ارتطام الذاكرة

فريد الخمال

البحر هادئ والقمر يبعث ضياءه على صفحته فيزيده سحرا. الجميع صامتون، أو هكذا يظهر، بينما غابة كثيفة من الأفكار تملأ النفوس. في زاوية، انحجبتْ عن نور القمر، يجتمع مجموعة من الشباب، يراقبون الضفة المقابلة المتلألئة بمصابيحها المتوهجة، لم يمنع من ظهورها الطقس البارد. أعمار متقاربة، ملامح متشابهة، غير رجل كبير في السن بدت ملامحه جامدة لا تفصح عن شيء. أجساد متهالكة تدثرت بالحزن، الأعين تراقب الوضع دون أن تنطق بحرف، ونظرات مختلسة. البحر يرسل رسائله الصامتة، ولا قدرة لأحد على فك رموزه، كما أن البرد القارس يُحبط محاولات فهمها.
الحطب يأكل نفسه، والجميع متحلقون حوله طلبًا للدفء. والسجائر على خطى الحطب تأكل نفسها، ويزيد من توهجها أنفاس الشباب. سيجارة تلو الأخرى. ودخان رمادي يتصاعد فوق الرؤوس كقاطرة عتيقة. الأسنان تصطك، والبرد يواصل هجومه. شهر مارس. اشتُهِر كثيرا بزمهريره، غير أن من لم يتذوقه، لن يعرف لَسَعَاتِه. تزايدَ وقع اصطكاك الأسنان وصار مسموعا أكثر. ولم تفلح المعاطف والسراويل الكثيرة في منع تسلله.
الجميع صامتون يرسمون أحلامًا ورديَّة في الجنة المفقودة بعيدًا عن القهر الذي عايشوه. نعم، القهر. لو أنهم لم يقُهروا لما تجرأوا على خوض بحر، قد تكون نهايتهم فيه. حينما تنغلق الآفاق لا يبقى سوى خوض غمار المجهول. فأن تموت وأنت تُحاول خير من أن تموت وأنت عاجز في بيت ينقض عليك سقفه. لا أدري لماذا انصب تركيزي على الرجل الكبير في السن. تمكنت التجاعيد من وجهه، تمكن المحراث من أرض خصبة. ملامحه جامدة لا تشي بشيء. لم يُبدِ أي تفاعل مع ما يحصل، ولم تصطك أسنانه، كأنه قُذف به إلى هنا.
البرد يتجاسر ويعلن عن تحديه لنا، لم يُفلح الحطب في تبديد قساوة الليلة الباردة. وصار وقع اصطكاك الأسنان كنغمة مزعجة نافذة إلى أعماقنا، طاردا سمفونية تكسُّر الأمواج على الصخور الكبيرة. والرجل الكبير في السن جامد غير عابئ بما يحصل. انطلق رأسي يطرح الأسئلة دون انقطاع؛ ما الذي عايشه حتى تعطلّت حاسة الشعور لديه؟ هل استوعب الحياة وفهِمها، فلم يعد يلتفت لنوائبها! أم أنها لفظته فعطلت أحاسيسه ولم يعد يشعر بشيء! فلا يُعقل أن يصل الإنسان إلى مرحلة التبلد هذه، إلا بعد معاناة مريرة. وسيجارة بين أصبعيه تأكل نفسها، دون نفَس يُنقذها.
أخذت هاتفي الذكي، ورُحتُ أتصفح موقع التواصل الاجتماعي، محاولا تبديد ثقل الوقت الجاثم على صدري. أمرر أصبعي على الشاشة، لا إشعارات, لا رسائل، لا تعليقات، ولا أخبار جديدة. فقط منشورات مكررة تزيد من الإحساس بالسآمة والضجر. استمررت في تصفحي عسى أن أجدَ ما يغير شعوري، أو تصلني رسالة تسأل عن غيابي. وبقيت أقلب الصفحات… صدر صوت اصطكاك للأسنان قريب مني، فالتفت فإذ بالرجل الكبير في السن ترتعد أوصاله. تفاجأت، وشعرت بالبرد أكثر. ثم رأيت بريق الحطب المشتعل في عينيه، والدموع تملؤهما. فعاد رأسي ليطرح الأسئلة دون كلل؛ ما هي أحلامه التي أرغمته على خوض مغامرة مجهولة العواقب؟ ما السبب الذي سيجعل رجلا جاوز الخمسين سنة أن يحشر نفسه بيننا؟ هل هدفه أيضا تحقيق حلم ما في الضفة المقابلة! حكايا كثيرة تختبئ خلف وجهه، الذي أظنه بدأ يكشف عن أسراره.
صار العالم قرية واحدة، وأمست المسافات بين القلوب شاسعة. تعددت وسائل الاتصال، وقلّ التواصل رغم تلاوين التطبيقات واختلافها، ولم توفق في تليين القلوب، ولا إيصال المشاعر عبرها كما كانت تفعل الرسائل الخطية التي تبقى شهورا كي تصل، وشهورا أخرى حتى يأتي الرد. كما أن المكالمات الهاتفية التي لم تتجاوز الدقائق، حملت مشاعر دافئة وصادقة، عكس المكالمات الحالية، التي تدوم ساعات بمشاعر أقل ما يقال عنها أنها مجاملة فقط. هكذا خاطبت نفسي وأنا أقلِّبُ علبة الرسائل من غير جديد.
النار المشتعلة أشرفت على الانتهاء، بعد مقاومتها الانطفاء الليل كله. نامت الأعين المترقبة للقارب الذي سينقلها إلى مدينة الأحلام المحققة، وإلى الأرض التي تحترم إنسانية الإنسان كما يسمونها.. ظل الرجل الكبير في السن وحده يقظا، يُشعل السيجارة ويتركها تأكل بعضها حتى تسقط من يده، ويأخذ الأخرى كي تلقى المصير نفسه، دون مبالاة منه، والدموع تترقرق في صمت على خديه. أتأمله من غير أن ينتبه إلي. لولا التحذيرات التي تلقيناها أول مجيئنا إلى هنا لخففت عليه وطأة هذه الليلة.
سمعت كثيرا، وأنا صغير، عن التطور الصارخ الذي سيجعل السيارات تغزو الجو، وسيصبح بمقدورنا السفر عبر الزمن، والعيش في كوكب آخر. كل ما قيل لم يتحقق. لم تطِر السيارات، بل طارت القلوب من أماكنها. وبدل ترك الأرض، تركَ أحبةُ الأمس بعضهم اليوم. وبدل العيش في كوكب آخر، عاش كل فرد في عالم افتراضي بنى فيه مثاليّته ولـمّع وجهه الملائكي.
لا صوت غير صوت ارتطام الأمواج الصغيرة بالصخور الكبيرة، وصوت النار وهي تأكل بعضها. لو أنني رجعت بالسنين إلى الخلف، لما تخيلت نفسي أني سأصل إلى هنا، وسأخطط للسفر بطريقة غير شرعية. كافحت، واجتهدت. تفوقت، ونجحت. عانيت، وصبرت… فحصدت معدلات وشواهد كان الوصول إليها حلما بعيد المنال. بنيت أحلاما لا يتخللها كوابيس. لم تكن بالأحلام الخارقة. فقط بيت يضمني وأسرتي، أنتشل به أبي من مخالب صاحب البيت الذي حفظنا أسطواناته، كلما تأخرنا عن تسديد أجر الكراء. كل الأحلام أحيلت إلى كوابيس تطاردني، حين تقاذفتني شركات لم تلتفت إلى شهاداتي، ولا إلى مستوايَ العلمي.
فجأة، اقتحم صوت رسالة انبعثت من هاتفي الذكي، انتزعتني من سراديب الذاكرة بعدما سحتبني إليها. أخذت الهاتف، فظهر اسم صديقٍ لم يبعث لي رسالة منذ مدة طويلة، فتحتها: «للفوز بألف دولار أسبوعيا اتبع الروابط التالية، وأرسل الرسالة إلى جميع الأرقام في هاتفك». فكّرتُ مليا بما سأجيبه، عندما شاهدت الاسم للوهلة الأولى، حسِبته تذكرني وراسلني يتفقد أحوالي وأخباري! غير أنه كان له رأي آخر. فهو مشغول مع عالم الدولارات.
تعالى صوت شهيق وزفير. التفتُ كمن صُعق، رأيت الرجل المسنّ ممددا على الأرض وصدره يعلو ويهبط بسرعة. استيقظ البعض وظلوا مصدومين دون أن يُقدموا على أي فعل. صرخت فيهم كالمجنون: «ألا ترون أن الرجل يختنق». وقفزت إلى جواره. لم أسمع لهم ردا سوى همهمات. وضعته على جنبه الأيمن، وتحسست نبضه، ومسحت على وجهه بالماء. فبدأت أنفاسه تنتظم، وأخذ وجهه يسترجع لونه الذي شَحِب. أجلسته وعدت إلى مكاني، دون أن أنبس بحرف.
رأيت فيه أبي حين يختنق بسبب الصرع ويسقط خائرا على الأرض، ويشخص بصره كـأنه سيفارقنا ثم يعود إلى وضعه. ترقرقت على خدي دموع حارة فقد تركته طريح الفراش وأمي تعمل في البيوت. من أجلهم فقط وهبتُ حياتي، حتى أستطيع ردّ بعض من تضحياتهم. قطع حبل تفكيري صوتٌ منادٍ ينبعث من قارب على الشط، فهرول الجميع صوب القارب المطاطي ملبين النداء وتبعتهم. وبقي الرجل الكبير في السن جالسا القرفصاء من غير حركة.

شاهد أيضاً

حياة جثة

حمود سعود عندما تغرق السفينة لا تبحث عن لوح للنجاة أو قشة للهروب أو جناح …