازدهار فن الرواية؟.
أكيد الجوائز مهمة ولكن، برأيي الكتاب الكبار هم من يعطون قيمة للجائزة أي جائزة،الجوائز الأدبية لعبت دورا كبيرا، نجيب محفوظ مقروء ، هو من يعطي قيمة للجائزة .
نحن بأزمة تحول اجتماعية، أعادت إبراز السرد، سرد ما يجري لأن ما نعيشه تاريخي بعد مائة سنة سيقرأوننا ويقولون كيف أستطاع هؤلاء أن يعيشوا!؟ يقرأون عن سوريا كما نقرأ عن سقوط بغداد بأيدي المغول أو دخول تيمورلنك، لدمشق، وسيتساءلون كيف تحمّل الناس كل هذه المجازر؟ نحن في لحظة تشبه اللحظات الكبرى مثل الحرب الصليبية المجازر الكبرى في الساحل السوري، نعم نحن في لحظة تاريخية كبرى. من الانفجار، ومن التوتر، ومن الاحتمالات التي برأيي تحتاج لمن يشهد لها، لهذا الرواية مهمة.
أما بالنسبة للطفرة الروائية، فالمحك الحقيقي بعد 50 سنة، اي من هذه الروايات التي تنشر اليوم سيبقى.
*دراستك وتخصصك بالتاريخ ومرجعياتك الثقافية كيف انعكست على الرواية، متى شعرت أنك تحب تأليف القصص؟
منذ كنت صغيرا كنت أروح لعند جدتي، لتخبرني القصص، كنت أرفض أن أذهب إلى البحر لأسمع قصص خالتي، كنت اكتب القصص منذ طفولتي، أحب أن أروي، أن أحكي وأؤلف، إلى اليوم إذا كنت بمقهى، وأرى أمرأة ابدأ بتأليف قصة حول جلستها وانتظارها، اللعب حكاية، وفي السهرات اليومية مع أولادي أؤلف قصص.
أحب أكتب القصص برأيي يا بدي صير كاتب يا بدي صير ثوري محترف جرّبت بشبابي الأول وقت كان عمري 18 سنة
رحت ع الأردن، وانتسبت للفدائيين، وأعتبر أن تشي جيفارا أعظم فنان في العالم، استطاع أن يمزج الحلم بالواقع، فراح ليعيش حلم التغيير، حلم الفقراء، هؤلاء أعظم شعراء، وهو ما جعل الثورة، أهم خياراتي،

*آدم في أولاد الجيتو يحكي عن ما بعد اليأس، ماذا يقول الياس خوري اليوم، أمام مشهد عربي يتفتت؟
نحن محبطون، محزن جدا فشل الثورة السورية، لا يوازي الكارثة الفلسطينية، إلا الكارثة السورية، بحجم الحطام، لهذا نحن نعيش مرحلة ما بعد اليأس، الحطام النفسي، فأنا لا أقول يأس، لأنه كلام تافه نحن نعيش ما بعد اليأس، لحظة ما بعد اليأس، وهو لحظة حرية ، كي نبدأ من جديد هو ما أعيشه فعلا.

السفر والرحلة:
*تجارب السفر تدخل في الخبرات والتزود الثقافي، هل تحدثنا عن مدن تركت أثرها عليك؟
ثلاث مدن كبرى أثرت عليّ، بيروت مدينتي التي أحبها ولا أستطيع أن أعيش بدونها، وقد كان عندي احتمالات للتدريس خارج بيروت، دائما حين يأتيني عروض أعمل عقودا قصيرة لأنني لا أستطيع أن أعيش بعيدا عن بيروت.
ولو عدت بالذاكرة إلى عام 1983، فكانت لبنان محكومة من الكتائب، ثم دخلنا حرب المخيمات، الأسد والجيش السوري، وحركة امل، شهدنا حينها حملة اغتيالات، فظيعة لمن يؤيدون القضية الفلسطينية، ثم تصفية اليسار والمقاومة الوطنية 1988، تصفية المقاومة بقرار سوري ، وأدوات شيعية، اغتيال مهدي عامل، وحسين مروة، طلب مني حينها مغادرة بيروت، لكنني رفضت..
بيروت اكثر مدينة أثّرت عليّ، كونها مزيجا غريبا من الحرية المطلقة، ومن القهر الذي لا ينتهي. مزيجا غريبا عشت فيه تجربة مُرة وخاصة عام 1975.
أنا من الأشرفية الجبل الصغير، طردت من الجبل ولم أستطع الرجعة إلا عام 2000
توفيت أمي ولم أستطع رؤيتها، مع انني لم أغادر بيروت، طردت من مكاني الأصلي، وبقيت بيروت مكاني الذي لا أستطيع مغادرته.
أما المدينة الثانية التي أثرت عليّ والتي أحبها فهي باريس، تعرّفت على الثقافة هناك، على فوكو، والتوسير، الثقافة المتفجرة في العالم والتي أثرت عليّ، وخاصة في مرحلة السبعينات والثمانينات..
أما ثالث مدينة أحبها فهي نيويورك، مدينة عكس أمريكا، تشبه العالم الأول والعالم الثالث، مدينة تشبه مدننا، تفتح ليلا ونهارا، فيها حرية فكرية وثقافية، وأقصد هنا المكان الذي عشت فيه في الجامعة، حين ذهبت إلى هناك كان دليلي أهم نيويوركي في العالم، إدوار سعيد، أخذني إلى البحر، وإلى حفلات الموسيقى، والمسارح، وعرّفني على أهم الأصدقاء.
أغلبهم كانوا من الجبهة الشعبية، وفتح، كانوا دليلي وعيوني، فيها تعرفت على كل الاتجاهات العالم السفلي الأدب المسرح الطليعي، حين أرجع إلى نيويورك اشعر أن هناك لي بيتا، كنا نعيش في منطقة الجامعة حوالي واشنطن سكوير، مكان عادي، لكنه بالنسبة لي، كان له أثر كبير، نيويورك وباريس من المدن التي ترجمت أعمالي، واعترفت بي أدبيا، مدينتان منحاني فسحة حرية كبيرة..
*وماذا تقول عن الرحلة والكتابة، سواء كانت بالخيال أم بالواقع؟
السفر ارتبط بوجود الإنسان، نذكر رحلات سندباد، الذي كان يأتي لنا بالحكايا، فقد كان يسافر، كي يرجع ويحكي القصص، كل الأدب سفر ، الأدب ابن السفر، منذ هوميروس، مرورا بجلجامش، حتاي
سواء كان سفرا روحيا أو ماديا، وأجمل لحظة أدبية هي الإسراء، الذي زرع بذرة أدبية عند أبو العلاء المعري، الهجرة إلى العالم الآخر.
الأدب سفر، سفر للآخرين، فإذا أرت أن أكتب عن المرأة، لا بد لي من أن ادخل في تلافيف حياتها، كما فعلت مع ميليا، أروح وأقول لها علّميني لأكتب، دليني، من أجل هذا نضيع حين نقرأ ونحن مسافرون، لأنك تمضي نحو أسلوب لا تعرفه، بالنسبة لي الجامعة هي المدينة، فيها حياة اجتماعية كاملة، أما في ابوظبي، فتعلمت كيف أقرأ عبدالرحمن منيف، كاتب عظيم فهمته هنا وعرفت أكثر معنى مدن الملح التي كتبها.


حاورته: فاتن حمودي *

شاهد أيضاً

عبدالفتاح كيليطو: كل كتاب أكتبه يصحح الذي سبقه

حين يكتب يصطاد حكاية صغيرة أو “شيئا تافها”، أو حُلما بسيطاً ينطلق منه، ثم ما …