أخبار عاجلة

اشكالية المصطلح النقدي في الخطاب العربي الحديث

مدخل أول:

تزداد يوما بعد يوم الأهمية المعرفية للمصطلح بوصفه بنية سيميائية ودلالية وتداولية مشتركة بين الثقافات واللغات المختلفة. وما دام المصطلح يمتلك حدا سيميائيا ودلاليا واضحا في لغته الأصلية، فإنه يتحول عند ترجمته إلى لغات أخرى إلى لغة تفاهم مشتركة بين الثقافات والشعوب، تكتنز في داخلها رصيدا معرفيا متفقا عليه، مقدما في صورة تعاقد أو عقد قرائي تواصلي وتداولي يتجاوز الحدود المعجمية القارة أو الثابتة ضمنيا Denatation إلى فضاء ايمائي ودلالي حاف Connotation والمصطلح،أي مصطلح، لا ينطوي على لغة اعتيادية Language، وإنما يتشكل في لغة واصفة أو انعكاسية أو ما تسمى أحيانا -"ماوراء اللغة " أو ميتا – لغة Meta-Language وهو بهذا يمثل درجة عالية من التجريد، إلا أنه تجريد مفهومي على مستوى اللغة الواصفة وليس تجريدا رياضيا مختزلا، ويمكن القول أن المصطلح هو "كلمة أو مجموعة من الكلمات، تتجاوز الالتها اللفظية والمعجمية إلى تأطير تصورات فكرية وتسميتها في إطار معين، وتقوى على تشخيص وضبط المفاهيم التي تنتجها ممارسة ما في لحظات معينة. والمصطلح بهذا المعنى هو الذي يستطيع الإمساك بالعناصر الموحدة للمفهوم والتمكن من انتظامها في قالب لفظي يمتلك قوة تجميعية وتكشيفيه لما قد يبدو مشتتا في التصور (1)".

وبهذا، يقف المصطلح في فضاء لساني وسيميائي ودلالي قريب إلى حد كبير من الفضاء الذي تقف فيه كل فروع ما تسمى بالنظرية الواصفة أو الانعكاسية أو الميتا – نظرية Meta-Theory حيث نجد استقصاء نظريا في حقل نظري آخر، وهو ما يخلق مستوى أعلى من مستويات التدليل والترميز، يختلف عن المستوى المعروف لشفرات اللغة الاعتيادية، ليغدو لغة ثانية. وبناء على ذلك يمكن النظر الى المصطلح بوصفه دالا أو علامة من نوع خاص يمكن أن نسميه بالدال الاصطلاحي (أو العلامة الاصطلاحية) وهو بهذا شبيه بالدال الأسطو ري أو العلامة الأسطورية ضمن نسق سيميائي من الدرجة الثانية، يمارس تأثيره الدلالي على مستوى المعنى الايمائي الحاف وليس على مستوى المعنى الذاتي القار أو الثابت. وكما يرى رولان بارت فان المعنى الايحائي، في مثل هذا النسق، يمثل نوعا من الانتقال من المعنى الدلالي أو الاشاري إلى معنى دلالي جديد آخر. فالمعنى الايمائي يتم عندما تصبح العلامة المتكونة من العلاقة بين الدال والمدلول دالا لمدلول أبعد. ولو شئنا تطبيق مفهوم بارت الخاص بالاسطورة على المصطلح، لوجدنا أن هذه العلاقة تنطوي على عملية ثلاثية ترميزية ستمثلة في الدال والمدلول ونتاجهما العلامة لخلق بنية دلالية جديدة، حيث يحدث كل شىء كما لو أن الاسطورة (وبالنسبة لنا الدال الاصطلاحي) قد نقلت النظام الشكل للتدليلات الأولى الى جوانب فرعية يمكن التمثيل لها بالترسيمة السيميائية التالية(2):

 

ومن هنا نرى أن المصطلح يقوم في العادة بزحزحة المعنى الثابت للفظ الى دلالات ايحاثية وتأويلية جديدة لم يكن يحملها في السابق، وهو أمر سبق وأن تنبه له العلماء والباحثون العرب القدامي. إذ سبق للشريف الجرجاني وأن قال بأن الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشىء باسم ما ينقل من موضعه الأول ». كما ذهب إلى مثل هذا أبو البقاء اللغوي عندما قال: إن الاصطلاح «هو اتفاق القوم على وضع الشىء، وقيل اخراج الشىء عن المعنى الى معنى آخر لبيان المراد». وحديثا ذهب مصطفى الشهابي الى القول بأن الاصطلاح «يجعل للالفاظ مدلولات جديدة غير مدلولاتها اللغوية أو الاصلية »، بل انه تنبه للتفرقة بين ما اسماه بالمدلول

اللغوي للمصطلح ومدلوله الاصطلاحي(3).

إن هذا الامتياز الذي يحتفظ به المصطلح في انظمة الدلالة يجعلنا نؤكد على الوظيفة التداولية والابستمولوجية التي يمكن ان ينهض بها كوسيط بين مختلف اللغات، يمتلك الكثير من سمات الوسيط عبر – اللغوى، لكنه يظل في الجوهر ينتمي الى المستوى الرمزي SymboliC -بمستوى معين – بمصطلحات جارلزبيرس السيميائية الثلاثية مقارنة بالايقونة Icon والاشارة Index ان هذا الاستدراك مفيد لأن المصطلح، بوصفه علامة من نوع خاص، هو جزء من التعبير اللغوي، حيث تكون المفردة اعتباطية وغير معللة بشكل عام. وهذا لا يمنع، طبعا، ان يمتلك المصطلح في بعض الاحيان قوة تداولية ودلالية قريبة الى حد ما من طاقة العلامة الايقونية بسبب امتلاكه لمواضعة اجتماعية وثقافية تعاقدية بين مختلف الثقافات واللغات الانسانية. وهذا هو سر تحول المصطلح، في الثقافة الانسانية الى رسول مشترك للتواصل والمثاقفة، له ما له، وعليا ما عليه، بوصفه رسالة مفهومة ومشتركة موجهة إلى البشر. ونتفق هنا مع الدكتور عبدالسلام المسدي الذي يلخص اشكالية المصطلح العلمي بالقول، انه إذا "ما كان اللفظ الأدائي في اللغة صورة للموا ضعة الاجتماعية فان المصطلح العلمي في سياق نفس النظام اللغوي يصبح مواضعة مضاعفة، إذ يتحول إلى اصطلاح في صلب الاصطلاح. فهو إذن نظام ابلاغي مزروع في حنايا النظام التواصلي الأول، هو بصورة تعبيرية أخرى علامات مشتقة من جهاز علامي أوسع منه كما وأضيق دقة. وبذلك يغدو المصطلح، علاميا، بأنه شاهد على غائب، أو هو حضور لغيبة، لأنه تعبير علمي يتسلط فيه العامل اللغوي على ذاته ليؤدي ثمرة العقل العاقل للمادة اللغويه "(4).

واذا ما كان المصطلح بشكل عام يمتلك كل هذه الخصوصية، فان المصطلح النقدي في خطابنا النقدي العربي الحديث بالذات يواجه مجموعة اعقد وأوسع من الاشكاليات التي يتعين على الباحث العربي أن يتصدى لها.

في خصوصية المصطلح النقدي العربي الحديث

تنشأ إشكالية المصطلح النقدي العربي أساسا في أصوله التكوينية المعقدة بوصفه حصيلة لقوى جذب وطرد متباينة هي:

1- المصطلح النقدي في موروثنا النقدي والبلاغي.

2- المصطلح النقدي في أصوله الغربية المترجمة

3- صراع المناهج والمفاهيم والنظريات والعلوم اللسانية والسيكولوجية والاجتماعية والانثروبولوجية وغيرها.

4- محاولة تجاهل المصطلح النقدي بأنواعه أو السعي لتوليد مصطلحات جديدة بطريقة اعتباطية أو انطباعية.

فمن المعروف أن النقد العربي الحديث قد نشأ في مطلع هذا القرن باشتباك مباشر مع هذه القوى. فهو من جهة يمتلك جذورا تراثية نقدية وبلاغية وكلامية وفلسفية ومنطقية عميقة تشده الى الموروث المامي، وهو من جهة أخرى راح يتطلع الى القيم والمفهومات النقدية والاصطلاحية التي جاء بها النقاد الغربيون، كما شهد الربع الأول من القرن العشرين صراعا مكشوفا بين هذين الاتجاهين: كل اتجاه يحاول ان يشيع مصطلحاته النقدية الخاصة. فالاتجاه الموروث كان يتوسل أساسا بالمصطلح البلاغي واللغوي والاخلاقي والفلسفي أحيانا عند تحليل ظاهرة أدبية أو نص ابداعي، كما وجدنا ذلك في كتابات حسين المرصفي في «الوسيلة الأدبية» وحمزة فتح الله في "المواهب الفتحية " ومحمد المويلحي في نقده لشعر شوقي والشيخ سيد المرصفي الذي كان يذهب – على حد قول طه حسين – الى القول بأن "كل قديم في هذا المذهب جيد خليق بالاعجاب لرصانته ومتانته، وكل جديد فيه ردىء سفساف لحضارته وهلهلته ". (5) وفي لبنان والشام تمثل هذا الاتجاه في كتابات احمذ البربير وابراهيم اليازجي وشكيب أرسلان (6) وفي العراق تمثل هذا الاتجاه المحافظ في اراء أبي الثناء الألوسي والاب انستاس ماري الكوملي وفي ما كان ينشر في عجلته "لغة العرب " اضافة الى الكثير من الآراء النقدية التي طرحت ابان الصراع بين الزهاري والرصافي (7).

إلا أن هذا الاتجاه المحافظ، المرتبط أشد الارتباط، بالموروث وبالمصطلح البلاغي واللغوي سرعان ما راح يتراجع أمام ضغوط الاتجاهات النقدية الحديثة التي راحت تتخذ من النقد الغربي ومصطلحاته النقدية مثالا لها.وهكذا راح المصطلح النقدي الاوروبي يجد سبيله الى الخطاب النقدي العربي عن طريق الترجمة تارة، أرعن طريق التعريب الكلي أو الجزئي تارة أخرى، ويمكن أن نلمس ذلك في كتابات طه حسين والعقاد والمازني وأحمد زكي أبو شادي في مصر ومحمود أحمد السيد ورفائيل بطي في العراق ويعقوب صروف وخليل ثابت وامين الريحاني وجرجي زيدان وخليل مطران وميخائيل نعيمة في الشام. وقد أدى دخول المصطلح النقدي الغربي الى الخطاب النقدي العربي الى ردود أفعال متباينة تتراوح بين القبول والرفض. فقد سخر الشاعر إلياس أبو شبكة مرة من هوس بعض النقاد المحدثين في نقل المصطلح الغربى معربا بلفظه، مثل مصطلحات " الكوبيسم والريالسم والامبريشنسم والفيو تشرزم.. الخ " (8). إلا اننا، من جهة أخرى، وجدنا استعدادا كبيرا لدى الجيل الادبي الجديد ولدى عدد من الجامعيين الشباب وخريجي الجامعات الغربية لتداول المصطلح الغربي واشاعته، حتى حدث شبه افتراق بين الاتجاهين. ومن المؤسف ان لا تجري محاولة وساطة بين الاتجاهين لصياغة مصطلح نقدي عربي يفيد في آن واحد من المصطلح النقدي الموروث والمصطلح النقدي الغربي، فانحسر المصطلح التراثي الى حد كبير، وكاد النقد العربي الحديث ان يصبح صورة مطابقة لما قدمه لنا الاخر: الغرب. وربما يعود ذلك، في بعض جوانبه إلى تزمت المحافظين، وتطرف المجددين والى المتغيرات العميقة التي بدأ يشهدها المجتمع العربي وبناه الداخلية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

ومما زاد من حدة الصراع وقوع الخطاب النقدي العربي الحديث تحت تأثير الكثير من العلوم الانسانية والاجتماعية، مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأنا سة (الانثربولوجيا) اضافة الى علم اللغة (اللسانيات). إذ راح المصطلح النقدي يستمد الكثير من مصطلحات هذه العلوم مما أدى الى نوع من التداخل والاضطراب، حتى بات من الضروري التأكيد على خصوصية الحمولات المعرفية والمفهومية للمصطلح النقدي – المستمد في الأصل من علوم أخرى – تمييزا له، وتفاديا للتداخل والاضطراب. وفي مقابل هذا المنحى العريض للتأكيد على أهمية المصطلح النقدي ظل هناك اتجاه لا يمكن الاستهانة به ينحو لتجاهل المصطلح الحديث جملة وتفصيلا، أو محاولة استخدام المصطلح بطريقة عشوائية وشخصية. ونجد ذلك متمثلا بشكل خاص في بعض الكتابات النقدية الانطباعية وفي الكثير من الكتابات النقدية الصحفية. ان المصطلح، يكشف عن مواضعة اجتماعية أرعن عقد قرائي وثقافي، ولذا فان اعتباطية تداوله ستؤدي الى ضياع التوصيل والوضوح، "ويترتب على ذلك خطورة الاستعمال الاعتباطي في المصطلح لأن التحكم في المصطلح هو في النهاية تحكم في المعرفة المراد ايصالها والقدرة على ضبط أنساق هذه المعرفة، والتمكن من ابراز الانسجام القائم بين امنهج والمصطلح، أو على الأقل ابراز العلاقة الموجودة بينهما. ولا شك أن كل اخلال بهذه القدرات من شأنه أن يخل بالقصد المنهجي والمعرفي الذي يرمى اليه مستعمل المصطلح " (9).

المصطلح النقدي العربي والثورة اللسانية والنقدية:

واذا ما استطاع المصطلح النقدي العربي الحديث أن يستقر نسبيا طيلة النصف الأول من هذا القرن وخلال العقدين الخامس والسادس، فإن العقد السابع قد شهد هزة عنيفة بفعل وصول تأثيرات الثورة اللسانية والنقدية التي شهدتها أوروبا خلال الستينات. إذ تدفقت إلى المعجم النقدي الاصطلاحي العربي المئات من المصطلحات الجديدة، منها مصطلحات لسانية حديثة وأخرى سيميائية اضافة الى مصطلحات نقدية استقاما من علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأناسة والفلسفة والاقتصاد والمنطق وغير ذلك: ويمكن القول أن تدفق هذا الكم الاصطلاحي وعدم استقراره ترجميا أو مفهوميا، أدى إلى حالة من الاضطراب والفوضى والتداخل هازلنا نلمس آثارها بادية الى اليوم وتجعل من المصطلح النقدي العربي الحديث، في المرحلة الواهنة، اشكالية معقدة بحاجة الى المواجهة والمعالجة من قبل المؤسسات الثقافية والجامعية وهيئات التعريب فى الوطن العربي.

لقد بذلت خلال هذه الفترة بالذات جهود فردية وجماعية لضبط المصطلح النقدي واللساني وضعا وترجمة وتعريبا، وظهرت العديد من المعجمات الاصطلاحية الحديثة، كما انجز مكتب التعريب التابع للجامعة العربية (ومركزه الرباط) مهمات كبيرة وقدمت عجلته (اللسان العربي) خدمات جليلة للمصطلح النقدي، وفتحت صفحات أمام الباحثين والمترجمين لنشر الكثير من المسارد والمعجمات الاصطلاحية الجادة (10). وأسهمت المجامع العلمية – العربية بجهود خاصة في هذا المجال، وان ظل اهتمامها بالمصطلح النقدي الحديث ضعيفا قياسا لاهتمامها بترجمة ووضع المصطلحات الخاصة بالعلوم الطبيعية والاجتماعية. وقدم المترجمون والباحثون والجامعيون العرب خدمات جليلة في هذا المجال عن طريق جهودهم في وضع المعجمات والقواميس الاصطلاحية أو عن طريق تذييل أعمالهم بمسارد اصطلاحية أغنت الرصيد الاصطلاحي العربي. ويمكن ان نشير هنا الى جهود محمد رشيد الحمزاوي ومحمد مندور وعبدالرحمن ايوب وتمام حسان، وصالح القرماوي واحمد مختار عمر وعبدالسلام المسدي وعلي القاسمي ومحمد حسن باكلا وجبور عبدالنور ومجدي وهبة وكامل المهندس وحمادي صمود ومحمد برادة ومرتضى جواد باقر ويوئيل عزيز ومجيد الماشطة وماجد النجار وجميل نصيف وميشال زكريا وسعيد علوش وعلية عزت واحمد مطلوب، وعبدالحق فاضل وعشرات غيرهم.

ولكن، وعلى الرغم من الجهود الجماعية والفردية المبذولة في هذا الميدان فالمصطلح النقدي العربي الحديث، وبشكل خاص منذ السبعينات وحتى الوقت الحاضر، يعاني من الاضطراب وعدم الاستقرار. اذ غالبا ما نجد مقابلات موضوعة أو مترجمة أو معربة مختلفة للمصطلح الواحد. ويمكن الاستدلال على ذلك بشواهد حية مستقاة من الممارسة النقدية وتداولية المصطلح النقدي فلو شئنا الاقتصار على بعض الفروع المعرفية التي رفدت المصطلح النقدي مثل اللسانيات والسيميائية وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأناسة لوجدنا مصداقا على ذلك. وكما سبق لنا وان بينا في موضع اخر فان مصطلح اللسانيات LINGNISTICS نفسا مازال عرضة للاختلاف والاخذ والرد بين المترجمين واللسانيين العرب. وربما يمثل الصراع من اجل استقرار ترجمة هذا المصطلح، نموذجا حيا للوضع الراهن للمصطلح اللساني والنقدي. فمازلنا نجد مجموعة من المقابلات الترجمية التي لم يستقر على اي منها مثل مصطلحات: علم اللغة، فقه اللغة، اللسانيات، علم اللسان، علم اللسانة، الألسنية وغيرها فقد مال اللسانيون والمترجمون في المشرق العربي الى الاخذ بمصطلح «علم اللغة» الذي سبق للعوب وان استخدموه وخصوا به تحديدا دراسة الالفاظ مصنفة في موضوعات بحث دلالاتها، وهو ما يحدد مجال اعداد المادة اللغوية وتبويبها في نسق ييسر وضع المعاجم. وهناك من مال الى مصطلح "علم اللسان " الذي سبق وأن اطلقه الفارابي على كل العلوم العربية. وقد اتفق المشاركون في الندوة التي نظمها مركز الدراسات والابحاث الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية عام 1987 على تكريس لفظ «اللسانيات » اسما لهذا العلم الذي تجاوزت مسمياته المختلفة أكثر من عشرين لفظا. وعل الرغم من ذلك فمازال من يفضل استخدام مصطلحات أخرى مثل "علم اللغة "، بل أن باحثا عربيا في اللسانيات الحديثة هو د. أحمد مختار عمر يصر في دراسة حديثه له نشرها عام 1989 على تفضيل مصطلح "الألسنية " على مصطلح " اللسانيات " وقدم الباحث المبررات التي تدفعه الى هذا التفضيل (12). كما نجد ان الثنائية اللسانية الاساسية/ Langue Parole تترجم بطرق مختلفة. فكلمة Longue االفرنسية تترجم تارة – " لسان "، وأخرى بـ " لغة " وثالثة بـ "نظام لغوي"، بينما تترجم كلمة parole الفرنسية بـ "الكلام " أو " اللفظ " أو "الحدث الكلامي". ومصطلح Grammar المعروف يترجم حينا بـ«القواعد» وحينا اخر بـ"النحو"، وينطبق الأمر على مصطلح Syntax الذي يترجم بمقابلات عديدة مثل "النحو" و"القواعد" و "التركيب "  و" نظم الجمله " وما الى ذلك (13). أما ثنائية العلاقات السياقيه /الاستبدالية Syntagmatic/Pardigmatic فتجد لها مقابلات متعددة منها ترجمة Syntamatic بالمقابلات الاصطلاحية التالية: السياقية، الخطية، الافقية، النسقية، الضميمية، التراصفية، الترابطية وغير ذلك، وترجمة مصطلح Paradigmatic بمقابلات مثل الاستبدالية، الاختبارية، الجدولية، الايحائية، الرأسية وما إلى ذلك.

واذا ما كانت السيميائية احد الروافد المهمة التي اغنت المصطلح النقدي، فإنها من جهة ثانية قد أثارت اضطرابا متزايدا بسبب عدم استقرار مصطلحاتها في الاصل وجدتها النسبية، بل ان السيميائية ذاتها بوصفها علما لم تسثمر على مصطلح مشترك. فمن المعروف أن هذا المصطلح يتقاسما في اللغة الانكليزية تعبيران احدهما هو Semiology االذي استخدمه فرديناند دوسوسور في كتابه "دروس في الألسنية العامة والاخر هو Semiotics الذي جاء به الفيلسوف وعالم المنطق الامريكي جار لزبيرس. وكانت الخطوة الأولى التي قام بها بعض المترجمين تتمثل في التعريب الصوتي للمصطلحين فوجدنا مصطلحي السيميولوجيا والسيميوطيقا (وأحيانا السيميوتيك /. الا أن عملية الترجمة اللاحقة اضافت مقابلات جديدة منها علم الاشارات، الاشاراتية، علم العلامات، العلاماتية، علم الأدلة، السيميائية، السيميائيات. ويخيل لنا انه افضل هذه المصطلحات هو مصطلح السيميائية لانا يحمل جذرا عربيا، كما يحمل ايضا معطى صوتيا. معربا، للصوت الاجنبي، ويقبل الاضافة والجمع والنسبة والاشتقاق. «الامر ينطبق ايضا على بقية مصطلحات السيميائية وبشكل خاص مصطلح Sign الذي يترجم بمقابلات مثل: الاشارة، العلامة أو الدليل.

ولو دخلنا ميدان النقد ذاته لوجدنا اضطرابا غير قليل، وبشكل خاص في المصطلحات الخاصة بالشعرية والسردية ونقد النقد وغيرها. مصطلح "الشعرية" Poetics مثلا ظل عرضة للتقلب بين عدد من المقابلات الترجمية منها: الانشائية، فن الشعر، نظرية الأدب، الشاعرية، قضايا الفن الابداعي، علم الأدب، صناعية الأدب قبل أن يستقر مصطلح "الشعرية " في الخطاب

النقدي (15)، ونعرف جيدا ان مصطلح البنيوية Structuralism ظل عرضة للتغيير، فقد شاع في البداية مقابل ترجمي آخر هو "الهيكلية " وبعضهم استخدم مصطلح التركيبية أوالبنائية. كما ان مصطلح "الخطاب "  Discourse قد جمع حوله مقابلات ترجمية لا حصر لها مثل: القول، الاطروحة، الحديث، الانشاء، لغة الكلام، الكلام المتصل، اسلوب التناول، وغير ذلك (16). ولو حاولنا التوقف أمام عناصر المرسلة التي وضع صيغتها المعروفة رومان جاكوبسن وكذلك الوظائف المتفرعة عنها لوجدنا تباينات هائلة وغريبة. اما في مجال السردية Narratoloy- وهو علم جديد نسبيا – فان عدم استقرار المصطلح السردي واضح للغاية. وفي دراسة خاصة وجدنا ان هذا المصطلح تتقاسمه المقابلات الترجمية التالية: علم السرد، السرديات، السردية، نظرية القصة، القصصية، المسردية، القصيات، السردلوجية، الناراتالوجيا (17) وغير ذلك وهي مقابلات تعتمد الترجمة والتعريب الجزئي والكلي. كما قمنا في موضع آخر بدراسة تحولات الثنائية السردية التي وضعها الشكلانيون الروس وهي ثنائية المتن الحكائي/المبنى الحكائي: Sjuzhet/Fabula وصلتها بثنائية القصة/الحبكة) Story/Plot وبالثنائية السردية البنيوية القصة/الخطاب Story/discourse (18).

من كل ما تقدم، يتبين لنا ان المصطلح النقدي في الخطاب النقدي العربي الحديث مازال يعاني من الاضطراب والتداخل وعدم الاستقرار. ولهذا يود كاتب هذه الورقة أن يقدم المقترحات التالية:

* العمل على وضع معجم اصطلاحي خاص بمصطلحات النقد الأدبي يوحد الجهود الفردية والجماعية ويضع قواسم عمل مشتركة ومقبولة من قبل المترجمين والباحثين والنقاد العرب.

* السعى لتأسيس مصرف للمصطلحات النقدية، وهو اتجاه حضاري بدأت تأخذ به الكثير من الدول المتقدمه.

 * اعادة فحص المصطلح النقدي واللساني والبلاغي الموروث والعمل على امكانية اعادة تشغيل وتداول بعض مفرداته تجنبا للقطيعة الحاصلة في الوقت الحاضر بين المصطلح الموروث والمصطلح الحديث.

* العمل عل تأصيل المصطلح النقدي وتجذيره وتحريره عن الارتباط المباشر بعلوم اجتماعية مجاورة مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاناسة وغير ذلك.

* إعادة النظرفي الكثير من المصطلحات النقدية المتداولة والتي استخدمت بطريقة اعتباطية ولم تكن دقيقة مثل مصطلحات "الشعر المنثور" و"الشعر الحر" و"الشعر المنطلق " وغير ذلك.

* اعادة فحص الرصيد الاصطلاحي عند مختلف النقاد وملاحظة سيرورة تداولية المصطلحات المختلفة، كما جرى مؤخرا عند دراسة الخطاب النقدي عن نقاد أمثال طه حسين والعقاد ومحمد مندور.

* السعي لنشر الثقافة المعجمية والمصطلحية والوقوف ضد محاولة تجاهل العقد المصطلحي أو التصرف الاعتباطي والعشوائي بالمصطلح النقدي.

* التأكيد على أن مهمة الباحث العربي الحديث لا تقتصر على عملية ترجمة المصطلح لاجنبي وانما تتعدى ذلك الى عملية وضع المصطلح الجديد.

* التأكيد على أن المصطلح ليس مجرد وحدة معجمية اعتيادية Lexeme وانما هو مسألة معرفية (ابستمولوجية) ومفهومية قبل كل شىء. ولذا يفضل أن يدعم المصطلح بتحديد دلالي يبين مجال اشتغال المصطلح وحمولته المعرفية والمفهومية.

* السعي لحل الإشكال الناجم احيانا عن ترجمة المصطلح من عدد من اللغات الاجنبية الاصلية Sourse Languages وذلك عن طريق عمل جماعي مشترك يعتمد على دلالة المصطلح المعرفية لحل أي لبس أو اختلاف محتمل.

* تشجيع المؤسسات الثقافية والجامعية والمجامع العلمية العربية وهيئات التعريب في الوطن العربي على مواصلة العمل على نشر المعاجم الاصطلاحية وعقد المزيد من الندوات والحلقات الدراسية الخاصة بالمصطلح النقدي العربي، القديم منه والحديث… التأكيد على المترجمين والباحثين والنقاد عل ضرورة اعتماد الاسس العلمية في وضع المصطلح أو ترجمته أو تعريبه واعتماد مبادىء وضع المصطلحات التي أقرتها المجامع العلمية العربية ومكتب تنسيق التعريب بالرباط (20).

الهوامش

1- بوحسن، احمد "مدخل الى علم المصطلح: المصطلح ونقد النقد العربي الحديث " مجلة «الفكر العربي المعاصر» العدد ( 60- 61) كانون الثاني – شباط 1989، بيروت،ص 84.

2- هوكز، تونس (تجرمة الماشطة، مجيد) «البنموية وعلم الاشارة » دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1986، ص 120- 121.

 3- مطلوب، د. احمد، "معجم النقد العربي القديم " دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1989، ص 10.

4- المسدي، د عبدالسلام " قاموس اللسانيات " الدار العربية للكتاب، تونس 1984ص 13.

6- ياغي، د. هاشم "النقد الأدبي الحديث في لبنان"  الجزء الأول، دار المعارف بمصر 1968ص 11، 79، 186.

7- مطلوب، د. احمد، «النقد الأدبي الحديث في العراق ه، معهد البحوث والدراسات العربية، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، 1968، ص 20- 26.

8- ياغي، د. هاشم «النقد الأدبي الحديث في لبنان » الجزء الثاني، الهامش رقم (1) ص8. ومن المفيد ان نذكر المقابلات الترجمية لهذه المصطلحات:

التكعيبية: الكوبيسم Cubism

الواقعية: الريالمسم Realism

الانطباعية: الامبريشنسم Impressienism

المستقبلية: الفيوتشرزم Futurism

9- بوحسن، احمد «مدخل الى علم المصطلح » ص 84.

10- الخطابي، محمد محمد، «رسالة المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي» مجلة «اللسان العربي» المجلد العاشر، الجزء الثاني، يناير 1973، الرباط، المغرب ص 15- 36.

11-المسدي، د. عبدالسلام «قاموس اللسانيات » ص 61.

12- عمر، د. احمد مختار "المصطلح الألسني العربي وضبط المنهجية " "مجلة عالم الفكر"، المجلد العشرون، العدد الثالث 1989، ص 8-9، الكويت.

13- ثامر، فاضل " اللغة الثانية – في اشكالية المنهج والنثرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث " المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994،(ط 1) ص 177.

14- دي سوسير، فرديناند، «دروس في الالسنية العامة » ترجمة صالح القرماوي واخرين، الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس، 1985 ص 37.

15- ثامر، فاضل «اللغة الثانية » ص 101.

16- ثامر، فاضل «مدارات نقدية – في اشكالية النقد والحداثه والابداع » دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1987 ص 12 2- 217.

 17- ثامر، فاضل «اللغة الثانية » ص 178- 180.

18- ثامر، فاضل، المصدر السابق ص 184- 190.

19- القاسمي، د. علي «مقدمة في علم المصطلح » دائرة الشؤون الثقافية، سلسلة «الموسوعة الصغيرة » 1985 ص 161 – 205.

20- القاسمي، د. علي، المصدر السابق ص 92- 124

 
 
 
فاضل ثامر ( كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …