أخبار عاجلة

اجازة مفتوحة

رئيسها دينامو يعشق النظام تعمل معه كساعة منضبطة. سافر في مهمة وغاب وبعد منتصف الليل جاءها رنين التليفون ، صوته المعدنى القاطع كمبضع جراح . مساء الخير وآسف لحديثي المتأخر، تعطلت الطائرة . وصلت منذ ربع ساعة فقط .

أردت أن تعرفي قبل ان يفاجئك الخبر في صحف الصباح . اسند إلي منصب هام ، قضيت معكم وقتا طيبأ. ارجو وضع جميع الأوراق الخاصة بي في الحقيبة التي سأرسلها مع السائق في التاسعة تماما ليوصلها إلى في مكتبي الجديد، لا تنسي الظرف الأصفر الكبير ومنضدة السجائر ا  لمورانو وبراويز صور الأولاد. اطلبي شؤون العاملين وتعجلي أوراق التحويل . في الرف الثالث على الشمال المصحف وشهادة التقدير والميدالية وتمثال بنت البلد والفازة الكريستال الصغيرة وأيضا علبة السيجار المفتوحة وصورتي مع الخبير الألماني . وشكرا لخدماتك الجليلة. بلا شك رئيسكم الجديد إنسان محظوظ لوجودك معه . تحياتي للجميع . لا تنسى في التاسعة تماما. مكتبي مفتوح لك في أي وقت . مع السلامة.

مع الفجر تدور كنحلة شغالة في خلية ملكتها طاغية. تحكم وضع الغطاء على حلة النار وتفتح الفرن مرات تتعجل صينيته وتنقع الأرز لحين عودتها ظهرا، بعدها صينية الافطار ومعركة ذهاب الاولاد للمدرسة ثم ايقاظ زوجها وفنجان قهوته واعطاء أمها دواء قبل الاكل وبعده. . بينما تسقط على جسدها ثوب الخروج جاءها صوت زوجها من الحمام يعلن لها من خبر الجريدة التي يقرؤها اسم رئيس مجلس إدارتها الجديد. .مشهور وصوره في الصفحات الأولى وندوات التليفزيون . .عادت إلى المرآة ومسحت خديها بلمسة وردية ونزعت التوكة التي تجمع بقسوة شعرها إلى الخلف وهرولت تخبط الباب وراءها..

اعتادت تغير وجوه ساكني الغرفة الكبيرة في لعبة الكراسي. وظيفتها مديرة مكتب رئيس مجلس الإدارة. ظلت سنين في ثباتها في الحجرة الخارجية الصغيرة تستقبل وتودع . لم يشأ كل قادم جدب تغيير وضعها أو الاستغناء عنها لسمعة كفاءتها ودرايتها بكل كبيرة وصغيرة إلى جانب جميع المؤهلات . جدية.انضباط . آلة كاتبة. حاسبة . لغات . اختزال . ترجمة.. شاعت حولها نكتة اطلقها زميل ، لتصبح لازمة لشخصيتها، تقول انه على كل رئيس جديد أن يبتر ساعده الأيمن ويزرع بدلا منه هذه السيدة ليستطيع أن يدير دفة العمل ..

لا ليس بالتدريج أو النمو أو المعاشرة. وإنما كأنه في انتظار مخلوق عزيز غاب طويلا وعاد إليه فجأة استقبلها بابتسامته الكبيرة- المؤشر داخلها ارتفع فجأة لدرجة الغليان لحظة أن تحولت عيناه في وجهها، شعرت أن نظرته قالت كلمة السر فانفتح الكنز داخلها. شرح لها مذهبه في التعاون شعاره في العمل الحب والتفاهم . وجدته قد جمع جانبا كل ما يخص الرئيس السابق حتى علبة السيجار المفتوحة واتسعت ابتسامته في ضحكة هادئة كمن يطمئنها. أغلق جميع موضوعات العمل وفتح حديثا لتشرح فيه ظروفها الاجتماعية ينصت اليها بأذان متعددة تبدو مع كل موضوع كأنها نبتت فجأة في جبهته وأنفه وعينيه وكتفيه ويديه . قالت إنها زوجة وأم لولد وبنت . سألها

عن اسميهما وميولهما وشقاوتهما وسنوات الدراسة . عمر الزواج ؟عمل الزوج ؟ قريب أم بعيد؟ من قبلى أم بحرى ؟ عائلته . هواياته . تأمل ثوبها الغامق ليستفسر هل تحب الألوان الداكنة لأنها تصنع التضاد المحبب مع بشرتها البيضاء؟! المروحة الكهربائية هل تكفي حجرتها لتلطف الحر؟ سيطلب من أجلها جهازاللتكييف . . المواصلات ؟! لابد وان توصلها  سيارة خاصة منذ اليوم . وقع مذكرة السيارة وسط الحديث ..

الحمد لله فهو لا يحب المرأة المدخنة. أيضا يحب الورد البلدي الأحمر. تكفي مكتبه وردة واحدة نضرة كل صباح في فازة زرقاء صغيرة.. سألها عن نوعية الأفلام وبرامج التليفزيون التي تفضلها.. و.. وجدت نفسها تحكي له عن روماتيزم المفاصل التي تعاني منه أمها ونقص دواء قلبها الأجنبي في الاجزاخانات . قالت له تبدو بدينة هذه الأيام لأنها لا تستطيع الاستمرار في أي رجيم فهى تأكل بسرحان ، وانعقدت جبهته باهتمام عندما ذكرت له أن زوجها يعود متأخرا في اخر الليل ولم يعد يعنيها كثيرا ان تسأله أين كان .

ما هذا الذي قالته لسيادة المدير الجديد. تذكرت ضاحكة أنها قالت له ، إن الشغالة كسرت السلطانية الصيني ، وإنها تجيد عمل الكبيبة الشامي وصينية الرقاق ، وإن عربة مدرسة البنت تقف على ناصية الشارع ويرفض السائق على الرغم من البقشيش توصيلها لباب البيت . . كان يستمع أليها باهتمام بل لقد بدا مستغرقا في تتبع ذكريات طفولتها التي عشقت فيها الرسم ولكن أباها أغلق دولابه على علبة الألوان حتى لا تعطلها الهواية عن المذاكرة.. عجبت وأعجبت بثقته الكبيرة في نفسه لما قالت له إنها لا تحب الموسيقى الكلاسيك فجاء رده قصيرا قاطعا بأنه سيجعلها تعشقها..

كانت معروفة بالكفاءة وبعد قدومه أصبحت متوحشة كفاءة . . من أجله وتر حساس يلبي أدنى إشارة منه. عندما يريد ان يبدو مشغولا أو لحظة أن يسأم حوائط العمل يرفع عينيه إليها فتدرك أن عليها القيام بتمثيلية استدعائه لتليفون هام لينفض الاجتماع الذي زهق من طول انعقاده . يصب عليها مسؤولية إهماله هو فتبدو في مظهر الجانية المخطئة وتسعد عندما يعتذر لها ويشكرها في الخفاء.. أوراقه . مواعيده .. طلباته . شطحاته . تلغراف تعزية لم يقرأ نبأ وفاة صاحبه . باقات زهور تظهره متعاطفا رقيقا مجاملا. . على مكتبه يوميا ملخص لأهم أخبار الداخل والخارج يلقى إليها نظرة فيبدو بمظهر الملم ببواطن الأمور. الملاحق للأحداث .. تعد له الأبحاث فيلقيها عالما متجددا، حتى الكتب تقرؤها له وتركز فكر الكاتب في برشامة ليبتلعها فيبهر الجميع ببحر موسوعات ثقافته .. قال لها مرة أنه إنسان محظوظ يعتلي المراكز بلا جهد. لم يكن ينقصه سواها وقد وجدها لتكتمل سعادته .. تدير كلماته . ترتبها تقلبها. تستعيدها. تبطنها. تستقطرها. تحبه .. سيادته لا يستغنى عنها. تشعر بالامتلاء. لم يكن يثيرها سوى تليفوناته الكثيرة التى تدقها له أصوات ناعمة. تعرف أنه زوج وأب لكنه لا يتحدث إلا نادرا عن بيته . .

أيام وشهور وسنين اعتادت فيها سعادة الدوران في فلكه . ارتفعت الهمسات لتصبح حدوتة انبهارها به الموضوع الرئيسي في طنين ثرثرة الزملاء في المكاتب والبيوت . صوت الوشاية تسلل إلى أذن زوجها ينصحه بالانتباه حتى لا يكون اخر من يعلم . . صرخ الزوج واقسم وهدد ثم هجر البيت . امها بكت ويدها على خدها تلوك حسرتها على ميل بخت ابنتها وقلة عقلها واستنزلت اللعنات على من كان السبب . الاصدقاء والاهل كل قدم نصيحته. الولد والبنت اكتسبت طلباتهما رنة الاوامر الجافة . ماتت امها وسرق حزنها عليها امتنانها الكبير لقدوم سعادة المدير إلى بيتها ليقدم بشخصه خالص العزاء ويسألها وأصابعها ترقد في حضن يديه أن تطلب منه أي خدمة وأنه تحت أمرها.. عادت لتعمل من أجله بذخيرة عطاء كل خلجاتها..

الارهاق اسقطها محمومة تهذى، تفيق لحظات على عيون ابنتها الدامعة وملامح ابنها المذعورة.. لن تكمل نقاهتها بإحساس مسؤوليتها الضخمة تجاه الجالس هناك خلف المكتب الكبير.. فهناك أوراق على جانب عظيم من الاهمية يجب ان يوقعها بامضائه. مواعيد لم تبلغه بتوقيتاتها ربما يربك عدم انضباطها سير العمل . تحضير دوسيه اجتماع اللجنة . الكلمة التي سيلقيها في الاجتماع . عزومة الوفد الاجنبي . زجاجات الصودا الناقصة في ثلاجة المكتب. حساب عامل الزهور. حجز قطعة أرض المعمورة . طلب شيك تأمين الكتاكيت النافقة في المطار. استلام العربة المرسيدس الجديدة من الجمرك . الاتصال بالسباك لتصليح دورة مياه فيلا المقطم. السؤال عن صحة الوزير المريض . تلغراف عزاء في خال عضو مجلس الشعب .انتقاء نوعية رخام كابينة أوتلات .. والحقيقة صوته وحشها وابتسامة وجههه تفتقدها وجدب غيابه يشوش حلم وسادتها. لابد أن تقطع أجازتها المرضية وتعود اليه. .

إلى مكتبه تسللت واهنة تريد ان تفاجئه بوجودها عندما يفتح بابه لاستقبال او توديع زائر ترد على فرحة نظرته بعودتها انها الى جانبه . خلفه ، أمامه ، ولن ترتبك أبدا ساعات يومه أو يؤجل امرا يهمه طالما في عروقها قوة تنبض . انشغلت بالاوراق وكلها آذان استشعار موجهة تجاه مكانه خلف الحائط . أي صوت في الداخل تترجمه اذنها المدربة إلى حركة يقوم بها. الخبطة الخفيفة تعنى انه يضلع قطاعة السيجار على زجاج المكتب . الصرير المكتوم يدل على أنه يعتدل على مقعده الضخم . الدقات المتمهلة تقول إنه يمشى ناحية النافذة. الاصطكاكة السريعة تعرف منها أنه يغلق باب الثلاجة الصغيرة بعد أن يكون قد تناول زجاجة الصودا. الخروشة الرتيبة تفصح عن شعوره بالملل عندما يربت بخاتم أصبعه على مسند مقعده .. ويرن التليفون عنده وترفع السماعة بتلقائية وظيفتها. صوت تهليلة لمواء انثوى تعرف صاحبته وغالبا ما كانت تدعى في ردها عليها أنه مشغول في إحدى اللجان .. " أهلا ياروحى . واحشانى. مفاجأة طبعا تلاقى صوتي دوغري من غير تحويلة السكرتارية. الست هانم غائبة عندها حمى قرصت نفسها كأننى العنكبوت . يخرب عقلك حرام عليك يا شقية ربنا يشفيها. غلبانة. صحيح إن اخرتي الجنة لاحتمالي طلعتها كل صباح ، إنما لوجه الحق هى حمارة شغل وكلمة حلوة لا طلعت ولا نزلت الواحد يقولها لها كصدقة، تخليها دينامو بمحرك مائة حصان .. المصيبة انها طول النهار فاتحة لي موسيقى كلاسيك لأجل ترضيني .. سدت نفسي عن كل حاجة كلاسيك .أموت وأسمع وأشوف مودرن يا ملكة الموضة ومالكة قلبي . عندك شريط لعدوية نسمعه الليلة . طبعا لازم أشوفك النهاردة وبكره وبعد بكره . أرجو ك اوعى تتعبى نفسك في عمل أي حاجة. كل شىء عندي جاهز. أنا رهن إشارة ست الحسن والجمال" .

وضعت السماعة بيد عاودتها رعشة الحمى . سحبت ورقة بيضاء وجلست تكتب لسيادته طلبا باجازة مفتوحة، ولم تنس قبل تساندها للخروج أن تدير شريط الموسيقى الكلاسيك بأعلى لرجات ارتفاعه ليصفع الجدران هدير السيمفونية الناقصة !
سناء البيسي(كاتبة وصحفية مصرية )

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …