أخبار عاجلة

اسلام الشرق و الشرق الاسلامي المفارقة التاريخية لوعي الذات الثقافي – السياسي

إن المفارقة التاريخية التي رافقت ظهورا لعالم الاسلامي لحديث تقوم في ولادته كبيرا. مما حدد بالضرورة عسر تربيته وصعوبة انقياده بما في ذلك لنفسه. وذلك لأن انهيار الامبراطورية العثمانية – الاسلامية كان يعني أيضا انهيار روح العظمة الزائفة واستظهار عجزها الذاتي. لقد أثبت ذلك وكشف في الوقت نفسه عن انها لم تكن امبراطورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم تكن قادرة على أن تكون اسلامية، لأن هويتها النهائية كانت تذوب منذ عهد بعيد في تركيبة عديمة المعالم. أي أنها كشفت عما وراء لباسها الامبراطوري المزركش وهيئتها الانكشارية عن جسد عجوز. أما الحداد الجنائزي الذي أعدته الامبراطوريات الأوروبية المنتصرة فقد كان يكشف عن قوة وشكيمة واصرار في التهام كل ما يمكن التهامه على انه غنيمة العصر، والثأر التاريخي الذي لازم مخيلة شعوب القارة لقرون عديدة.

وقد فرض هذا الوا قم معادلة جديدة كانت مقوماتها تامة الكمال في طرفي الصراع الشرقي – الاسلامي والغربي – الأوروبي. أي أنها أحدثت ما كان ينبغي له أن يحدث مطبقة حذافير الفكرة القائلة، بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك – وكشفت في الوقت نفسه عن أن ما جرى هو نتاج لما استقر فينا. وبهذا المعنى كان الضغط الأوروبي واجباره الحضاري الجديد نعمة تاريخية أيضا بمضمونها الثقافي والسياسي، لأنه كشف عن أن العالم والتاريخ نأر تحترق بمقدار وتنطفيء بمقدار.

غير أن للاجبار الحضاري معناه العميق بما في ذلك في وجوده كأسلوب مؤثر في صيرورة الحضارة ذاتها. ففي الاجبار يندثر الماضي وتتمظهر في ظل قواه المتصارعة الامكانات الجديدة في مختلف اشكالها على أنها بدائل لـ"الانبماث " الجديد. الا أن هذا الاندثار هوالصيغة التاريخية التي يحددها توازن القوى وكيفية ظهورها. ذلك يعني بأن الاجبار الحضاري هو في الوقت نفسه أسلوب وجود الحضارات وتعايشها وتصارعها لأنه يتضمن في ذاته امكانيات البدائل. أي أنه يضع معيار الاستمرارية الموضوعية في صراع الحضارات. وما عدا ذلك فإن لكل اجبار معناه الثقافي.

فعندما نقف على أرضية التاريخ الفعلية، فإن الخطوات المخطرة لا يمكنها أن تتعدى قوة ذواتها الفاعلة. ذلك يعني بأن الاجبار الحضاري هو في الوقت نفسه الاسلوب المناسب للتعبير عن الطاقة الذاتية للصعود والهبوط. فهو يستمد مقوماته من مباديء نشوئه الأول. اذ ليس الصعود الحضاري سوى نمط تجلي الانفتاح المتزايد في بواطن المباديء الكبرى. وينطبق هذا بالقدر ذاته على امكانيات هبوطه. بصيغة أخرى، ان العمق الذاتي للثقافات الكبرى هو عمق مبادئها الأساسية ومنطلقاتها الأولى: وعلى كيفية انكسارها في ظل الصراعات الواقعية تتوقف أنماط "تهذيبها". الا أن ذلك لا يعني بأن التطور !لتاريخي للثقافات وأساليب وعيها تختبيء بصورة غائية في فعلها الأول. ان فرضية كهذه لا تفعل في الواقع الا على تأمل ما جرى بأعتباره قضاء وقدرا. أي أنها تحول التاريخ الى فعل ثابت،معطى مرة واحدة وال الأبد. أما في الواقع فإن "جمود؟" يقوم في أسلوب رؤيته. فالتاريخ لا يعرف صعودا إلا في مقابل هبوطه، ولا هبوطا الا في مقابل صعود؟. أي أنه غالبا ما يعي ذاته وتجليا ته الثقافية في مقولات الصراع والتحدي وفي هذ0 الوعي يمكن افتراض فرضيات لا تحصى، ولكنه ملزم مع ذلك بالوقوف أمام حقيقة كمون الحاضر في المامي والماضي في مبادئه الأول أو بؤرته الثقافية.

وبهذا المعنى كان الاجبار الحضاري للغرب الأوروبي في مواقفه تجاه الشرق وتأثيره عليه هو اجبار في مفاهيم وقيم الخضوع والسيطرة. أي أنه أثر من أثار القوة وموازينها، لا نتاجا للروح الانساني في كينونته الفاعلة. فالأخيرة ليست كيانا ما قائما بحد ذاته، أو قوة مغتربة تمتليء في الفعل التاريخي كما لو أنها تجل لقانونية الحكمة أو حكمة القانون (الطبيعي أو التاريخي،، بل الروح المنسق للوحدة. حقيقة أن الوحدة لا تعني التجانس المطلق أو الهدوء الوديع، لأنها لا تفترض في صيرورتها حد النهاية، بل قوة الفعل الحية للصراع أيضا. أي أن الكينونة الفاعلة للروح الانساني لا تفترض هنا بالضرورة مطابقة التاريخ الفعلي مع الواجب المثالي، بل تشير الى ما في غياب التطابق هذا من «أنقص في الكمال " باعتباره الهوة الواقعية التي تقف أمامها على الدوام مساعي الثقافات الانسانية.

ولهذا كان من الممكن النظر الى انهيار العالم الامبراطوري العثماني على أنه نعمة أيضا وذلك لأنه أبرز الى الوجود تعددا اسلاميا وقوميا جديدا، مما افترض في ذاته تكون وتعمق عناصر رجوع الأمور الى نصابها الحق. أي أنه استثار مشاعر الرجوع للمصادر الأولى، وبالتالي تثوير الروح الاصلاحية والراديكاليات الاجتما – سياسية والثقافية. فقد واجه كلاهما هذا الواقع الجديد بحماس خاص تضمن في ذاته كل التناقضات المميزة للوحدة الحية. فقد سلك العالم الاسلامي هنا سلوك ذلك البدوي الذي أجاب عن سؤال حول ما اذا كان يعاني من البرد، وهو عار في الفلاة، بعبارة: أدان نسبي يدفئني"! واذا كان هذا الرد يبدو ساذجا باعتبارات الجسد، فانه عميق باعتبارات الروح. فهو يكشف عن أن للجسد دفئه الباطن فيما وراء جلده العادي. أي كل ما يربطه بمشاعر الانتماء اللامرئية.

فقد كان هذا الباطن التاريخي لقوميات "الأمة الاسلامية " يكمن في شعورها العميق بإرثها الثقافي. مما كان يهديء في ذهنيات وسلوك الاصلاحيات الاسلامية والراديكاليات السياسية ورع الضمير المضطرب ويمده في الوقت نفسه بشعور الثقة المستند الى الفكرة القائلة بأن الحياة في حروبها دول. وقيما لو أزلنا شاعرية هذه الصورة وتجريدها عن كل ما يبدو في لغة الأدب تعبيرا عن مأساوية المصير وبطولة المواقف والنظر اليها في تاريخيتها الواقعية، فإن المعادلة الجديدة فيما بين الغرب والشرق كانت تتمحور في لحنونة التحدي الجديد بين شروق الغرب الأوروبي وغروب الشرق الاسلامي. أي كل ما رافق عملية الاجبار، التي أخذ يفرضها الغرب على الشرق.

فقد كان لهذا الاجبار الحضاري مقدماته الداعية في التاريخ الأوروبي. فهو يظهر كما لو أنه انكار ونفي وخيانة لتلك الأجنة الكبرى في روافده المدنية. أي في تكون ونمو عناصر النزعة الانسية في عصر النهضة ومحاربة المركزية الكنسية والدوغمائية الدينية في عصر الاصلاح، والتثوير المعرفي – الثقافي لعصر التنوير وتطوير العلوم التجريبية ودورها في ترسيخ العقلانية والعلمانية عن الوجود الطبيعي والاجتماعي. اضافة الى قيم الليبرالية والديمقراطية للبرجوازية المنتصرة. أما في الواقع فانه لم تكن هناك خيانة ولا انكار ولا نفي. لقد سار كل شي ء على أنه جزء من كلية الصيرورة الرأسمالية وتراكمها النهم. وقد كانت هذه العملية عميقة المحتوى وبعيدة الأثر، نقلت الكيان الأوروبي، رغم تجزئته المتفاقمة، الى وحدة جديدة من خلال فرض أولويات مركز يته في وعيه الذاتي. وهو ما يفسر لحد ما غياب رؤية الغير وآثارهم فيه. ولهذا أصبح من الممكن أن يفترض الأوروبي في تاريخه العلمي والفلسفي والسياسي والأدبي، تلقائية تطوره الذاتي. وهي نظرة واقعية للأنا الأوروبية. الا أن هذا الافتراض الصارم في تجاهله للغير يتضمن البقايا المقلوبة للهم الشرقي في الوعي التاريخي الأوروبي ووجدانه. ومن الصعب توجيه اللوم الى ظاهرة كهذه، مازال التطور الأصيل يستلزم بالضرورة النفي الدائم لمقدماته. فمن الصعب على الشجرة مثلا، أن تلتفت في نموها الى بذرتها الأولى، مازالت هي ذاتها تعطي في ثمارها البديل الكمي والنوعي لبذرتها لاولى.

فقد جرى التطور الداخلي لأوروبا من خلال الرجوع الى المصادر اليونانية في الفكر، والرومية في السياسة والنصرانية الأولى في ايمانها الوجداني، مرورا بالوساطة العربية. أما التطور الخارجي فقد ارتبط، فيما لو استعملنا عبارة القدماء بقوى النفس الغضبية لخيالاتها المشرقية. في "الاكتشافات " الجغرافية لم تكن في أحد جوانبها، سوى نتيجة تتبع حاستي الشم والنظر الأوروبيتين لبريق الجواهر الشرقية وأريج عطوره وروائح توابله المغرية.

غير أن ذلك لا يعني الانتقاص أو التقليل من شأن هذه الاكتشافات. فقد كانت هي دون شك."اكتشافات " للوعي الأوروبي وتوسيعا لمداركه. بمعنى أنها وضعت جغرافية العالم لا في جغرافيته الواقعية، بل في تصوراتها البدائية. وهو ما نعثر عليه في ثبات الوهم القائم في تسميات عديدة كهنود أمريكا وما شابه ذلك. ولكن اذا كانت هذه الاكتشافات تمتلك قيمتها في مدارج الوعي الأوروبي، بما في ذلك في مركزية تصوراتة "العالمية " فلأنها استجابت لمساعي ابداعه الخاص. أي جرى تحسسها وتلمسها وادراكها في معترك البحث الدؤوب. وهي الصفة الملازمة لكل ابداع حي تماتما بالقدر الذي عادة ما تؤدي به في بداياته الى اطفاء ورع التواضع المعرفي.

وبما أن الأخير كان على الدوام من هواجس المفكرين الكبار، فإن الاندفاع التحمس لـ"الاكتشافات " الجغرافية، لم يكن حبا للمعرفة ولا توسعا للمدارك أي أنه لم يكن «تقليدا» لروح الاغريق القدماء، بقدر ما أنه كان استجابة لسطوة الأوروبية الرومية، أو المادية الشرهة. مما عمق في آن واحد نفسية النفس وشهوة نوازعها المادية. وهي الحصيلة التي يمكن رؤيتها ليس في أدب السياسة الأوروبية منذ مكيافيلي، وبل وفي أدبها الشعري والروائي أيضا.

لقد أدت هذه العملية في مجراها وفي حصيلتها الأولى الى خلق الأسطورة المثيرة عن الشرق. مما ولد الى جانب تهويل هالتها الظاهرة اغراء كواهن السطوة والاغتصاب واستثارة لعاب السرقة ومشاعر الارتياب تجاه من يقف بالضد منها. أي أنه أثقل النفس الأوروبية بخطاياها. واثار فيها روح الغزو والاستيلاء. وذلك لأن "اكتشافأت " الوعي الأوروبي الجديد للشرق استثارت فيه روح المغامرة، وتثليم معارفه الشخصية القديمة. الا أنها خلقت في الوقت نفسه الأساس الموضوعي للاحتكاك السياسي – الحضاري الجديد، الذي دفعه تطور البرجوازيات الأوروبية الى نهايته المنطقية: التوسع العسكري والنهب الاقتصادي! وهي ظاهرة متميزة وفريدة في التاريخ العالمي سواء من حيث فعلها وغاياتها وآلياتها ونتائجها.

فقد كان التاريخ العالمي في مساره بمعنى ما، احتكاما أمام محرابه الذهبي. وبالتالي فلا معنى هنا لاتهام "الآخر" وتبرير الذات في أفعالهما التاريخية. فالأخيرة هي ليست معمدانا للروح الاخلاقية، ولا شمعدانا للصوص. أو على الأقل، انهما اختلطا على الدوام بابداعهما نماذج الوحدات المتناقضة باعتبارها صيرورة للحضارات ذاتها ومدنياتها وبهذا كان التوسع العسكري والنهب الاقتصادي الأوروبي، اللذين رافقا صيرورة البرجوازية نتاجا طبيعيا لغياب التكافؤ الاجتما – ثقافي والعلمي في أحدى مراحل التطور التاريخي العالمي. مما أدى بالضرورة الى الا تتحدد أفعاله بغاياته، ولا آلياتها بنتائجها. واذا كان هذا اللاتطابق هو بمعنى ما أحدى القوى المحركة للتطور التاريخي، فانه شكل أيضا معيارا نموذجيا أو مؤشرا متميزا في ادراك خصوصية الثقافات الكبرى.

فالغايات الكامنة في النزوع البرجوازي للأمم الأوروبية لم تكن واضحة المعالم. فهي لم ترتبط بغايات متسامية. أي أن تجليها المباشر، والذي يوحي بالعقلا نية المفرطة، ما هو في الواقع سوى أثر معكوس للما دية المبتذلة وأوهامها. ولهذا كان بامكانها أن تستعمل كل الذخيرة اللامتناهية للمخيال الكاثوليكي والبروتستانتي من أجل البرهنة على أن ما تقوم به، بما في ذلك خارج نطاق وجودها "الطبيعي"، على أنه استمرارية لمعجزة المسيح. فهي أيضا تبعث ما في قبور الموتى من كنوز وتشفي الذات من أمراضها. أي أن تفترض في آلية فعلها أهدافا لا تتطابق مع غاياتها الفعلية. وعندما سيعطي فيفل في وقت لاحق لهذا المسار من خلال تأمله اياه صفة العالمية، فإنه يكون قد اقترب من حقيقة الذات. ولكنه حالما يجعله مسارا للعقل فإنه يكون قد أبعده في متاهات الأدلجة البربرية. ففي الحالة الأولى كان سبره لفور الماضي اقتحاما للمستقبل، إما في الحالة الثانية فإنه يكون قد افترض عقلا لما لا عقل له. ولهذا كان مضطرا الى مداعبة جنونه الذاتي بخيالة. أي الرؤية المقلوبة والاستعلاء الرزين المظهر والخاوي المعنى، والتأمل المفرط فيما لا قيمة له.

إن هذا الانقلاب المعنوي للرؤية العقلانية عن التاريخ ومحاولة حشره فيما ترتضيه مشاعر الجرمانية المتحذلقة، كان الصيغة المناسبة للمعاناة الألمانية الباحثة عن معقولية للامعقول في واقعها آنذاك. أي للعقلانية المغلقة في قوميتها الناقصة عن الكمال. أما عقلانية المسار الواقعي لفعل التاريخ الأوروبي فقد كانت متضاربة المفزع والمحتوى. مما أعطى لمظهرها همجيتها المناسبة. وذلك لأنها أطفأت في ذاتها ورع القيم المتسامية. انها أعطت للفعل قيمة الإرادة. وربطت الأخيرة بالقوة (المادية،. ولهذا كانت نتائجها مطابقة لآلياتها. أي ابداع البربرية الجديدة كإحدى الصيغ الأكثر حضارة للكينونة الأوروبية الحديثة. فهي بربرية تختلف عن تنقلات العالم القديم وهجرات الجراد، كتلك التي مثلتها القبائل الجرمانية في أوروبا والمغول في آسيا. غير أنه في كلتا الحالتين، جرى تعمق الخمول التدريجي لقواهم "البهيمية " من خلال اندماجهم الشامل في امتحان الثقافة والتمدن. أي العملية التي حورت غريزة الاجتياح الجماعي ( القطيعي، صوب سهول العمران ودروبه. مما ألزم الروح بواعثها في البحث عن مصادر الجمال فيما وراء القوة الجسدية.

وهي النتيجة التي نعثر عليها في تنصر القبائل الجرمانية واندماجها في هياكل "دولها المقدسة "، وأسلحة المغول واندماجهم في صروح الامبراطوريات الهندية الآسيوية. أي انهما اندثرا وذابا في سيلان الثقافة القديمة. وقد كانت تلك نتيجة طبيعية، بفعل افتقادهما الى مباديء موجهة كبرى. ولهذا كانوا ملزمين في استعدادها من نعاذ- الثقافة "المقهورة ". اما الاكتساح الأوروبي الحديث فانه كان في جوهره انقطاعا ونفيا كبيرا لما سبق، لأنه لم يستند الى غريزة "الخروج " البربرية، بل الى كبحها الذاتي. وذلك لأنها ارتكنت أساسا الى تثوير وعيها الذاتي. أو انها العملية التي ألهمتها مهمة الرجوع الدائم للذات من خلال نفيه المستمر كأسلوب يقيني في معرفة الذات. وبما أن هذه المعرفة قد جرت من خلال تهشم وحدة النكنيسة ودعامتها العقائدية، فانه أدى بالضرورة الى إحلال بدائل الأوروبية القومية اللادينية مما أعطى لتطورها نزوعه القومي- العلماني البرجوازي. وقد حدد ذلك بدوره أيضا نزوعها الخارجي نحو السطوة والاستغلال.

الغرب وكينونة التحدي الشرقي -الاسلامي

لم تعد السيطرة "المدينة الجديدة للغرب الأوروبي استعارا بالطريقة الاغريقية ولا الرومية. لقد كان غزوها الشرق أقرب الى البربرية المحصنه بوعيها الذاتي الضيق. وذلك لأن حوافزها وأفعالها كانت محددة بآلية الأخذ والاغتصاب والسرقة والنهب. فهي لم تعرف العطاء ولا البذل الروحي. ولهذا ثم تث ك في يك ابداعها "الغرباء"، لأنها لم تنو ذلك ولم تلهب هواجسها  وحدنية الفكر ولا توحيدية القناعة ولا شعور الواحدية الانسانية. ولهذا ثم يكن "استعمارها» سوى تخريب المكان وتوسيع زمان الصحراء الثقافية للآخرين.. وبهذا المنى لم تختلف الصيرورة الأوروبية الجديدة في الكثير من مظاهرها عما هو ممدن للتاريخ البشري المنصرم في حضاراته ككل. أي استعمال القوة الداخلية وامتدادها:لخارجي في شكل غزو واحتلال. الا أن ما يميز هذه العملية الجديدة هو محوريتها المركزية في السيطرة أي محاولة خلق العالم وصهره من جديد على مثالها.

وقد كان لهذه العملية منطقها الخاص في الثقافة الأ وروبية وواقع تطورها البرجوازي. أي أنها استندت الى ما استقر فيها في نماذج عليا وذلك من خلال نفيها في مجرى التطور الاجتما – اقتصادي والفكري – الروحي والعلمي – التجريبي. بحيث استطاعت أن تستعيد في مجرى تطورها وحدة صراعاتها الأول، أو نماذج وحدتها وتجزئتها. وبهذا المعني كانت تمتثل مساعي الرأسمال في عالميتها، وحب السيطرة في قو ميتها. أو انها ذاتها الصيغة الجديدة لوحدة وصراع عالمية الكاثوليكية وقومية البروتستانتية. غير أن ذلك لا يستلزم القول بتطابق هذه الصيغ من حيث فاطيقها التاريخية. انها فقط تشير الى ما في نماذجها "المتسامية " ما هو قائم فعلا في صيرورة الوعي الأوروبي المعاصر ووحدة انتمائه وصراعاته فيها. فقد كانت البروتستانتية، أو بصورة أدق نماذج الاصلاح الديني في واقعيتها شكلا من أشكال تجلي الوعي القومي ونزوعه نحو التحرر من عالمية الكاثوليكية أو سيطرتها الكهنوتية الشاملة. وقد أدى ذلك بالضرورة الى بزوغ الورع القومي على أنه نموذج حي لاستعادة الانبماث المسيحي. حيث جرى فيه البحث عن الخلاص الحق من الشرعية المزيفة التي حاكت الكنيسة الموحدة في غضون قرون عديدة،، ثوبه الميلادي وكفنه الجنائزي. وهو ما يفسر لحد ما سر المواجهة التي خاضت أوروبا بها صراعاتها ضد الشرق باسم المسيح. أي أنها استمدت من حوافز الكاثوليكية العالمية نزوعها الوحدوي – الملكي (الامبراطوري). الا أن تجسيدها السلطوي كان لابد وأن يجري من خلال تنافس قومياتها الأخذ في النفور والفرقة. فقد ظلت النزعة العالمية تشكل الخلفية الموضوعية لوجودها (الأمم) وصراعها. أما القومية الصاعدة فقد كانت الأسلوب المناسب لفعلها وعملها. أي كل ما شكل الخلفية المتصارعة والمتناقضة في الوقت نفسه لـ "روحية " الأمم الأوروبية و"ذهنياتها". وبالتالي خلفية وأسلوب مواقفها واحكامها وتقييمها للحضارات الأخرى وثقافاتها القديمة والمعاصرة وبما أن لكل تعميم مثالبه الخاصة، لهذا فمن غير الدقة القول بالتشابه والتجانس الكاملين في آراء الأوروبيين ومواقفهم واحكامهم للثقافات الأخرى. فقد كشف تاريخ الوعي الأوروبي ومدارسه وما يزال، عن تعارض وتضاد يصل أحيانا حد القطيعة فيما بين اتجاهاته بصدد تقييم ثقافته نفسها وثقافات الآخرين. غير أن هذه العملية مازالت في تناقض لم يحسم نهائيا بعد لصالح التعددية الثقافية. فقد أثار القرن التاسع عشر مسألة ما اذا كان الغرب مدينا في ثقافته الفلسفية الاغريقية للشرق أم لا، حيث حسم لصالحه. وهي اجابة عميقة المحتوى ودقيقة من حيث مكوناتها وفاعليتها الواقعية. ولكنها عوضا عن أن تثبت دعائم التعددية الثقافية، انهمكت في نسج خيالها الشقين عن عالميتها. ولم تكن هذه الضحية المأساوية للعقل والضمير بمعزل عن مكونات وعيه السياسي وروح الميكيافيلية العميقة. أي كل ما رفع ويرفع عناصر القوة والتفوق والسيطرة الى مصاف المطلق السياسي والفضيلة العملية.

وقد كانت النتيجة النهائية لهذا الواقع تقوم على تطويع الوعي الثقافي الذاتي في بوتقة الانتصارات العسكرية والتكنولوجية. فالأخيرة كانت التجسيد المتعاظم والآلي للروح الثقافية. مما أغرى آلية التفكير بفعل استقامة الميكانيك والآلة، بحيث جعل من واقع القوة المادية أسلوب وبرهان القوة الروحية والحق. واذا كانت هذه العملية المتناقضة قد اسهمت في تعميق عناصر العقلانية والموضوعية في الفكر وحريته، فإنها أسهمت أيضا في تثليم وحدة الحقيقة والأخلاق. أي أنها أخذت تنهمك في تأمل ذاتها ووعي وجودها عل أنه النموذج الوحيد الموجود. فهي تبدو كما لو أنها اختزلت:لعقلانية الديكارتية الى ديكارتية ثقافية متأوربة. وبما أن المادة الموضوعية لتفكيرها هو وجودها الذاتي، فإن الأخير هو الوجود الحق، وهو المحك والمعيار النهائي للمكتشفات القديمة والمعاصرة.

وقد كمن في هذه العملية المتجذرة للثقافة الأوروبية وعي خصوصيتها الفريدة. وهو انجاز عميق المحتوى، بما في ذلك في انسانيته. ولكنه يبدأ بالفساد حالما يحاول أن يتخطى ذاتة. بمعنى حاثا يحاول أن يفرض مقاييسه الثقافية على أنها نماذج عالمية مطلقة. وهو ما يمكن ملاحظته في فرضياته التاريخية العديدة. أي أنه يجعل من فرضياته منطقا شاملا، عادة ما يتبعض فيه تاريخ الأمم وثقافاتها الى عينات جزئية في سلسلة البراهين "العقلانية " على ما في الثقافة الأوروبية من شمولية في احكامها. أما في الواقع فإن هذه الفرضيات لم تكن في أغلب أحكامها أكثر من أوهام رصينة. إلا أنها استطاعت في هذه الأوهام أن تخلق الوعي الراديكالي وعناصر رؤيته للكل الانساني من خلال التركيز على ما في عينات الثقافة القديمة وذراتها من "الأنا القديمة "، أو "الطفولية " للوجود الانساني.

إننا نعثر في هذا الترفع والاستعلاء عن قوة ضاغطة نحو ادراك حفريات الوجود الانساني. وهي مهمة يشترك في تأطيرها الفكري كل تيار انساني التوجه والمحتوى. ولكنه اشتر ان ثقافي الصورة والمضمون. بمعنى امتلاكه خصوصية تعامله مع وجوده الذاتي في التاريخ. أما بالنسبة للثقافة الأوروبية فقد كان من الصعب عليها في باديء الأمر أن تقرن رؤيتها للغير بمعايير الشمولية الانسانية. ولهذا كانت مضطرة، موضوعيا أيضا، ال أن تزاول رؤيتها "العالمية " في معاييرها. والى أن تعطي للأخيرة صفة العالمية. أي أن تزاول وهم التدجين الثقافي. وهو جهد لا يفعل في الواقع إلا على اجترار بديهيات الثقافة لا ابداعها الحر. أي أن يجري بناء المواقف والأحكام خارج كينونتها التلقائية. بمعنى نقلها الى واقه آخر لم يتحسس معاناة الفعل التاريخي (للقيم والمواقف). وهو أسلوب يمتلك معناه وجذوره الموضوعية في الشرطية الثقافية للمقارنة وتجلياتها المعرفية.

فقد كانت بديهيات الثقافة الأوروبية في ابداعها الحر. مما حدد بدوره طبيعة العلاقة فيما بينهما باعتبارها علاقة الأنا بذاتها. أما الصعوبة التي يمكن أن تولدها ضرورة تحديد العلاقة فيما بين البديهية في الثقافة والابداع الحر فيها، فإنها تزول حالما يجري النظر اليها في إطار الاستمرارية والانقطاع التاريخيين، أو عملية النفي الدائم للذات. ففي هذه الأخيرة تتمركز الثوابت المتغيرة للانتمائية الثقافية، والتي شكلت كل من الروح الاغريقية – الرومية والنصرانية، والعلمية – التجريبية قواها التاريخية الكبرى. أي كل ما اسهم في خلق وعي الانتمائية الأوروبية لذاتها. وبالتالي ادراك الأنا الأوروبية كقوة قائمة بحد ذاتها.

ان هذه الانتمائية جلية في التاريخ الأوروبي منذ مراحل تاريخية مبكرة. وهي انتمائية تستند الى روابط فعلية ومؤثرة في صيرورة الوعي الثقافي الأوروبي. حقيقة أن الاشكالية الوحيدة هنا هي بديهية الانتمائية الاغريقية لأوروبا. فقد كانت هذه الانتمائية نتاجا للاستئثار الذاتي الأوروبي. فهي لا تمتلك من حيث وجودها التاريخي والثقافي صلة جوهرية بالنزعة الأوروبية المعاصرة. فالأخيرة تبلورت تاريخيا ونفسيا وثقافيا كوحدة متفاعلة للعناصر الرومية – النصرانية. فالا غريق لم ينهمكوا في انشاء وحدة أوروبية على مثالهم ونموذجهم. بل انهمكوا في تهذيبهم الذاتي المتوافق مع قوانين الفكر والجمال الاغريقيين (الشرق أوسطي)، بينما أفلح الروم في التوحيد الأوروبي والبحر المتوسط. أي أنهم حاولوا خلق وحدة ثقافية عالمية. وهو أثر انكسر في تفلفل النصرانية الشرقية واختراقها للغرب مما أدى الى صيرورة النزعة الأوروبية المتسامية باعتبارها وحدة ثقافية مستقلة، تجلى أول ملامحها الكبرى في خوض الحروب الصليبية ضد العالم الاسلامي، وآخرها في خروجها الحديث عن عزلتها الذاتية. ولهذا فإن خروج أوروبا من "غربتها" وضعها بالضرورة أمام الشرق. أي لم يكن بإمكانها أن ترى آنذاك شيئا سواه، مما عمق وأثار أنانيتها "الغربية".

وقد كانت لهذه العملية آثارها المزدوجة في تعميق حدة الخلاف والمقارنة. أي افساد الرؤية وشحذ قوتها النقدية. وليس المقصود بإفساد الرؤية التاريخية هنا سوى انبهارها المفاجيء بظواهر العالم الشرقي. فالنفس المنغلقة والمتطورة ثقافية في ذاتها لا يمكنها آن ترى بغير مقاييسها المعتادة ومن هنا كان لابد للانطباعات الأولى أن تكون شرطية في شكلها ومحتواها وذلك لأن اصطدام الغرب الأوروبي بالشرق لم يكن بالامكان ادراكا بصيغ غير صيغ الانبهار والتعجب والاستخفاف والاستنكار، الرفض الكلي أو التقبل العاطفي. أي أنه لم يكن بامكانه أن يبني على أسس غير أسس رد الفعل النفسي والعاطفي. ولهذا فانه في الوقت الذي أفسد على الرؤية التاريخية مصادر ورموز استيعابها الواقعي للشرق، فإنه استثار في حدة انطباعاته الشرطية الروح النقدية، ولحد ما امكانيات تجوله في دنيا العجائب. وقد كان هذا نوعا من اغراء الذات بالذات، ولكنه كان في الوقت نفسه. من حيث  محاكاته الثقافية بالنسبة للوعي الأوروبي شبيها بـ"اكشاف " أمريكا. أما في واقعيته فقد أثر في صيرورة وحدة وخلاف الشرق والغرب. أي أنه ساهم في تكوين الملامح الأولية للرؤية المتبادلة. وبغض النظر عن التقاليد العريقة لهذه الملامح، إلا أنها أفرغت رؤية الآخر من محتودها المتفرس بفعل الانعزال النسبي للحضارات القديمة، ويفعل بناء روحها الثقافية على أسس ومباديء القومية. أي أنه لم يعط لها حتى في حالات الغزو، بعدا أكثر من شعور السيطرة والخضوع. وهي صفة لم يخل منها عالما الشرق والغرب على السواء في مواجهتهما الحديثة. وبهذا المعنى كانت الوحدة أيضا هي رؤية الأبماد التاريخية في الأنا والآخر. إلا أنها وحدة لها حساسيتها الجديدة، وذلك بفعل مدها الخلافات الى مداها الأقصى. لأنها ابرزت محورية التباين في صيغ الخلافات المدركة لذاتها، والمتمركزة أيضا في منظومات القيم والمفاهيم والأفعال الاستعلائية. أي كل ما تجسد في نوازع المركزية الأوروبية. وهي صفات لم يكن لها وجود فاعل في الحضارات القديمة.

فقد كانت الأخيرة ذات محورية ثقافية أو دينية – عالمية. أي أنها لم تكن قارية ~ جغرافية اما الخلاف الجديد فقد جرى ادراكه على أساس دمج مكونات تفتقد التجانس فيما بينها، بالشكل الذي أعطى لها صفة النقيض المستعلي على ما هو حوله. أي وحدة الجغرافي – القومي ~ الثقافي. وان هذه الوحدة المتشكلة تاريخيا في غضون فترة طويلة قد توجت في أوروبا بـ "مركزيتها" الايديولوجية. ومن الممكن أن نعثر على مثالها الأول في وحدة الثقافة الرومية – النصرانية. فقد كان لهذه الوحدة أثرها في ابداع مكونات الانتمائية المشتركة للشعوب الأوروبية. اضافة لذلك انها خلقت المزاج المشترك في تصورات وأحكام ورموز الشعوب الأوروبية نفسها. أي انها شكلت بفعل عضوية اندماجها في الانا الأوروبية الحديثة أحدى مقدمات تعارض الشرق والغرب.

إن مشاعر الخلاف هذه لم تكن نتاجا لاستحواذ الأوروبية المركزية على عقول الأوروبيين فقط، بل وتمتلك مقدماتها وبواعثها في الشرق أيضا. حقيقة انه لم تجر مواجهة المركزية الأوروبية بمركزية شرقية (آسيوية) لأنها لم تمتلك مقدماتها المندمجة في كل آسيوي. ومع ذلك كانت "الشرقية " في اتجاهاتها المختلفة هي الاطار والتيار الذي بلورته لغة الأوروبيات الصاعدة. وعندما تغنى ردوارد كيبلنغ في انشودته الشهيرة عن أن الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب وسوف لن يلتقيا، فانه كان يعبر في حدسه الشاعري عن افتراق المصير أكثر مما يعبر عن وحدة الضمير الكامنة في صيرورة الحداثة الجديدة للشعوب والأمم، لقد قال هو كلمة حق أريد بها باطل !!وانشد وتفنى بما لامعني للتغني به، ولكنه عبر عن وهم العصر الكبير في فاعليته الكبيرة.

فعندما افترض الغرب الأوروبي في وجوده ومثله قيما مطلقة للكل الانساني، فإنه لم يفهم الآخرين بمعاييرهم، بل بمعايير وعيه الثقافي الذاتي. ولهذا بدا الشرق في نظره غريبا ومتشائما، لا معقولا وشاذا، لأنه تحسس منذ اللحظات الأولى طاقة المعارضة الخفية كقوة كامنة.. فقد كان الغرب أقرب الى ادراك حقيقة الشرق في أصالته. ولكنه كان من الصعب عليه أن يتقبلها ككل، وهو أمر طبيعي. اذ ينطبق هذا بالقدر ذاته على كواهن التحدي الشرقي. فقد كان للتحدي الشرقي ذراته الكامنة، ولكنها لم تن نفسها كذرات في مواجهة. أي انها لم تتشبع بروح المركزية الذاتية. وهي صفة كان من الصعب أن تتبلور فيها بفعل روح العالمية الثقافية أو الدينية السائدة فيها. ولهذا كانت مواجهتها للغرب الأوروبي تفتقد الى دقة السلاح وسلاح الدقة. الا أنها في هذه المواجهة أخذت تدرك ذاتها كقوى دينية وقومية وسياسية. انها ألزمت ذراتها في التطور كقوى مجزأة من أجل اعادة لحمها في تركيبات جديدة. بمعنى أن الشرق أخذ يكتشف في هذه المواجهة ليس الأخر فحسب بل وذاته الجديدة. أي ذاته التي ابدعها عالم المواجهة والصراع والتحدي لا تطوره التلقائي.

فقد اضطر الشرق منذ اللحظات الأولى للصراع الى أن يواجه غزوا "متمدنا" والى أن يدرك منذ الوهلة الأولى روح الفضيحة القائمة فيه باعتباره شكلا يتعارض مع أسس مدنيته نفسها. وهو السر القائم وراء تشوه الغزو الأوروبي في اطروحاته،واشكاليته في غاياته. لقد كشفت المدنية الأوروبية وتطور وعيها الذاتي في صراعه المرير من أجل الحرية والتقدم والاخاء والمساواة والديمقراطية والحق عن زيفها وانانيتها وظاهريتها وماديتها المبتذلة ولا عقلانيتها في التعامل مع الآخرين. فقد كانت حريتها اذلالا، وعدالتها ظلما، ومساواتها جورا وتمدينها تخلفا وديمقراطيتها استبدادا واستقلالها عبودية. بصيغة أخرى انها كشفت عن أن نموذجها المتمدن هو انانية قومية شوفينية. وبما أن هذه الصفة كانت مشتركة بين شعوب القارة كلها،. فانها ضاعفت من مركزيتها الغربية في مواجهة الشرق بالصيغة التي جعلته يبحث في ذاته عما يمكنه أن يكون بديلا لهذا الهجوم الشامل. وقد حصل هذا البديل على تعبيراته العديدة. اما في عالم الاسلام فقد اتخذ صيغته الأولى بظهور مفهوم الشرق المسلم والذي عكس في تطور مضامينه طبيعة التحولات التي جرت في العالم الأوروبي والعالم الاسلامي.

إسلام الشرق وآفاق الرؤية الحضارية للعالم العربي

اذا كان الوعي الأوروبي قد تقاسم بدرجات متباينة منذ القرن السادس عشر، الاهتمام بالشرق لاعتبارات دينية – فكرية وسياسية – اقتصادية، فإن أحدى نتائج وافرازات هذا الاهتمام في تراكم وتعمق التصورات الموضوعية عن العالم الاسلامي. وهي النتيجة التي نعثر على تجليها المباشر في ظهور شخصيات علمية كبيرة مثل ريتشارد وسيمون واوربان رولان ويبار بيل وجورج سايل، ويوهان رايسكه وغيرهم. بينما تتداخل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تيارات الثقافة الغربية والمستشرقة والتي افترض وجودها وتداخلها تطور الرأسمال ومصالح القوة وتوسع الثقافة (الاكزوتيك الرومانسي والعلمي)الشرق،. أي كل ما ساهم في نهاية المطاف أيضا بتعميق شقة الحلاف الشرقي – الغربي. وبما أن هذا الخلاف لحان مبنيا في وقته على تباين مستويات القوة والتفوق المادي – الاقتصادي – العلمي والتكنولوجي والثقافي. الموفي، فانه أدى بالضرورة الى تكون العناصر الجديدة لما يمكن دعوته بـ "الشرق الغربي". أي ذلك الشرق الذي جرى تصوير ملامحه في اطر وتقاليد النزعة الأوروبية المركزية. أي كل مارافق صورها الوهمية عن الشرق بشكل عام والاسلامي بشكل خاص. ولم تكن هذه الأوهام معزولة عن انكسار تقاليد العالم الرومي – النصراني القديم ورموز وعيه الكبرى منذ الحروب الصليبية، والتي لحانت حصيلتها العامة تقوم في فضيلة الغرب ورذيلة الشرق،والخرب النصراني والشرق الاسلامي بشكل خاص. فقد كان لهذه الصورة استلا بها المبطن في تاريخ الاحقاد وغفول الذاكرة، الا أن فعلها المباشر في عالم الاسلام قام في استثارة ردود فعله المباشرة واللامباشرة. أي استثارة ما يمكن دعوته بشرقية الاسلام واسلام الشرق كدرجات متتالية في وعي الذات الروحي – الثقافي والعملي – السياسي لقد كانت "شرقية الاسلام " الغربية تركيبة مغرية مثلت في سلبيتها رد فعل الانتمائية الأوروبية النصرانية. الا أنها كانت ممتلئة بمعاني الاستقلالية العريقة بالنسبة للعالم الاسلامي. ولهذا ليس من قبيل الصدفة أن تصبح هذه التركيبة شعارا لوعي الذات الاسلامي الجديد. وحالما دخلت دهاليز الكينونة الجديدة للعالم الاسلامي، فانه كان لابد لها من أن تخضع لنفس الآلية التي خضعت لها صيرورة "الشرق الغربي"، وان كان بصورة معاكسة. أي انها استثارت في الشرق حمية الشرقية. وهنا ظهرت الملامح الأولى للأنا الشرقية الواعية لذاتها بوصفها كيانا مستقلا ومواجها للغرب.

واذا كانت هذه المواجهة تتمحور حول ما يمكن دعوته بالشرقية السالبة، فإنه لا ينبغي مع ذلك النظر اليها كسلبية في محتواها التاريخي. فهي ليست فقط الدرجة المناسبة لأسلوب المواجهة الذي فرضته أحدى مراحل التاريخ العالمي فيما بين الشرق والغرب، بل ولأن صراع الشرق والغرب قد تحول الى أسلوب جديد في مخاض الحضارة العالمية المتوحدة. أي أنه كان لابد لها من أن تمر في مخاض التجربة القاسية للاتهام والاتهام المتبادل، للصراع والعداء باعتبارها دروبا في وعي الذات. وهو ما يمكننا العثور عليه في آراء رواد الفكر الاسلامي (الاصلاحي) ككل. حيث تظهر بجلاء ملامح الصراع المتزايد بين الشرقية والغربية. فقد كان الافغاني على سبيل المثال في كتاباته الأولى ممثلا للجامعة الشرقية أكثر منه ممثلا للجامعة الاسلامية. وهو ما يفسر لحد ما سبب بقائها في آرائه ومواقفه حتى آخر كتاباته. رغم أنها أخذت تتلاشى الى الدرجة التي يصعب فرزها بمنظومة أو مفاهيم مستقلة قائمة بحد ذاتها. وليس ذلك في الواقع سوى انعكاس لطبيعة التحولات التي تعرض لها فكرة الشرقية والاسلامية في منظومة الاصلاحية وممارساتها الراديكالية ومشروعها النهضوي الاسلامي. فعندما يناقش الافغاني قضايا الاصالة والتقليد، فانه عادة ما يردد الفكرة القائلة بأن الوطأة الأشد على الشرق تقوم في تقليده للغرب. ولهذا شدد على الأمم الشرقية في حاجة الى تقوية المناعة الذاتية أمام الهجوم الغربي.

لقد كانت مواقف الافغاني هذه نتاجا لاستيعابه واقع "المسألة الشرقية " آنذاك. لهذا لم ينظر الى هذه المسألة، حالما تطرق اليها نظرته الى قضية سياسية أو عسكرية خالصة، ولم ينظر اليها باعتبارات تتعدى حوافز القوى القائمة في عصره. فقد كان أدري بمواطن عدم التكافؤ. ولهذا لم يتحدث في هذا المجال عن مقارنة بين الرجل المريض والرجل السليم، ولا عن العثمانية المتدهورة والأوروبية الصاعدة،بل حاول اختصارها حسب عبارته، فيما أسماه بـ "معترك الغربي بالشرقي". أي اذا كان الغرب قد تذرع بالنصرانية، فإن ذلك لم يكن في الواقع سوى ذريعة وواجهة لا غير. فالمسألة الشرقية، كما فهمها الافغاني، هي مسألة الضعف والقوة. أما مهمة وأسلوب حلها الأمثل فقد وجده في الاسلام. وفي هذا نستطيع رؤية تحول المفاهيم والأحكام والمواقف عن عموم الشرق الى خصوصه. أي من شرقية الشرق الى شرقية الاسلام الى اسلام الشرق.

لقد عكست هذه الثلاثية في صيغتها المجردة التطور التاريخي والواقعي لوعي الذات الشرقي – الاسلامي. فقد كانت شرقية الشرق الرد المباشر على غربية الغرب. وهي الصيغة التي نعثر عليها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح عند المفكرين المسلمين للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فعندما يحدد الافغاني صفات الغرب، فإننا نعثر فيها على ادراك جلي لغايات الغرب الانانية تجاه الشرق من جهة، وعدم تكافؤ القوى فيما بين الطرفين من جهة أخرى. فهو يشير الى أن الغرب لا يقدم للشرق اصلاح سير وسيرة على العكس ! انه يشجع التخلف والجمود. بل لا تطرق دولة غربية دولة شرقية الا وتكون حجتها حفظ حقوق الحاكم واخماد فتنة أو حماية المسيحيين والاقليات أو حقوق الاجانب أو حرية الشعب وتعليمه أصول الاستقلال. ا~ الغربي فإنه حالما يرى بلدان الشرق، فانه يفكر بالشكل التالي: شعب جاهل وأراض خصبة ومعادن كثيرة ومشاريع كبيرة وهواء معتدل، اذن نحن أولى به ! ولم يبن الأفغاني هذه الأحكام على أنها فرضيات ممكنة بقدر ما إنه نظر اليها كواقع فعلي. فقد عايش هو حيثيات ووقائع الصيغ الأولى للشرقية الاسلامية التي ساهم في رسم ملامحها الراديكالية الفعالة. أي أنه ضمنها طرفي الهجوم والدفاع والسلب والايجاب المستندين الى محاولات فهم الواقع الجديد. فالأفغاني كان أبعد من أن يصاب بشعور الخيبة أمام حاضره وأعلى من أن ينحدر الى درك الرومانسية المبتذلة بتمجيد الماضي. وقد أنقذ ذلك ذوقه الانتقادي من فساد تعلقه بالماضي. فالأخير لم يعم رؤيته الواقعية للأمور. على العكس ! ولهذا أسهم أيضا في شحذ رؤيته واحكامه المكونة للشرقية الاسلامية. ففي تقييماته للغرب لا نعثر على غبنه اياه بفعل عدوانه وسطوته ونهبه للشرق. بل يمكن القول، بأن كتابات الافغاني تتضمن في أغلب الانتقادية احتراما عميقا لانجازات الغرب العلمية والعملية. ولهذا طالب بالتعلم منه والاستفادة منها. الا أنه وضع هذا التعلم في شروط الافادة لا التقليد. بمعنى أنه طالب بالبقاء في حيز الاصالة باعتبارها الشرط الجوهري لكل تطور حقيقي.

وقد قدم الافغاني مثار اليابان آنذاك على أنه نموذج يمكن من خلاله شحذ همة المسلمين. انه أراد القول بأن الشرق يمكنه رغم تخلفه المعاصر أن ينافس ويتفوق على الغرب في مجال انجازاته العلمية. ومن الممكن القول بأن مثال الافغاني يبدو الآن أكثر وضوحا وجلاء منه قبل قرن من الزمن بمعنى دقة حكمه على ضرورة التعلم وامكانية التفوق. أما أصالة فكرته العميقة فإنها تقوم في محاولته التركيز على مثال اليابان على فكرة الأصالة الثقافية والتطور العلمي التكنولوجي. وقد شكل مثال اليابان بالنسبة له، ان أمكن القول، مرحلة انتقالية من شرقية الشوق الى الشرقية الاسلامية. وذلك لأن الافغاني أدري من غيره آنذان بخصوصية الأصالة الثقافية للعالم الاسلامي. فقد كان هو شديد الادراك للأثر الثقافي الكبير الذي تركه المسلمون على تطور الحياة والنهضة الكبرى في أوروبا قبل قرون مضت. وبالتالي، فإن استعادة هذه النهضة بالنسبة للعالم الاسلامي ممكنة ولكن من خلال اتقان أساليب تطوره المعاصرة. فالتطور لا يرتهن بدين دون آخر، ولا بشعب دون آخر. وان مثال اليابان يبرهن ليس فقط على امكانية منافسة الغرب من جانب الشرق، بل وامكانية التفوق عليه دون التدين بدين ما أيضا. وان الشرط الوحيد لذلك، حسب نظر الافغاني، هو شرط الأصالة الثقافية. ولهذا أكد على أن اليابان استطاعت أن تبز أقرانها حتى في عدم تدينها، لأنها بقيت أصيلة. وبغض النظر عن الملابسات الكثيرة المتعلقة بتدين أو عدم تدين اليابان، فإن ما هو جوهر وير في آراء الافغاني بالنسبة للعالم الاسلامي آنذاك يقوم في وضعه مهمة تعلمه من الآخرين ورفعها الى مصاف الضرورة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية الثقافية. وبما أن هذه الهوية لم تكن معزولة ولا يمكن عزلها عن الاسلام، فإنه حاول أن يجد في هذه الشرقية -الاسلامية القوة التي يمكنها أن تشكل روح الاندفاعة الجديدة للنهوض والتقدم. وبهذا المنحى ينبغي النظر الى مقارناته العديدة التي يقدمها عن الانسان الشرقي والانسان الغربي، عن الغربي النصراني والشرقي المسلم. فعندما يقارن على سبيل المثال، الانجليزي بالعربي، فإنه يعتبر الانجليزي قليل الذكاء عظيم الثبات، كثير الطمع، عنود وجسور ومتكبر، أما العربي فإنه يتصف بما يقابلها من الصفات. أي كثير الذكاء، عديم الثبات، قنوع وجزوع وقليل الصبر ومتواضع. وبغض النظر عما في هذه المقارنة من خلل يصعب تلافيه، الا أنها تتضمن اشارات واقعية وحوافز للبدائل العملية. ولهذا السبب ركز الافغاني على الصفات العملية ~الفعلية في مقارناته كالثبات والطمع والصبر وما يقابلها من الصفات. فالأفغاني يدرك دون شك،الطابع المكتسب لهذه الصفات. أي أنه يدرك الخلل الممكن في هذه المقارنة في حالة أخذها كما هي بصورة مستقلة عن تاريخيتها الملموسة وغاياتها النهائية. وذلك لأن صفات الأمم عرضة للتغير والتبدل كذواتها. واذا كان من الممكن الحديث عن صفات أخلاقية ~ نفسية – قومية فإن ذلك لا يتعدى حدود شروطها الاجتما – ثقافية – التاريخية باعتبارها قيما سائدة. وقد أصاب الافغاني في مقارنته هذه وفي محاولته تأسيسها النظري – التاريخي عندما رجع الى القرآن للبرهنة على أن تشديده على الصبر وضرورة الصبر، وان الصبر هو مفتاح الأمور العسيرة، وان الفوز للصابرين، ليس الا رد فعل على عدم تميز العرب الجاهلين بالصبر. وهي ملاحظة دقيقة من حيث قيمتها الاجتما – سياسية. بمعنى أن الافغاني أراد أن يثير من خلال ذلك حفيظة الفعالية الكامنة في الذات العربية الاسلامية. أي أنه أراد التعبير عما يمكن دعوته بالهمة الشرقية واستثارتها في مواجهة الغرب المعتدي، باعتبار أن ما يميز الأخير ليس سوى صفات يمكن اكتسابها، أو الصفات العملية المرتكزة الى الفعل الدؤوب والصبور. ولكن اذا كانت هذه المقارنة واشباهها ترتكز الى تمحيص مكونات القوى القائمة وراء "المسألة الشرقية "، من أجل استثارة الهمة الشرقية، فإن مقارنة الغرب النصراني بالشرق – المسلم، أدت في نتائجها الى صياغة الأسس الجديدة لما يمكن دعوته باسلام الشرق. ففي معرض مقارنته النصاري بالمسلمين،يشير الافغاني الى أن القائمين بالنصرانية يسخرون الدين لأجل الدنيا، بينما العاملون بالاسلامية يسخرون الدنيا لأجل الدين. والنصاري يحسنون أمر دنياهم وما تتطلبه مظاهر الحياة بينما لا يعمل المسملون بأحكام الاسلام فيخسرون الدين والدنيا. والنصرانية تدعو للمسالمة وعدم التدخل في السياسة وترك أهوال قيصر لقيصر وترك المنازعات الشخصية والقومية والدينية، الا أن أعمالهم عكس ذلك. بمعنى لا تخضع لمباديء النصرانية وتعاليمها ولا التمسك بها بينما من يقرأ القرآن ويعرف تاريخه يدرك حقيقة دعوته لاستعمال القوة في الحق والجهاد. بينما نرى أعمال المسلمين على عكس ما يدعو القرآن اليه، خاملة خنوعة غير متمسكة بما يدعو القرآن اليه من القول والعمل. فالنصاري تبدو هنا، كما يقول الافغاني، كما لو أنها تأخذ بالعهد القديم بينما المسلمون كما لو أنهم يأخذون بالعهد الجديد.

إن هذه المقارنة التي يوردها الافغاني تنصب كلها في اطار ابراز طبيعة الخلاف والتباين دين العالم الغربي – النصراني – والشرقي – الاسلامي، من أجل استنهاض همة المسلمين في عالم التحدي الجديد. الا أنه لا يضع هذه القضية في اطار المواجهة المباشرة بقدر ما أنه أراد أن يكشف من خلالها واقع التخلف الشرقي – الاسلامي وعوامل نهضته الممكنة. فقد كانت نظراته في أعماقها مواجهة تاريخية – فكرية – سياسية – ثقافية للذات أكثر مما هي مقارنة غربية – شرقيةاو نصرانية- اسلامية. الا انها مهدت الطريق أمام صياغة جديدة للشرقية الاسلامية  في مواجهة ذاتها أكثر مما في مواجهة الغرب. ومن هنا ماثرتها الفكرية العميقة. لقد أراد الافغاني البحث عن سبب تطور الغرب الأوروبي فوجده في فروجه هن نصرانيته. غير أنه لم يبحث في ذلك عن نقص في النصرانية، بقدر ما أنه صور الواقع سر في ذلك في نتائجه، التي يمكن أن تعارض منطلقاته الاسلامية ذاتها. فهو يؤكد على أن تطور الغرب ونهوضه ليس نتاجا لالتزامه بالنصرانية والدين. على العكس، ولم ير في ذلك الخروج من الدين فضيلة بقدر ما أنه وجد في نموذجه الأوروبي شينا – ما طبيعيا ولحد ما ضروريا باعتباره رجوعا للذات ومصادرها الأول. ولهذا اعتقد بأن سبب صعود النصاري الأوروبيين يقوم في استعادتهم لعاداتهم وتقاليدهم القديمة. أي تقاليد ما قبل النصرانية (اليونانية الرومية). اذ لم تكن النصرانية بالنسبة لهم، حسب تصور الافغاني، الا كالوشي والطراز على الظاهر. بمعنى أن رجوعهم الى مصادرهم الذاتية (اليونانية _ الرومية) هو الذي أدى الى نجاحهم. وهي المقدمة التي حاول من خلالها بناء استنتاجه المماثل والقائل بأن الرجوع الى مصادر المسلمين الأولى.، هو الذي يشكل أساس نهضتهم الحية وان مصادر قوة المسلمين وتقدمهم وازدهارهم هو الاسلام لأنه لا تاريخ لديهم سواه.

لكن اذا كانت هذه الفكرة هي النتيجة التي يفترضها تطور منطق الموازاة بين الشرق والغرب والنصرانية والاسلام، فإن أساسها الذاتي يقوم في الكيفية التي انكسر بها وعي ضرورة النهوض في مواجهة الغرب بالاستناد الى الأصالة والارتباط الوجداني العميق بالتراث الخاص. انها تستند الى ادراك عميق بأنه لا يمكن للثقافة والحضارة أن يتطورا بسلامة دون الاستناد الى قواهما الخاصة. فهما يشبهان الكائن الحي. بمعنى أن وضمهعا في قالب غريب سوف يؤدي بالضرورة اما الى تشويههما أي موتهما الطبيعي. فإذا كان التطور الأوروبي يستند في أحدى مقدماته الأولية الكبرى ال حركة النهضة واعادة الاهتمام بالقضايا الدنيوية عند شعر ائه الكبار أمثال دانتي وبوكاشيو وبترارك، فإن الثقافة الاسلامية مليئة بمئات الشعراء العظام الدنيويين. واذا كانت النزعة الانسانية تمثل اعادة الاعتبار للانسان من خلال انتزاعه عن سيطرة الكنيسة، فإن العالم الاسلامي لم يعان من عقدة مؤسسة كهذه. أما الاصلاح الديني فلم يكن بامكانه أن يكون لوثريا أو كالفنيا. والقضية هنا ليست فقط في ان الاسلام لا يعرف كنيسة أو كيانا ما مقدسا وسيطا بين الله والانسان، بل ولأنه امتلك  تقاليده العريقة في تباين فرقه ومذاهبه وحق الاجتهاد فيه. ولهذا فإن الاصلاح كان يستلزم أولا وقبل كل شي ء ازاحة ثقل الانحطاط الثقافي والاستبدادية الشرقية (التركية – العثمانية) الجاثمة على عقل وضمير العالم الاسلامي من خلال الرجوع الى ما دعاه الافغاني باسلام الحق والحقيقة.

وعند هذا الحد يكون الافغاني قد مثل الحركة الواقعية في انتقال عناصر "الشرقية الاسلامية " الى صياغة المباديء الجديدة لاسلام الشرق أو اسلام الدعوة الجديدة أو الاسلام السياسي.

وليس من قبيل الصدفة أن يوجه المفكرون الكبار للحركة الاسلامية السياسية جل اهتمامهم من أجل اقامة البديل السياسي كمقدمة ضرورية للتطور الثقافي. فقد كان نشاط الافغاني الناضج هو نشاط الاسلام السياسي. وكتابات الكواكبي هي مناهضة للاستبداد وبديله الاسلامي. بصيغة أخرى، اننا نقف أمام العناصر الجديدة التي شكلت أساس ومنطلق البناء اللاحق لاسلام الشرق في تجلياته العديدة. أي ظهور الاسلام وبروزه كقوة سياسية – ثقافية مستقلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء الكيان الشرقي على أسس اسلامية. ولعل الحركات الاسلامية الكبرى وبالأخص حركة الأخوان المسلمين هي أحد التيارات الفعالة الأولى في هذا الاتجاه.

فإذا كانت كتابات حسن البنا الأولى تتضمن بصورة مغوشة وعامة وحدة الشرقي -الاسلامي في تكرارها الدائم لعبارة "نحن الشرقيين " و"ا لشعوب الشرقية » والتي تطابق في مضمونها «نحن المسلمين " و«الشعوب المسلمة » فإنه يؤكد لاحقا على أن الانتماء الاسلامي الحق لا يمكن حصره في اطار الوطنية والقومية. فالشعوب الشرقية، حسب نظر حسن البنا، هي شعوب مسلمة وان ما في الاسلام أرقي وأزكى لها. وقد كانت هذه الأراء في اتجاهيتها العامة تنصب في اتجاه المعارضة لقوة الغرب المفروضة على عالم الاسلام أو كما دعاها حسن البنا في عبارة إساءة الغرب للشعوب المسلمة والنيل من عزتها وكرامتها وتراثها. ولهذا صاغ مهمة التخلص مما اسماه بـ "النير الغربي» الذي فرض عليها فرضا، غير أن هذه المهمة لم تكن رد فعل مباشر لعوامل القوة، رغم انها تتضمنها بصورة مبطنة. فقد جرت محاولة وضع البديل لعلاقة الشرق (المسلم) بالغرب (النصراني) من خلال صياغة صورة مقارنة لهما في ميادين متنافرة ظاهريا، ولكنها مترابطة في هاجسها "القومي". فعندما يقارن ما يدعوه بالأوروبي والمسلم، فإنه يشير الى أن الأوروبي يسعى للحرية الوطنية وحدودها الجغرافية، أما المسلم فإن في عنقه أمانة هي هداية البشر بنور الاسلام. وان الأوروبي يسعى للسيطرة المادية، بينما المسلم يسعى لرفع نور الاسلام لا ابتغاء جاه ولا سلطان. والأوروبي يدعو للعسل من أجل استعباد الغير، بينما يدعو المسلم ويعمل للخضوع لله. وان الأوروبي يدعو للعزة القومية وفضيلتها بينما يدعو المسلم لوطن اسلامي على بقاع الأرض. فالقومية بالنسبة للأوروبي مثل أعلى بينما هي للمسلم وهم.ان هذه المقارنة تعكس دون شك، فعالية العنصر السياسي وقوته القائم فيها. بمعنى أنها ليست نتاجا لهوس المقارنة، وهي شأن ما في آراء الافغاني، تعكس شموخا معنويا في تجاوز الضعف والوهن الاسلامي الواقعي. ولكنها اذا كانت في آراء الافغاني تعكس توجها عمليا أقرب الى العقلانية القومية في انتمائيتها الأصيلة كمشروع مثالي لحد – ما، فإن حدودها الاسلامية الصارمة في آراء البنا تعكس  رؤية مغايرة هي أقرب الى السلفية اللاعقلانية، رغم حوافزها الصارمة في استعادة عزة وهيبة الشعوب المسلمة. وهي نظرة لا تخلو في نفسيتها من أممية الاسلام، الا أنها تعبر في واقعيتها التاريخية عن عدم اكتمال الوعي الاجتما _ سياسي بأهمية القومية المعاصرة. أي أنه جرى تقليب الديني على السياسي في النظر الى ظاهرة اختلاف الناس في الأقوام والأمم في فهمها الا سلام في يوم ما، أو كما هي مسطرة في القرآن نفسه. بمعنى أنه جرى النظر الى الفرقة القومية بمنظار الوحدانية اللاهوتية. وهي أمور من الصعب التوفيق بينها في مضمار السياسة والتاريخ، لأنها من عوالم مختلفة. وليس الا السلفية اللاعقلانية هي التي ما مكانها ابتداع مثل الوحدة الممكنة في مخيلتها على أنها البديل الأفضل لما هو موجود. وبهذا كانت دعوة البنا هي محاولة لخلق القوة الجديدة لعالم الاسلام في مواجهة "الغرب الملحد». وهي الحوافز التي نعثر عليها فيما وراء هذه المقارنة المباشرة. فقد طالب البنا باستكمال هذه المقارنة من خلال رفع خلاف الشرق والغرب الى ذررته القصوى. وذلك بتطبيق ما يمكن دعوته بالبديل النوعي لهذه العلاقة. أي السعي لبلوغ سيطرة الاسلام والمسلمين لا الغرب. وذلك تجسيدا لما دعاه البنا بمدنية الاسلام لا مدنية المادة. وهي المدنية التي يتحول بها المسلمون الى أوصياء على البشرية بالقرآن، لأنه كتاب الخضوع لله لا للقوة الغاشمة. ولم يجد البنا في ذلك سوى التجلي الضروري للدورة التي يفصح التاريخ عنها باعتبارها شرطا لازما لوجوده واستمراره الحق. وقد كتب بهذا الصدد قائلا: "كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية. ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية الى الشرق مرة ثانية. ثم غفا الشرق. ثم نهض الغرب نهضته الحديثة. وها هو الغرب يظلم ويجور ويطغى ويتخبط. فلم يبق الا أن تمتد به يد شرقية قوية يظلها لواء الحق وتخفق على رأسها راية القرآن ".

واذا كانت هذه النظرات تعكس في ملامحها وسيكولوجيتها حوافز المواجهة أو التحدي، فإنها تعبر في موضوعيتها السياسية والثقافية عن نزوع الاسلام للتعبير عن مصالح الشرق. أي تحوله واتخاذه صيغة "اسلام الشرق ". فقد أخذ هذا الاسلام يتحول الى المقدمة الايديولوجية والملاذ الضروري لأحد بدائل الانبعاث الحضاري لعالم الاسلام. أي أنه تحول الى "مشكاة " المواجهة الثقافية للغرب من خلال اسهامه في استثارة وبلورة معالم واتجاهية الحركات الاجتما _ سياسية الاسلامية في صياغاتها المتعددة لبعث "اسلام الحق ". مما أعطى للا سلام أهمية استثنائية في الوعي السياسي لحركاته المعاصرة ككل. لقد أدى كل ذلك الى بلورة المقدمات الخفية لما يمكن دعوته بالمركزية الاسلامية في الوعي الاجتما _سياسي والثقافي العربي.
 
 
ميثم الجنابي (بروفيسور في الفلسفة والاسلاميات من العراق)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …