إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي

تعود علاقة المحقّق بهذا الكتاب إلى عشر سنوات خَلَت، وذلك يوم ظفر بمخطوطه وهو يبحث في زوايا المخطوطات العمانية التي تحتفظ بها وزارة التراث والثقافة، وخزانة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، وشرع عندها يقرأ، ويدوّن لمدة ليست بالقليلة، وكانت ثمرة تلك القراءة بحث طويل نشره في كتابه (الأدب في الخليج العربي- دراسات ونصوص)، ووعد في ذلك البحث أن يقوم بتحقيق هذا الكتاب تحقيقاً علمياً، وتقديمه بنشرة نقدية تليق بمكانته، ومرّت سنوات كثار حتى قُيّض له أن ينتهي منه بسبب ضخامة حجمه، وعسر مادته، واستغلاق عبارته، مع أنَّ صاحبه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي أراده كتاباً سهلاً، سائغاً للقارئين، غير أنَّ المادة العلمية التي ضمّها الكتاب بين دفَّتيه هي مردّ تلك الصعوبة، وبعد هذا، التأخر في الانتهاء منه، وقد بذل المحقّق أقصى جهده في قراءة النّص، والتعليق عليه، وتجلية مصطلحه، مع شروح أخرى مما يقتضيه التحقيق، وهو مبّين فيما بعد بتفصيل.

وقد اقتضت طبيعة الموضوع أن يكسر المحقق هذه المقدمة على المباحث الآتية:
1- التعريف بمؤلف الكتاب، وثقافته، ومكانته العلمية.
2- تحليل مادة الكتاب.
3- إشكالية العزلة الثقافية.
4- نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
5- وصف المخطوطتين المعتمد عليهما في التحقيق.
6- عمل المحقّق في تحقيق الكتاب.
ويأمل المحقق أن تكون هذه المباحث وافية بالمطلوب، كاشفة عن جوانب من هذا الكتاب النفيس الذي من الممكن عدّه بامتياز من أعمدة السلوك الإباضي العماني، وخصوصاً في جانبه النظري.
-2-
الشيخ ناصر بن جاعد هو صاحب كتاب إيضاح نظم السلوك كما مرّ سابقاً، وسنحاول الاقتراب من هذه الشخصية العلمية الكبيرة.
ولعل أهم ما يواجهنا من صعوبات في هذا الاقتراب هو أنَّ المصادر تضنّ علينا بصورة مفصلة لحياة الشيخ ناصر من مولده إلى وفاته، فهي تقدم نتفاً عن هذه الحياة مع شيء يسير عن تفاصيلها، بالإضافة إلى عبارات المديح والثناء، وهو أمر ليس بجديد في كتب التراجم، إذ طالما اكتفت بلمحة سريعة هي أقرب إلى حسوة الطائر لا تنقع غلة أو تبين غامضاً، غير أن جمع تلك النتف، وترتيبها ترتيباً زمنياً مع الاستعانة بإشارات من هنا وهناك يساعد على إبراز الصورة بشيء قريب من الكمال فيه من الفجوات ما لا يخفي على المدقق.
وتحدثنا المصادر أنه «ناصر بن جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد الله بن ناصر بن محمد بن حيان بن زيد بن منصور بن ورد بن الإمام الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخروصي الأزدي القحطاني»(1) ومن الواضح أن نسبه يعود إلى اثنين من الأئمة الذين بويعوا بالإمامة في أوقات مختلفة.(2)
ولد الشيخ ناصر في بلد العلياء (3) وادي بني خروص سنة 1192(4) للهجرة في بيت علم، وفقه، وتدريس، ومشاركة في الحياة العامة، فوالده الشيخ أبو نبهان، جاعد بن خميس من أعلام العلماء في عُمان «كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم، والفضل، والشرف، واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه»، (5) وهو «الشيخ العالم الرباني الرئيس. . وكفى به شيخاً راسخاً في العلم وتصانيفه الكثيرة مشتملة على فوائد جمة. . وهو خاتمة جهابذة علماء عمان»(6) وهو أيضاً «العلامة الرئيس. . والحبر الرباني المشار إليه بالبنان، وكان الفرد الوحيد في علم الأسرار»(7) وكان «راسخ القدم في علمي الحقيقة والشريعة»(8)، ولا شك أن الفتى وقد تفتحت عيونه على ذلك الجو العلمي الصافي قد أخذ ما شاء له الأخذ، فوالده يملأ السمع والبصر، مشغول بالعلم والإفتاء والتأليف، ولا ريب في أن هناك مكتبة تسند ذلك يرجع إليها الوالد ومن بعده الولد فيفيدان منها. إن ذلك كله قد جعل الفتى يلتفت منذ وقت مبكر إلى العلم، والمداومة على أخذه والتزود منه، وتحدثنا المصادر أن ديدن أخوة الشيخ ناصر ومسلكهم كان كذلك، وخصوصاً أخوه الشيخ نبهان، وبه يكنى الوالد فيقال له أبو نبهان.(9)
ولا تقدم المصادر شيئاً عن نوعية العلوم التي تلقاها الشيخ ناصر غير أننا نستطيع استنتاج نوعيتها من خلال البيئة التي تفيأ ظلالها، والكتب(10) التي تركها، ويقف في مقدمة تلك العلوم القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف، والفقه، والأصول، وعلم الكلام، والفلسفة مع زاد وفير من علوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة والأدب والأخبار، بالإضافة إلى علوم ملحقة بها وجدنا الشيخ مهتماً بها كالنبات والفلك والتاريخ،(11) ولعل الكتاب الذي بين أيدينا خير شاهد على ما نقول، فقد عالج الشيخ فيه مسائل علمية شتى تشير إلى تلك العلوم التي حصلها، وعاد ثانية فوظفها في كتابه، كما إننا نجد بين كتبه الكثيرة كتاباً سماه (الحق اليقين) وفيه «تناول جوانب متعددة من قضايا العقيدة»(12)، وكتاباً آخر سماه (لطائف المنن في أحكام السنن) حاول أن يرتب فيه كتاباً في الحديث الشريف هو (الجامع الصغير للسيوطي) ترتيباً مختلفاً، إذ «صنَّفه صاحبه على الحروف الهجائية بينما الشيخ ناصر أخذ يبوب الكتاب على الأحاديث النبوية»(13)، وللشيخ ناصر كتاب ثالث عنوانه (السر الخفي في ذكر أسرار النبات السواحلي) وهو كتاب «طبي شعبي ذكر فيه العلاج بأنواع النباتات الموجودة هناك في شرق أفريقيا. . وفيه مقدمة. . ذكر فيها مصطلحات اللغة السواحلية وما فيها من تفخيم المسمى وتصغيره. . وأورد أسماء الأشجار باللغة السواحلية»(14)، وله كتب أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً، كما نجد وفرة من مروياته التاريخية عن أحداث مختلفة وقعت بعمان يحفظها صاحب التحفة منسوبة إليه، وكأنه لم يجد سوى ذلك العالم الثبت المدقق ينقل عنه، ويثبت ما ينقله في كتابه(15)، أما فتاواه وآراؤه الفقهية فهي كثيرة جداً(16)، وقد أشار الفاضل الدكتور مبارك الراشدي إلى أن للشيخ ناصر «أجوبة كثيرة لم يعتن أحد بجمعها وإخراجها حتى الآن ومنها مجموعة أجوبة أرسلها إلى الشيخ سعيد بن يوسف المصعبي بالمغرب»(17)، إن ذلك كله، وغيره كثير يشير بقوة إلى سعة المعارف التي حصلها الشيخ ناصر، وأفاد منها فيما بعد في تأليف كتبه من جهة، ومعالجة الأحداث التي شارك فيها من حيث التوجيه، والنصح من جهة أخرى؛ ويعجب المرء من قدرته على التوفيق بين شغفه العلمي، ومشاغله الدنيوية التي قصد منها – حسب اجتهاده – إقامة الشرع، ونشر العدل، ولا شك أن هذا يعني انصرافاً تاماً للعلم مع اهتمام بالحياة، وشؤونها مما حقق ذلك التوازن بينهما. والذي دعا إلى هذا الكلام ما رأيناه من اهتمام الشيخ ناصر ووالده بالأحداث السياسية التي جرت بعمان فقد كانا مشاركين فيها بفعالية واضحة، وهذا ما حدا بصاحب التحفة إلى أن يكثر من النقل عنهما وهو يدون تاريخ عُمان.(18)
وقد ظلّ الشيخ ناصر مشتغلاً بالعلم إلى آخر حياته، عرف له معاصروه، ومن أتى بعدهم تلك المنزلة العلمية التي وصل إليها كما سنرى فيما بعد، ويبدو أنه ظلّ مستقراً في بلده العلياء التي ولد فيها حتى بدأ في الانتقال منها إلى أماكن أخرى، ونراه يصل إلى نزوى، وفيها ألّف كتابه مدار حديثنا، وهو إيضاح نظم السلوك، ويظهر من فقه الأحداث أن معيشته فيها كانت أقرب إلى الضيق منها إلى السعة، وقد صوَّر هو بنفسه معيشته تلك من خلال بيتين أوردهما صاحب التحفة هما:
معيشتنا خبز لغالب قوتنا
        وماء وليمون وملح وقاشع(19)
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى
        فيا حبذا هذا بما هو قانع(20)
وهما – بلا شك – يعبّران تعبيراً دقيقاً عن تلك الحال الضيقة التي آل إليها غير أن مسحة الزهد والتعفف واضحة فيهما مما يؤكد ما سنراه فيما بعد من اكتفائه بالقليل عن رضا وقناعة، غير أن ما يلفت النظر حقاً هو ما ساقه صاحب التحفة نقلاً عن ذي الغبراء خميس بن راشد العبري وهو قوله: «وعمَّت هذه الأخبار مع جميع الفرق الإسلامية واليهودية والنصرانية والمجوسية فتأسفوا في نفوسهم بما أصاب عبد الرحمن، ثم اجتمعوا في بندر مسقط بحضرة سيدهم ومولاهم سعيد بن سلطان وقالوا لا يرضى أحد بمثل هذا من الأمراء في علمائهم»(21)، وقد استجاب السيد سعيد بن سلطان إلى هذا الطلب كما سنرى. إن وجهة النص تشير بقوة إلى أن الشيخ قد نال مكانة محترمة، ومنزلة سامية بين المسلمين كافة، وأتباع الديانات الأخرى على حد سواء، ومن هنا تنادوا جميعاً لنصرته ودرء بلاء الزمان عنه، ولا تجتمع تلك الفرق وهي متفرقة في مقالاتها، نقول لا تجتمع على شخص واحد ما لم يكن ذا فكر مستنير، وعقل راجح، ونفس عالية شعارها الاعتدال والنظر بميزان القسط والعدل إلى الجميع، ومن هنا اتحدت كلمتهم على نصرته وهذا مما يحسب له بلا شك.
وقد صنع السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي(22) ما يصنعه الملوك، والقادة عادة من تكريم العلماء «فكتب بالوصول إليه، فلما وصل حباه وكرمه وعظمه وكساه. ومهما مشى خطوة في حضر أو سفر أخذه في صحبته وأطعمه من طعامه واستشاره في أكثر أموره في طول زمانه»(23)، ولم يكتف بهذا بل استصحبه معه إلى زنجبار حين قصدها سنة 1243هـ(24)، فإذا علمنا أن الشيخ ناصر توفي سنة 1264هـ فيكون قد قضى العشرين السنة الأخيرة من حياته في زنجبار، ومن الثابت أنه توفي(25) فيها «في المكان المسمى المتوني وقبره مشهور هناك».(26)
وقد ترك الشيخ ناصر أثراً قوياً فيمن جاء بعده من العلماء والأدباء غير أن اثنين منهما تأثرا به تأثراً كبيراً، نلحظ هذا في ما تركاه من كتب، وما نظماه من قصائد، وأولهما هو العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي(27) المتوفي سنة 1287 للهجرة، فقد كان الشيخ ناصر «على قمة المشايخ والعلماء الذين كانوا اليد المعاونة له يأخذ بمشورتهم ويستفيد من آرائهـم»(28) وعنه «تلقى الشيخ سعيد علومه الأولى فقد كان يتردد عليه بمسقط»(29) فدرس عليه «العلم الإسلامي الواسع كأصول الدين، وأصول الفقه بتوسع والفقه بأبوابه المختلفة»(30)، وقد حفظ المحقق الخليلي رحمه الله تلك اليد للشيخ ناصر فهو ما يفتأ يذكره محاطاً بالإجلال والاحترام، ولعل قوله عنه في مقدمة كتابه مقاليد التصريف خير تأكيد على ما نذهب إليه فنراه يقول: « فقد منَّ الله عليَّ بألفية مغنية في هذا الفن الشريف وسميتها والحمد لله بمقاليد التصريف ولما اطلع على نظامها العالم الرباني والبحر النوراني وحيد دهره بلا ممانعة وفريد عصره بلا ممانعة أبو محمد ناصر بن العلامة المولوي الولي أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي أمرني أن أثبت عليها شرحاً لطيفاً مختصراً»(31)، ويتبين من هذا النص «أن إقدامه على الشرح كان بتوجيه من شيخه العلامة الكبير ناصر بن أبي نبهان رحمهما الله تعالى»(32)، وقد ظهر أثر العلوم التي تلقاها المحقق الخليلي عن الشيخ ناصر في كتبه، واتجاهه السلوكي في شعره ونثره على حد سواء.
أما الثاني فهو المؤرخ والشاعر حميد بن حمد بن رزيق(33) المتوفي سنة 1290هـ الذي أفسح مجالاً رحباً للشيخ ناصر ووالده الشيخ جاعد في كتابيه الفتح المبين، والشعاع الشائع باللمعان، ويبدو أن علاقته بهما كانت وثيقة إذ يسوق ذكرهما في كتابيه مقروناً بالتجلة والرفعة، كما يحفظ في الفتح المبين بعضاً من مراسلات الشيخ ناصر، وكان الشيخ ناصر يثني عليه(34)، ويحفظ في الفتح المبين مطالع ست قصائد رثى بها الشيخ ناصر بعد وفاته منها قوله:
خلا مجلس الفقه الأنيس من الأنس
        فمن ذا إلى التدريس في ذروة الدرس
ومنها:
ذهب الضياء فيومنا إظلام
        ما هكذا يا يومنا الأيام(35)
وغيرها، كما ينظم قصيدة طويلة يضمنها عنوانات كتب الشيخ ناصر، ويقول في هذا ما نصه: «وقد نظمت في اسم هذه الكتب قصيدة. . لأجل مصاحبتي للشيخ ناصر المذكور أيام حياته، ومطلع هذه القصيدة شعراً:
قيل لي: سم أنت ما صنف الشيـ
        ـخ من الكتب ناصر ذو الفعال
الفقيه النبيه نجل أبي نبـ
        ـهـان يمُّ الندى فصيح المقال
فأثبت في قصيدتي هذه تسمية هذه الكتب على التفصيل».(36)
ولا شك في أهمية هذه القصيدة فقد حفظ بها ابن رزيق عنوانات كتب الشيخ ناصر، وستكون هي الدليل الموثق لمن يريد البحث عن هذه الكتب ودراستها فستقدم له مادة ثمينة عن عددها، وحجم العمل الذي قدمه الشيخ ناصر، واضطلع به.
ونرى ابن رزيق يقطع الشوط إلى نهايته في علاقته بالشيخ ناصر حين يؤلف كتاباً خاصاً عنه يجمع فيه قصائده التي قالها في مدحه، فنحن نقرأ له في الفتح المبين متحدثاً عن نفسه: «وقد مدحت الشيخ العالم الفصيح أبا محمد ناصر بن الشيخ العلامة أبي نبهان أيام حياته بجملة قصائد»(37)، غير أنه هنا يجمع ما أشار إليه في كتابه (الفتح المبين)، ويضم إليه قصائد أخرى ويجعله كتاباً عنوانه (سبائك اللجين الملقب بقرة العين)، وما يزال هذا الكتاب مخطوطاً(38) يقول في مقدمته: «لما كان على الحر إذاعة الحمد لأهل الحمد من المجرب الواجب الذي لا ينسل إلى السالب. . فيا أيها السائل عن إيضاح اسم هذا المسمى. . ذلك هو الشيخ المفخم المعظم. . ناصر بن السيد أبي نبهان العلام»(39) ثم ينتقل إلى الشعر فيحفظ في هذا الكتاب خمسين قصيدة في مدحه تتراوح بين عشرة أبيات، وأربعين بيتاً يحاول فيها جاهداً إبراز جوانب الشيخ العلمية والسلوكية التي تميّز بها، وتظهر في هذا العمل وسواه مظاهر من الوفاء يقل نظيره، وكأنَّ ابن رزيق يقتفي أثر قوله تعالى: (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، فهو يرد للشيخ بهذه الأشعار وموصول الذكر أياديه العلمية البيضاء التي أسبغها عليه تلك التي انتفع بها شاعراً، ومؤلفاً.
-3-
وقد أخّرنا لأسباب منهجية واحداً من العلوم التي ظهرت جليّة في مصنفات الشيخ ناصر، وخصوصاً في هذا الكتاب، وذلك لأهميته، وتوجيهه شخصيته وجهة معينة، ونريد به التصوف أو علم السلوك، ومن الثابت أنّه تلقّاه عن أبيه ذوقاً ورياضة، ونمّاه هو بجهده الشخصي قراءة وفهماً واقتناعاً. وقد ذاع في المصادر بما لا يدع مجالاً للشك أن الشيخ ناصر ووالده قد اتخذا من السلوك طريقة لهما في الحياة وكأنهما كانا يعمّقان ذلك المشرب الذي وجد في الثقافة العمانية من حيث اصطناعه لهما شعاراً وطريقة. ولعلّ هناك من العوامل التي دعت إلى اتخاذ تلك الطريقة منها ذلك النسب الذي وقفنا عنده فيما سبق من حيث الاتصال المباشر بإمامين من الأئمة مما ولّد إحساساً ثقيلاً بحجم المسؤولية الدينية الملقاة على عاتقهما، وضرورة حمل تلك الأمانة بإخلاص وتأديتها كما هي بلا زيادة أو نقصان. ومن هذه العوامل الثقافة الدينية الخاصة التي تلقّاها الوالد والابن واختيارهما جانب الزهد والانصراف عن الدنيا من هذه الثقافة مما حملهما على تطبيق ما أخذاه بدقة، ومنها أيضاً الاقتناع الكامل بتلك الوجهة في الحياة التي تؤثر الخلوة والعزوف عن الملذات وهو مما يتلاءم مع تركيب شخصيتهما ومنحاهما في الحياة، وقد بيّن لنا الفاضل أحمد بن سعود السيابي معالم ذلك الاتجاه الذي تبناه الوالد وولده وهو يقوم على «عمق التأمل في الوجود والتعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق والخلوة وكثرة الأوراد»(40)، ونلاحظ أنه يجعل من هذا التوجه مدرسة يسميها «المدرسة الجاعدية أو البونبهانية، وهذه المدرسة صاحب فكرها العلامة الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي. . وبعد وفاة أبي نبهان حمل ابنه الشيخ ناصر. . فكر تلك المدرسة»(41) وهذا هو الذي رأيناه متحققاً في سيرة الشيخ ناصر وكتبه على حد سواء.
ومن الضروري أن نقف عند نقطة أكد عليها الفاضل السيابي وهي قوله: «.. حتى إن الإباضية لم يطلقوا على ذلك التوجه اسم التصوف بل أطلقوا عليه اسم السلوك فالشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه شعر السلوك»(42)، ونحن نعلم أن السلوك مصطلح ينضوي تحت مصطلحات الصوفية التي يكثرون ذكرها، ويرتبط به مصطلح آخر هو (الطريق)، ويتحدثون عنه بتفصيل غير أن ما يهمنا منه هو معرفة مدلوله الصوفي الذي سنرى أنه يقترب كثيراً من المدلول الذي اختاره الاتجاه الجاعدي شعاراً له، فالسلوك هو «تهذيب الأخلاق ليستعد العبد للوصول بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل حب الدنيا والجاه ومثل الحقد والحسد والكبر والبخل. . وبالنهج على الأخلاق الحميدة مثل العلم والحلم والحياء والعدالة»(43)، وهو أيضاً «انتقال من منزل عبادة إلى منزل عبادة بالمعنى وانتقال بالصورة من عمل مشروع على طريق القربة من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى الله بفعل وترك، وانتقال بالعلم من مقام إلى مقام(44) ومن تجلٍ إلى تجلٍ والمنتقل هو السالك»(45) فالسالك إذا هو «العبد الذي تاب عن هوى نفسه وشهواتها واستقام في طرق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص»(46)، فالسلوك والتسليك وفق ما تقدم هو «تربية الإنسان الروحية الذهنية كما تظهر على مستوى السلوك النفسي. . وهو تدريس على المستوى العملي يتمتع بكل ما للتدريس من مناهج وثوابت»(47)، وفصَّل المتصوفة الحديث عن أنواع السلوك والسالكين، وشققوا الموضوع تشقيقاً خصباً مفيداً ممالا مجال لإيراده هنا(48)، ويقترب من مصطلح السلوك مصطلح آخر هو الطريق الذي «يختصر جملة الطريق إلى الله لذلك كان من الشمول بحيث تندرج تحته التجربة الصوفية بكاملها ابتداء من تنبه القلب من غفلته مروراً بمجاهدة النفس ورياضتها وصولاً إلى النشاط الروحي وتفتح فعالياته».(49)
ولا يخفي على المدقق العلاقة الوثقى سواء أكانت لغوية أم روحية بين السلوك والطريق، فإذا علمنا بعد ذلك أن التصوف(50) هو «العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة والعبادة»(51)، نقول إذا علمنا هذا أدركنا التشابه بين مدلول المصطلحين إلى حد كبير من حيث إن السلوك هو التطبيق العملي لجملة الأفكار التي آمن بها السالك وراح يطبقها على نفسه، ويبدو لي أن هناك أسباباً حدت بالفكر الإباضي إلى العدول عن مصطلح التصوف واتخاذ السلوك مصطلحاً منها الاعتزاز بالشخصية، والرغبة في التميز فجميع الفرق إلا في حالات نادرة(52) تتخذ من هذا المصطلح شعاراً لها فآثر الفكر الإباضي مصطلحاً هو من داخل التصوف نفسه غير أن له خصوصية واضحة فاتخذه مصطلحاً له، وسبب ثان استضأنا فيه بملاحظة أوردتها الدكتورة سعاد الحكيم وهي قولها «ولم يهتم الصوفية قبل القرن السابع الهجري بتدوين مصنفات في السلوك بل دونوا في الفكر الصوفي وعاشوا وفقاً للسلوك الصوفي ولم تتعدد المؤلفات في التصوف العملي والسلوك إلا بعد القرن السادس – السابع الهجري حيث دخل التصوف مرحلة التربية الصوفية ومناهج التسليك»(53)، فكأنَّ الفكر الإباضي أراد في وقت متأخر أن يشارك في هذا الموضوع فوجد أمامه نقصاً في جانب ووفرة في(54) جانب آخر فآثر الأول لكي يزيده ثراء وخصوبة. وهناك سبب ثالث أكاد أذهب إلى أنه أهم الأسباب وأقواها ويتمثل في كون السلوك ومدلوله العميق يشير إلى النقاء الذي ظل محتفظاً به من حيث التحامه الوثيق بالشريعة وأحكامها ورغبة الإنسان في اتخاذ طريق معين لعبادة ربه يتمثل في الخلوة، وتلاوة القرآن والأوراد فحسب، في حين اختلط التصوف ومدلوله بمؤثرات أجنبية أبعدته عن منبعه الصافي، وهو الزهد، وأدخلته في مسارب فكرية متشعبة أوصلت بعض الفقهاء إلى اتهام بعض الصوفية بالكفر، وهو ما نأي الفكر الإباضي بنفسه عنه، واكتفي بالسلوك منهجاً وطريقة وتفاعلاً مع الحياة وأحداثها.(55)
ولعلنا – بعد ما تقدم – نستطيع القول إن الشيخ ناصر قد سار على نهج والده طلباً وسلوكاً، وعرف له الآخرون تلك المنزلة التي وصل إليها فأصبح يشار له على أنه من علماء عمان الكبار، غير أن السلوك الذي اتخذه منهجاً وطريقة ظل هو السمة المميزة لمكانته العلمية، إذ نجد تلميذه العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي يصفه فيقول: «ولما اطلع على نظمها(56) العالم الرباني(57) والبحر النوراني. . أبو محمد ناصر ابن العلامة المولوي الولـي أبو نبهان جاعـد بن خميس الخليلـي الخـروصي»(58)، فنرى العلامة الخليلي يصفـه بالعالـم الرباني والبحـر النورانـي، ويصف والده بالمولوي(59)، والولي(60)، وهي من مصطلحات الصوفية والسلوك، ويلح ابن رزيق هو الآخر على مثل هذه الأوصاف يطلقها على الشيخ ناصر فهو المولوي(61)، والقطب(62)، والولي(63)، والصوفي(64)، وتجد هذه المصطلحات مكاناً رحباً في كتب الصوفية يديرون عليها معانيهم ومراتب السلوك عندهم، نلمح من جهة أخرى عند التدقيق في عنوانات كتب الشيخ ناصر اتجاهاً صوفياً واضحاً فنحن نقرأ مثـلاً: كتاب الإخـلاص(65)، كتاب مبدأ الأسفار، كتاب الكشف، كتاب المعـارج، كتاب منتهي الكرامـات، كتاب السر العلـي، كتاب سلامة الحال(66)، ومعلوم أن تلك العنوانات ذات مدلولات سلوكية فمن الضروري أن تضم مادتها مباحث مقاربة للعنوان إن لم تكن مطابقة له، فالسفر، والمعراج، والكرامة، والسرّ، والكشف من مصطلحات القوم، والشيخ ناصر يعلم هذا حق العلم، ولم يكن ليولي هذا الجانب اهتمامه من التأليف لولا رسوخ قدمه فيه علماً وذوقاً.(67)
-4-
لم يكن غريباً بعد ما تقدم أن يتصدى الشيخ ناصر لشرح شعر ابن الفارض، ويختار قصيدتين له هما من العيون في شعره، ونحن نعلم، والشيخ ناصر رحمه الله يعلم قبلنا(68)، أن لابن الفارض «مكانته الظاهرة اللامعة بين المتصوفة. . كما يعد رأساً لشعراء الصوفية من العرب»(69)، وهكذا فقد استكمل الشيخ أدواته بأنواعها جميعاً: القراءة والفهم من جهة، والسلوك والذوق من جهة أخرى فليقم بهذا العمل كما قام به آخرون قبله. غير أننا نود هنا تقديم لمحة موجزة عن اعتناء الشراح بديوان ابن الفارض يكون عوناً على كشف عمل الشيخ ناصر، وتضعه في محله السليم بين أعمال أولئك الشراح.
ونقرر بداية أنه لم يظفر ديوان من دواوين الشعراء العرب بعناية الشراح كما ظفر ديوان ابن الفارض، فإذا استثنينا دواوين بعض الشعراء الكبار مثل المتنبي والمعري الذي نال ديوانه الأول (سقط الزند) عناية الشراح بينما لم يَحْظَ ديوانه الثاني (اللزوميات) بعناية تذكر، ويدخل في هذا الاتجاه ديوان الحماسة لأبي تمام، نقول إذا استثنينا تلك الدواوين وهي قليلة جداً بالقياس إلى الجمهرة الكبيرة من الدواوين التي وصلتنا فإن شعر ابن الفارض يقف في المقدمة من حيث الاهتمام والشرح. ومن الممكن تقسيم عناية الشراح بالديوان قسمين كبيرين: يتمثل الأول في شرح الديوان كله، ويبدو الثاني في شرح قصيدة واحدة، أما الأول وهو شرح الديوان كله فقد وصلتنا شروح مختلفة له لعل أشهرها شرح حسن البوريني، وعبد الغني النابلسي، وقد جمع رشيد بن غالب الدحداح اللبناني هذين الشرحين في كتاب واحد سماه (شرح ديوان ابن الفارض) ضم فيه شرح البوريني برمته مع نبذ من شرح النابلسي عند كل بيت، ووضع إشارات تعين على التفرقة بين الشرحين، ومن شروح الديوان أيضاً شرح أحمد أحمد المخزنجي وعنوانه (المدد الفائض عن شرح ديوان ابن الفارض)، وشرح أمين الخوري المسمى (جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض)، ومن الشروح الحديثة شرح كرم البستاني، ود. عبد الخالق محمود، ود. إبراهيم السامرائي.
أما القسم الثاني فهو شرح قصيدة واحدة من الديوان، وقد نالت القصيدة الميمية التي مطلعها:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
        سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
والتائية الكبرى(70) التي مطلعها:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي
        وكأسي محيا من عن الحسن جلَّتِ
نقول: نالت تينك القصيدتان(71) اهتمام الشراح فقامت حولهما شروح كثيرة فنواجه للقصيدة الأولى شرح داود بن محمود القيصري، وشرح محمد بن محمد الغمري واسمه الزجاجة البلوريـة في شرح القصيدة الخمرية، وشرح المولى علمشاه عبد الرحمن وغيرها(72). وحظيت التائية الكبرى بنصيب أكبر من عناية الشراح إذ زادت شروحها على العشرة منها شرح داود القيصري، وشرح عمر بن أحمد الغزنوي، وشرح سعيد الدين الكاساني الفرغاني، وشرح عبد الرزاق القاشاني وغيرها(73)، ولم يكن الشيخ ناصر بعيداً عن ذلك كله إذ يصرح في مقدمة هذا الكتاب أي إيضاح نظم السلوك بما يأتي: «. . وأقوى وأجلّ وأشرف نظم عرفناه في هذا العلم نظم الشيخ العارف أبي حفص عمر بن الشيخ أبي الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي نسباً والمصري مولداً. . وهو المعروف بابن الفارض، وأعظم ما نظمه في العلم منظومته التائية وهي التي سماها نظم السلوك»(74). فهو يعلم جيداً مكانة ابن الفارض الشعرية، ومنزلته بين شعراء التصوف، ولم يقتصـر الاهتمام بابن الفارض على الشيخ ناصر وحده بين العلماء والشعراء العمانيين(75)، بل لعله تلقى ذلك الاهتمام من والده الشيخ جاعد الذي نراه «متأثراً إلى حد كبير بمنهج ابن الفارض في تائيته نظم السلوك»(76)، وخصوصاً في قصيدته الشهيرة (حياة المهج) التي شرحها هو بنفسه «لشدة غموض وعمق أفكارها»(77)، ونرى العلامة سعيد بن خلفان الخليلي يشرح هو الآخر أبياتاً من قصيدة ابن الفارض الميمية التي مر ذكرها(78) كما إن تأثر الشيخ سعيد في شعره «بسلطان العاشقين في الأدب العربي ابن الفارض لاسيما في نونيته الكبرى»(79) واضح بيّن «مع ملاحظة أنه قد أسهب في ذكر أخبار الأنبياء والمرسلين أكثر من ابن الفارض»(80)، أما الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني فله التائية المعروفة المثبتة في ديوانه التي بلغت عدتها نحو ألف وستمائة بيت، ولا شك أنه ينظر فيها إلى تائية ابن الفارض الكبرى، غير أنه جعلها مقاطع تكفل كل مقطع بواحد من أسماء الله الحسنى و«دعاه سبحانـه في هذه القصيدة بجميع أسمائه الحسنى وتوسل إليه فيها»(81)، ومطلعها:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي
    هو الله إخلاصي وفي الله نزعتي(82)
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن أولئك الشعراء والعلماء العمانيين حين تأثروا بابن الفارض وغيره من شعراء المتصوفة ومؤلفيهم إنما اختاروا ما يلائم عقيدتهم ومذهبهم، وقد ألمحنا إلى هذا فيما سبق، ولهذا اختاروا مصطلح السلوك، ونأوا به عن الحلول، ووحدة الوجود وما إليهما ذلك الذي قال به بعض المتصوفة، كما أن ابن الفارض نفسه ينضوي تحت ذلك التيار «المتمشي مع أصول الدين، المحافظ على تعاليم الكتاب والسنة»(83) ومن هنا جاء ذلك الاهتمام به من لدن الشعراء والعلماء العمانيين للتوافق بينهما: منطلقاً ونتيجة.
-5-
بيَّن المسرد السريع الذي قدمناه سابقاً عن اهتمام الشراح بشعر ابن الفارض أنهم حين تصدوا للشرح في القسم الثاني كانوا يكتفون بشرح قصيدة واحدة من شعره، وعليها تقوم كتبهم، فإذا انتقلنا إلى التخصيص قلنا إنهم حين تصدوا لشرح التائية الكبرى أفردوا الكتاب برأسه لها لم يخلطوه بقصيدة أخرى، وفي الوقت عينه لم تظفر التائية الصغرى بشرح منفصل كالذي رأيناه مع الكبرى؛ غير أننا في عمل الشيخ ناصر نجد أنفسنا إزاء عمل مختلف تماماً، وقبل الدخول في تفاصيل هذا العمل نقف عند واحد من أشهر شراح التائية هو عبد الرزاق الكاشاني، فبعد أن يسهب في الحديث عن مكانة التائية، وأهميتها الصوفية يتحول ليبين جهده معها فيقول: «فانبعثت مني دواعي التقرب إليها والاستئناس، واستنطقتها للإيناس بعد الإياس حتى إذا أنست بمجاورتي وأخذت من مسامرتي طفقت أنضو نقاب تعززها بيد التوحيد، وأكشف حجاب تمنعها بأيدي التأييد وأحلّ معاقد دررها ومناضد غررها بمحالل التأنق والتحقيق وأنامل التأمل والتدقيق. . فلما تصفحتها مراراً وقلبتها أطواراً واحتظيت بمعانيها على قدر ما قدر لي من الاستعداد(84)، وجدتها مبنية على قواعد العلم والعرفان منبئة عن نتائج الكشف والوجدان»(85)، إلى أن يقول: «. . ولم أرجع في إملائه إلى مطالعة شرح له كي لا ترتسم في قلبي رسوم وآثار تسد باب الفتوح وتتشبث بأذيال الروح فأتلو حينئذ تلو الغير وأحذو حذوه في السير»(86)، وبعد أن يقدم بين يدي الشرح بعشرة فصول تتضمّن مباحث مختلفة يقول: «. . وإذ بلغ الكلام هذا المبلغ لزم تقصير أذياله فلنرجع إلى المقصود من الشرح الموعود للقصيدة التي مطلعها قوله..»(87)، ثم يسوق البيت الأول ويبدأ بشرحه. ونحن مع إعجابنا بذلك الشرح الفريد الذي وظف فيه صاحبه لغة خاصة ذات إيحاءات وظلال، مع خصوبة جلية في التأويل، واصطناعه منهجاً خاصاً به لم يتأثر فيه بسابق عليه كما أشار هو بنفسه، نقول بالرغم من ذلك كله فإنه يسلك مع بقية الشروح، ويقوي ما ذهبنا إليه في بداية الحديث، وهو إن الكتاب كله قام على شرح التائية الكبرى وحدها، وقد صنع هذا الصنيع كل من تقدم الكاشاني وتأخر عنه، وكأنهم وجدوا ضالتهم في تلك القصيدة من حيث كشفها مقاصد ابن الفارض، وتصوير حالاته، واستبطان مقاماته التي تنقل فيها واحداً بعد واحد، وليس في هذا كبير غضاضة غير أن الشيخ ناصر يختط لنفسه نهجاً مختلفاً وهنا تكمن الأهمية، وتتمثل معالم هذا الاختلاف في أن الشيخ قد جمع في كتابه قصيدتين لابن الفارض لا واحدة، هما التائيتان الصغرى والكبرى وعليهما أقام كتابه، ولا نقول شرحه لأنه هو بنفسه اختار لفظة الكتاب كما سنرى لاعتبارات كثيرة، ولنسلك الطريق من أوله.
يبين الشيخ ناصر علاقته بشعر ابن الفارض قبل الشروع في تأليف هذا الكتاب فيقول: «واعلم أني لما نظرت إلى منظومة هذا الشيخ واعتبرت معانيها فكلما لاح لي معنى من معاني شيء من بيوتها رسمت تحته بأشد إيجاز تذكرة لنفسي لئلا يغيب عليَّ حين أهمل أمرها، ولم يكن القصد ليكون كتاباً باقياً بعدي، ولم أرسم غير تقديم لفظ البيت بمعناه وهو الذي قصدت بيانه لنفسي لا شرح المعاني، فإنه لو شرح كل بيت ما يحتمله من المعاني لأفضى إلى مجلدات كثيرة(88) وللحق قارئه الملل»(89)، ونحن نشعر منذ الوهلة الأولى بنبرة التواضع التي تشع في الكلام السابق فهو يبدأ بداية متواضعة من حيث إنه لم يرده كتاباً، بل أرادها تعليقات على الأبيات يحتفظ بها لنفسه لتكون عوناً له إن أراد العودة إلى الشعر بعد حين. فهل بدأ الشيخ بصنع الجزازات، وكل جزازة هي الشرح المبدئي البسيط للبيت، وتتوالى الأبيات، وتتكاثر بعد هذا الجزازات فالشروح؟ فقه النص يشير إلى هذا، غير أنه لم يكتف عند هذا الحد، بل انتقل إلى عمل آخر كان النواة لهذا الكتاب، ولعله رأي أن ما علَّق به على الأبيات لم يكن كافياً فاتخذ وجهة أخرى مصغياً لنصيحة من نصحه واقتناعاً منه بهذا النهج الجديد، يقول: «. . واعلم أن الشيخ بدأ بنظم السلوك من غير أوله بل من مراتبه العلية بقوله: سقتني(90)، وأوهمت صحبي(91)، وهو قصد نظم السلوك إلى الله تعالى كله فكان ابتداء سلوك صحبه الذين ذكرهم لم يأت ابتداء سلوكهم وعرف أنه كان ينبغي له غير ذلك فعمل لها رأسا(92)، وبدأ بالسلوك من أوله في مائة وثلاثة أبيات(93) للمواصلة، ونحن أحببنا أن نبتدئ بإيضاحه من أوله، وأشار علينا بعض الإخوان بترك الكتاب لمن يأتي ويشاء النظر فيه فأجبته وجمعته وسميته كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وجزأته ثلاثة أجزاء»(94)، هل نفهم من قوله السابق أنه يرى القصيدتين شيئاً واحداً، ولابد لمن يريد التصدي لشرح الثانية فلن يتسنى له هذا إلا بعد شرح الأولى، فكأنَّ الأولى وسيلة الدخول إلى عالم الثانية؟. نحن نعلم أن من الباحثين من ذهب إلى أن التائية الكبرى «ليست إلا ترجمة لحياة الشاعر الروحية كتبها عن نفسه بنفسه، وقصّ فيها ما تعاقب عليه من أطوار الحب وما عاناه من ألوان الرياضات والمجاهدات، وما خضع له من ضروب المحن والآلام في كل طور من هذه الأطوار»(95)، أو هي «وصف لمعراجه الروحي نظاماً»(96)، كما نثر فيها ابن الفارض «اختباراته الشخصية وسرد أحواله النفسية سرداً بعيداً عن الاستقصاء والحصر»(97)، ونعلم أيضاً أن من الباحثين من سلك طريقاً آخر إذ اعتبر أن التائية الكبرى «جماع لبقية قصائده التي تبدو كتجارب جاهدة ومحاولات غير تامة في سبيل وصول الشاعر إلى غايته، فلو رتبت جميعها ترتيباً نفسياً متسامقاً وطبيعة التجربة الصوفية لجاءت نقاطاً صاعدة على خط بياني واحد تتربع التائية على قمته علامة وصول إلى النهاية والغاية»(98)، وهي أيضاً «نهاية مطاف السير الحثيث للشاعر في طريق حبه الإلهي. . فهي بهذا محصلة بقية قصائد الديوان التي تمثل تجاربه القاصرة عن بلوغ الغاية»(99)، أقول، نحن نعلم هذا، وكثرة أخرى من الدارسين كان لها رأيها القريب من الرأيين السابقين، ولكن الشيخ ناصر يختط لنفسه طريقاً ثالثاً يختلف عن الطريقين السابقين، ويرى أن هذه الحياة الروحية لابن الفارض في أطوارها الأولى لم تبدأ في التائية الكبرى، أو قصائد الديوان كلها كما رأينا، بل يراها متمثلة في تائيته الصغرى فقط، ومن هنا توجب سلوك الطريق من أوله، والوقوف عند الصغرى لملاحظة ذلك التطور الروحي ورصده، كما إنه يعدل هنا عما قرره سابقاً فقد أخذ بنصح من نصحه، وجعل من القصيدتين وشرحهما كتاباً ذا ثلاثة أجزاء بحسبان أنهما شيء واحد، فهو ليس شرحاً بالمعنى المباشر للشرح بل رصد للتطور الروحي لابن الفارض من خلال القصيدتين.
وقبل الدخول إلى منهج الكتاب نقف عند أمرين نراهما مهمين يتعلقان بالتائية الكبرى وحدها. أما الأول فيتلخص فيما يراه الشيخ ناصر من أن ابن الفارض «ركَّب جميع كلامه فيها على هذه الرواية المروية التي حكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى وجعل قاعدتها ومنتهاها في شرح ثلاثة أسماء الله تعالى من أسماء ذاته وصفة رابعة من صفات ذاته جل وعلا وهي السميع والبصير والقدير ولم يزل متكلماً، وقال وهذه بلا آلة التعريف هي صفات ذات المرء التي هي عقله فهو سميع بصير قدير متكلم وجعل الله تعالى هذه الذات وأنها هي في الحقيقة سميعة بصيرة متكلمة قديرة وبها كان العقل عقلاً»(100) ويريد الشيخ ناصر بالرواية المروية التي حكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قوله: «كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف فبي كانوا وبي عرفوني وما تقرب عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وإذا تقرب مني عبدي بفرائضي وبالنوافل شبراً تقربت منه ذراعاً وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً. . ولا يزال يتقرب إلي بفرائضي وبالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته توليت أمره وكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به ويده التي يبطش بها..»(101)، ومن المفيد أن نشير أولاً إلى أن هذا الحديث القدسي قد أفاد منه الصوفية كثيراً قبل ابن الفارض وبعده في حديثهم عن الحب الإلهي(102) أي حب الله للعبد من جهة، وحب العبد لله من جهة أخرى، غير أن توجيه الشيخ ناصر له من حيث علاقته بابن الفارض يقوم على أمرين أولهما إن السمع والبصر والقدرة بهذا الوصف الوارد في الحديث هي مواهب من الله للعبد المحب، ولن يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد قطعه طريقاً طويلاً من المجاهدات والرياضات، غير أن هذا الوصول إلى هذه المرتبة – وهو الأمر الثاني – لا يسقط عنه التكاليف والفرائض بدلالة استمراره القيام بها والإلحاح على هذا الاستمرار، فكأن الشيخ ناصر يرى أن ابن الفارض والاتجاه السلوكي الذي التزم هو به موافق لأحكام الشريعة، آخذ منها، معتمد عليها، وكأنه من جهة أخرى ينفي عنه ما اتهم به من خروج على الشريعة. وهكذا يتبدَّى لنا هنا بقوة ما أشرنا إليه سابقاً من اكتمال القصيدتين، إذ وصل ابن الفارض إلى مرحلة متقدمة من طريقه الصوفي في التائية الكبرى، وعلى هذا سيقوم هو برؤية القصيدتين بنظرة تكاملية تكشف لنا بدايات ذلك الطريق الذي بدأ في الوصول إلى نهايته في الكبرى، ولن يتحقق هذا الكشف بغير الرجوع إلى التائية الصغرى فهي بداية الطريق وأوله.
أما الأمر الثاني فهو عنوان القصيدة إذ نرى الشيخ ناصر يقدم لها عنواناً يكاد يكون جديداً لم نره في المصادر التي بين أيدينا، يقول: «. . وأعظم ما نظمه ابن الفارض في العلم منظومته التائية وهي التي سماها نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وكلمة حضرات نحن اخترناها وإلا فهو سماها إلى خدمة ملك الملوك»(103). واعتماداً على هذا سمى كتابه (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) كما صرح بذلك هو بنفسه. ولابد من الوقوف قليلاً عند هذا العنوان (الجديد) الذي يذهب إلى أن القصيدة هي (نظم السلوك إلى خدمة ملك الملوك) وهو مخالف للوثيقة التي بين أيدينا في ديباجة الديوان التي كتبها سبط ابن الفارض، ويقدم لنا فيها مراحل تسمية قصيدة جده إذ كان عنوانها أول ما نظمت (أنفاس الجنان ونفائس الجنان)، ثم صار اسمها (لوائح الجنان وروائح الجنان)، ثم ينقل سبط ابن الفارض عن أبيه عن جده أنه رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم «في المنام وقال له: يا عمر ما سميت قصيدتك ؟ فيجيب ابن الفارض: سميتها يا رسول الله: (لوائح الجنان وروائح الجنـان). فيقول رسول الله: بل سمهـا نظـم السلوك فسميتها بذلك»(104). ولم نقف عند رؤية الشاعر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فهذا يخرجنا عما نحن فيه غير أن العنوانات السابقة تختلف اختلافاً بيّناً عما اختاره الشيخ ناصر إذ يصرح بأن ابن الفارض هو الذي سماها (نظم السلوك إلى خدمة ملك الملوك) فهل يقدم الشيخ ناصر عنواناً جديداً معتمداً على مصادر لم يطلع عليها من درسوا التائية؟ وخصوصاً أن هذه الجمهرة من الدارسين تتخذ من ديباجة الديوان التي سقناها قبل قليل معتمداً في عنوانات القصيدة باعتباره نصاً موثقاً ذا سند صحيح لا يفصل بين السبط والجد سوى الابن، والثلاثة لا يوصفون بكذب، أو تغيير لانتفاء أسبابه وحرصهما: الابن والسبط على تأدية ما قاله ابن الفارض كما جاء على لسانه بلا تغيير لاعتبارات كثيرة: دينية وأسرية وما إليها، وللمسألة وجه آخر يتمثل في عنوان خامس للقصيدة يقدمه أحد أشهر شراح التائية وهو عبد الرزاق الكاشاني إذ يسمي شرحه (كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر)، ولا تهمنا تتمة العنوان وهي (شرح تائية ابن الفارض الكبرى المشتهرة بنظم السلوك) فهذا من صنع المطبعة؛ لأن الكاشاني نفسه يصرح باسم كتابه فيقول: «. . في قصيدته – أي ابن الفارض – الغراء المسماة بنظم الدر»(105)، ويقول: «وسميته – أي الشرح – كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر»(106)، فهذا عنوان خامس للقصيدة هو (نظم الدر)، وهذا ما يجعلنا نتوقف عن القطع في هذه المسألة، واعتبار العنوان الذي تبناه الشيخ ناصر أحد العنوانات التي أطلقت على القصيدة في انتظار دراسة مستقلة للعنوان وحده، ويبقى أمر آخر معلق لا نستطيع البت فيه وهو السبب الذي حدا بالشيخ إلى إحداث ذلك التغيير في العنوان باختيار لفظة بدل أخرى فهذا مما لم يبيّنه لنا.
اصطنع الشيخ ناصر منهجاً خاصاً به في تأليف هذا الكتاب يقوم على الترتيب والتنظيم، الأجزاء فالأبواب، وتسبقها مقدمة، فكأنَّ هناك خيطاً خفياً ينتظم الجميع ليوصل إلى النهاية فنراه يعالج في المقدمة مجموعة من القضايا هي أدخل فيما عرف بتصنيف العلوم(107) غير أنه يستند إلى آية وحديث، أما الآية فهي قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وأما الحديث فهو حديث المعرفة الذي مرَّ سابقاً، وينطلق منهما ليقول «. . وهذا يدل على أن الله تعالى عالم الغيب والشهادة لم يخلق الخلق إلا لأجل العبادة كما شاء من عباده»(108)، ويقسم العبادة بعد هذا ثلاثة أقسام هي: «كشفي وهو علم التوحيد. . والقسم الثاني الحقيقة وهو علم الباطن والقسم الثالث الشريعة»(109)، وكأنَّه يذكرنا بتقسيم ذي النون المصري للمعرفة من أن قسمها الأول «حظّ مشترك بين عامة المسلمين وثانيها معرفة خاصة بالحكماء والعلماء، وقسمها الثالث خاص بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم»(110)، وهو تقسيم سنجد له صدى في كتابات من جاء بعد ذي النون من حيث تفرقتهم بين علوم الشريعة والحقيقة، ويعمق الشيخ ناصر بعد هذا حديثه عن هذه العلوم من حيث وسائل اكتسابها فيراها تتمثل بثلاث طرق هي «طريقة وسائل الشريعة، وطريقة وسائل التجريد من الحقيقة، وطريقة المكاشفة براية المحبة»(111) ويفصل الحديث عن هذه الطرق بقوله «فأما علم الشريعة وأقسامها فقد تكفل كثير من العلماء بتشريحها، وأما علم الحقيقة طريقة ووسائل التجريد وطريقة المكاشفة براية المحبة فأقل بياناً وإن تكلم فيها بعض العلماء نثراً ونظماً فكلامهم فيها أشد غموضاً من كلام العلماء في علم الشريعة الظاهرة»(112) ويخرج بعد هذا إلى تبيان أنَّ أقوى ما عرفه من نظم في هذين العلمين الأخيرين هو تائية ابن الفارض الكبرى. ومن الواضح أن الشيخ ناصر يفيد كثيراً من التراث الصوفي(113) المعتدل الذي قرأه بإمعان ودقة فطالما تحدث المتصوفة عن علاقة التصوف بالشريعة من جهة، واتخاذهم طريقة تختلف عنها في عبادة الله من جهة أخرى، كما إن ابن خلدون وهو يقدم تصوراً لعلوم عصره تحدث عن علوم الشريعة ورأي أنها صنفان: «صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بالقوم – يريد الصوفيـة – في القيـام بهذه المجاهدة، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها»(114)، ولم يخرج الشيخ ناصر عن هذا المعنى بيد أنه أضاف إليه تلك الصعوبة والعسر اللذين يتميز بهما العلمان الثاني والثالث بحسبان أنهما يصدران عن تجربة شخصية، ويستخدمان مصطلحات خاصة لا يعرفها على وجه الدقة إلا أهل هذا الطريق وحدهم، ولذلك نراه يعود مرة أخرى فيقدم تقسيماً آخر للعلوم مستنداً فيه على حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو (أعطاني ربي ثلاثة علوم: علم أمرت بتبليغه وهو علم دينه تعالى، وعلم خيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق وعلم أخذ عليّ بكتمانه وكلّ ذلك في الكتاب المبين)(115)، ومع ملاحظة إشارة الحديث الواضحة إلى ارتباط تلك العلوم بالقرآن الكريم، أو بتعبير القوم اتكاء الحقيقة على الشريعة، نقول فإن الشيخ ناصر يتخذ من هذا الحديث وسيلة عملية لتبيان طريقة تعامله مع شعر ابن الفارض، والخطوات التي سيسلكها في شرحه القصيدتين. ونستطيع تبين ثلاثة معالم رئيسة تنتظم الشرح كله، أما المعلم الأول فهو «صفة مزج المعنى بتقدير ألفاظه»(116)، أي أنه سيعمد إلى النظرة الكلية للشعر القائمة على البحث عما وراء المعنى الظاهري الذي تشي به الألفاظ وهو الذي «طلب نفسه إلى معرفته من نظم هذا الناظم في منظومته»(117) على اعتبار أن «الفطن تلوح له المعاني إذا انفتح له التقدير»(118)، ويريد بهذا أنه لن ينظر إلى الشعر الذي بين يديه نظرة تقريرية جافة بل سينظر إلى التركيب باعتباره نصاً مفتوحاً يمثل تأويلات متعدّدة، وعلى هذا فهو سيأخذ بالتأويل لكن بنوع واحد منه وهو القريب الذي يحتمله الشعر، وهذا هو المعلم الثاني إذ يقول: «واعلم أن لها تأويلاً باطناً خفياً علوياً سماوياً روحانياً وتأويلاً ظاهراً جسدانياً، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب من العقول السليمة وأعرضنا عن الباطـن. . ومن توغل فإنه يلوح له من باطن ما نورده فإنه يكون له كالإقليد»(119)، ويقدّم لذلك النهج سبباً هو إن التفسير الباطن «ربما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم فإما أن يصوّروا ما لا يجوز وإما أن يسيئوا بنا ظناً»(120)، وكأنَّ الشيخ ناصر أراد هذا الكتاب للكافة لا تقتصر عليه النخبة فقط غير أنه ترك الباب مفتوحاً لذوي الأفهام العميقة السابرين غور التراكيب فأمامهم فسحة واسعة كي يتأولوا، ويمعنوا في التأويل، فالنص خصب يعين على هذا، والشرح منفتح على الدلالات جميعاً لا يمنعه التحفظ والتوقي اللذان أرادهما الشيخ من الانطلاق والعطاء، ولم يكن بمقدور الشيخ ناصر أن يصنع غير هذا فهو مرتبط بالشريعة وأحكامها من جهة، وهو من جهة أخرى أمين على النص الطويل الذي بين يديه فليس له إلا أن يقول، وعلى المتلقي أن يسمع ويتأول وهذا شأن الكتب والشروح التي تمكث في الأرض تنفع الناس.
أما المعلم الثالث والأخير فهو قيام الكتاب كله، وانطلاق الشروح جميعها من فكره الإباضي الذي يمثله خير تمثيل، فهو واسع العلم به خبير بدروبه فليس له إلا أن يتخذه هادياً ويجعل من مباحثه صوىً في طريقه الطويل الذي سيقطعه مع ابن الفارض، فنراه يقول: «… وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ الناظم بشرح سماوي أغمض معاني شرحه أشد غموضاً من معاني النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة(121) فصار كأنه لا فائدة فيه إلا للعارف لمعاني النظم، والعارف لمعاني النظم غير محتاج إلى الشرح فسهلته بألفاظ قريبة ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا وبينهم فاخترعت لها معاني ظاهرة بيّنة موافقة للاستقامة لأن النظم يحتملها في التأويل وما لا يصح في ميزان الاستقامة(122) فليس بتأويل لكلام»(123)، ومكمن الأهمية في هذا الكلام يظهر في قضية الخلاف التي أشار إليها بينه وبينهم وهو يحتمل شيئين: خلاف مذهبي وهو ما ألمعنا إليه سابقاً، وخلاف منهجي وهو أشبه بالنتيجة للخلاف المذهبي، فكأنَّ أخذه بنهج معين في السلوك يتعامل به مع القصيدتين أبعده عن تلك الشطحات والتهويمات، وتقديم شروح توحي بالانخلاع من الشريعة وتدخل في المحظور، كما هو عليه الحال في الشروح المتقدمة، فهذا كله مما سيبتعد عنه هذا الكتاب، وفيه تأكيد على النهج المستقلّ الذي سيتخذه.
أشرنا فيما سبق إلى أن الشيخ قسم كتابه ثلاثة أجزاء وجعل لكل جزء عنواناً، أما الأول فهو «في تخليص النفس والروح إلى مراتب الكمال براية محبة المريدين»، وفيه يبين استعداد ابن الفارض لسلوك الطريق، وأخذه بالوسائل من تجريد، وقطع العلائق بالدنيا وزخرفها تمهيداً للسفر الطويل. والجزء الثاني «في كمال النبي صلى الله عليه وسلم براية محبة المرادين وفي التوحيد لله المجيد»، ويعمد فيه الشيخ إلى توضيح مقاصد الشاعر عن الحقيقة المحمدية ومنزلتها، وبداية الاقتراب من التوحيد بمعناه الصوفي، وأما الجزء الثالث والأخير فهو في «مقامات الحقيقة وفي التوحيد وفي كمال النبي صلى الله عليه وسلم»، وكأنَّ هذا الباب ثمرة للبابين السابقين من حيث نجح الرياضيات والمجاهدات، ووصول الشاعر إلى غايته في الكشف ومعرفة التوحيد الحقيقي.
وهذا التتابع البديع للأجزاء يشير إلى مرافقة الشيخ الدقيقة لسلوك ابن الفارض وتطوره الروحي، وتنقله بين المراحل مرحلة فمرحلة مما نراه مبسوطاً في التائيتين. ولم يرق للشيخ أن يترك هذا التعميم الذي نلحظه واضحاً على الأبواب فاتخذ من داخلها فصولاً وأبواباً أوصلها إلى سبعة وعشرين فصلاً وجعل لكل واحد منها هي الأخرى عنواناً، فالباب الأول «في الانتباه من رقدة الجهالة وسنة الغفلة» والباب الثاني «في المكاشفة بمشاهدة جمال المحبوب» والثالث «في الاتصال بالمحبوب بوقفة المواقفة في طريق مكة»، وبالباب الثاني عشر يبدأ الجزء الثاني من الكتاب وهو «في سفر النبي صلى الله عليه وسلم وهو السفر الرابع المخصوص به»، وكأنَّه يشير إلى إسرائه ومعراجه صلى الله عليه وسلم، ويبدأ الجزء الثالث بالباب التاسع عشر وهو «في التوحيد بمعرفة الذات الإلهية وفي مقامات الحقيقة والسلوك»، وينتهي الكتاب بالباب السابع والعشرين وهو «في التنبيه على التوحيد الإلهي». ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن الشيخ ينتهي من شرح التائية الصغرى في الباب الثالث، ويبدأ بالكبرى عند الباب الرابع، وفي هذا تأكيد لما ذهب إليه من أن التائية الصغرى هي رأس وبداية السلوك على حد قوله، إذ استغرقت الفصول الباقية وهي أربعة وعشرون فصلاً بقية الكتاب، وفيها وقف عند التائية الكبرى بأبياتها التي بلغت سبعمائة وواحداً وستين بيتاً، ويبدو جلياً لنا ذلك الجهد الضخم الذي بذله الشيخ ناصر لا في متابعة رحلة ابن الفارض وحدها، بل في تشقيق مراحل تلك الرحلة، ووقوفه عند كل مرحلة مشيراً إليها، وملاحظاً الفروق الدقيقة بينها، ومنبهاً إلى أن هذه الرحلة من خلال الرياضات والمواجيد تتجه صاعدة إلى الأعلى في تهذيب الروح، وتصفيتها تمهيداً لقطف الثمرة مما هو معروف عن غايات التصوف الكبرى، ويضاف إلى ما سبق تلك الوقفات التي تطول أحياناً فتبلغ صفحات حين يفردها للحديث عن مصطلح معين، أو مناقشة قضية كلامية، أو ردّ على بعض المخالفين، وهو يصطنع لتلك الوقفات هيئة منهجية تتمثل في استخدامه مصطلح (بيان)، فكأنَّ هذا (البيان) أشبه بإشارة منه إلى أنّه سيستطرد قليلاً لإيضاح ما مرَّ بحسبان أنّه لم يستوف الحديث عنه في الكلام السابق، وقد كثرت هذه (البيانات) حتى من الممكن جعل بعضها مباحث منفصلة بسبب اكتمال منهجيتها، ووضوح غاياتها.
-6-
ولعلَّ ما تقدّم يفسح المجال قليلاً للوقوف عند ظاهرة أشار إليها بعض الدارسين، وهم يتحدّثون عن مسيرة الحياة الفكرية، والأدبية في عمان، ونعني بها العزلة الثقافية، فهم يذهبون اعتماداً على مقولة المركز والأطراف إلى أنّ عمان من أقاليم الأطراف، وهذا يستتبع بالضرورة عزلة ثقافية من نوع ما، وقد وقفت عند ظاهرة العزلة المكانية في بحث سابق، وممّا جاء فيه أنّ «التراث العماني في أغلبه… يصدر عن الفكر الإباضي، وهو المذهب المنتشر بعمان منذ زمن قديم… وعلماء الإباضية أنفسهم لا ينكرون مجموعة من القضايا تميّز بها المذهب… مثل التمسّك بالكتاب والسّنة، والعمل بما جاء فيهما، والمحافظة على الفرائض، ورفض السلطة المتجبّرة الظالمة، وهو مربط الفرس في هذا الموضع، ويحدّثنا التاريخ العماني عن كثرة الحروب، والنزاع الذي وقع بين السلطة الحاكمة، وأهل عمان بسبب رفضهم سياسة القهر، والبطش التي يرونها مخالفة لأصول الشرع، ونجد هذا منذ عهد معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن له في عمان سلطان على حدّ قول محقّق كشف الغمّة»(124)، ويستمر هذا الأمر إلى وقت متأخر حتى أنّنا نجد اللغوي الشهير أبا بكر بن دريد المتوفي سنة 321 للهجرة يوثّق في شعره ما نزل بأهل عمان من كوارث على يد محمد بن نور عامل الخليفة العباسي المعتضد، حتى أنَّ ابن رزيق يصف ما وقع وصفاً مسهباً من أنَّ محمد بن نور «استولى على كافة عمان، وفرّق أهلها، وعاث في البلاد، وأهلك كثيراً من الحرث والأولاد… وجعل على أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار، وأحرق الكتب»(125)، ممّا يشير إلى استمرار النزاع، والاختلاف بين السلطة المركزية، وعمان، وقد تولّد عن هذا الواقع ما نستطيع تسميته بالاكتفاء الداخلي كنوع من الحماية الذاتية وفق قانون التحدي، والاستجابة، فالدولة على مدى قرون متطاولة تعتنق مذهباً مختلفاً، ورأياً سياسياً مناقضاً، وسلوكاً مرفوضاً، وأهل عمان بالمقابل يمتلكون رؤيتهم المذهبية الخاصة، وموقفهم السياسي المنفصل عن السياق العام، فلا مفرّ عندئذ من اللجوء إلى الداخل تعتمل فيه الاتجاهات، وتتباين فيه الرؤى بعيداً عمّا يجري في الخارج، فإذا كان هذا صحيحاً من حيث البعد المكاني، والاقتناع بما هو موجود في الداخل، والاكتفاء بالمخزون الذاتي. أقول، إذا كان هذا صحيحاً بالنسبة لما سبق، فهل يصحّ من وجهة ثقافية أيضًا؟ بمعنى هل استتبع هذا الاكتفاء انقطاعاً ثقافياً، ومعرفياً عما يجري في الخارج؟ إنَّ الإجابة المنهجية على هذا السؤال تستدعي نَخْلاً شاملاً لمفاصل الحياة الثقافية في عمان تمتد لقرون، وهذا ليس موضعه هنا، كما انّه ليس بمكنة باحث واحد أن ينهض بهذا العمل الكبير، غير أنَّ التوقف عند محورين رئيسيين من محاور الثقافة يمكن أن ينفخ الحياة في هذا الموضوع، ويوصل إلى نتائج يمكن الاطمئنان إليها بدرجة كبيرة، ونريد بالمحور الأول الطبّ والصيدلة، ونقصد بالمحور الثاني هذا الكتاب الذي بين أيدينا بحسبان أنّه من أهمّ كتب (السلوك) التي وصلتنا، وقد اعتمد فيه مؤلفه على علوم مختلفة ما كان له أن يتبحّر فيها لولا تواصل ثقافي ملموس بينه، وبين الخارج هيّأ له الاطلاع على عشرات المصادر سواء في التخصص الدقيق، أو ما هو قريب منه – كما سنرى – ممّا أتاح له تحرير هذا الكتاب.
وقد درس المحقّق في مناسبة سابقة حركة الطبّ والصيدلة في عمان من خلال عائلة علمية صرفت جهدها لهذين العلمين هي آل هاشم، وقد وقف مطوّلاً عند أحد أعلامها الكبار وهو الطبيب الصيدلي راشد بن عميرة، ونخل تراثه العلمي الذي ما يزال مخطوطاً ويقع بسبعة كتب، وتوصّل إلى أنَّ هذا الطبيب ورث الطبّ، والصيدلة عمّن سبقه، وأورثه مَنْ جاء بعده، وكان يعتمد الملاحظة، والتجربة في عمله ممّا يشي بإفادته من المراكز الطبية في عصره، وقبله مثل دمشق، وبغداد، والقاهرة، وفارس مع اطلاع كافٍ على المنجز العربي وغير العربي في الطب والصيدلة، ومصادرهما المعتبرة في هذين المجالين، ولذلك رأينا أسماء أعلام عربية، وغير عربية، ومصادر عربية، وغير عربية تتردّد في كتبه، وهو يفيد منها، ومن التجارب، والملاحظات، ويردّ على بعض مَنْ سبقه في بعض الأحيان، ويضيف إليهم في أحيان أخرى ممّا يشير إلى تمكّن ملحوظ، ورسوخ في هذين العلمين، ولا شكّ أنَّ توفّر تلك المصادر قد وفد من الخارج على هيئة المخطوطات ممّا يقطع بوجود تواصل قوي بين ذاك الخارج، وهذا الداخل، ولم يمنع ذلك التواصل اختلاف في الرأي، أو ابتعاد في المكان، فالحكمة هي الضالّة المنشودة فلتؤخذ من منابعها، وهكذا كان.
ويقال مثل ما سلف عن هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره بامتياز ممثّلاً لحركة التأليف في (السلوك) بمصطلح القوم هنا، فليس الأمر تأليفاً وحسب، بل هو استعداد، واستكمال للأدوات، وأخذ بالعزم، وفي نصّ نادر ظفرت به في ثنايا المخطوط يشير الشيخ ناصر فيه إلى أنَّ ابن الفارض «قد توغّل في علم اللغة، والمعاني، والبيان، والمنطق، والفلسفة، والبديع، والعروض، والنحو، وكفي بسبك نظمه، وجناسه دليلاً على ما قلناه»، أقول، إذا كان ابن الفارض قد توغّل في تلك العلوم على حدّ قول الشيخ ناصر، أفلا يحتاج كشف تلك العلوم، والتنويه بها، ومعرفة مواضعها إلى علم معادل، وتوغّل مكافئ يكون بمكنته تحقيق ذلك الكشف؟ إنَّ الجواب المنهجي لن يأتي إلاّ بالإيجاب، والكتاب كلّه معرض رحب، وفضاء متّسع يومئ إلى هذا الأمر، ويشير إليه، إذ نجد مفردات تلك العلوم ظاهرة مرّة هكذا عياناً، ومستترة أخرى تدعم البناء العام للكتاب، ونضيف إلى ما ذكره الشيخ ناصر تفسير القرآن الكريم، والقراءات، والحديث النبوي، والتاريخ، والفلك، ويقف (التصوف) هناك، و(السلوك) هنا في مقدمة تلك العلوم، إذ نجد الشيخ مطّلعاً على مصادره المعتبرة، وخابراً أسماء الصوفية الكبار، متتبّعاً أخبارهم، وناقلاً الكثير من أقوالهم، هذا عن الظاهر، أمّا ما أشرنا إليه بالمستتر فنريد به تلك النظريات الفلسفية، والأقاويل الماورائية، والتصورات التي قامت عليها بنية التصوف بدءاً من السالك، وانتهاءً بالقطب، وبين الاثنين (سفر) شاقّ متنوع ذو أفانين، وقد دخلت تلك النظريات الفلسفية التصوف، وخصوصاً في طوره المتأخر مثل نظرية المثال الأفلاطونية، والفيض الأفلوطينية، والحقيقة المحمدية، وغيرها، إذ نجد الشيخ خبيراً بها، موظّفاً إياها خير توظيف في بناء كتابه، ومجارياً ابن الفارض في تلاوينه الروحية، وتحولاته الوجدانية، أمّا المصطلح الصوفي فقد كان الباقعة فيه، والباقعة الداهية من الرجال الخبير بالأمر على حدّ قول الخليل في العين، أقول، كان الباقعة فيه من حيث إحاطته به، وتحركه الدقيق بين طبقات تأويلاته المختلفة، وقدرته على تمييز الفروق الدقيقة بين تلك الأفواج المتتابعة من المصطلحات، ولم يتهيأ له ذلك بغير اطلاع على مصادره، وتدقيق في مظانه، ولا تنبسط هذه العلوم ذلك البسط بغير مكتبة كبيرة قدّمت له من الزاد أوفره، ومن الثمر أنضجه، وأعانته على دخول عالم ابن الفارض المتسع الجنبات، المتنوع المسالك بقدم ثابتة، وخطوة راسخة، وقد تحمّل المحقِّق إيضاح ذلك كلّه: الظاهر، والمستتر، رادّاً المعالجات إلى أصولها، وشارحاً المصطلح – وما أكثره – الذي يوظّفه الشيخ ناصر في سبيل تقريب النّص، وتجلية مراميه.
وتأسيساً على ما تقدّم فإنَّ ما يقال عن عزلة ثقافية عانت منها الحياة الثقافية في عمان موضوع بحاجة إلى إعادة نظر جادّ وفق المقولات السابقة، والموضوع، بعدُ بحاجة إلى درس واستقصاء، غير أنَّ ما سلف قدّم شواهد لا تدفع عن (الوهم) الذي يقع فيه بعض الدارسين، وهم يطلقون الأحكام جزافاً، ومن الممكن أن يقال شيء قريب من هذا الكلام عن الجوانب الأخرى من تلك الحياة الثقافية – وهي كثيرة متنوعة – بغية استكمال الصورة، وتقديم المشهد بصورة متكاملة، وعند ذاك ستبدو هذه الصورة على غير ما استقرّ عند بعض الدارسين تماماً، بل ستظهر وهي مزدانة بالتفاعل، مجلّلة بالتواصل أخذاً بالشرائط الموضوعية لأيّ حياة فكرية أدبية تريد لنفسها البقاء، والاستمرار، ولم تكن الحياة الثقافية في عمان بعيدة عن ذلك البتّة.
-7-
كتاب (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) ثابت النسبة إلى الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، ولتحقيق هذه النسبة سلكنا ثلاثة طرق، أولها نسبة الكتاب إلى الشيخ عند غير واحد من الباحثين قديماً وحديثاً، وثانيها تصريح الشيخ ناصر نفسه بنسبة الكتاب إليه، وثالثها ورود عنوانه الصريح في ثنايا الكتاب نفسه، وسنقف عند كلّ واحدة من هذه الطرق تفصيلاً.
أمّا الطريق الأول فهو ورود نسبته إلى الشيخ ناصر عند جملة من العلماء، والباحثين قديماً، وحديثاً فنرى ابن رزيق يسمّيه (كتاب تفسير نظم السلوك)(126)، وليس هناك من ضير في اختلاف التسمية فهذه عادة قديمة درج عليها أصحاب كتب التراجم حين يسوقون الكتاب بعنوان مختصر، مثال ذلك كتاب ابن قتيبة الدينوري (المتوفي سنة 276 للهجرة) في الدفاع عن العرب، ومجادلة الشعوبية فنرى ابن النديم يسمّيه (التسوية بين العرب والعجم)، ومثله القفطي، والذهبي، والصفدي، أمّا القاضي عياض فيسميه (كتاب العرب والعجم)، ومثله ابن فرحون، وابن حجر، أمّا صاحب العقد الفريد فيسميّه (كتاب تفضيل العرب)، ويسمّيه صاحب الآثار الباقية (كتاب تفضيل العرب على العجم)(127)، فهذه أربعة عناوين مختلفة، غير أنَّ الثابت في اسمه هو (فضل العرب والتنبيه على علومها)، ويقال مثل هذا عن كتب كثيرة أخرى(128) ليس هناك مجال التفصيل فيها، فابن رزيق يختار من العنوان الكامل كلمتين، ويضيف إليهما كلمة من عنده جرياً على العادة السابقة التي أشرنا إليها، ويتعرض الباحث سلطان بن محمد الحراصي(129) لهذا الكتاب، ويثبت نسبته إلى الشيخ ناصر اعتماداً على مخطوطته المحفوظة بوزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، كما يشير إليه الباحث إبراهيم بن يحيى العبري، ويؤكد نسبته إلى الشيخ ناصر اعتماداً على مخطوطته المحفوظة بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي(130)، ويقطع فهرس مخطوطات وزارة التراث القومي والثقافة بهذه النسبة حيث يقول: «إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، الخروصي، ناصر بن جاعد بن خميس بن مبارك بن أبي نبهان»(131)، فهذه الإشارات جميعها تؤكد هذه النسبة بما لا يدع مجالاً للشكّ.
ويتمثّل الطريق الثاني في تصريح الشيخ ناصر نفسه بنسبة الكتاب إليه، إذ جاء في نصّ نشرته تحت عنوان (نصّ في السلوك العُماني) للمحقّق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وهو من تلاميذ الشيخ ناصر كما مرَّ بنا، أقول جاء فيه أنّ المحقق الخليلي سأله عن المحبة بقوله: «… وسألت الشيخ ناصر بن أبي نبهان عن محبة الله لعبده، فقال: محبة الله شرحها طويل، وقد ذكرناها في كتابنا الإخلاص بنور العلم، والخلاص من الظلم، وذكرها الغزالي، وهي على أقسام… وهذا يحتاج إلى شرح طويل جداً، وذكرنا في كتابنا شرح نظم السلوك إلى حضـرات ملك الملوك، ولا يتّضح بيانها إلاّ ببيان أقسامها، وأصلها»(132)، فها هو الشيخ ناصر يوثّق نسبة كتابين إليه لا كتاباً واحداً، أولهما كتاب (الإخلاص)، وثانيهما هذا الكتاب، وقد وصل كتاب (الإخلاص)، أمّا هذا الكتاب فهو يصرّح بنسبته إليه، ويختار له عنواناً قريباً من التمام يؤكد ما ذكرناه سابقاً.
ويبقى الطريق الثالث، وهو الأخير، وهو ورود العنوان الصريح في المخطوطين، فإذا علمنا أنّ واحدة من النسختين هي بخطّ المؤلف نفسه وهي نسخة وزارة التراث، وهي الأقدم كما سنرى، أقول، إذا علمنا هذا أدركنا كم يحمل هذا التصريح من ثقة تامة، واطمئنان لا يداخله شكّ في هذه النسبة، فقد جاء في آخر مخطوط الوزارة ما يأتي: «… وهذا آخر كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، ويرد في ثنايا النسخة الثانية، وهي نسخة مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ما نصّه: «… فأقول، وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان… الباب الأول من الجزء الأول من كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرة ملك الملوك»، ويرد النّص نفسه في نسخة الوزارة هكذا: «… فأقول، وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان… الباب الأول من كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، ويرد ثانية في هذه النسخة، وذلك حين يقول الشيخ ناصر نفسه: «… ولكن طلبني بعض من الأصحاب أن أجمع ذلك له فكان كما تراه، وسمّيته: كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، فكأنَّ هذه الإشارات جميعها تقطع بهذه النسبة التي نريد إثباتها، كما تقطع بالعنوان النهائي للكتاب ذلك الذي استخلصناه من واقع المخطوطين نفسيهما، وممّا يضاف هنا أيضاً أنَّ الشيخ صرَّح في موضع آخر بالسبب الذي جعله يختار (حضرات) بدل (حضرة)، وذلك في قوله: «… والمراد بجمع الحضرات احترازاً عن الوقوف عن السير دائماً بالسلوك من حضرة إلى حضرة أعلى، وأقرب؛ لأنَّ ذلك من شرط سلوك صدق المحبة، وصحة التصوف»، وعلى هذا يكون العنوان الذي اختاره الشيخ ناصر بنفسه هو (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك)، وهو ثابت النسبة إلى الشيخ ناصر بن أبي نبهان كما سقناه في الطرق الثلاثة.
-8-
كان الاعتماد في تحقيق هذا الكتاب على نسختين مخطوطتين، جُعلت الأولى (أمّاً)، وقوبلت الثانية على (الأم) الأولى، وهما تامّتان لم ينقص منهما شيء إلاّ في بعض المواضع التي وقع فيها طمس لم يؤثر في القراءة كثيراً، وقد أعانت المقابلة على تجاوز هذا الطمس، وهذا بيان مفصَّل عنهما:
1- النسخة الأولى، ورمزنا لها بـ (الأصل)، وهي محفوظة بوزارة التراث والثقافة تحت رقم 1456/88، وعدد أوراقها مائة وتسع وأربعون ورقة، وهي نسخة نفيسة؛ لأنّها نسخة المؤلف، إذ يرد ما يؤكد هذا في آخرها، وهو: «وتاريخ تمام تأليفه ثامن رجب سنة 1243بالردة من سمد نزوى»، كما يشير فهرس مخطوطات وزارة التراث إلى هذا بقوله: «… المخطوط من نسخ المؤلف الذي ذكر مكان النسخ»(133)، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنَّ السنة التي انتهي فيها الشيخ ناصر من تأليف هذا الكتاب، ونسخه، وهي 1243 للهجرة هي السنة نفسها التي انتقل فيها من عمان إلى زنجبار، وبقي بها إلى أن توفّاه الله كما رأينا.
وقد كُتبت هذه النسخة بخط أسود واضح معتاد، وكُتب الشعر المشروح بخطّ أغلظ تمييزاً له عن الشرح كما جاء تسلسل المقدمات، والأبواب بخط أحمر إشارة إلى ابتداء كلام جديد، ويضمّ الوجه الواحد من الورقة خمسة وعشرين سطراً، مع ثماني عشرة كلمة في السطر الواحد على وجه التقريب، وهناك تآكل في بعض أطراف الأوراق، وطمس لعلّه من آثار الرطوبة وصل إلى بعض الكلمات فمسحها، وعلى العموم فهي نسخة جيدة مقروءة، ويكفي أنّها نسخة المؤلف ليضفي عليها أهمية، ونفاسة.
2- النسخة الثانية، ورمزنا لها بـ [س]، وهي محفوظة بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب، وهي أحدث من السابقة، إذ يعود تاريخ نسخها إلى سنة 1288 للهجرة، كما جاء في آخرها، وهذا نصّه: «آخر كتاب نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه، وكان تمامه يوم الاثنين من نهار حادي من شهر شعبان من سنة 1288 على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، نسخه للشيخ والده، وصفيّ ودّه الثقة القاضي خلفان بن حاكم بن إسماعيل الحميري الإباضي، بقلم الحقير راجي رحمة ربّه القدير أفقر خلق الله، وأحوجهم إليه سالم بن علي بن ناصر بن علي الإسماعيلي بيده».
وتقع هذه النسخة بأربعمائة وسبع وستين صفحة من القطع الكبير، وهي مكتوبة بخط أسود واضح معتاد، أمّا الأحمر فقد كُتب به تسلسل المقدمات والأبواب كالنسخة الأولى، كما كتب الشعر المشروح بخطّ أغلظ تمييزاً له عن الشرح كما هو عليه الحال في النسخة الأولى، وتضمّ الصفحة خمسة وعشرين سطراً، وأربع عشرة كلمة في السطر الواحد على وجه التقريب، وممّا يميّز هذه النسخة وضوح خطّها، وخلوّها من التآكل، والطمس إذ يبدو أنّها قد حفظت بشكل جيد ممّا دعا إلى احتفاظها بالأصل الذي تركت عليه، وقد أعانت هذه النسخة على قراءة كثير من الكلمات المطموسة، وغير الواضحة في النسخة الأولى.
ومن الضروري أن نشير إلى بعض الملاحظات التي أصبحت أقرب إلى الظاهرة في النسختين سواء في المضمون أم رسم الكلمات، وهي:
1- هناك سقط في الأم في ثلاثة مواضع، أوله بمقدار عشرين ورقة، وثانيه بمقدار ورقتين، وثالثه بمقدار خمس ورقات، وكان الاعتماد في جبر هذا السقط على [س] وحدها، وقد أشير إلى ذلك في مواضعه.
2- يشيع في [س] التصحيف، والتحريف وهما الآفتان اللتان ابتليت بهما المخطوطات العربية، وقدّمت نسخة (الأصل) معونات جمّة في إصلاح ذلك التصحيف، والتحريف، بالإضافة إلى الاجتهاد الشخصي، والاستضاءة بالسياق في اختيار رسم معيّن للكلمة، وقد أشير إلى ذلك كلّه في مواضعه.
3- تعمد النسختان إلى تسهيل الهمز مثل: بئر، الجائزة، الوسائل، تكتب هكذا: بير، الجايزة، الوسايل، وقد أثبتنا ما هو متعارف عليه في الكتابة المعروفة اليوم.
4- تعمد النسختان كذلك إلى ضروب من الكتابة تختلف عمّا هو متعارف عليه اليوم، وقد تمكّنا من رصد ظاهرتين أولاهما إضافة الياء إلى الكلمة، وكانت الكسرة وحدها تكفي مثل (تجلّتِ) تكتب (تجلّتي)، و(قضيتِ) تكتب (قضيتي)، وهكذا، وثانيهما استخدام ألف الإطلاق في مواضع من حقّها أن تكون ألفاً مقصورة مثل (المنى) تكتب (المنا)، و(القِرى) تكتب (القرا) وهكذا، وقد اعتمدنا ما هو متعارف عليه اليوم كما في النقطة السابقة.
5- يبدو أنَّ الشيخ رحمه الله كان يثبت الآيات الكريمات من حفظه، ولذلك لاحظنا في الكثير منها تغييراً، وبتراً، وتقديماً، وتأخيراً، وقد أثبتنا الآيات بحروفها كما وردت في المصحف بلا إشارة إلى مواطن التغيير لسبب معروف هو اتفاق المسلمين جميعهم على مصحف واحد.
6- يعمد المؤلف في كثير من المواضع إلى استخدام ظاهرة لغوية موجودة في اللهجة الأزدية وهي «أنَّ الفعل إذا أسند إلى ظاهر مثنّى أو مجموع أُتي فيه بعلامة تدلّ على التثنية أو الجمع»(134)، مثل قولهم: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، ولذلك تتردّد عنده عبارات مثل: (يعرفونه عواده)، (استعانوا باسمه القاصدون) و(يسمّونه أهل التصوف) و(يختلفون أهل الله)، وغيرها، ويقول ابن عقيل: «… وهذه اللغة القليلة هي التي يعبّر عنها النحويـون بلغة: أكلونـي البراغيث… فـ (البراغيث) فاعل أكلوني»(135)، فلعلّ هذا من بقايا التأثر بتلك اللهجة سواء في الكلام أم في الكتابة، وهذا يثبت أنَّ هذه الكتب لا تقدّم فوائدها في العلم الذي اختّصت به فقط بل تتعدّاه إلى فوائد لغوية، واجتماعية، وهو ما لحظناه في هذا الكتاب، وأشرنا إليه في مواضعه.
هذه هي أهمّ الملاحظات التي رأينا إثباتها هنا، وهي تفتح الباب واسعاً لجملة من الدراسات سواء منها ما هو متعلّق بالأسلوب، أو المجتمع، أم ما هو متعلّق بـ (السلوك) نفسه، ولن تتحقّق تلك الغايات بغير النظر الشامل إلى مؤلفات الشيخ ناصر الأخرى، وتقديم دراسات مفصّلة عن تلك الجوانب التي أشرنا إليها.
-9-
من الممكن تلخيص العمل الذي قام به المحقّق خدمة لهذا الكتاب بالنقاط الآتية:
1- تقديم قراءة سليمة للنسخة (الأم)، هي التي ارتضاها المؤلف لكتابه، وتمثّلت هذه القراءة في إعادة نسخ هذه (الأم) مرة أخرى تمهيداً للمقابلة.
2- مقابلة النسخة الثانية، وهي التي رمزنا لها بـ [س] على (الأمّ)، وإثبات الفروق في الهوامش.
3- عرض أبيات التائيتين على ديوان ابن الفارض المطبوع بتحقيق علمي، وإثبات الاختلافات في الهوامش، وقد أفادت هذه العملية في إثبات أنّ الشيخ رحمه الله كان يمتلك نسخاً مختلفة للديوان يوازن بينها، ويختار ما يستقرّ عليه من قراءات مختلفة للأبيات.
4- ردّ الآيات الكريمة إلى مواضعها في سورها مع أرقامها.
5- تخريج الأحاديث الشريفة، والآثار النبوية في كتب الحديث المعتمدة، ومصادر التصوف، والأدب.
6- تخريج الشعر، وهو قليل جداً، وقد اعتمد المحقّق على الديوان، أو المشهور من مصادر الشعر.
7- الترجمة للأعلام ترجمات مختصرة مفيدة مع الإحالة إلى مصادر هذه التراجم، وأغفلت الترجمة للمشهورين منهم كالأنبياء عليهم السلام خشية أن تكون الترجمة في هذه الحال فضولاً وزيادة.
8- تخريج الأقوال التي يستشهد بها المؤلف في ثنايا كتابه، وهي غالباً أقوال لكبار الصوفية، وكان المعتمد في هذا التخريج مصادر التصوف المعتمدة في هذا المجال.
9- تقديم شروح مختصرة وافية للمصطلح الصوفي الذي يوظّفه المؤلف، وكان القصد من هذا العمل تقريب النّص إلى القارئ، ومعرفة المرامي البعيدة التي يريدها ابن الفارض، والشيخ ناصر معاً، وكان الاعتماد في ذلك الشرح على معاجم المصطلح الصوفي التي قدّمت خدمة جليلة لهذا العمل من حيث جمع المصطلحات في مكان واحد، وتقديم آراء مختلفة في شرح المصطلح الواحد.
10- تقديم شروح هي أقرب إلى التوضيح لبعض القضايا الكلامية، والفلسفية التي يعالجها المؤلف، مع محاولة معرفة جذورها، وربطها بالسياق العام للفكرين الكلامي، والفلسفي عند المسلمين، مع التركيز على الفكر الذي يصدر منه الشيخ ناصر، وهو الفكر الإباضي، وقد اعتمدنا على المصادر الموثوقة في هذا العمل.
ويأمل المحقّق أن يكون قد قدّم خدمة نافعة للتراث العماني عموماً، وللتراث السلوكي خصوصاً، وهو يكرّر ما تبنّاه في مناسبات سابقة من ضرورة الاهتمام بمصنفات الشيخ ناصر الخروصي، وتراثه الفكري، والنظر بجّد إلى الاتجاه السلوكي الذي مثّله الشيخ جاعد بن خميس خير تمثيل لما فيه من خصوبة، وتجارب وجدانية عميقة، والتوجّه إلى تبيان المؤثرات العامة في هذا الاتجاه سواء أكانت عربية أم غير عربية لما في هذا التبيان من تعميق لما أشرنا إليه سابقاً من نقض مقولة العزلة الثقافية، ولن يتحقّق هذا كلّه إلاّ بتظافر الجهود المخلصة، والرؤية العلمية المنهجية في تناول ذلك الدرس، وعند ذاك يتجلّى الاعتناء بالتراث العماني في أجلى صوره قائماً على العلم والمنهج معاً.
ولا يفوت المحقّق في ختام هذه المقدمة أن يتقدم بوافر الشكر والتقدير إلى معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي الموقر الذي فتح مكتبته العامرة أمام الباحث كي ينهل من معينها العذب، كما لم يتردّد في تلبية طلب المحقّق لتصوير النسخة من الكتاب التي تحتفظ بها المكتبة، وهذا ليس بغريب على سماحته، وسعة صدره، ودعمه المستمر للباحثين، كما يتقدم المحقق بوافر شكره إلى وزارة التراث والثقافة لتفضّلها بالموافقة على تصوير النسخة من الكتاب التي تحتفظ بها، كما يشكر المكتبة الرئيسة في جامعة السلطان قابوس، وخصوصاً الاخوة الأفاضل في قاعة عمان، إذ سهّلوا عمله بما وضعوا تحت يديه من مصادر، ومراجع، كما يشكر الزملاء الكرام الذين أعانوه في إنجاز هذا العمل، وهم كثر، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الهوامش
(1) ينظر الفتح المبين، ص146، وشقائق النعمان، 1/139.
(2) ينظر في ترجمة هذين الإمامين والأحداث التي جرت في عصريهما: تحفة الأعيان 1/108و2/203 والشعاع الشائع باللمعان، ص48 و67، وكشف الغمة، ص264و312، وشقائق النعمان، 2/204و207، وتقدم هذه الكتب مسارد مفصلة عن الأئمة غير أن مسرد صاحب الشقائق ذو صبغة منظمة بشكل واضح، وما يهمنا فيه أن هناك سبعة عشر إماماً من اليحمد وبني خروص الذين ينتمي إليهم الشيخ ناصر، ولهذا دلالة مهمة سنقف عندها فيما بعد، وفي الفتح المبين، ص179 منظومة مفيدة عن نسب بني خروص، وينظر كذلك كتاب عمان الديمقراطية الإسلامية، د. حسين غباش، وهو دراسة علمية منهجية عن نظام الإمامة وأصولها وتقاليدها مع مفاصل مهمة من تاريخها.
(3) تقع على سفح الجبل الأخضر من جهة الشمال، ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص116.
(4) تحفة الأعيان، 2/175، والبوسعيديون حكام زنجبار، ص84، وأعلام عمان، ص156، وشعر سعيد بن خلفان الخليلي، الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير لم تنشر، ص24.
(5) تحفة الأعيان، 2/147.
(6) الفتح المبين، ص147.
(7) شقائق النعمان، 1/139.
(8) ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص116، وينظر أبو مسلم الرواحي، د. محمد بن صالح ناصر، ص120.
(9) ومن إخوان الشيخ ناصر غير نبهان: يحيى وسعيد وخميس، والأخير هو الذي طُلب منه أن يكون إماماً قبل عقد الإمامة لعزان بن قيس فأبى، ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص118، وشقائق النعمان، 1/140، وعمان الديمقراطية الإسلامية، د. حسين غباش، ص216، وما بعدها.
(10) قدّم الباحث إبراهيم بن يحيى العبري ثبتاً ممتازاً لكتب الشيخ ناصر جعله في قسمين هما: مؤلفاته الموجودة، والكتب غير الموجودة، حوى الأول ثمانية كتب، وضمّ الثاني سبعة عشر كتاباً، ورسالة، والكتب الثمانية الموجودة ما تزال مخطوطة عدا الكتاب الذي حقّقه وهو كتاب (الإخلاص)، وهذا الكتاب، ولم يذكر كتاباً للشيخ ناصر هو شرح قصيدة والده (حياة المهج) الذي قامت بتحقيقه الباحثة عالية بنت حسن بن محمد العجمي، وقدّمته إلى جامعة السلطان قابوس- كلية الآداب والعلوم الاجتماعية- قسم اللغة العربية باعتباره رسالة ماجستير بإشراف محقّق هذا الكتاب.
(11) يلاحظ هذا التشابك في العلوم الذي يميز ثقافة الشيخ ناصر، وهو ما أشرنا إليه في التصدير، ويومئ بقوة إلى الوحدة من خلال التعدد، العلوم المختلفة تخدم غرضاً واحداً.
(12) بحث سماحة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي عن العمانيين وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، ص182-183، وينظر شعر سعيد بن خلفان الخليلي، الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير، لم تنشر، ص24 وما بعدها، ومما يذكر هنا أنَّ هذا الكتاب وصل إلينا سالماً، وهناك نسخ منه، وعنوانه الكامل (العلم المبين وحق اليقين)، ينظر عنه مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص) ص72-73.
(13) بحث سماحة المفتي السابق، ص183. ومما يذكر هنا أيضاً أن هذا الكتاب وصل هو الآخر سالماً من الضياع، وهناك نسختان منه، ينظر تفصيل هاتين النسختين في مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص)، ص74.
(14) المرجع السابق، ص183.
(15) ينظر تحفة الأعيان في مواضع متفرقة مثل: 2/20و24و 140و 141و 143و 144و و145و 147و 149 وغيرها كثير.
(16) ينظر على سبيل المثال الفتح المبين، ص103 وما بعدها.
(17) بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص118.
(18) ينظر تحفة الأعيان في مواضع متفرقة، وخصوصاً 2/147و162، وهناك تفصيلات أخرى تهم المؤرخ يراها القارئ مبثوثة في التحفة.
(19) القاشع بلغة أهل عمان نوع صغير من السمك، ينظر إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان، الشيخ الحارثي، ص108.
(20) تحفة الأعيان، 2/175.
(21) تحفة الأعيان، 1/175.
(22) هو السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، ولد سنة 1204هـ، وتوفي سنة 1273هـ، كان من كبار الساسة وحكم طوال نصف قرن. وقعت في عهده أحداث جسام عالجها بحكمة، وقد ألف عنه ابن رزيق كتاباً صغيراً سماه (بدر التمام في سيرة السيد الهمام سعيد بن سلطان بن الإمام الحميد أحمد بن سعيد البوسعيدي)، وقد طبع ملحقاً بكتابه الفتح المبين، وفيه تفصيلات تاريخية وسياسية واجتماعية مفيدة، وينظر عنه كذلك: جهينة الأخبار، ص233، وشقائق النعمان، 2/236، والعمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، بحث لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة، ص177، وما بعدها، ويقول فيه: (وكان الرجل الذي أعطى أفريقيا الشرقية عنايته البالغة هو السلطان سعيد بن سلطان الذي أسس إمبراطورية هناك)، ص180، وعمان الديمقراطية الإسلامية، ص155، وما بعدها، والموجز المفيد، ص33، وما بعدها، والشعر العربي العماني في المهجر الأفريقي، الفاضل سبيت الغيلاني، رسالة ماجستير لم تنشر، ص25 وما بعدها.
(23) تحفة الأعيان، 2/175، وفي كتاب البوسعيديون حكام زنجبار، ص83، أن السيد سعيد كان يحترم الشيخ وكذلك كان الجميع.
(24) ينظر جهينة الأخبار، ص237.
(25) ينظر تحفة الأعيان، 2/175، والفتح المبين، ص150.
(26) جهينة الأخبار، ص237.
(27) لا حاجة بنا للتعريف بالمحقق الخليلي فهو علم مشهور وعالم كبير، ينظر عنه رسالة الفاضلة شريفة اليحيائي مع مصادرها، وبحوث الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي تكريماً له، وصدرت في كتاب، وينظر للمحقق كتابه (الأدب في الخليج العربي)، الجزء الثالث حيث عرّف بالمحقق الخليلي.
(28) الشيخ الخليلي، الفاضلة شريفة اليحيائي، ص24.
(29) بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص116.
(30) المرجع السابق، ص116.
(31) مقاليد التصريف، 1/3.
(32) بحث سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة عن الخليلي فقيهاً ومحققاً، ص14.
(33) ابن رزيق هو حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت بن غسان النخلي، ولد سنة 1198 للهجرة وتوفي سنة 1290 للهجرة، يحتل منزلة متقدمة بين شعراء ومؤرخي عمان، ينظر عن سيرته وآثاره بحث الدكتور سعيد الهاشمي، ومقدمة تحقيق سلك الفريد، 1/10 وما بعدها.
(34) يأتي ذكر ابن رزيق في هذا الكتاب أيضاً.
(35) ينظر الفتح المبين، ص151، وما بعدها.
(36) الفتح المبين، ص151.
(37) المصدر السابق، ص158.
(38) اطلع المحقّق على نسخة منه في مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب ويقع بمائة واثنتين وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، مكتوب بخط واضح بالأسود والأحمر، وهذا من الكتب الواجب دراستها وتحقيقها استكمالاً لمشروع نشر كتب الشيخ ناصر رحمه الله.
(39) سبائك اللجين، مخطوط و1.
(40) و(41) و(42) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص51.
(43) معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد الحليم الحفني، ص133.
(44) المقام هو ما يتوصل إليه العبد عن طريق الأعمال، ويرد معه مصطلح الحال وهو لا يكتسب بالأعمال وإنما هو منَّة إلهية يمنّها الرب للعبد، ينظر ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص171، وينظر بتفصيل أكثر كتاب السيوطي والتصوف، د. عبد الخالق محمود، ص88.
(45) ينظر المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم، ص585.
(46) معجم ألفاظ الصوفية، د. حسن الشرقاوي، ص232.
(47) المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم، ص721.
(48) ينظر المرجع السابق، ص585 وما بعدها.
(49) السابق، ص720-721 وينظر كذلك موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق المعجم، ص573، ففيه تفصيل وافٍ.
(50) في تعريف التصوف مشكلة كبيرة بسبب كثرة الحدود التي يقدمها المتصوفة له، وقد جمع الأستاذ نيكلسون ثمانية وسبعين تعريفاً له، غير أننا نأخذ هنا جوهره وتجربته الباطنية فحسب، ينظر تاريخ التصوف الإسلامي، د. عبد الرحمن بدوي، ص15، وما بعدها فقد ساق كثيراً من تلك الحدود، وينظر كذلك كتاب الحركة الصوفية في الإسلام، د. محمد علي أبو ريان، ص18، وما بعدها، فقد أورد خمسة عشر تعريفاً للتصوف مع مناقشتها وشرحها.
(51) مقدمة ابن خلدون، 3/1097.
(52) تحدث الدكتور عمر فروخ عن الغرباء والسياحين، والنورانية، والمقربين، وهي مصطلحات مرادفة للمتصوفة غير أنها لم تنتشر كانتشار التصوف والصوفية، ينظر كتابه التصوف في الإسلام، ص25، ويشير د. كامل الشيبي إلى أنّ الزهاد في الشام يسمّون جوعيين، ينظر كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، 1/339، ومعلوم أنّ الجوع واحد من وسائل المتصوفة للوصول إلى الحقيقة مثل العزلة، ولبس الخشن من الثياب وغيرها.
(53) المعجم الصوفي، ص712.
(54) من المهم أن نشير هنا إلى أن هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث وليس هنا موضعها كي تتضح الصورة ويستقيم المنهج.
(55) ومما يساعد على هذا تأكيد القشيري من أن (كل شريعة غير مقيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مؤيدة بالشريعة فغير مقبول)، ينظر الرسالة القشيرية 1/261، ولم يقل القشيري هذا الكلام إلا بعد رؤيته أناساً من الصوفية يتخففون من الفرائض ويذهبون في كلامهم مذاهب توحي بالخروج على أحكام الشريعة.
(56) مقاليد التصريف أرجوزة طويلة في علم الصرف نظمها العلامة الخليلي ثم شرحها بنفسه، وهناك دراسات قامت عليها، ينظر بحوث الندوة التي أقيمت تكريماً له بالمنتدى الأدبي، سنة 1994م.
(57) ووصفه الشيخ سالم السيابي كذلك بالشيخ الرباني في كتابه أصدق المناهج، ينظر ص57.
(58) مقاليد التصريف، 1/3، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن العلامة الخليلي نفسه وصف بالقطب وذلك على لسان الشاعر الكبير أبي مسلم البهلاني حيث تحدث عنه في ديوانه فقال: (لم يتصل بي كيفية تبتل سيدي القطب الخليلي… ) وأعادها ثلاث مرات، ينظر ديوان أبي مسلم، ص153.
(59) المولوي من كان من أتباع المولوية وهي طريقة صوفية تنسب إلى مؤسسها جلال الدين الرومي المتوفي سنة 672 للهجرة، ويلقب بمولانا، وتسمى الجلالية نسبة إليه أيضاً، ويلحظ الدارسون تقارباً بين جلال الدين الرومي وابن الفارض في سلوكهما الصوفي وقولهما بوحدة الشهود وهي غير وحدة الوجود التي قال بها غيرهما، وهي نهاية الطريق الصوفي من حيث وصول الروح إلى عوالم بعيدة والدخول في مناطق حساسة بغير امتزاج بالحق كما قال غيرهم، وهذا قول المتصوفة المحافظين على الشريعة، فهل يوصف الشيخ ناصر ووالده بالمولوي نسبة إلى المولوية بسبب اقترابها من ابن الفارض من جهة وتمسكها بأهداب الشريعة من جهة أخرى؟ أم إنَّ المولوية – كما هو معروف – تجيز وراثة الطريقة فقد ظلّت مستمرة في أبناء جلال الدين، وأحفاده، ونراها هنا في الشيخ ناصر، ووالده الشيخ أبي نبهان؟ هذا الموضوع محتاج إلى مبحث مستقلّ، ينظر عن المولوية ووحدة الشهود، ووراثة الطريقة، دائرة المعارف الإسلامية مادة (مولوية) بالإنجليزية، مدخل إلى التصوف الإسلامي، د. أبو الوفا الغنيمي، ص213، وما بعدها، في التصوف الإسلامي، نيكلسون، ص152، وما بعدها، وابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص10، ومعجم العالم الإسلامي، ص622، وما بعدها، وللدكتور عبد القادر محمود رأي مخالف لما تقدم، ينظر كتابه الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص534 وما بعدها، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/476.
(60) الولي: هو من تولى الحق أمره وحفظه من العصيان، ومن توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان، وهو العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي، ينظر اصطلاحات الصوفية، الكاشاني، ص76 مع مصادر التحقيق.
(61) ينظر الفتح المبين، ص150.
(62) ينظر سبائك اللجين، ابن رزيق، مخطوط، و115، ومما يذكر هنا أن الشيخ جاعد بن خميس وصف في مواضع كثيرة بالقطب الرباني، ينظر الشعاع الشائع باللمعان، ص69 على سبيل المثال، والقطب هو الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان، ينظر اصطلاحات الصوفية، الكاشاني، ص153، مع مصادر التحقيق.
(63) ينظر سبائك اللجين، و3.
(64) المصدر السابق، و1.
(65) هو كتاب (الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم)، وقد وصل وقام بتحقيقه وكتابة مقدمة جيدة له الفاضل/ إبراهيم بن يحيى بن حمدان العبري، وقدّمه إلى كلية دار العلوم – قسم الفلسفة الإسلامية سنة 1998م باعتباره رسالة جامعية لنيل درجة الماجستير، وستكون لنا معه وقفات، بحسبان أن الشيخ ناصر يشير إليه مرات في هذا الكتاب.
(66) ينظر الفتح المبين، ص150.
(67) إن كتب الشيخ ناصر بحاجة إلى بحث خاص يكون أشبه بالتمهيد من حيث معرفة أماكن وجودها ونسخها ووصفها وصفاً علمياً، وتكون نقطة البداية قصيدة ابن رزيق التي أشرنا إليها سابقاً، والثبت الذي صنعه الباحث إبراهيم بن يحيى العبري وهذا ما قصدناه بالتمهيد، أما تتمة العمل والدخول فيه فيتمثلان في تحقيق هذه الكتب تحقيقاً علمياً ونشرها خدمة لهذا الاتجاه في الفكر والأدب بعمان، الذي لم يوله الدارسون عناية كبيرة.
(68) تعرّض الشيخ ناصر في هذا الكتاب، وفي مواضع كثيرة لمكانة ابن الفارض، ويكفي أن نثبت نصاً واحداً لتبيان رأيه فيه، يقول الشيخ ناصر: «… واعلم أنَّ كل علم عند الله تعالى عظيم سخّر له إنساناً يحبّه ويتعلّمه… يتناهي فيه فيظهر على لسانه بأفصح وأحكم حكمة في الفصاحة فيصير عالم الوجود معجزة لغيره من بعده إلى يوم القيامة، ولا شك أن هذا الناظم في هذا العلم هو معجزة لجميع خلق الله تعالى ما خلا النبي صلى الله عليه وسلم… »، في كلام طويل، وهو يبيّن مكانة ابن الفارض عند الشيخ ناصر، والاتجاه السلوكي عموما.
(69) ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص7، وفيه ترجمة وافية لابن الفارض.
(70) يذهب د. عاطف جودة نصر، ومعه جمهرة من الدارسين إلى أن ابن الفارض هو «أستاذ الفن التائي في الشعر العربي، وذلك أنَّه استحدث قصيدتين: الأولى التائية الصغرى، والثانية التائية الكبرى المعروفة بتائية السلوك، وقد نسج على منواله في هذا الفن صوفية آخرون كإبراهيم الدسوقي، وقطب الدين القسطلاني، والسيد أحمد البدوي، واحتذوا حذو ابن الفارض في التعبير عن آرائهم»، ينظر كتابه شعر عمر بن الفارض، ص306، ولذلك فليس غريباً أن يتأثر شعراء السلوك العمانيون – كما سنرى – بابن الفارض أسوة بغيرهم من شعراء هذا المشرب.
(71) من المفيد أن نشير هنا إلى أن الإمام جلال الدين السيوطي قد شرح القصيدة اليائية لابن الفارض في كتاب سماه (البرق الوامض في شرح يائية ابن الفارض)، ومطلع اليائية:
سائق الأظعان يطوي البيد طي
        منعماً عرج على كثبان طـي
ومنه نسخ مخطوطة في القاهرة، ودمشق، والمغرب، وقطر، ويعمل الباحث على تحقيقه الآن.
(72) من المفيد أن نشير هنا إلى أن هناك شروحاً بالفارسية لهذه القصيدة، ينظر ابن الفارض والحب الإلهي، ص 101.
(73) ينظر عن هذه الشروح ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص90، وما بعدها، وتائية ابن الفارض وشروحها العربية، د. عبد الخالق محمود، رسالة ماجستير لم تنشر، جامعة القاهرة، ص26، وما بعدهـا. وفيها تفصيل مفيد لتلك الشروح، ومن الضروري أن نؤكد هنا على أن = أغلب الذين تصدوا لتلك الشروح إن لم يكونوا كلهم من ذوي المشرب الصوفي فكأنهم كانوا يسيرون في أرض هم عارفون خباياها سابرون أعماقها.
(74) إيضاح نظم السلوك، و1.
(75) ولعل للفظة السلوك الواردة في عنوان القصيدة علاقة باعتناء العلماء والشعراء العمانيين بها من حيث إنها تتشابه مع ما اختاروه لأنفسهم من منهج هو (السلوك).
(76) اتجاهات الأدب العماني في العصر الحديث، د. علي عبد الخالق، رسالة دكتوراه لم تنشر، ص334.
(77) المرجع السابق، ص334.
(78) حقّق هذا الشرح محقّق هذا الكتاب، ونشره في الجزء الثالث من كتابه (الأدب في الخليج العربي).
(79) و(80) شعر سعيد بن خلفان الخليلي، إعداد الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير لم تنشر، ص65.
(81) العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطة، ص186، وينظر كذلك تطور الأدب في عُمان، د. أحمد درويش، ص187.
(82) ديوان أبي مسلم، ص42، وما بعدها، ومما يذكر هنا أنَّ شاعراً يمنياً من شعراء التصوف هو أبو بكر السقاف المتوفي سنة 992 للهجرة قد عارض تائيتي ابن الفارض الصغرى والكبرى بتائيتين من نظمه ممّا يشير إلى اهتمام المناخ الصوفي بابن الفارض، ينظر عن تائيتي السقاف بحث د. عبد الله محمد الغزالي (أبو بكر السقاف وتائيته) المنشور بمجلة معهد المخطوطات العربية، القاهرة، المجلد 40، الجزء الثاني، نوفمبر سنة 1996م، ويضاف إلى ما تقدّم أنّ شاعراً من شعراء القرن التاسع هو عبد القادر بن محمد، وشهرته ابن قضيب البان نظم تائية طويلة عارض بها تائية ابن الفارض، ينظر الموسوعة الصوفية، ص482. كما إنَّ شاعراً من شعراء القرن الثامن الهجري هو عامر البصري قد نظم تائية هو الآخر على غرار تائية ابن الفارض بلغت عدتها خمسمائة وستة أبيات، ونراه يصرح في مقدمتها أنه ينسج على منوال ابن الفارض في تائيته فيقول: (… فإنه لما رأي الإخوان. . ما تضمنته قصيدة أبي حفص عمر بن الفارض… التائية في علم التوحيد من النظم الفائق. . التمس مني المقرب لدى منهم. . ترتيب قصيدة على وزن تلك القصيدة ورويّها)، ينظر تائية عامر البصري، ص20، ونجد مبحثاً غنياً عن عامر وتائيته وعقيدته في كتاب الصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل مصطفي الشيبي، 2/115، وما بعدها مع مصادره، ولم يكن القصد إحصاء مَنْ عارض ابن الفارض في تائيته، فهم كثر، غير أنّ هذه الشواهد تشير إلى شهرة التائية، وانتشارها.
(83) ابن الفارض، والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص42.
(84) يرجي ملاحظة الأسلوب الذي يستخدمه الكاشاني الذي يقوم على المجازات والتصوير، وينحو نحو الزخرفة وتعميق ظلال الألفاظ، وهذا هو شأن أسلوب الصوفية في كتاباتهم وخصوصاً المتأخرين منهم، ومن هنا اتصف ما قدموه بالعمق والخصوبة، واللغة المتميزة مقترنة بالمضمون العميق.
(85) كشف الوجوه الغر، 1/8-9.
(86) المصدر السابق، 1/9.
(87) السابق، 1/46.
(88) لعل الشيخ يومئ هنا من بعيد إلى تلك القصة التي وردت في ديباجة ديوان ابن الفارض وملخصها أن أحد الشيوخ من معاصري ابن الفارض، وكان من أكابر علماء زمانه، استأذن ابن الفارض في (شرح قصيدة نظم السلوك، فقال له، في كم مجلد تشرحها؟ فقال: في مجلدين، فتبسم ابن الفارض وقال: لو شيءت لشرحت كل بيت منها في مجلدين)، وعلى هذا سيكون الشرح ألف مجلد ويزيد وهو مما ليس في طاقة البشر، ينظر الديوان، ص27، وشرح الديوان، 1/7، ويعود الشيخ ناصر إلى هذا الموضوع في خاتمة الكتاب ليقول عن بيت التائية الكبرى الأخير: (. . ولو أمليت لك شرح هذا البيت ومعانيه ومعاني معانيه لأفضى شرحه إلى ألف مجلد) ينظر إيضاح نظم السلوك و147.
(89) إيضاح نظم السلوك، و1.
(90) يشير الشيخ ناصر إلى الكلمة الأولى من بيت التائية الكبرى الأول، وهو:
سقتني حميا الحب راحة مقلتــي
وكأسي محيا من عن الحسن جلت
(91) ويشير هنا إلى الكلمتين الأولى والثانية من بيت التائية الكبرى الثاني وهو:
وأوهمت صحبي أن شرب شرابهم
 سـر سري في انتشائي بنظـرة
ينظر ديوان ابن الفارض، ص84، وما بعدها.
(92) رأساً يريد به تمهيداً أو مدخلاً.
(93) هذا هو عدد أبيات التائية الصغرى، وهي في الديوان كذلك كما ذكر الشيخ ناصر مائة وثلاثة أبيات، ينظر الديوان، ص71-80.
(94) إيضاح نظم السلوك، و1، نلاحظ هنا أن الشيخ يشير صراحة إلى عنوان كتابه النهائي، وهو ما سنقف عنده بعد قليل في توثيق نسبة الكتاب إلى الشيخ ناصر.
(95) ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص93.
(96) في التصوف الإسلامي، نيكلسن، ص120.
(97) التصوف في الإسلام، د. عمر فروخ، ص138.
(98) تائية ابن الفارض وشروحها العربية، د. عبد الخالق محمود، رسالة ماجستير لم تنشر، ص2.
(99) المرجع السابق، ص15.
(100) إيضاح نظم السلوك و1. وسنقف بتفصيل فيما بعد عند هذه القضية الكلامية المعقّدة.
(101) إيضاح نظم السلوك، و1.
(102) ينظر حول هذا الموضوع كتاب ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفي حلمي، ص173.
(103) إيضاح نظم السلوك، و1.
(104) ينظر ديوان ابن الفارض، ص81، 27، وينظر شرح ديوان ابن الفارض، 1/6-7.
(105) كشف الوجوه الغر، ص7 وص9.
(106) المصدر السابق، ص9.
(107) يحتل تقسيم العلوم وتصنيفها منزلة مهمة في التراث العربي، وقدم فيه الفلاسفة والمفكرون مباحث وكتباً كثيرة تشير إلى استيعاب واستقصاء، ورؤى خاصة أيضاً، ينظر على سبيل المثال كتاب إحصاء العلوم للفارابي وما كتبه ابن خلدون في المقدمة، وغيرها.
(108) إيضاح نظم السلوك، و1.
(109) المصدر السابق، و1.
(110) ينظر الصلة بين التصوف والتشيع، 1/97، ومدخل إلى التصوف الإسلامي، ص101.
(111) إيضاح نظم السلوك، و1.
(112) المصدر السابق، و1.
(113) أطلق المتصوفة على (علمهم) أسماء كثيرة مثل علم الباطن، وعلم الحقيقة، وعلم الدراية وغيرها وهي كلها تقابل الشريعة، أما التجريد الوارد في النص فيراد به التوجه بالكلية إلى الله سبحانه ونزع الشهوة للدنيا وزخرفها استعداداً للسفر في الطريق الطويل، ينظر عن هذه القضايا، ديباجة ديوان ابن الفارض، ص20، ومدخل إلى التصوف الإسلامي، د. أبو الوفاء الغنيمي، ص96، وما بعدها، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/413 و417.
(114) مقدمة ابن خلدون، 3/1099، ولابن خلدون كلام نفيس حول هذا الموضوع بسطه في المقدمة، فلينظر هناك.
(115) إيضاح نظم السلوك، و2.
(116) المصدر السابق، و2.
(117) إيضاح نظم السلوك. و2، ولعلّ الشيخ كان مصيباً فيما ذهب إليه من إمكان إساءة الظن به لدى بعض المتعلمين، إذ لدينا إشارات كثيرة تنبه إلى ضرورة الحذر في التعامل مع ألفاظ القوم واصطلاحاتهم على اعتبار أنها ذات خصوصية ومدلولات معينة.
(118) و(119) و(120) المصدر السابق. والإقليد الوارد في النص هو المفتاح، ومن المفيد أن نوضح هنا أنَّ الشيخ حين يتحدث عن (إساءة الظن) إنّما يصدر عن علم واسع بما رمي به القوم قبله من تهم بسبب عباراتهم المستغلقة، وكان هذا منذ وقت مبكر في الإسلام حتى أنّنا نقرأ قولاً لعلي بن الحسين رضي الله عنهما مفاده أنّه «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله وقد آخى رسول الله بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق»، على اعتبار أن لسلمان جانباً في علم السرّ، ومثله قول أبي هريرة: «حفظت من رسول الله من وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»، ينظر عن هذا كلّه مع شرحه: الصلة بين التصوف والتشيع، 1/31، وما بعدها، إنَّ هذا وأمثاله يرد في هذا الموضع، والشيخ ناصر يحترس خشيةً من سوء الفهم.
(121) يرصد الشيخ ناصر ظاهرة مهمة تبدت في شروح التائية الكبرى وهي استغلاقها على الفهم وتوظيف مصطلحات صوفية كثيرة واستخدام لغة خاصة لا يستطيع التعامل معها سوى النخبة، وفي هذا يقول الدكتور محمد مصطفي حلمي عن أولئك الشراح إن (بعضهم لم يسلم من الجموح والشطط ومسايرة الهوى، والذهاب في تأويل كثير من الألفاظ تأويلاً هو أبعد ما يكون عن المعاني التي تنطوي عليها)، ينظر كتابه ابن الفارض، ص95.
(122) أهل الاستقامة هم أتباع المذهب الإباضي ولا تزال هذه العبارة مستعملة للدلالة على المذهب الإباضي، ينظر الإمامة عند الإباضية، مالك بن سلطان الحارثي، ص88، وفي رائعة أبي مسلم في رثاء العلامة نور الدين السالمي التي مطلعها:
ريب المنون مقارض الأعمار      وحياتنا تعدو إلى المضمــار
إشارة إلى الاستقامة حيث يقول:
مهلاً همام الاستقامة ما الذي غادرت من هول ومن إذعار
إرجع فإن الاستقامة أرملت إرحم يتيمك وهو دين الباري
ينظر ديوانه، ص331، وللعلامة أبي سعيد الكدمي كتاب بثلاثة أجزاء عنوانه (الاستقامة)، بحث فيه قضايا فقهية وكلامية مختلفة، ينظر طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سنة 1985.
(123) إيضاح نظم السلوك، و2.
(124) ينظر الأدب في الخليج العربي، 3/541.
(125) الفتح المبين، ص208، ويقول أيضاً، ص216، : «… ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن عمان، وانقطعت مادتهم عنها بالبغي، والعدوان عقد أكابر عمان بالإمامة على الخليل بن شاذان»، وينظر كذلك تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة، ص54، وما بعدها.
(126) ينظر الفتح المبين، ص132.
(127) ينظر تفصيل هذا الموضوع في مقدمة تحقيق كتاب (فضل العرب والتنبيه على علومها) بتحقيقي، ص10، وما بعدها.
(128) ينظر مقدمة تحقيق فضل العرب، ص11، وما بعدها.
(129) ينظر (البعد الصوفي في الفكر الإباضي)، رسالة دكتوراه غير منشورة، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، سنة 2007م، ص8.
(130) تنظر مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر. رسالة ماجستير غير منشورة، كلية دار العلوم، سنة 1998م، ص73.
(131) ينظر فهرس مخطوطات الأدب، ص108.
(132) الأدب في الخليج العربي، د. وليد محمود خالص، 3/441، ويضاف هنا أمر آخر هو أقرب إلى القرينة منه إلى الدليل، وهو تصريح الشيخ ناصر في ثنايا المخطوط باسم والده الشيخ أبي نبهان رحمه الله، وذلك حين يقول: «… كما قال والدنا الشيخ أبو نبهان رضي الله عنه في مرتبة التلوين»، ويسوق بيتاً من قصيدته الشهيرة (حياة المهج)، فهذا التصريح يحمل في تضاعيفه ما يدعو إلى الاطمئنان أنَّ صاحب هذا الكتاب هو أحد أولاد أبي نبهان، فإذا تعانقت الأدلة وصلنا إلى أنَّه الشيخ ناصر لا غير.
(133) فهرس مخطوطات الأدب، ص108.
(134) ينظر شرح ابن عقيل على الألفية، 2/80.
(135) شرح ابن عقيل على الألفية، 2/85، وقد لاحظ محقق كتاب (الإخلاص) هذا الأمر أيضاً في كتاب (الإخلاص)، ممّا يؤكد شيوع هذه الظاهرة في كتب الشيخ الأخرى، ينظر كتاب (الإخلاص)، ص178.
[ هذا البحث مقدمة كتاب «ايضاح نظم السلوك في حضرة ملك الملوك» لناصر بن جاعد الخروصي. 
 
تقديم وتحقيق([): وليد محمود خالص
ناقد وأكاديمي من العراق يقيم في عُمان

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …