ابراهيم الحجري في «استثناء» كينونة مفرطة الأوجاع

لاتني الكتابة عند إبراهيم الحجري عن مراوحة مواقعها في خارطة التنميط والتجنيس، إنها ليست مراوحة هينة بين فناءات النقد والشعر والقصة، بل عصية ومتمنعة، وندرك من موقعنا كقراء أن الكاتب دلف مسارها الإبداعي بانشغال حذر وقلق ومتوتر وهو يجترح أسئلته أو ينشد رهاناته في دغل الكتابة ومعتركها، واعيا بمدى اقتدار هذا الجنس أو ذاك على التعبير عن هذه القضية أو تلك.
 يعود إبراهيم الحجري بعد أول إصدار قصصي مشترك (أبواب موصدة) سنة 2000، إلى فتح دفة إصدار آخر جديد بمجموعة قصصية ثانية تحت عنوان» استثناء» في مطلع سنة 2009، وذلك في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط عن دار النشر مقاربات، وتأتي هذه المجموعة القصصية حبلى بملامح تجهر بنضج صوت صاحبها القصصي، إذ تمكن فيها بكل اقتدار من إحقاق تفرده وخصوصيته في التعامل مع موضوعاته، شخوصا ولغة وبناء وتخييلا، مشيدا صرح ذلك التوازن الصعب، والمتأرجح بين متاح الأدوات القصصية من جهة، وممكنها على مستوى الصوغ الرؤيوي ابداعيا من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق حاولنا مقاربة مظاهر التسريد القصصي في تعالقها بمكونات الرؤية، التي استحكمت في صوغ حيز التفاعل بين أسئلة الذات وهموم الواقع.
 تضم المجموعة «استثناء» ستة عشر نصا قصصيا، قصد المؤلف أن تكون تحت تعاقد رأسي «قصص»، يتضح توطينه تدوينا على ظهر الغلاف إلى جانب عتبتي المؤلف والعنوان، أما ما يربو عن ثلاثين نصا آخر فقد أراد لها أن تخضع لنمط تعاقدي قرائي مغاير ومختلف، تحيلنا عليه عبارة» قصص قصيرة جدا»، والمثير في هذا التعاقد أنه مازال الجدال والسجال حوله على المستوى النقدي يفيض صخبا بشأن إقرار شرعيته الأجناسية، ولعل المؤلف يرغب من خلاله أن ينشغل القارئ باختياره لهذا النمط التعاقدي، هذا وإن كان وضعه كعتبة نصية فرعية يطرح ضمنيا نية اعتبار النصوص القصصية القصيرة جدا تكميلية بالنظر للإكراه التجنيسي العام، الذي يحكم المجموعة القصصية ككل.
 تتحكم في توارد المادة القصصية في «استثناء» وضعية تسريدية مزدوجة: الأولى يشيد معالمها سارد بضمير الغائب يقف مشاهدا أو شاهدا على ما يحدث ويجري من وقائع وتقلبات عاصفة بمصائر حيوات شخصياته، والصوغ القصصي في هذه الحالة يكون مكرسا لمسافة فاصلة بين ذاتية السارد وموضوعاته وعوالمه، إذ يدني تفاصيلها البارزة بعين واصفة، وقد يحدث أن يتعقب أثارها المندسة والمتوارية تلميحا، أو يلتقط غموضها ومبهمها احتمالا، حتى تستوي متخيلا يفشي صور واقع مسترسل التفسخ، عريض الآلام، تسحق قدريته المتغطرسة شخوص السارد الغفل، وقد يحدث استثناء أن تنفلت منه باحثة عن طراوتها وغظاظتها المفتقدة في «خلاص مؤقت»، تشهد عليه عربدة أو مجون أو سكر أو لحظة لذة مقتنصة، لكن سرعان ما تؤوب هذه «التعويضات» حسيرة حد الفزع، إذ تعود لتستسلم لذات القدر مرة أخرى.
 وتنفذ عبر الوضعية التسريدية المزدوجة مادة قصصية شديدة التنوع في موضوعاتها، وتنزع في معظمها نحو سبر دقيق لمكمن الانشغالات والهواجس والصور التي أمست مترتبة عن شرط معايشة الذات الساردة والمسرودة لواقع مترع بفداحات القبح والأوجاع، هذا سواء من موقع اتصالها القسري والمباشر بظواهره ومشاهده، أو في لحظات انفصالها عنه عبر منفذ «خط الهروب»، إذا جازت لنا استعارة هذا المفهوم من جيل دولوز، وانسلالها نحو الكامن في الداخل، أو الحميمي في ذات الكينونة.
 وتفضي تحققات التسريد القصصي في انثيالها واسترسالها إلى انتظام مكاني متقلب الوجوه، حيث ترد قصص «استثناء» موزعة مكانيا بين القرية والمدينة، فإلى جانب ما يجرانه خلفهما من حمولات وأبعاد مرجعية، ثمة ما ينأى بصورة المكان عن كل تكلس دلالي أو تنميط في التخييل، فالقرية والمدينة وإن حضرتا كإطارين مكانيين شاملين لتجربة الحكي القصصي، فإنهما سرعان ما يستحيلان في ترددهما إلى دوال مكانية متعددة الوجوه، فتغدو المدينة مدنا، والقرية قرى، ومن هنا تتدفق استثنائية حضور المكان في انفصاماته وتشظياته إلى أمكنة أخرى، ويمكن أن نلمس على سبيل المثال لا الحصر في القصص التالية: «النظر من تحت» و«خطيبته ذات العطر القوي»و«وجهه في السوق» و«الرسام» و«مثل هذا الحشر»، كيف يستدرجنا السارد من مكان إلى آخر، ومن ركن إلى آخر، سواء في فضاء القرية أو المدينة، أو كأن يجمع بينهما في لحظة استيهام أو تذكر أو حلم، وبهذا تغتني الموضوعات المطروقة، وأيضا الرؤية القصصية بقيم تأويلية دلالية مضافة، تسم إما تناغما أو تنافرا» كينونة الأنا الساردة والمنسردة في مسار انفعالها وتفاعلها مع ما يفيض به معيشها من مشاهد القبح والتفسخ.
 وتشكل الأمكنة باعتبارها حاضنة لتجارب الحكي القصصي المختلفة بعدا من أبعاد الوجود والكينونة، فإنها ما فتئت في «استثناء» تنفلت عن ذلك التوظيف الواقعي الفج، والمشيد أساسا على وحدة المكان المنغلق قيميا على البعد الواحد والدلالة الوحيدة، فالمدينة والقرية استدعيا كيانات مكانية أخرى بقيم متفاوتة وأبعاد تصل حد التضاد والمفارقة، وبهذا يجري تنسيب المكان على مستوى الرؤية القصصية والتخييلية، ولنا أن نمعن مثلا في الصورة الممنوحة تسريديا لهذه الدوال المكانية: المقهى والشارع والجامعة والحافلة والبار والغرفة والسوق والساحات والدروب والأزقة… حتما ستستوقفنا سلاسة الربط بين زواياها، وأيضا تلك المرونة المخصبة للمتخيل القصصي من داخل دغل الأغوار النفسية والوجودية، إلى أن نلج عمقا فنومينولوجيا مدثرا بفيض الأوجاع وانغمارها، كلما انسدل على السارد مفردا والمسرود جمعا همر نشازات الواقع وقبحه.
 وفي سياق تجليات المكان القصصي في«استثناء»، عبر خصوصية إمكانات تسريده، يمكن أن تشدنا بوابات انبجاس الدوال المكانية من خلال انعطافات في مجرى التواتر القصصي، هذه الانعطافات تقدح زندها حمأة التذكر والاسترجاع حينا، أو تنفذ عبر شقوق الاستيهام، أو عبر مادة الحلم أحيانا أخرى:
ـ تسمح التذكرات والاسترجاعات بانسراب أمكنة أخرى عبرها: كأن تغشى السارد في قصة «مغارة الحقيقة» تلك الصورة المتذكرة عن وفاة الأب: «ذكرتني بهواء اللحود رائحة التراب، عندما أمرني الفقيه بأن أكون آخر من يضع جسد أبي داخل اللحد.»(ص:38). وأيضا في قصة «امرأة فوق الطاولة» حيث انتابته ذكرى تجربة حب قديم مع «شميسة»: «كان عشق «شميسة» قد استيقظ بداخله فجأة، انتفض دافئا جسده لما استعاد أول لمسة لجسدها المكتنز.»(ص:13). أما في قصة «مثل هذا الحشر» فتتدافع في ذاكرة السارد وصايا الأب، وصور أخرى عن أيام الجامعة والنضال، وأول علاقة حب: «تذكر أيها العربي أيامك هنا بالضبط على هذا العشب الطري: أثار أقدامكما تراها غائرة في الثرى وأنت تحاذي تلك التادلوية الشقراء التي علمتك أبجديات العشق…»(ص:38). واللافت بشكل عام في هذه القصص أنها تجري في فضاء المدينة، لكن من خلال دوال مكانية أخرى، لقد أمست المدينة بؤرة تفيض بتلك الكثافة الدلالية التي تختزنها طبيعة التجربة الذاتية، وهنا لا تخفى تقاطعات الزمن وتمفصلاته بالمكان وفق الاشتراطات التي تحكم وعي الذات وتجربتها في الحياة والوجود.
ـ اقتحام فناءات الحلم والاستيهام يحدث تصدعا وتكسيرا في انسياب الخط التسريدي، هذا إلى جانب ترقيش المادة القصصية بشطحات تبدو أقرب إلى تيار الوعي أو اللمسة السريالية، لكن ضمن الاستحداثات الممكنة للجنس القصصي، وعلى هذا الأساس لم تعد الحيوات الداخلية للشخصيات القصصية مطمورة أو متوارية، تلفها لبوسات التعتيم، بل غدت مستبطنة المكامن، تفشي ما يمور في أوارها من أسرار خبيئة أو منكتمة، وبذاك يمنح التسريد القصصي للأمكنة في «استثناء»حضورا جوانيا، تتقلص فيه الأبعاد الهندسية وتتراجع لصالح التجربة الداخلية بأبعادها الفينومنولوجية، ومن ثم نتحول عن النظر إلى الأمكنة في صلب شروط خرائطية وهندسية برانية، كما ترسمها فوضى الواقعي والمرجعي، فنعمد إلى تمثلها وفق صوغ تخييلي يتجاذبه جذل التجربة الداخلية في تمترسها بين أفياء الوعي واللاوعي. وبصورة عامة فالأمكنة المستدعاة في الحلم والاستيهام تكرس سمة ذاك التعدد والتشظي عبر دوال مكانية تستبر مناحي الكينونة الظليلة، فنتمكن من إدراك المرئي فيها واللامرئي.
 عند استجماع مؤشرات المحكي الحلمي في قصة «أضغاث أحلام» يتراءى جسد الأنا المنسرد مشلول الحركة في ساحة ضيقة شبيهة بالقبر، وفي ظل انطمار حركة الجسد تنشط حركة المكان في اتجاه الجسد، إنها حركة متسمة بالعنف تتقصد الجسد في البدء، إذ تغزوه برشقات الإسفلت اللاسعة، ثم يتلاحق هذا العنف مغيرا نمط فعله، الذي يصير قضما خالصا للجسد، أو لنقل تدميرا كاملا له. إنها صورة رمزية عن عدوانية المكان (تقابلها في قصص أخرى صورة حميمية) تحيل على عنف رمزي يحضر كمعادل لنشاز وقبح العالم الذي يحياه موضوعيا الأنا الحالم منصهرا بالضرورة مع الأنا المحلوم به(1)، وفي مشهد آخر من الحلم ينبجس صريحا مؤشر عجز أنا الحلم عن مواجهة ذات العالم، إذ اكتفي فقط بالصراخ والوجع والألم.
 وانعطف التسريد الحلمي في «أضغاث أحلام» إلى عالم كابوسي مخيف، تتوجس فيه الأنا الحالمة وهي نفسها الأنا المحلوم بها من ملاحقة الشرطة لها على إثر نشاط نضالي في صفوف الطلبة في الجامعة، وتنتهي الملاحقة بشكل فجائي بتواجدها في زنزانة الشرطة، وهو مكان بدا مفرط الفظاعة، وهنا مرة أخرى ينجلي عنف المكان، الذي عضده السارد تناصيا بالإحالة على فضاء الزنزانة في رواية»نجمة أغسطس» لصنع الله إبراهيم، لكن كعتبة أدنى مقارنة بزنزانة الشرطة في الحلم.
 إن عنف الأمكنة الحلمية يدنينا من العنف الكامن في غمر الحياة الداخلية، ويقابله عنف من نوع آخر في قصــة» وجهه في السوق»، فإذا كان الأول يتم بمؤشرات رمزية إستعارية(2)في مادة الحلم، فإن الثاني يتم بالقياس إلى العالم الخارجي(المدينة الغول)، حيث العنف صورة من صور القبح التي يتدثر بها العالم: «استقبلني المدخل القصديري بنتانة فظيعة تنبعث من قنوات الواد الحار المكشوفة. تطفو على سطحها أنواع القمامات. قوافل الصراصير وسراق الزيت والجرذان تنغل على جذران الأكواخ الحقيرة. أمام الأكواخ وجوه مغلفة بتجاعيد قهر مكتوم تعرض أمامها بضاعة وضيعة»(ص:47).
ـ تتخلل المضامين الإستيهامية قصص عديدة في «استثناء»، وقد ساهمت بدورها في انتيال دوال مكانية، استمدت كثافتها من كينونة ذات ساردة ومنسردة ضاجة بالقلق والخوف والتوجس. وإذا تأملنا قصة «حوار الأعين» سوف يستوقفنا اعتماد الحكي القصصي على لغة الاحتمال والافتراض والتكهن، في ظل غياب فعلي مخصب للتواصل خطابيا مع الآخر، هنا تنشط استقراءات عين الذات الساردة لحركات وأفعال ووقائع عالمها المحيط بمادة الداخل المشبعة بالقلق والخوف، وكأن السارد بذلك يفتح دواليب الاستيهام ليمارس لعبة سردية تأخذ في الاتساع فور مصادفتها لتمظهرات الخارج، حيث تنفلت تجربة الأعماق والداخل.
 ويتصادى في قصة «مغارة الحقيقة» محكيان اثنان: محكي الاستيهام ومحكي الذاكرة، ومن خلالهما تنسج معمارية قصصية يحكمها منطق التوازي، على الأقل من حيث البعد المكاني ودلالته (المغارة = القبر)، فالمغارة مسرح تجربة استيهامية، والقبر واللحد استدعاء خالص لذكرى وفاة الأب، وبين حدث دخول السارد وخروجه من المغارة تتلاحق الأحداث كثيفة، بدءا من إحساس السارد بالدهشة نحو ثلاثة أمكنة: المغارة والجامعة والبنايات الضخمة والشاهقة، إلا أن دخول المغارة في حد ذاته هو مغامرة استيهامية مقترنة بالبحث عن حقيقة الذات في قلب هذا المكان العتيم، وهنا يتراءى كيف يتوازى مرة أخرى البحث في المكان مع البحث في الذات(مغارة الحياة)، كما تطفو تخييليا صورة المكان المبدي عن عنفه وعدوانيته: «تحسست قدمي الحافيتين طعم المغارة. كان صلدا وخشنا وصعب الوطء.لسعتني حبيبات رملية ضخمة. فتلكأت متألما.»(ص: 38)، ثم تأخذ معالم المكان في الانحصار والضيق (ضاقت المسالك في وجهي)، بعد ذلك تتوقف حركة السارد عن البحث(فتوقفت)، هنا تعسر الرؤية ويستحيل البحث إلى تيه وضياع. وتبقي القصة على كثافتها، فينفجر أسى السارد في خضم تهاوي وتداعي المكان كليا على جسده في مشهد يحشر فيه الأموات غاضبين، وينغلق طوق الاستيهام باستحالة الخلاص، وأيضا بالعودة إلى نقطة البدء وبنفس الفعل المؤسس لها: «وجدتني فجأة وجها لوجه أمام بوابة المغارة.»(ص:38) = «وجدتني واقفا أمام باب المغارة.» (39).
 يتمطى محفل الكتابة القصصية في «استثناء» زاحفا ومتمترسا في جيوب الأمكنة المهملة والمهمشة، حيث يجري التقاط تفاصيل القبح والابتذال والتفسخ، ففي قصة «مقام آخر الزمان»، على سبيل المثال لا الحصر، خير دليل على ذلك، إذ تتراءى شخصية «سليمان السويحلي» شريدة وتائهة، تتقاذفها فوضى المكان العارمة، والأكثر من ذلك أنها تلسع وعيه بإحساسات فظيعة بالحرمان. وبهذا يغدو الهامش والمهمش مكمنا متفتقا بأنطلوجيا الوجع، في ذات الوعي الشقي.
 ويمكن أن ترتد إلينا نفس الصورة المتخيلة عن هامشية المكان في قصة» النظر من تحت»، لكن ليس بالمنظور المركز على الفرد/الذاتي فقط بل يمتد القهر والبؤس إلى الجماعة/الموضوعي أيضا، فإذا استقرأنا المقطع المعنون ب» فضاء هامشي جدا» حيث انوجاد السارد الغفل في فضاء القرية، التي بدت في نأيها معزولة ومهمشة ومتهالكة، تزداد محنة أهلها بظروف الطبيعة القاسية، وفي سياق علاقة الذاتي بالموضوعي لا يحصد السارد في وعيه بالمكان سوى التياعه بالحسرة والخيبة، ومن ثم لا ندرك جغرافيا المكان إلا ضمن شرط إبداعي هو شرط وعي الذات بها، وبهذا تنأى هذه الجغرافيا عن ذلك التمظهر البراني كأشكال هندسية، وتصير أكثر إيغالا في تجارب الذات ومفازات كينونتها في عالمها ذاك. إذ» لا يرجع الإنسان إلى العالم رجوع الذات إلى الموضوع، أو العين إلى اللوحة، ولا حتى كالممثل إلى ديكور خشبة المسرح. إن الإنسان والعالم مرتبطان ارتباط الحلزون بصدفته: فالعالم يؤلف جزءا من الإنسان، إنه بعده، وبقدر ما يتغير العالم يتغير الوجود(الكينونة- في – العالم)».(3).
 وعلى هذا الأساس تلج الكتابة القصصية عند «الحجري» العوالم الهامشية متجاوزة الحاجز الرسمي بخطاباته وصوره وكرنفاليته، كي تحتفي به كحضور لا يمكن طمس ما يبوح به من اختلاف في جغرافيا الكتابة الأدبية، وبذلك يمنح الكاتب شرعية إبداعية تنفذ منها الفئات المهمشة والمنسية والمهملة خارطة المتخيل السردي.
 وإذا كانت «خبرة الإنسان بالمكان وإدراكه له يختلفان عن خبرته وإدراكه للزمان، فبينما يدرك الزمان إدراكا غير مباشر من خلال فعله في الأشياء، فإن المكان يدرك إدراكا حسيا مباشرا، يبدأ بخبرة الإنسان لجســــده.»(4)، على هذا الأساس يرتسم المكان في» استثناء» وفق تسريد قصصي يكشف عن تواصل زمني معه، فلا مكان بدون زمانه، إذ تختلف إيقاعات التجربة الذاتية بحسب انتظامات الزمن، وما يسبغه عليها من أبعاد.
 يغدو الماضي بظلاله المشتل الذي تنهل منه الذاكرة السردية صورها الحميمة والموجعة في نفس الآن، أما الحاضر فقد استفحلت مكابداته والتفت مسالكه وأمسى انحلاله راسخا ومتجدرا،لا تقوى الذات على مواجهته وتغييره، اكتفت فقـــط بجعله مرئيا، عـلى نحو ما عــبـــر عنه «كونراد» بقوله:» إن مـــهمتي هي أن أجعلك ترى»، وبغض النظر عما إذا كان العالم الذي نراه محببا أم لا، في حين يبقى المستقبل هلاميا ومعلق التطلعات، لا يعد بشيء على الإطلاق، سوى بهواجس موجعة ووعي أسيان.
 تراهن الكتابة القصصية في «استثناء» على ذلك الحد الأدنى من الامتلاء في الجسد القصصي، من خلال استحضار كثافة الحكاية عبر شروطها المكانية والزمانية، وأيضا عبر طبيعة شخوصها ولغتها ومتخيلها. كما لا تفقد قصص الكاتب انغراس قسمات توترها السردي(5)، والمتولد عن علاقات متشعبة بين الذات الساردة وذاتها، أو مع عالمها، ويضفي التوتر من خلال عملية الحبك في مسار الأحداث أثرا ديناميا تسفر عن جماليته تلك الانتظارات، والتي توسم في الغالب باللايقين، لما سيؤول إليه الحبك ودرجات تعقده، ولا تخفى مساهمة التوتر في بنينة فعل التلقي ذاته.
 وبصورة عامة فإن اقتصادية العالم القصصي لدى «الحجري» تبقى ذات مرونة خفية، لا يمكن ملامسة خصوصيتها الفنية إلا عبر تعقب السارد في وضعيتيه، وضمن عالم غاص بالقبح والتناقض والعنف والانكسار، تستنسخ نماذجه البشرية المصطلية بوهج دائه واستشاطة عدواه. وقد تكرر بعضها بحكم سيطرة قدر مأساوي على مصير حيواتها. وأمام هذا العالم المتهاوي الصروح في قيمه ومعانيه، لا يلوح الكون نخرا أو فارغا، أو حتى فاقدا لكل معنى، إنه بكل بساطة فضاء عصي ومتمنع عن سيطرة الذات الساردة، كي يكون بحجم أحلامها وتطلعاتها وجنونها، وبصورته تلك يغدو مشاكسا ومنفلتا في تسيبه وفوضاه، يتعذر تغييره أو عقد مصالحة معه، ما دام تداعيه ممعنا في التسارع نحو الضياع بوصفه المولد الحقيقي لمشاعر الخوف والقهر، ومن ثم يرتد بتراجيعه الصاخبة على الكينونة الساردة والمنسردة بأوجاع قريرة وعريضة ومفرطة.
الهوامش
 1 –                   conter les rèves :Jean daneil gollo,Ed.José corti,1993,p.206.
2- لأن كلمة «رأت» التي بها يعلن الحلم عن نفسه لا تحيل على»شروط حقيقية للمشاهدة الفزيائية، إنها طريقة في التكلم. لأن الإستعارة هي الأداة الوحيدة بدون شك التي يتوفر عليها وعي المتكلم كي يصف النظام الذي يحــــتجز بواسطته الحلم.»:
– conter les réves :p.245.
3- فن الرواية: ميلان كونديرا: ترجمة،بدر الدين عرودكي، إفريقيا الشرق،2001، ص: 36/39.
4- مشكلة المكان الفني: يوري لوتمان: ترجمة وتقديم، سيزا قاسم، عيوم المقالات، محور جماليات المكان، العدد8، سنة 1987،ص: 59.
5 –                              la tension narrative :Raphael baroni,paris,seuil,2007.

ابراهيم الحجري في «استثناء»
كينونة مفرطة الأوجاع
 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …