إمارة بني مكرم في عمان

اهداء للشيخ محمود بن زاهر الهنائي

القليل من الباحثين ممن أبدى اهتماما  بالدراسة  عن عائلة  بني مكرم في ع مان الحاكمة لها ما بين نهاية القرن الـ4هـ/10م وبداية القرن الـ5هـ/11 م, إلا ما تناوله المستشرقان ستيرن وبيفار خلال تقصيهما عن العملات البويهية في ع مان(1), ثم تبعهما المستشرق الإنجليزي البروفيسور بوسورث في كتابات مقتضبة ومتفرقة عنهما(2). لقد طبعت فترة البويهيين ومحاولاتهم المتعددة للسيطرة على ع مان ابتداء من منتصف القرن الـ4هـ/10م بخصوصية في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية, مما أعطى لهذه الفترة تميزا عما سبقها من فترات للدويلات الأخرى في صراعها للاستيلاء على إقليم عمان. وهذا كان عاملا مؤثرا على الحياة الثقافية في عمان من خلال هذه الفترة للنفوذ الفارسي والتي يمكن أن يشار إليها بشاعرين ارتبطا بالوجود البويهي وهما أبزون العماني ولم يعثر عنه إلا أخبار متشظية أو أبيات شعر  متناثرة لم تجمع في ديوان حتى الآن, لكن باحثين متأخرين أبدوا اهتماما  بجمعه  والبحث عنه,(3) وأما الآخر فهو مهيار الديلمي الذي تألق في فترة البويهيين وأصبغت مدائحه لبني مكرم  في وقتها تميزا  لهذه العائلة في التاريخ الكلاسيكي سواء  العماني أو الإسلامي العام; ولذا أشار ابن خلدون إلى تميز فترة بني مكرم ومدائح مهيار لهم في عمان وكأسرة عربية حاكمة.(4 )

فهذه الورقة ستكثف في البحث عن هذه الإمارة بجمع المادة المعلوماتية المتعلقة بها ودراستها, وهو عادة ما يستغرق وقتا طويلا في البحث عن أخبار مبعثرة في كتب التاريخ وأبيات الشعر ومن ثم مقارنة هذه المادة مع كتب التاريخ العماني. فتقصينا للبحث عن إمارة بني مكرم سيكشف لنا عن جوانب كانت تبدو غامضة بعض الشيء في الحياة السياسية والاجتماعية لع مان وعن مدى هذه العلاقة العمانية مع الأقاليم الفارسية خاصة وعن مرحلة تاريخية كلاسيكية لإقليم الخليج العربي/الفارسي. كذلك إن ما نسعى إليه هو الكشف عن جزئيات كانت تتجاوز من قبل الباحثين, للاصطدام الذي يواجه أحيانا ببعض الحوادث التاريخية.

فاللمحة التاريخية المبدئية عن تلك الفترة تدفعنا أولا إلى وجوب التعرف على الوضع السياسي العماني في ذلك القرن حتى يتسنى لنا فهم طبيعة نشوء هذه الإمارة العمانية وتطورها,  فمن العبث إصدار الآراء المسبقة بدون فهم الإطار التاريخي الكامل. فنتيجة لانهيار الإمامة العمانية الأولى على يد العباسيين في عام 280/ 893 نشأت إمارات وإقطاعيات متعددة في عمان تميزت فترتها بارتباط  هذه الدويلات بالقوى الخارجية; فبنو سامة ظل ارتباطهم بالعباسيين ومن ثم بالقرامطة, وبعد ذلك بنو وجيه بالعباسيين, والقرامطة ومن بعدهم الزنج ثم الديلم والسلاجقة.(5) في خضم هذا الصراع بين هذه القوى ظل البويهيون أكثرهم  تأثيرا على هذا الإقليم وارتباطا به في المجريات السياسية العمانية  بل جوانب من هذا التأثير تظهر من حين لآخر كسمة تاريخية التصقت بهذه الفترة.

فما أن انهي حكم بني وجيه على عمان (6),  حتى بدر للبويهيين في أذهانهم الاستيلاء عليها فأرسل معز الدولة البويهي  حملاته الأولى عام 355/966م , منحدرا نحو الأبلة في السنة نفسها حيث جهز هنالك المراكب إلى عمان مائة قطعة, وبعث فيها الجيوش تحت إمرة أبي الفتوح محمد بن العباس, وراسل عضد الدولة بفارس ليمدهم بالعساكر من عنده فوافاهم المدد بسيراف وساروا إلى عمان فملكوها يوم 9 ذو الحجة 355/ 5 سبتمبر 966م  وخطب لمعز الدولة وصارت من أعماله.(7)

ثم عادت الكرة ثانية فحين بلغ أبو الفرج العباس  موت معز الدولة  كان هو بعمان , فخشي أن ينفرد عنه صاحبه أبو الفضل بن العباس بن الحسين بالدولة, فسار إلى بغداد ومن ثم بعث إلى عضد الدولة فناء خسرو أبو شجاع ليتسلمها, فوليها عمر بن نبهان الطائي بدعوة عضد الدولة. ثم إن الزنج قتلوا عمر بن نبهان وملكوا البلد, وبعث عضد الدولة إليها جيشا من كرمان مع أبي حرب بن طغان فاستولى على صحار والبريمي  في سنة 362/974.(8) ثم ثار العمانيون من بعد في نزوى فبعث عضد الدولة المطهر بن عبدالله فنزل لحربهم وهزم قائد الثوار من العمانيين ورد بن زياد أما إمامهم حفص بن راشد فقد هرب إلى اليمن ودانت البلد لعضد الدولة.(9)

فطوال الحملات البويهية المتتالية المذكورة آنفا, في بداية أمرها لم تستطع إلا بالانفراد بالساحل العماني أما في الداخل فقد ظل مضطربا بين الأئمة العمانيين ومن بعدهم بني وجيه ثم تغلب القرامطة الذين ظل ترددهم إما من ولاة أو بالأصح جابيي الزكاة من سنة 317 / 929 إلى  أن ضعف أمرهم سنة 375/985, وإن كان ابن الأثير يشير الى ثورة للعمانيين على القرامطة سنة 354/965 »فأوقعوا بالقرامطة فقتلوا كثيرا منهم, وعاد الباقون« (01).  ويعلل ابن خلدون نهايتهم بان  واليها منهم ترهب وزهد ووهن فقامت عليهم ثورة ع مانية اندلعت من مدينة نزوى وقتلوا من كان بها من القرامطة فاستقلت داخلية  عمان, لكن لم يذكر لمن آلت إليه شؤون البلاد.

بروز الإمارة:

إن أهم ما يمكن الاعتماد عليه في المصادر التاريخية  للبحث عن نشوء هذه الإمارة هما ابن الأثير و ابن خلدون حيث يؤكد كلاهما أن بني مكرم كانوا من وجوه أهل عمان,(11) وهذا هو الراجح كما يعتقده كذلك البروفيسور بوسورث على أن أصولها تمتد من القبائل العمانية المحلية, أما كتب الأنساب فلا تسعفنا إلى تتبع انساب بني مكرم ولا إلى التعرف على الجذور التي تنتسب إليها من أي القبائل كانت سواء من التفرع النزاري أو القحطاني. فبنو مكرم فيما يبدو كانوا من ذوي اليسار حيث ارتبطوا بتجارة بين عمان والعراق, فنشوء هذه الإمارة بدا بنفوذ شبه إقطاعي يمتد على ساحل عمان الشمالي حيث اخذت عائلتهم في التوسع الاقتصادي والسياسي.

لكن السؤال الذي يبرز لنا متى تم الاتصال الفعلي بين كلا الطرفين البويهيين وبني مكرم حيث إن ع مان كانت تحت سلطة البويهيين. فالنقطة التي يذكرها لنا ابن خلدون هي أن الاتصال بين بني مكرم والبويهيين تم ببغداد ولم يكن بعمان حيث استخدموا لبني بويه.(12) وهذا يترتب عليه الاحتمال الأكبر إن هنالك كان تعارف مسبق بين الحامية البويهية وبني مكرم. وابن خلدون يزيد في الإيضاح بأن البويهيين أعانوهم بالمراكب من فارس فملكوا مدينة صحار التي كانت قصبة عمان وطردوا العمانيين الثائرين إلى الداخل نحو جبال الحجر, وأقاموا الخطبة لبني العباس.(12)

فالتقصي في المصادر التاريخية لا يظهر لبني مكرم أية تظلع أو ارتباط مع البويهيين إلا بعد الحملة البويهية الثانية عام 372/983 مع عضد الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن فنا خسرو (ت 385/995 ) ومن ثم مع السلطان البويهي أبو كاليجار شمس الدولة مرزبان بن فنا خسرو 380/990 ومن بعد بهاء الدولة أبو نصر فيروز 388/998 حيث ازداد النفوذ البويهي إلى شبه التغلب التام على عمان; خصوصا ان العمانيين في الداخل لم يتمكنوا من تنصيب إمام أو إقامة ثورة مما افرض السيادة البويهية عليهم. ففي خلال فترة هؤلاء المرازبنة  مع أبو محمد الأول بدأت العلاقة البويهية-المكرمية بالوضوح والتبلور لأن تكون علاقة إمارة ذات السيادة التامة لكن صلاحياتها في  العلاقات الخارجية تتم عن طريق الدولة البويهية (المسيطرة على إقليمي فارس وخوزستان))). فابن خلدون يضيف لنا إن تغلب المكرميين على عمان إنما كان نتيجة لضعف بني بويه ببغداد ولذا توارث بنو مكرم عليها بدون تعيين فيما بعد.(14)  فاتخاذ بني مكرم صحار لان تكون عاصمة لهم كان عاملا مساعدا لتوسع هذه العلاقة مع فترة الازدهار الاقتصادي والتجاري لعمان في تلك الفترة, حيث ظلت صحار محورا في طرق التجارة البحرية القديمة ولتكون ؛دهليز الصين وخزانة الشرق«.

العلاقة المكرمية- البويهية

 المصادر التاريخية تكاد تجمع  على أن المؤسس لهذه الإمارة المكرمية هو أبو محمد الأول الحسين بن مكرم, ولا تشير إلى شخص قبله من عائلته, تمتع بشخصية فذة ونظرا لنفوذه التجاري والاقتصادي تمكن من التقرب من الفرع البويهي الحاكم لبغداد حيث بدأت علاقته بأبي الفوارس شرف الدولة شيرزيل بن فنا خسرو 372-380/389-990 ومن ثم تطورت علاقته ببهاء الدولة حيث عرف بأنه مدبر دولته.(15) وإن كان مهيار في مدحهم يشير إلى مكرم انه هو صاحب الشأن في نهوض هذه العائلة:

غرس المعالي »مكرم« في تربها

         فجنت حلاوة كل عيش بارد

حجرا على الأقدار فيما نفذت

             أحكامها من صادر أو وارد(16)

فلا ندري أين مكان مكرم من هذه العائلة ما إذا  كان هو والد أبو محمد الحسين أو جده. كل ما أمكننا الحصول عليه حتى الآن هو عن بدايات البروز السياسي لمؤسس هذه الإمارة أبو محمد الأول الحسين بن مكرم, وحسبما يبدو إنها كانت من التجارة البحرية في الخليج الممتدة من البصرة نحو الأبلة ثم إلى سيراف ومنها إلى صحار حيث الواجهة البحرية للسفن التجارية العابرة للمحيط الهندي. ويمكن استنتاج توسع ابن مكرم التجاري في العراق من أخبار تمرد  أبي العباس بن واصل عام 394 /1004 فكان بداية أمره أنه كان ينوب عن زربوك الحاجب, وارتفع معه ثم استوحش منه ففارقه وسار إلى شيراز واتصل بخدمة فولاد, ثم قبض عليه فولاد فعاد إلى الأهواز, ثم صعد إلى بغداد ثم خرج منها وخدم أبا محمد بن مكرم. فانتقل من بعد إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة وتقدم عنه ولما استولى السكرستان على البصرة بعثه مهذب الدولة في العساكر فقتله وغلبه. وبعدها خلع أبو العباس بن واصل طاعة مهذب الدولة فأرسل جيوشا لمحاربته,  ومضى إلى شيراز فانقلب على أبي محمد بن مكرم واستولى على أمواله وسفنه في سيراف, وظل في تمرده إلى أن قتل سنة 397/1007 .(17)

لقد سبق لابن مكرم بفترة من الزمن الخدمة في البلاط البويهي وذلك باتصاله مع بهاء الدولة في بدايات الثمانين من السنة الثلاثمائة للهجرة/ التسعمائة للميلاد. فعلى اثر الحروب الدائرة بين البويهيين في تصدع العلاقة بين صمصام الدولة وبهاء الدولة, ففي عام 385/ 995جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسين واتفق مع الحدث وفاة ابن طغان _ نائب بهاء الدولة_ على الأهواز مما اقلق بهاء الدولة خصوصا بعد عزم الجند من الأتراك العود إلى بغداد, اضطر إلى إرسال أبا كاليجار المرزبان بن فيروز شاه إلي الأهواز نائبا عنه وانفذ أبا محمد بن مكرم إلى الفتكين وكان ابن مكرم برامهرمز قد عاد من بين يدي عسكر صمصام الدولة لكنه رجع إلى الأهواز. فكتب بهاء الدولة إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال حتى يأتيهم فسار نحو خوزستان. لكن الحروب سرعان ما سبقت الحدث, فوقعت الحروب بين العلاء بن الحسين وابن مكرم فانزاح ابن مكرم من الفتكين ورجع بهاء الدولة إلى البصرة. فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد ابن مكرم إلى معسكر مكرم وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها فنزلوا أخيرا في  براملان بين مدينتي معسكر مكرم وتستر وتكررت الوقائع بين الطرفين.(18)

في عام 387/997 توفي أبو القاسم العلا بن الحسين نائب صمصام الدولة بخوزستان بعسكر مكرم, وعليه انفذ صمصام الدولة وزيره أبا علي بن أستاذ هرمز وسار إلى جنديسابور وطرد أصحاب بهاء الدولة عنها ثم استمر إلى خوزستان.(19) فاستعد أبو محمد بن مكرم لحربه وجرت بينهما وقائع انزاح معها ابن مكرم إلى واسط. لكن بعد عودة أبو علي بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة أمره بالمسير إلى أبي محمد بن مكرم ومساعدتهم فجرت بينهم وقائع كثيرة.(20), لكن الأمور بدأت في الانعكاس لصالح بهاء الدولة في سنة 389/ 999 وذلك بعد دخول جنود الديلم الذين كانوا مع أبي علي بن أستاذ هرمز في طاعة بهاء الدولة نتيجة لقتل ابني بختيار البويهي على يد صمصام الدولة, واستولى بهاء الدولة على فارس وخوزستان.(21)

بالرغم من الإنجاز الذي حققه أبو علي بن العباس لبهاء الدولة إلا أن ذلك لم يشفع له بعد أن طلب الاستعفاء  من الخدمة, وبذل أبو محمد بن مكرم الصلح وسد الفجوة التي حصلت بينهما لكنه لم يوفق, فغضب بهاء الدولة وقبض على أبي علي بن إسماعيل واستولى على أمواله.  وكانت نتيجة للإنجازات التي حققها ابن مكرم حسبما يؤكد ابن الأثير أن بهاء الدولة عين في عام 390/1000 أبا محمد بن مكرم نائبا له في عمان.(22)  لكنه في سنة 392/ 1001 عزل بهاء الدولة  أبو محمد بن مكرم وعين بدلا عنه الفرخان بن شيران, لكن أبا محمد أعيد في منصبه وجعل القضاء بين يدي القاضي أبي بكر.(23)  

كان لانشقاق البيت البويهي على نفسه في أقاليم متعددة بين العراق وفارس وكرمان والجبل مؤثرا على العلاقات البويهية-البويهية والبويهية-مع ولاة الأقاليم حيث جعلت الأمر مضطربا مؤديا لحروب متواصلة بين أطراف متعددة ومناطق شاسعة. فشرف الدولة قد استولى على فارس والعراق وخطب له بعمان وولى عليها أبا علي أستاذ هرمز الذي سرعان ما انتقض عليه وصار مع صمصام الدولة مرزبان بن فنا خسرو (ت 388/998) سلطان كرمان, حيث خطب له بعمان.  فبعث شرف الدولة عسكرا فهزموا أبا علي بن أستاذ هرمز (ت 401/1011 ) وأسروه ببعض القلاع وطالبوه بالأموال وعادت عمان إلى شرف الدولة.(24)

عند هذا الحدث استوقفتني إشارة ابن خلدون ولا أدري ما إذا كانت خطأ مطبعيا أم لا حيث يشار إلى شرف الدولة بمشرف الدولة وهو قد تولى الحكم 412-416/1021-1025 (في الفرع البويهي العراقي) بينما صمصام الدولة كان قد توفي 388/998.

لكن التطورات في هذا الاشتباك بين الطرفين تبدو لاحقا لتبرز من شخصية أبو محمد بن مكرم رجل دولة محنك. فلفض هذا التنازع بين الطرفي البويهي للتدخل في الشؤون العمانية, تراسل سلطان الدولة أبو شجاع بن فيروز بهاء الدولة (403-415/1012-1024), ومشرف الدولة أبو علي الحسن بن بهاء الدولة (412-416/1021-1025) في الصلح وسعى بينهما أبو محمد بن مكرم صاحب سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة ومؤيد الملك الرجحي وزير مشرف الدولة, وانتهى الاتفاق على أن يكون مشرف الدولة على العراق بينما فارس وكرمان لسلطان الدولة, وتم ذلك في سنة (413/1022) وعليه  تحول بني مكرم إلى العلاقة مع (الفرع البويهي الحاكم لفارس_خوزستان).(25)

لكن بوفاة سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة عام 415/1024;  السلطان البويهي لفارس بشيراز حيث كان أبو محمد الأول بن مكرم صاحب دولته. فرغب أبو محمد أن يخلفه  ابنه أبو كاليجار وهو يومئذ أمير على الأهواز فاستقدمه للملك بعد أبيه, ولكن هوى الأتراك من الجند مع عمه أبو الفوارس صاحب كرمان فاستقدموه, فخشي أبو محمد بن مكرم جانبه ففر  إلى البصرة.(26) وكان ابنه أبو المكارم بن أبا محمد بن الحسين قد نصحه بالذهاب إلى سيراف لتسيير أعماله التجارية أو إلى ابنه أبى القاسم في عمان وألا يتدخل في العراك الدائر في البيت البويهي.(27)

فسار العادل أبو منصور بن مافنة إلى كرمان لاستقدام أبي الفوارس وكان صديقا لابن مكرم فحسن أمره عند أبي الفوارس, لكن  الأجناد من الأتراك أحالوا بحق البيعة على ابن مكرم, فكانت مؤدية إلى الانشقاق بين الطرفين مرة ثانية فماطلهم أبو محمد بن مكرم وهم ضجروا من ذلك فقبض عليه أبو الفوارس وقتله.(28) للتوقف بعض الشيء, فتاريخ وفاة أبو محمد الأول  يدعونا إلى مراجعة آراء البروفيسور بوسورث في أن أبا محمد توفي عام 411/1021 بينما الأصح يبدو غير ذلك إنما وفاته كانت بعد أبي شجاع سلطان الدولة أي بعد 415/1024. فإعادة الاستقراء لتاريخ وفيات بني مكرم يدعونا إلى التأمل ثانية في التواريخ المذكورة عنهم عند بوسورث, وهذا ما سنبينه لاحقا في عرضنا للأحداث ويمكن مقارنته تلقائيا.(29)   

فبعد وفاة أبي محمد الأول برز من بعده ابنه أبي القاسم ناصر الدين علي بن الحسين ولحق بأبي كاليجار بالأهواز فتجهز إلى فارس وكان قام بتربيته ابن مزاحم صندل الخادم, وسار العساكر إلى فارس ولقيهم أبو منصور الحسن بن علي النسوي وزير أبي الفوارس فهزموه وغنموا معسكره. وهرب أبو الفوارس إلى كرمان وملك أبو كاليجار شيراز واستولى على بلاد فارس.(30)

فبدأت الدولة المكرمية في ازدهار خلال هذه الفترة بل هي الفترة المزدهرة لبني مكرم. فعرف أبو القاسم بلقب مؤيد الدولة وناصر الدين, وارتبطت صداقته مع كلا الشاعرين الفارسيين مهيار الديلمي وأبو علي بن مهبرد المعروف بأبزون العماني. فأبو القاسم تمتع بحنكة سياسية حيث كان ينيبه والده في شؤون عمان من قبل فعرف ملكا  في البلاد قبل أن يخلف والده في الإمارة , وكانت إحدى مدائح مهيار له في 409هـ/1018 بقوله:

وإن وراء بحر عمان ملكا

                رطيب الظل فضفاض الرحاب

رقـي عيشـه عـطر   ثراه

                بـطـراق الفـضائل  غير   نابي

متى تنزل به تنزل بواد

                من  المعروف  مرعي  الجناب

وإن كان الفتى لأبيه فرعا

                فإن  الغيث   فـرع   للسحـاب(31)

فوصفه  مهيار ملكا  على عمان قبل أن يخلف أباه في الإمارة. كما بينا سابقا انه أبو المكارم نصح أباه بالذهاب إلى عمان بعد وفاة بهاء الدولة عند ابنه أبي القاسم. إن هذه الفترة شهدت اتصالا ثقافيا متبادلا بين فارس وعمان فقد اتصل شعراء فارس ببني مكرم نحو أبزون مهبرد الكافي العماني (ت 430/1093 ) فمن مديحه لأبي القاسم:

ليهنــك أن ملكـك فـي ازديــاد

               وإن علاك وارية الزناد

وانك من إذا وصف الموالي

                 مناقبه أقر بها المعادي

حديث قراك متع كل سمع

                وذكر نداك عطر كل نادي

وينقاد الملوك لك اعتقادا

                وما انقادوا لغيرك باعتقاد

ملكت رقابهم بأسا وجودا

               فهم ملك السيوف أو الأيادي

إذا استعرضت جيش الرأي ليلا

                        جعلت عطاءه طول الس-هاد

إذا ادرعوا الدجى  والهول

                باد سروا نجومهم غرر الجياد

فبالسمر اللدان إذا  تماروا

                النته م وبالبيض الحداد(32)         

ويدون جاجي خليفة عن أبي الحاجب المعاصر للشاعر بقوله على إن اكثر شعر أبزون في مديح أميره ؛ناصر الدين« وهي لقب  لأبي القاسم, ومن مدائحه أيضا لكن لا ندري كانت هي لأبي القاسم أو غيره:

على سيبك المأمول يعتكف الحمد

                وعن سيفك المسلول ينكشف الجد(33)

و كذلك قوله:

إلى ملك يجلو بثاقب رأيه صدا

                الخطب والصادي برؤيته يروى

فكم من أخي فقر نفى باسمه الطوى

                وكم مهمهه قفر إلى  بابه   يطوى(34)  

وكذلك قوله:

كثبات حكمك كاد يذب-ل

                    ويشم  رائحة  الزوال شمام

وإذا كتائبه انبرت أو كتبه

                    فلقت هناك الهام والأوهام(35)

لكن العلاقة بين أبي القاسم ومهيار تميزت إلى صداقة بين طرفين فمن مدحه له:

إذا صانك المقدار من كل حادث

                      فوجهي عن ذل السؤال مصون(36)

و لتبيين هذه المودة في مدائحه كذلك:

إلا لله قلبك  من حمول

                    على عجلات وصل واجتناب

وحبك من وفي العهد باق

                      على بعيد بحبل أو اقترب

وكان المجد أعود حين يهوي

                       عليك من المهفهفة الكعاب

و من عادة مدح مهيار لأبي القاسم يبتدئ بتحية بذكر أسماء المدن والقرى:

سلا دار البخيلة بالج ناب

                متى عريت ر باك  من القباب

و كيف تشعب الأضعان صبحا

                بدائد وهدك والشعاب

بطالعة الهلال على ض مير

                و غارب كمنقض الشهاب

حملن رشائقا ومبدنات

                      رماح الخط تنبت في الروابي

هوى لك في جبال »أبـان« ثاو

                 وأنت على جبال »عمان« صابي(37)

فالجناب اسم واد , والوهد جمع وهد وهو ما انخفض  من الأرض, وض مير  اسم بلدة, وأبان قرية في طريق شيراز إلى كرمان.(38)  وكذلك في قول أخر:

وجوه على »وادي الغضا« ما عدمتها

                فكل عزيز بالجمال يهون

تشبثت بالأقمار عنها علالة

                و بانات »سلع« والفروق تبين

و عوذني عراف »نجد« بذكرها

                       فأعلمني أن الغرام جنون(39)   

 وكذلك من طرائف مدح مهيار لأبي القاسم يشكره على ملاطفته له ودنانير أرسلها له, ويقب  ح بوساطة الغلام الذي أنفذت على يديه الهدية من أبي القاسم:

و قاسمني مناصفة عليه

                و جاحدني ليحبسه كتابي

وقال ولم يهبك ولم ي ص  ني

                كذلك فيك منذ سنين دابي

إذا حملت  رفدا أو كتابا

                إليك لواه نهبي واغتصابي

مكارم سقتهن إلى محب

                ففاز بها مغير لم ي حاب

بعثت بها الخؤن, فضاع سرب

                أم نت عليه غائرة الذئاب

و لولا أن خدمته وقته

                و حرمة عز بابك والجناب

لما سلم البعوض  على عقاب

                ولا عض الهزبر بشر ناب

فجل عن الهجاء بذاك عندي

                و قل   بما أتاه  عن العتاب

س لبت  نداك في ناديك ظلما

                بغارة صاحب لك في الصحاب

إذا أنصفتني فعليك دينا

                غرامة ما تجمع في الحساب(40)

و لكنه يعرض عن ذلك كله بشكر أبي القاسم ويخطره بالموقف:

اعد نظرا فكم أغنيت فقرا

                به وجبرت كسرا من مصاب

و كم نوديت يا بحر العطايا

                فجاء البحر بالعجب العجاب

و في يدك المنى فابعث أمينا

                إلي  ولو بمنقطع التراب

و لا تحوج ظمأى إلى ق لي ب

                سواك على مقامي وانقلابي

و إني إن بلغت النجم يوما

                لكان إلى صنيعتك انتسابي(14) 

و لذلك كان مهيار يشير إلى الازدهار البحري في عمان فقال مادحا :

أمالك في بحار عمان مال

                يسد مفاقر الحاج الصعاب

و مولى يوسع الحرمات رعيا

                و يعمر دارس الأمل الخراب (42)

و يمتدح ملكه لعمان كذلك:

فضلتهم نفسا ودارا ونعمة

                و بين الذنابي والذوائب بين

فان باهلوا بالماء يجري جداولا

                فماؤك جم والبحار حقين

و ظنوا النسيم كلما رق   س حرة

                ألذ, فأغلاط هفت وظنون

هجيرك بالمعروف والعدل بارد

                و ظلهم بالمنكرات سخين

و أرضك كافور يخاض وجوهر

                و أرضهم صخر يداس وطين

و إن حدثوا عن »شامهم« و»عراقهم«

                فعندك »هند« لا تروم و»صين«

و تحوي من البحر المحيط عجائبا

                تطيب بها أجسامهم وتزين

و بغداد تبكي والبصيرة تشتكي

                وشعري نسيج عنهما ورنين

لكن مهيار يبرر بان هذه المقارنات والمفاخرات ليست من عادته:

و ما الفخر طب  ي بين دار وأختها

                ولكنه بين الـرجال بيون 

ورب حديث بالهوى جر بعضه

                إلى الشعر بعضا والحديث شجون       

و كذلك يمدحه في ذوده عن ع مان والدفاع عنها:

أذنت عليه وسائلي وترفعت

                أستاره لمقاصدي وقصائدي

وبعثت غر قائدي ففتحن لي

                أبوابه فكأنهن مقالدي

»كعمان« أو ملك  ؛ع مان« داره

                داني النوال على المدى المتباعد

و قضى على أني الوحيد بعلمه

                فكفى بذلك آته من شاهدي

سبق الملوك فبذهم متمهلا

                جاروا ومر على الطريق القاصد

نام الرعاة عن البلد وأهلها

                عجزا وعيناه شهابا واقد

و حمى جوانب سرحه متنصف

                للشاء من ذئب الغضا المستأسد

و إذا الأسود شممن ريح عرينه

                كانت صوارمه عصى الذائد

ما بين سربزة إلى ما يستقى

                وادي الأبلة هابطا من صاعد

و إذا بغى باغ فبات يرومه

                باتت صوارمه بغير مغامد

يقظان يضرب وهو غير مبارز

                عزما ويطعم وهو غير مطارد

كف له تحمي وسيف ي نتضى

                و لحاظ راع للرعية راصد 

فسربذة جزيرة في ارض الهند والأبلة في أعالي الخليج, ثم يذكر الغازي:

جنت به الأطماع فاستغوى بها

                يصبو إلى شيطانها المتمارد

خبرته يبغي عمان وأهلها

                فعرفت مصدره بجهل الوارد

لم ينجه والموت في حيزومه

                مل ضم من حفل له ومحاشد 44

كما إن مهيار يمتدح سياسته في عمان:

وقد عجزت من قبلها أن يسوسها

                 قرون على أدراجها وقرون

فلا آل كسرى قو  دوها مقادة

                و عندهم  ركاضة  وصفون

و لا حمير الأقيال قاموا بحفظها

                و فيهم قباب دونها وحصون

فداك ملوك حين تذكر بينهم

                فكل مهيب في النفوس مهين

علوت على الأنداد عزا ورفعة

                و حط  هم خفض يدق وهون

لهم شركة الأسماء فيه وعندك

                المعاني وهم شك وأنت يقين

على الأرض بحر ثامن صفو مائه

                طغى بالبحار السبع وهي أجون

غدا ربها لما أحاط بملكها

                بـذلك يرضى كلها ويدين

فخضها على التوفيق واقدح بزندها

                ع مان وأني بالنجاح ضمين  (45)

و كذلك فان التأثير على الجانب الثقافي العماني أن تبن  بني مكرم الألقاب الرسمية التي تضفي إلى ذوي السلطة تميزا  مقرونا  بالاسم واتخذوها كمبدأ للمراسلات والمدائح, فعلى سبيل المثال إننا نجد نحو ذي النباهتين لأبي محمد الثاني  و ذي السياستين لأبي محمد الأول والصاحب لأبي القاسم ناصر الدين بن علي بل اتخذوا في التشبه بألقاب البويهيين نحو تاج الدولة لأبي المكارم بن مكرم أو ناصر الدولة لأبي القاسم بن أبو محمد الحسين. فإدخال الألقاب والكنى والرتب تبدو غير معروفة أو متداولة في المجتمع السياسي العماني لذا هنا تبدو المفارقة في مدى هذا التأثير على الطبيعة السياسية العمانية.  لقد حظي بنو مكرم بألقاب البويهيين التي كانوا يميزون ذوي الحظوة عندهم كنحو  العمدة  وبه كان يمدح مهيار الديلمي في مقصورته أبا محمد الأول بن مكرم:

ما لكم لا تغضبون للهوى

                وتعرفون الغدر فيه والهوى

إن كنتم من أهله فانتصروا

                من ظالمي أو فاخرجوا منه برا

كأنني عجبا به وشغفا

                محبة »العمدة« في حب العلا

شمر للمجد وما تشمرت

                له السنون يافع كهل الحجا(46)

ثم يواصل في مدح كياسته ودهائه:

و قام بالرأي فكان أول

                من رأيه وأخر الحز سوا

سما إلى الغاية حتى بلغت

                همت به السماء وسما

لفت على العراق شطرا وانثنت

                لفارس , فدب قسم وسرى

لم تدر أن بع مان حاويا

                ما خرت  رأت سحره  إلا الظباء (47)

وكذلك قوله لأبي القاسم:

إلى ناصر الدين امتطى كاهل المنى

                خليق بغايات النجاح قمين

إلى ملك الأرض الذي كل معرق

                إلى نسبيه في الملوك هجين

كريم إذا صم الزمان فجوده

                سميع لأصوات العفاة أذين(48)

وقوله :

قل إن وصلت ؛لناصر الدين« استمع

                فقرا ت ج  مع  كل انس شارد(94)

و من ألقابه كذلك مؤيد السلطان:

لعل »مؤيد السلطان« تحنو

                عواطف فضله بعد اجتناب(50)

وكذلك يمين الدولة:

و إلى يمين الدولة افتقرت يد

                في الملك لم تعضد سواء بعاضد

نظم السياسة مالك أطرافها

                لم تستغن عزماته بمرافد(51)

لذلك فإن تخطئة نور الدين السالمي لابن الأثير  في ذكره للإمام راشد بن سعيد (ابن راشد) على انه اتخذ لقب الراشد بالله لقبا  له بعد أن هزم البويهيين. ويستند نور الدين بان ذلك  ليس إلا افتراء على الإمام وحيث لا يوجد  من بين الأئمة العمانيين ممن اتخذ لقبا وهي ليس من عادتهم اتخاذ الألقاب, وأيده في ذلك أبو إسحاق إطفيش في تعليقه لتحفة الأعيان.(52) وهذا الرأي في وجهة نظري قد يحتاج إلى المراجعة ذلك  أولا: إن ابن الأثير اقرب إلى الحوادث المذكورة في التدوين, ولا اقصد بقرب التدوين يعني صدقه لكن شهرة رجل استطاع أن يجلي البويهيين ويحرر بلده شخصا  لابد انه أمره مشاع  ثانيا: انه يجوز نتيجة للفترة التي حكم فيها الإمام كانت ذات تأثير وتفاعل مع قوى وثقافات متعددة وللتمييز الشخصي  من ذوي السلطة, يوجب اتخاذ الألقاب, بل يرجح أن اتباع الإمام أطلقوا عليه هذا اللقب.

فأبو القاسم منذ أن تولى الحكم عام 415 / 1024 امتد حكمه 13 عاما إلى أن توفي  سنة 428 / 1037 و خلف أربعة بنين وهم: أبو الجيش والمهذب وأبو محمد الثاني وآخر صغير لم يذكر اسمه.(53)  فسرعان ما خلفه أبو الجيش في الإمارة  واستمر في توثيق علاقته مع البويهيين فكان حينها قضية الظهير أبي القاسم وتملكه البصرة بعد صهره أبي منصور بختيار, حيث انه عصى على أبي كاليجار بتحالفه مع جلال الدولة. ثم عاد أبي القاسم إلى طاعة أبي كاليجار واستبد من بعد ذلك بالبصرة. واتفق أن تعرض إلى أملاك أبي الجيش بن أبي القاسم ابن مكرم في العراق, فكاتب أبو الجيش على اثر ذلك أبا كاليجار بزيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة فأجيب إلى ذلك, وجهز له أبي كاليجار العساكر مع العادل أبو منصور بن مافنه, وجاء أبو الجيش بعساكره في البحر من عمان وحاصروا البصرة برا وبحرا  وملكوها وقبض على الظهير واستصفيت أمواله, وكان ذلك في سنة 431/1040(54).

لكن التلاعب في الدولة بدأ يدب في السعي بالوشاية بين الاخوة بتحريض علي بن هطال المنوجاني قائد جند أبي الجيش على أخيه المهذب بنية قلب الحكم عليه, فقبض أبو الجيش على أخيه واعتقله ثم خنقه. ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير وهم   ابن هطال بتولية أخيه أبا محمد وكان صغير السن فأخفته أمه حذرا عليه, ولكن جعلت الأمر في تسيير شؤون البلاد لابن هطال فأساء السيرة وصادر التجار. فبلغ حال بني مكرم إلى أبي كاليجار فأمر العادل أبا منصور بن مافنة أن يكاتب إلى المرتضى وكان يشغل واليا لأبي القاسم بن مكرم على بعض أجزاء عمان الداخلية ويأمره بقصد ابن هطال, وبعث إليه بالعساكر من البصرة. فساروا إلى عمان وحاصروها واستولى على اكثر أعمالها, ثم دس خادما كان لبني مكرم وصار لابن هطال وأمره باغتياله فاغتاله. وفي اثناء تلك الحوادث توفي العادل أبو منصور بهرام بن مافنة وزير أبي كاليجار سنة 433 /1042 و وزر من بعده مهذب الدولة وبعثه للمدافعة عن عمان حتى أجفلوا جند ابن هطال ورجع بعدها إلى كرمان, ونصب أبا محمد بن مكرم رسميا للحكم.(55) لكن البروفيسور بوسورث يجعل من هذا التدخل أن أصبحت الإمارة ت حكم مباشرة من قبل البويهيين وح ص ر نفوذ بني مكرم.(56) وفي المقابل يمكننا تتبع المرازبنة البويهيين في ع مان الذين ذكروا في النصوص التاريخية خلال فترة البويهيين ليسهل علينا التصور في العلاقة بين الجانبين المكرمي والبويهي:

المرزبان البويهي أبو كاليجار شمس الدولة 380/990

 بهاء الدولة أبو نصر فيروز 388/998

أبو شجاع سلطان الدولة 403/1021

المرزبان أبو كاليجار عماد الدين 415-442/1024-1250

العلاقة المكرمية العمانية -العمانية:

فكما تتبعنا أحداثا تاريخية فتحت لنا بعض البصيص عن إمارة بني مكرم وعلاقاتهم خارج عمان, فان الخلط الذي يحدث للباحثين مؤدي إلى الاضطراب في البحث خلال هذه الحقبة للتاريخ العماني وهذا الخلط اغلبه يأتي  محاولة فهم من كان المسيطر على عمان.

هذه الربكة التي صاحبت هذه الفترة يرجع أساسها إلى حالة الانقسام السياسي والإقليمي في عمان بين المناطق الجبلية وبين المناطق الساحلية, ومن ثم الأدوار السياسية من قوى كانت متعددة ومتداخلة ومتزامنة في الوقت نفسه. فعند بداية نهوض إمارة بني مكرم كانت هنالك ثورة ع مانية بقيادة الإمام حفص بن راشد التي سرعان ما أن أنهيت عام363/974, صاحبها فراغ سياسي في داخل عمان ومن حين لآخر يظهر للمتتبع للأحداث أسماء للديلم والبويهيين والأمراء الإقطاعيين. لكن مع عشرينيات القرن 5/11 تمكن العمانيون إحياء الإمامة الثانية بتنصيب إمامهم الخليل بن شاذان ومن بعده راشد بن سعيد (425-445/1034-1053)  في الداخل ولكن الساحل ظل تحت سيادة بني مكرم.(57)

لاشك أن الأحكام المسبقة بدون تمعن تؤدي إلى نتائج مغالطة للواقع,  كما أن قلة المصادر تدعوك إلى الجزم أحيانا لإكمال التصور المبغي. ما يخيل لنا من خلال استقراء الأحداث أن العلاقة بين كلا الطرفين (بني مكرم والعمانيين بالداخل) لم تكن هنالك أية  تصادمات أو ثورات في داخل عمان خلال الفترة الأولى لبني مكرم, وعليه فان بني مكرم امتد نفوذهم إلى داخل عمان في فترة ما بين الثورتين (بقيادة حفص بن راشد وبداية إمامة راشد بن سعيد) ليتعدى من الرستاق نحو نزوى بدعم من البويهيين والديلم لاحتواء السيطرة الكاملة على الحجر الغربي حتى توام (مدينة البريمي حاليا والمنطقة المجاورة لها), لكن لم يتبعه أية تورط عسكري لبني مكرم في داخلية عمان. أما بالنسبة للحجر الشرقي فقد ظل تحت سيطرة العائلة الجلندانية (الأسرة المخضرمة الحاكمة لعمان) حيث اتخذوا من قلهات عاصمة لهم وهذا ما يدونه ابن خلدون بان الملك عليها كان من هذه السلالة زكريا بن عبدالملك سنة 448/ 1056 وكان له دعم في داخل عمان اكثر مما هو كان لبني مكرم.(58)

فالوضع السياسي الإقليمي لعمان خلال بداية القرن الخامس قد تأثر بمتغيرات التجارة البحرية بعد قيام الدولة الفاطمية في وضع التوازن المستجد بين طرفي الإمبراطورية الإسلامية بغداد(آسيا) والقاهرة (لأفريقيا), ترتب عليه تأثير لتحويل الخطوط البحرية القادمة من المحيط الهندي التي كانت سابقا تتجه نحو خليج عمان لتتعدى مضيق هرمز ومن بعد نحو الخليج العربي إلى بغداد ثم تربطها القوافل البرية بالسواحل الشامية وتجارة البحر المتوسط. لتتخذ الطرق التجارية البحرية مجرى آخر من المحيط الهندي وبحر العرب لتتجه مباشرة نحو البحر الأحمر ومن ثم ينتهي الربط التجاري بالبحر المتوسط عن طريق القوافل. كان هذا الحدث مؤثرا خلال هذه الفترة لنشوء المدن البحرية الجنوبية لشواطئ ع مان ابتداء من مسقط وقلهات حتى ريسوت في الجنوب بعدما كانت في الاعتبار صحار ودما لتوجد تنافسا بين هذه المدن.

فبالعودة نحو وضعية بني مكرم فان الفترة الأولى من هذه الإمارة خصوصا خلال حكم أبي محمد بن مكرم الفترة الأولى لأبي القاسم يكاد يكون استتبابا للنفوذ السياسي الكامل لبني مكرم على ع مان وبتعاونهم مع البويهيين  بان ظلوا على تنسيق متكامل. لكن ما أن نص ب  العمانيون الإمام راشد بن سعيد في نزوى حتى بدأ التصدع بين الطرفين فحدثت بين أبي القاسم والإمام راشد بن سعيد حروب بعث أبو القاسم حملات عدة حصر فيها نفوذ الإمام ليكون بنزوى(59) لكن الإمام ظل مسيطرا ما يقارب على كل الداخل في جبال الحجر الغربي حتى الغرب في توام, فاستطاع على أثرها إبقاء السلطة الداخلية. وفي المقابل فان أبي القاسم استولى على المنافذ البحرية والموانئ الرئيسية في البلاد.

ففي هذا السياق فإني في شك مما يذكره  محمد المحروقي باعتقاده أن الشاعر أبزون  قد توفي بنزوى أو الجبل الأخضر, وذلك أن القوات البويهية قد انسحبت من نزوى بتعيين الإمام, وعلى اثر هذا الانسحاب فان النفوذ المكرمي بدأ بالانحسار. ومما يبدو لي أن أبزون عمل مع الحامية العسكرية البويهية في نزوى والجبل الأخضر ونهايات عمره قضاها في صحار.(60) فالربط التاريخي يلزمنا على التتبع من حيث الجمع بكلا المصدرين, ثم إن نهاية الوجود البويهي استغرق سنين طوالا حتى تم للإمام توحيد البلاد وبسط نفوذه.

لكن بوفاة أبي القاسم سنة 428 /1037 بدا النشاط الثوري يدب في الداخل للإطاحة ببني مكرم, وعلى اثر الخلل في البيت المكرمي وتضعضع الحكم البويهي في فارس وكرمان تسارع امتداد نفوذ الإمام في عمان. وهذا ما ينشد به أبزون بإحساس الفزع وعدم الاطمئنان على حاله في عمان:

  تأبى قبولي أي ارض زرتها

                 قدمي رجائي وافتقاري سائقي

فكأنما الدنيا  يدا  متحرز

                و كأنني فيها  وديعة سارق (61)

عاود الإمام الكرة ثانية سنة 442 / 1050 بالحرب, وكان المرزبان البويهي أبو المظفر أبي كاليجار أميرا في البلاد وقائدا للحامية البويهية, وكان له خادم فأساء السيرة  فجمع عليه العمانيون بقيادة الإمام راشد بن سعيد فقاتلهم أبو المظفر فيروز وظفر بهم ثم جمعوا عليه ثانية وعاد العمانيون لقتال أبي المظفر والديلم  فتعاون أهل البلد في الحرب لسوء سيرة الديلم والبويهيين فيهم فهزموهم, واخذ الإمام أبو المظفر أسيرا عنده وس  يره إلى نزوى مستظهرا  عليه وأسقط المكوس والضرائب.(62)

في إثناء تلك الأحداث الغزنويون ينهون الفرع البويهي بإقليم الجبل عام 420/ 1029, ثم من بعد ذلك تبعهم  السلاجقة لينهوا الفرع البويهي الفارسي-الخوزستاني 044/8401 ومن ثم فرعهم الأخير ببغداد 447/36 ,1055 فكان هذا الحدث (سقوط دولة البويهيين) مؤثرا على استمرارية الإمارة, وعليه يزيد ابن خلدون توضيحا انه نتيجة لضعف أمرائهم وتغلب عليهم النساء والعبيد في سياسة الحكم. زحف إليهم العمانيون  في سنة 442/1050 بقيادة الإمام راشد بن سعيد فأزالوهم وقتلوا بقيتهم وانقطع عنهم رسم الملك.(64)

الخلاصة

عادة ما يخلص الباحثون في كتاباتهم إلى تطلع نحو من سيأتي لإكمال الصورة أو الزيادة عليها أو من سيوضح المعالم الغامضة والمبهمة بها. فهذا الإسهام السياسي-الاقتصادي لمنطقة الخليج في تلك الحقبة تشكلت من عائلات ع مانية  متعددة ينبغي الكشف عنها ودراستها في هذا الإطار التاريخي نحو بني عمارة (على مضيق هرمز) وآل الصفار في كرمان, والأسمى في هذا المجال والأكثر إبداعا هم آل المهلب بن أبي صفرة.

 فخلال تطرقنا للقراءة عن هذه العائلة كشف البحث عن العلاقات السياسية الفارسية_ الخليجية ومدى التداخلات السياسية التاريخية في عمان, كما انه كشفت عن بعد آخر وهو الترابط التجاري على طول الخليج وإسهام العائلات العمانية في الخطوط التجارية القديمة ابتداء من صحار ثم سيراف ومنها إلى الأبلة وأخرها في البصرة أو بغداد. قي هذا النسيج الممتد لهذه المواقع التجارية عملت سفن بني مكرم وعمالهم ليسهموا في تلك الحقبة فهي أشبه ما تكون بتمل  ك لوكالات تجارية وهو ما يمكن الإشارة إليه بان هنالك عائلات ع مانية أخرى كانت تسهم في هذا الربط التجاري.

إن ضعف سلطة بني مكرم يرجع أساسها إلى توجههم السياسي نحو الربح التجاري والنشاطات الاقتصادية دون البغية في التورط العسكري مما جعلها عرضة للعيش تحت غطاء البويهيين طوال فترة حكمها, والقناعة بالشريط الساحلي. لا نستطيع الإنكار بان مدائح مهيار أثبتت ذود بني مكرم عن ع مان والدفاع عنها, كما انهم توسعوا للسيطرة على بعض الأجزاء الداخلية في ع مان خصوصا فترة أبي القاسم بن مكرم وابنه أبي الجيش. لكني سأختم إلى التعريف ببني مكرم من تسلسل حكامهم بحسب ما تمت دراسته بخصوص العلاقة المكرمية- البويهية  نستطيع رسم الآتي:

أبو محمد الأول الحسين بن مكرم      385- 415 /995- 1024

ناصر الدين أبو القاسم علي بن الحسين  415- 428/1024-1037

ناصر الدين أبو الجيش بن علي           428-431/ 1037-1040

أبو محمد الثاني بن علي                       431-433/1040-1042

               إنهاء  إمارة بني مكرم في 442/1050

الهوامش

1-    The Coinage of Oman under Abu Kalijar the Buwayhid, NC. 6th series, ,

S. M. Stern and A.H. Bivar ش18 (1958), 147-56. 1

2-             Bosworth , The New Islamic Dynasties, p112

Edinburgh University Press, 1996. C.E                   .

3-  هلال ناجي, شاعر من عمان »أبزون العماني«, مجلة منشورات دراسات الخليج العربي, ص 104-135, جامعة البصرة, 1977 ; محمد المحروقي , أبزون الفارسي الذي تعمن, مجلة نزوى , ص 45-58, 1997.

4-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1032.

5-  انظر: مايلز, الخليج بلدانه وقبائله, ص140, وزارة التراث القومي والثقافة, مسقط.

6-  انظر بتفاصيل عن هذه الحقبة:

M. Bates, Unpublished Wajihid and Buyid Coins From Uman in the

American Numismatic Society, Arabian Studies I, (1974), p.171

7-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 947.

8-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 960, ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 57.

9-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 199.

01- ابن الاثير, الكامل , ح7, 17.

11- ابن خلدون, تاريخ, ج4, 199.

12-                           Bowsorth, Islamic Dynasties, p112

12-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 199.

14-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 199.

15-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1032.

16- مهيار الديلمي, الديوان, ج1, 16 , القاهرة, 19311925.

17-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1084; ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 223.

18-   ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 170.

19-  ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 186.

20- ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 192.

21-  ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 198.

22-  ابن الأثير, الكامل في التاريخ, ح7, 207.

23- هلال الصابي, تاريخ هلال الصابي المذيل على تجارب الامم, ح4, 414.

24-     ابن خلدون, تاريخ, ج4, 979.

25-    ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1008; ابن الأثير, الكامل, ح7, 311.

26 – ابن الأثير, الكامل, ح7, 317.

27-   ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1008; ابن الأثير, الكامل, ح7, 317.

28-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1012; ابن الأثير, الكامل, ح7, 311.

29-                   Bosowrth, Islamic Dynasties, p112  

30-  ابن الأثير, الكامل, ح7, 311.

31- مهيار , الديوان, ح1, 35.

32- هلال ناجي, شاعر من عمان, 123.

33-  هلال ناجي, شاعر من عمان, 142.

34-  هلال ناجي, شاعر من عمان, 130.

35-  مهيار , الديوان, ح1, 35.

36-  مهيار , الديوان, ح4, 165.

37-  مهيار , الديوان, ح1, 35.

38-  ابن خرداذبه, المسالك والممالك, 48, تحقيق ام ج دوجيه, لايدن, 1889.

39-  مهيار , الديوان, ح4, 158.

40-  مهيار , الديوان, ح1, 35.

41-  مهيار , الديوان, ح1, 35.

42-  مهيار , الديوان, ح1, 37.

43-  مهيار , الديوان, ح4, 158.

44- مهيار , الديوان, ح1, 324.

45-  مهيار , الديوان, ح4, 158.

46-  مهيار , الديوان, ح1, 4.

47-  مهيار , الديوان, ح1, 5.

48-  مهيار , الديوان, ح4, 151.

49- مهيار , الديوان, ح1, 324.

50- مهيار , الديوان, ح1, 160.

51-  مهيار , الديوان, ح1, 323.

52-  نور الدين السالمي, تحفة الأعيان, ح1, 210

53-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1032; ابن الأثير, الكامل, ج8, 14.

54-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1012; ابن الأثير, الكامل, ج8, 20.

55-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1032; ابن الأثير, الكامل, ج8, 14.

56-   Bosowrth, Islamic Dynasties, p.112                 .

57-  انظر; كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة, تحقيق احمد عبيدلي, 312; نورالدين السالمي, تحفة الأعيان, ح1, 312.

58-   ابن خلدون, تاريخ, ج4, 199.

59-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1045.

60-  محمد المحروقي, مجلة نزوى, 1997.

61-  هلال ناجي (1977)

62-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1045; ابن الأثير, الكامل, ج8, 20.

63-  ابن خلدون, تاريخ, ج4, 1045.

64-  انظر:          Bosworth, Islamic Dynasties, p112

** كذلك يعرف اقليم خوزستان باقليم عربستان
عبدالرحمن السالمي باحث من سلطنة عمان

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …