أخبار عاجلة

الأقدام المضمّدة

انتشرت عادة تضميد الأقدام للفتيات في الصين منذ القرن العاشر واستمرت حتى أوائل القرن العشرين. كانت تمارسها في البداية عائلات الطبقة الغنية. تبدأ العملية في سن الخامسة أو السادسة وأحياناً أبكر، وتتطلب سنتين لبلوغ الحجم المطلوب: 7.5سم أو حجم زهرة اللوتس الذهبية. يعود أصل هذه العادة إلى الإمبراطور تانغ، عندما طلب من جاريته الصغيرة أن تربط قدميها لكي ترقص له رقصة اللوتس التقليدية. دخلت حيز التقاليد وأصبحت رائجة لدى كل نساء الإمبراطورية لأنها كانت رمزاً للثراء والتميز الاجتماعي. وكانت مكانة المرأة تتعلق بحجم قدميها الصغيرتين وبالأحذية التي تطرزها بدقة فائقة لهذا الغرض. في الواقع، لم تكن النساء المضمدات الأقدام مخولات للعمل سوى في بعض الأعمال المنزلية المحدودة جداً.
في القرن التاسع عشر، حاول بعض الأباطرة ومن بينهم الإمبراطورة سي تزي استبعاد هذه العادة دون جدوى. في عام 1912م، بعد سقوط مملكة كينغ، منعت حكومة جمهورية الصين تضميد الأقدام وأجبرت النساء على نزع الضمادات، فنتج عن ذلك آثاراً صادمة لأنها كسرت المحرمات. استمرت هذه العادة في الخفاء إلى ما بعد عام 1949م تحت حكم جمهورية الصين الشعبية وكان عدد النساء اللواتي يمتلكن أقداما مشوهة حينذاك المليار.
إيميلي براغر، كاتبة وصحفية أميركية. كتبت هذه القصة عن فتاة صينية قبيل تضميد أقدامها بساعات. بأسلوب غني بالصور والمواقف، استطاعت أن تنقل لنا مشهداً كان يحدث على مر عشرة قرون من الزمن تحت حجة التجميل والتقيد بالعادات. تكشف الكاتبة عن خوف أفراد المجتمع، وخاصة النساء، بحيث يصعب أو يستحيل رفض أي تقليد أو أي عرف اجتماعي حتى ولو كان الثمن الآلام المبرحة والتشوه والعذاب مدى الحياة. قصة قصيرة، لكنها وافية لتعطي درساً في إعادة النظر في ما قد تراه المجتمعات أمراً صار مع الزمن طبيعياً لكنه يكلف البعض العذاب وأحياناً الموت.
* * *
“سيكون لدي أجمل ضريح في الصين كلها، علي أن أكرّس له آخر قواي”. همست السيدة غوغو بكل فخر بينها وبين نفسها. كان ذلك في عز الصيف، وبالتحديد في منتصف بعد الظهر في جناح “الانتعاش” المظلم الهادئ. مشت السيدة غوغو بخطوات قصيرة نحو اللوحة المرسومة فوق الجدار والتي تمثل مشهد ثلوج، علّها تنسى حرارة الطقس.
“ست عشرة سنة من العمل، ست عشرة سنة لا تنسى، ها هو أخيراً كل شيء معدّ للتزيين. كم انتظرت تلك اللحظة! سأرى وبكل طيبة خاطر أي لون سأختار لغرفة دفني، الأزرق أم الأخضر؟ إيه! ماي لين ما رأيك؟ اللون الأزرق أم الأخضر لغرفة الدفن الخاصة بأمك؟”
فكرت ماي لين ذات السنوات الست، الابنة الثانية والأصغر للسيدة غوغو وهي تدور حول أمها: “الأزرق، إنه يليق بلون بشرتك يا أمي، بالأخص وأنت ميتة. برأيي سيكون الأخضر لوناً حزيناً نوعا ما، وهو زاهٍ قليلاً”.
– معك كل الحق يا ماي لين، الأخضر إجمالاً فيه شيء من العفونة. لك ذوق سليم بالنسبة لطفلة صغيرة مثلك… إني أتنبأ لك بزواج عظيم يا ابنتي، بعد موسمين أو ثلاثة، بالتأكيد بعد أن نزّوج ماي شين. ثم أدارت لها ظهرها.
– أمي الجليلة، سألت ماي لين وهي تنطنط وتشدّ كمّ ثوب أمها الفائق الطول، في أية ساعة ستصل مضمدّة الأقدام غداً؟ كم من الوقت سيستغرق عملها؟ هل سأتمكن من لبس حذائي الصغير فوراً؟ هل سأصبح كبيرة مثل ماي شين؟
اقتربت السيدة غوغو بخطوات متعثرة نحو طاولة خشب الدلب الهندي حيث تتبعثر مخططات الجناح الذي تم إنشاؤه منذ عهد قريب. تبعتها ماي لين تركض لاهية تلعب حول أمها مثل نمس أليف حول ثعبان في سلة. على إثر قفزة خرقاء من ماي لين فقدت السيدة غوغو توازنها، لكنها تداركت والتقطت حرف الطاولة وصرخت بغضب شديد: “لن أجيبك يا ماي لين. تصرفك قليل الحياء، لا تستحقين الردّ. اذهبي الآن! أنا زعلانة منك جداً”.
– نعم يا أمي، أنا آسفة، همست ماي لين مقهورة. وبعد انحناءة مبجّلة تليق بسيدة مميزة، غادرت جناح “الانتعاش” وركضت مسرعة.
عبرت على عجل الساحة المتوهجة تحت الشمس، اجتازت الحوض شبه الجاف والمسمّى “الولادة الجديدة السعيدة”، ثم اندفعت إلى جناح “الغبار الأحمر” الذي يضمّ مسكن أختها ماي شين ذات الثلاث عشرة سنة.
في الداخل كان يتوزع النور والظلام على نحو غريب، إذ لا وجود لأمكنة رمادية وسطى، وكانت رائحة أكياس الياسمين المجفف الحادّة تعلق في الهواء الحار الخانق. كعادتها، كانت ماي شين جاثية على ركبتيها فوق البلاط المربع بألوانه الزاهية وتنتشر من حولها دزينات من العلب المفتوحة. كانت تحصي أحذيتها.
لدى دخول ماي لين المفاجئ، رفعت أختها نظرها وقالت بلهجة متعالية: “أملك ألف زوج أحذية صغيرة من الساتان، إذا كنتِ غير مصدّقة، فعدّيها بنفسك، هيا”. وبحركة من يدها أشارت إلى أختها. “عدّي”. ثم وقفت وهي تتأرجح بخفة مما جعل زينة رأسها تنزلق. قالت: “لدي أصغر قدمين في كل المدينة. إنهما ليسا أطول من هرّين حديثي الولادة، انظري!”
هرولت ماي شين بكل ثقة إلى زاوية الغرفة حيث الموقد الذي يستخدم للتدفئة في الشتاء. كان مطفأ بالتأكيد وببرودة الحديد، أحاطته لحظة بذراعيها وأراحت خدها وصدرها فوق المعدن البارد، ثم انحنت، كانت تنبعث من الداخل جوقة أصوات مواء مرتعب، أخرجت هرّين حديثي الولادة وأخذت واحداً في كل يد ووضعتهما بجانب قدميها الصغيرتين المدببتين.
– تعالي وانظري. قالت آمرة وهي ترفع طرف ثوبها الطويل. سارعت ماي لين وركعت أمامها. كان ذلك صحيحاً. أما الهران الصغيران بأجفانهما المغلقة وآذانهما الملتصقة فكانا يزحفان بيأس فوق البلاط، يموءان جائعين بشكل يثير الشفقة. كانا أكثر حياة من قدمي ماي شين، ولكن بما لا يقبل الجدل، لم تكن قدماها أكبر منهما. تأثرت ماي لين بهذا المشهد بشكل فظيع.
– نعم هذا صحيح. قالت ماي لين راضخة مستسلمة. ثم ولكي تلطف الجو بينهما وعلى سبيل المزاح أضافت: “انتبهي ألاّ تأتي القطة الأم وتأخذهما منك!” وضحكت ضحكة صغيرة. غداً ستأتي امرأة تربط لي قدميّ، هل الأمر مؤلم؟ ماذا سيشبهان بعد ذلك؟ قولي لي أرجوك.
– علجومان.
– ماذا!
– إن قدميّ رائعتان كزهرتي لوتس ذهبيتين. لكن قدميك ستشبهان علجومين مقرّنين. ضخمان وبشعان.
– أوه، ماي شين!
– أنا بالذات لم أشعر بالألم بتاتاً. الأمر مؤلم حين تكون الفتاة كاذبة ومخادعة وساحرة. أي: فتاة غير جديرة، مدللة وقليلة الأدب. إياك أن تفكري أنه بإمكانك تجربة أحذيتي فيما بعد. ليس لك الحق. إنها تخصني لي وحدي، الألف زوج.
– نعم ماي شين.
وبينما هي تتكلم هكذا قفزت ماي لين من وراء ظهر أختها واختلست زوج أحذية صغير وخبأته في الكم الواسع لفستانها الفضفاض.
– الآن علي الذهاب إلى درس الموسيقى يا أختي الكبرى. قالت وهي تهرع نحو الباب، وقبل أن تخرج توقفت للحظة، استدارت وانحنت: “سامحيني أرجوك”.
– ولكن، ردّت ماي شين متجاهلة كلام أختها، ربما يكون الألم مريعاً كفاية ليسحق المشاعر كما تُسحق قشرة البيضة، ربما ستستدعين الموت لمواسم كثيرة وبصرخات عالية دون أن يسمعك أحد وأنت تتوسلين وتذوين من العذاب. آه! لماذا أقول لك ما لم يقله لي أحد؟
– لأنني كنت لأقوله لك؟ أجابت ماي لين. وكانت أختها قد شرعت بعدّ أحذيتها، وانتهى اللقاء.
ولّت ماي لين هاربة من الجناح ومرّت بسرعة بمحاذاة الحوض. وصلت إلى بوابة حديقة “العالم الآخر الكامل” والتي أنجزت للتوّ. لدى وصولها إلى جسر “ذكرى لا تنسى”، توقفت لتستعيد أنفاسها ونظرت إلى خادمات أمها. كن يسقين الياسمين المترامي في كل مكان بمياه الأسماك المتخمرة على أمل أن يدوم مزهراً كل الصيف. كانت تنبعث في الجو رائحة كريهة مقززة أصابت ماي لين بالغثيان فعاودت الركض بمحاذاة ساقية “دون ندم”، ثم تجاوزت الخميلة الكبيرة ونفذت إلى مرج “المائة أوركيدة” حيث ينهمك الرسامون بتثبيت ألوان اللوحة الكبرى. أدار العم فِن وين معلم الرسامين نظره عن لفافة الحرير وابتسم. منذ ست عشرة سنة وهو يعمل في ضريح السيدة غوغو. في البداية بصفة مسؤول عن الستائر واللفائف المزينة بالخط الصيني، وفيما بعد عن اللوحات الجدارية ولافتات النوافذ ومنحوتات العاج. طوال ذلك الوقت كان ينظر إلى ماي لين تتحرك مثل ضربة ريشة لرسم مهيأ. كان يعتبر نفسه كعمّ لها. ماي لين من ناحيتها كانت تحبه حباً جمّاً، لم تتوقف عن الجري لملاقاته لدى استيقاظها صباحاً. بالإضافة إلى أنه لم يكن هناك من داع لاحترام الرسميات مع العمّ فِن وين.
كان العجوز يرسم مع تسعين رساماً على قماش من الحرير. عثرت عليه ماي لين في الزاوية الجنوبية الشرقية لذلك المرج يرسم بضربات ريشته الرتوش الأخيرة لأوراق الأوركيدة. من دون تكلف، قفزت إلى حضنه وتلملمت داخله.
– فن وين المحترم، قالت وهي ترفع نظرها نحوه، حاول أن تعرف ماذا سأقول لك.
رفع فن وين حاجبيه ليفكر، فبدا شبيهاً ببوذا بجبينه المجعد.
نزلت البنيّة عن ركبتيه وركضت بخطاها الصغيرة واتخذت لها مكاناً على الأرض بقفزة واحدة وجلست لتروي له الخبر.
– غداً ستأتي مضمّدة الأقدام لتربط لي قدميّ، بعد ذلك سأتمكن من لبس الأحذية الصغيرة تماماً مثل هذه، صاحت وهي تعرض متباهية زوج الأحذية الذي اختلسته من ماي شين. حركتهما بفرح أمام وجه العجوز، ثم خبأتهما من جديد.
– حسناً، سأصبح كبيرة…
توقفت لحظة. امتلأت عينا العجوز المتعبتين بالدموع وأدار التسعون رساماً نظرهم بلباقة.
– آه. تنهد ببطء. في هذه الحالة لن نراك بعد الآن.
– ولكن بلى! ماذا تقصد؟ لماذا تظن ذلك؟ سألته ماي لين وهي تمسك بثوبه ممعنة النظر في عينيه.
– طيب. في البداية لن تستطيعي المشي بالتأكيد. ثم حين تشفين، سوف تحملك ساقاك ربما حتى بوابة “القمر”، ولكن وا أسفاه يا ماي لين، ليس لأبعد من ذلك. لن تصلي أبداً إلى هذا المرج. لن يسمح لك بذلك، ما إن…
– لن أستطيع المشي؟ قاطعته ماي لين مشغولة البال. ماذا تقصد؟ ها هي السيدة غوغو تمشي، ها هي ماي شين تمشي…”
بقي الصمت معلقاً لوقت طويل، بينما أدار العجوز فِن وين والتسعون رساماً نظرهم ناحية الشرق بهيئة حزينة تاركين ماي لين ذات السنوات الست والابنة الثانية والأصغر للسيدة غوغو وحيدة، فريسة لفكرها التصوري الأول. كانت تمتزج صور ماضيها بتلك الحاضرة لينبثق عنها رؤيا مستقبلية. راحت تدور حولها شذرات الإدراك كحبات الأرز في زوبعة تتراقص أمام عينيها، تتصادم وتتبعثر في كل الاتجاهات. لم يُسمع في تلك اللحظة سوى عبارة واحدة على وجه الأرض راحت تهمسها ماي لين: “لا يستطعن الركض، ولكن أنا سأستطيع”.
انحدرت عــن مرج المـائة أوركيدة وراحت تركـض في ممر “الأمنيات المستجابة” إلى أن وصلت إلى “بوابة الشمس” لتظهر في الحقل المجاور.

متخذة كل الحيطة كي لا يراها أحد، تسلقت ماي لين الدرج الخلفي لبيت الشاي كل أربع درجات دفعة واحدة وانسلت إلى المساكن المترفة لصديقة والدها الجارية الشهيرة لانغ مي والتي يعني اسمها لسان العسل. ظهورها المفاجئ جعل السيدة الجميلة تجفل، فقد كانت جالسة أمام مرآتها تدهن أظافرها الطويلة ببتلات البيلسان الوردي المسحوق مع حجر الشبّة.”أوه! هذه أنت ماي لين. اجلسي يا صغيرتي، لقد انقطعت أنفاسك. ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
غاصت ماي لين وسط طنفسة من البروكار وغرقت في البكاء. هرولت السيدة نحوها وضمتها بحنان إلى صدرها المعطر. وراحت تغني لها وهي تؤرجحها: لا لا لا…” إلى أن نجحت بتهدئة الصغيرة.
– غداً ستأتي إحداهن وتربط قدميّ و… ”
رفعت لانغ مي يدها إلى فمها وراحت تضحك من وراء أصابعها… تركت ماي لين وعادت بخطا مغناج نحو طنفستها أمام المرآة وهي تضحك باستمرار. بدأت بوضع قناع بوذا على وجهها، مسحوق طباشيري صاف، ثم لون وردي فوق خديها. حين انتهت من نتف حاجبيها ومسح آخر نقطة زيت عليهما، ابتسمت بأكثر الابتسامات رونقاً وعذوبة وقالت: عليك أن تقومي بما هو لفائدتك يا ماي لين. سيختفي الألم خلال سنتين. بعد ذلك سيكون لديك سلاح لم تحلمي به من قبل. اركضي الآن بسرعة إلى منزلك قبل أن يراك أحد هنا”.
أطاعت ماي لين. ولكن، بينما كانت تتسلل بأقصى سرعتها على طريق “التنين” لتصل إلى بوابة الشمس في شرق المسكن رأت نفسها، ولسوء حظها، تصطدم بموكب هودج لاوبينغ، عمتها الكبرى التي تكبدت عناء الرحلة لحضور احتفال تضميد قدمي ابنة أخيها.
توقف الحمالون فجأة ووضعوا الهودج في وسط الطريق. ركضت ماي لين وصعدت إلى داخله. راح يتمايل مثل مركب فوق بحر هائج، شعرت ماي لين المحتبسة داخل تلك العلبة المظلمة بالغثيان، إذ كان عطر زيت شعر لاوبينغ ملتصقاً بوسائد البروكار مما نشر في العربة رائحة تبعث على القرف.
– ستأتي مضمّدة الأقدام، ستربط لي قدميّ، بعد ذلك لن أتمكن…
– مضمّدة أقدام؟ بدا الاضطراب على هيئة العمة، أية مضمّدة أقدام؟ تقصدين أن أمك كلّفت إحداهن لتقوم بمهمة الغد؟ هزّت ماي لين رأسها.
– عمتي. ترددت ماي لين. كيف سيكون…
أدارت العمة السؤال في رأسها ثم أجابت بلهجة حازمة: “إنه شيء على المرأة احتماله إذا كانت ترغب بزواج جيد لا أكثر ولا أقل. ماي لين إذا كنت تتمنين الحياة في القصر، عليك أن تمتلكي قدمين صغيرتين. هذا منطقي، من دون أدنى شك، هذا منطقي.
– هل هو مؤلم يا لاوبينغ؟ نظرت ماي لين إلى عمتها برباطة جأش متأهبة لتلقي الجواب. قالت السيدة العجوز الحقيقة بصراحة:
– إن الألم هو ثمن الجمال. كل النساء يعرفن ذلك. الآن، اركضي بسرعة أيتها الفأرة الصغيرة واحلمي بأحلامك كطفلة، فالأسرار التي ستعرفينها غداً ستعطيك الشعور بأنك عجوز.
أغلقت باب الهودج وصاحت آمرة: “إلى الأمام!”
مشت ماي لين حول مرج المائة أوركيدة وعبرت الفسحة السماوية، ثم توجهت نحو الممر الذي يدعى “مشاهد من الحياة الأخرى”، حيث أمضت بعد ظهيرتها تتأمل في مصير حجم قدميها.
كانت السيدة غوغو في غرفة الدفن الخاصة بها، ذلك المبنى الحجري الضخم الذي يخلو من الهواء وتعم فيه رائحة العفونة. كانت الغرفة جنائزية بحق، فهي رطبة، كما أن المشاعل المثبتة على الجدران كانت تنشر ضوءاً يتلألأ بنار خطرة. دخلت لاوبينغ تسبقها ثلاث خادمات يفتحن لها الطريق بجلبة صاخبة. رفعت السيدة غوغو الغافلة داخل تلك المعمعة من الازدحام عينيها وتعرفت على أخت زوجها، فسارعت لاستقبالها.
– أهلاً بك يا أخت زوجي المحترمة في غرفة ضريحي الجديدة. فخمة، أليست كذلك؟ سأدخل إلى العالم الآخر كأميرة. مجيئك إلى هنا بركة لي في سنك الناضح بالحكمة.
– نعم، نعم. قالت لاوبينغ. بالنسبة إلى احتفال الغد، أخبرتني ماي لين أنك كلّفت أخصائية.
– هذا صحيح لاوبينغ، حين يتعلق الأمر بالنفقات…
– لا يهمني أمر النفقات، اسمعي يا أختي الصغيرة، ببساطة، إن نساء آل غوغو يربطن أقدام بناتهن بأنفسهن منذ قرون.
– أنا لست حمقاء لاوبينغ، أجابت بصوت رقيق. خلال الأيام الماضية، أحرقت ما يكفي من البخور لأتصالح مع الأجداد.
بفرقعة من أصابعها ندهت خادمتين وأمرتهما باصطحاب لاوبينغ إلى جناحها، حينها تهادت السيدة العجوز المنهكة بمشيتها باتجاه زوجة أخيها وهمست في أذنها: “سامحيني يا أختي الصغيرة، إنه احتفال مليء بالعواطف. ربما أسوأ بكثير هذه المرة، فهو يتعلق بغاليتي ماي لين”.
ابتعدت لاوبينغ تسبقها خادماتها يفتحن لها الطريق بضربات أكواعهن. انفتح الجمع للحظة ليسمح لها بالمرور، ثم انغلق وراءها مباشرة، تماماً كأفعى البوا الضخمة تبتلع فريستها كاملة بلقمة واحدة.
في قلب الليل الحار والجاف كحرارة فرن، كانت ماي لين تتقلب في فراشها، تلتمع حبيبات العرق فوق جبينها الطفولي. عادة في مثل هذا الوقت تكون قد غفت منذ وقت طويل تحت تأثير النغمات الليلية لعازفي السيتار، ولكن ليس هذه الليلة، فقد كانت مضطربة جداً. استوت فوق سريرها وصالبت ساقيها فوق بعضهما، ثم أخرجت من تحت وسادتها الحذاء الصغير الذي سرقته من أختها. داعبت قليلاً الساتان القرمزي المطرز بعصافير زرق سماوية وبراعم خضر بلون الزيزفون، ثم وضعته فوق غطاء سريرها تحت أقوى أشعة القمر. “كم هما جميلان!”، همست بينها وبين نفسها، صغيران. قريباً سأطرز واحداً لي، سوف أختار قطط وبومات… كم هما صغيران، لا أفهم كيف…” نظرت حولها لتتأكد أنها وحيدة ولا أحد يراها، ثم أخذت إحدى فردتي الحذاء وحاولت إدخالها في قدمها، ولكن محاولاتها باءت بالفشل، إذ لم يكن الحذاء ملائماً على قدمها، كانت تخرج تقريباً كل أصابعها والكعب ونصف قدمها على جوانب الحذاء. أصيبت بخيبة أمل رهيبة. “ربما كبرت قدماي وفات الأوان”، تنهدت بصوت عال. كررت المحاولة مرات ومرات ثم قفزت من السرير وأخفت الحذاءين الصغيرين تحت وسادتها. “من هناك؟” صاحت وهي تجري نحو باب غرفتها.
– بحق السماء ماي لين هذه أنا. همس صوت من الخارج. تنفست ماي لين الصعداء وانسلت إلى الممر. كانت جارية والدها لاي تي ذات السنوات الثماني عشرة، والحامل منذ ستة أشهر قمرية تركع أمام شذرات قارورة زجاجية، فبدت مخططة تحت ضوء القمر. رفعت عينيها منتحبة: “أوه، ماي لين، تمتمت من خلال دموعها إن ساقّي قد تورمتا وأصبحتا كحصانين ميتين في الوحل، أما قدماي، أوه ماي لين، لم تعودا من هذا العالم”.
انطوت لاي تي على ركبتيها، جلست على الأرض وأغلقت عينيها بشدة. مدّت ساقيها وهي تتأوه تأوهات خافتة من الألم. تأملت ماي لين بطنها المتكور الشبيه بدراقة عملاقة بارزة تحت ملابس نومها وتساءلت، أي مخلوق مخبأ في الداخل.
انحنت لاي تي لتدلك ساقيها. كانت قدماها الصغيرتان المضمدتان تظهران من تحت حاشية ثوبها الطويل كرايتي انهزام بعد معركة خاسرة .”لم تعد قدماي قادرتين على حمل ثقل شخصين يا ماي لين، ولكن لا تقولي أبداً إنني قلت ذلك، أتعدين؟” أومأت ماي لين رأسها بجدية وأجابت: “أعدك”، وهي تفحص بطرف عينها أقدام لاي تي. “إنهما نتنتان، هذا هو الأسوأ، تنبعث منهما رائحة كريهة كأيدي بائع السمك في آخر النهار. ذلك يخيفني يا ماي لين، ولكن لا تقولي أبداً إنني قلت ذلك، أتعدينني؟”
أومأت ماي لين رأسها مرتعبة.
– كنت ذاهبة إلى مذبح إلهة القمر لأصلي لها كي تمنحني صبياً.
– غداً سوف تأتي إحداهن وتربط لي قدمّي و…”
– لن تتمكني من الركض إلى أي مكان، تنهدت لاي تي. آه كم ينقصنا الحظ.
– أين أصابع قدميك؟ صاحت ماي لين فجأة ودون أن تهيئ سؤالها. بكل بساطة ألقت نظرة على قدمي لاي تي وفهمت أخيراً بماذا هما مختلفان.
– أصابع ماذا؟… سألت لاي تي بعصبية.
– أصابع قدميك. وركعت ماي لين أمام القدمين المغطاتين بالأربطة، وأشارت بإصبعها الرفيع الدقيق. “لدي خمسة أصابع، ليس لديك سوى واحد. هل قطعوا لك الأصابع الأخرى؟ واتسعت عيناها من الرعب.
– لا. شدّت لاي تي قميص نومها فوق قدميها. لا، بالتأكيد لا.
– ماذا حدث لهم إذاً؟ وحدّقت ماي لين في عيني جارية والدها السوداوين الوديعتين.
أخفضت لاي تي رأسها وبقيت غارقة في ضياء القمر الفضي لبعض الوقت. كان عازفوا السيتار في الباحة قد ازداد حماسهم وكانت آلاتهم تردد بحرارة وطواعية صدى قلوبهم المليئة بعذوبة الألحان.
بوغتتا فجأة بظهور ست خادمات مرتعبات. ضجّ الممر بأصوات التوبيخ، ثم وكالنمل الزاحف نحو فتات قطعة الحلوى، رفعت أربع منهن لاي تي بسرعة وحملنها إلى جناحها. أما الاثنتان الباقيتان فقد دفعتا بماي لين بعجل نحو غرفتها ومن ثم نحو سريرها.
– أريد دميتي. انتحبت الطفلة بحزن. أحضرتها لها إحدى الخادمات، تلك الدمية القماشية بوجهها الجميل الشبيه بوجه آلهة القمر، وشعرها الحريري الأسود وثيابها المطرزة بشكل بديع، كان قد صنعها فن وين لها خصيصاً. وصلت إلى صاحبتها مفتوحة اليدين، ضمتها ماي لين بقوة إلى صدرها وتنشقت بعمق رائحة شعرها الحريري، ثم مدّت يدها تحت وسادتها وأخرجت الحذاء الصغير وألبسته لقدمي الدمية. شدّت قليلاً ودفعت بهما إلى أن دخلتا بشكل ممتاز، وصار لمطر الربيع، كان هذا اسم الدمية، هيئة سيدة كبيرة. بدا مزاجها منسجماً كلياً مع الحذاء الصغير، حتى إن ماي لين نسيت مخاوفها ونامت حالاً.
تأخرت المرأة المكلّفة بتضميد قدمي ماي لين. كانت قد مرت ساعتان على صياح الديك وكانت الساحة أمام معبد “الألفي جد” تعج بصيحات فقدان الصبر والحر.
في داخل المعبد المظلم والشديد الحرارة، كانت السيدة غوغو تضرب الأرض بقدميها الصغيرتين. كانت تشعر بالحرج الفظيع تجاه أجدادها. كان ضارب المندل شاب نحيل ومخنث، هزّ رأسه وقبضتيه وقال:
– سوف تحين الساعة المناسبة يا سيدتي. وإذا مرَّت، لن أستطيع تحمل النتائج.
لاوبينغ التي كان يعذبها الحر على نحو قاس كانت مستسلمة للانتظار قالت مؤكدة: “صحيح يا أختي الصغرى يجب أن نبدأ حالاً. هذا تماماً ما يحدث حين ندفع لإنسانة غريبة…
كانت ماي لين أمام المذبح تجلس على مقعد صغير تغمر قدميها في مغلي عظام القرود. كانت تتأمل في وجوه آخر أجدادها المتوفين, تلك الوجوه التي بدت مهيبة على ضوء شموع الصلاة. تماماً وبعد صياح الديك, كانت قد دخلت إلى المعبد مع نساء من عائلتها، وشرعن يصلَّين للآنسة “ذات الأقدام الصغيرة” للحصول على براعم اللوتس الأكثر استدارة والأكثر نعومة والأكثر رقة. كان لمنقوع عظام القرود دورا ملين للأقدام لجعلها طواعية لتتمكن من الانحشار داخل جزمة الساتان الحمراء الصغيرة التي صنعتها لها أمها خصيصاً والموضوعة الآن فوق المذبح كقربان مقدم للآلهة.
كان الناس في الساحة يتقدمون ويتراجعون ويثرثرون فيما بينهم بانتظار التعليمات وقد فقدوا صبرهم، عزف عازفوا القيثارة اللحن المفضل لدى السيدة غوغو.
– حسناً. نشقت لاوبينغ، إذا لم تصل سأقوم بالمهمة أنا بالذات, فقد ربطت أقدام بناتي الثلاث بنجاح باهر.
– وصلت مضمّدة الأقدام. أعلنت السيدة غوغو وهي تدخل الغرفة، “لنتأهب!”
رمقت لاوبينغ ضارب المندل بنظرة مشؤومة ونفخت قائلة: دعنا. ثم استدارت لتتفحص مضمّدة الأقدام الشهيرة.
– اعذروني جميعاً، قالت المرأة للحضور بصوت دافئ وهي تدخل المعبد بخطا واسعة، إن أصغر فتيات آل وانغ تصر على فك رباط أربطتها خفية. في كل مَّرة تقوم بذلك، أقول لها ببساطة إنني مجبرة على شدها بقوة أكثر.
استدارت ماي لين لترى الواصلة الجديدة, كانت بالكاد بطول أربعة أقدام، مستديرة ككرة العاج المحفور. رفعت المرأة المنمقة عباءتها، مشلح الرهبان ذا القلنسوة المدببة، وظهرت بملابس راهبة بوذية, الرأس والحواجب حليقة, الرداء بلون الزعفران، والوجه خالٍ من أية مساحيق أو أي لون أحمر, انحنت المرأة الصغيرة والتي تذكّر باللفت، والتقطت سلتها ثم توجهت بعجلة نحو المذبح.
فتحت لاوبينغ فمها مرتعبة وأخذت بدون مداراة السيدة غوغو على جانب وقالت: “ما معنى هذا؟ إنها لا تلبس حذاء! أقدامها عارية وهي طبيعية. لم أشعر بمثل هذا الضيق من قبل، وماي لين؟ سوف أ… ”
أخذت السيدة غوغو يدي لاوبينغ بين يديها وحاولت أن تشرح لها: “كونها لا تملك أقداما مربوطة ذلك يعني أنها ستقوم بعملها على خير وجه على أقدام الآخرين. بالنسبة لها إنه عمل تجميلي وغاية، ألا تفهمين هذا؟ بالنسبة لنا إنه عمل أكثر ثقلاً، شفقتنا تشلّ بصيرتنا. ستصبح قدما ماي لين كعصفوري طنان. سوف ترين”.
– هدوء من فضلكم! دوّى صوت مضمّدة الأقدام, ثمّ أبعدوا الحشد الذي في السّاحة!
– بدون طيّارات ورقيّة؟ سألت السّيدة غوغو بخجل: “مع ذلك، لقد كان لدينا دوماً من يطيّر الطّائرات الورقيّة, إنها المرّة الأخيرة الّتي…
– لا، لا، الجري ينفخ القدمين ويجعل الأمر أصعب بكثير.

– نعم إنه بغيض. وافقت لاوبينغ.
– مان تسو.
سارعت الخادمة رقم واحد وقامت بانحناءة احترام.
– أفرغي السّاحة.
هزّت مان تسو رأسها وركضت نحو الخارج, ارتفعت همهمات احتجاج ثم سكتت، ولكن سرعان ما ساد في السّاحة صمت لاهب ومضيء يقطعه فقط ومن وقت لآخر طنين الحشرات.
عادت مان تسو إلى القاعة واتخذت لها مكاناً وراء عمود مطلي بالأحمر.
وضعت السيدة غوغو إصبعها فوق شفتيها وفرضت الصّمت، ووجهت كل انتباهها نحو ما تقوم به مضمدة الأقدام.
– ماذا تفعلين؟ سألت ماي لين، رفعت مضمدة الأقدام عينيها الدائريتين نحو الطّفلة وأجابت دون أن تشيح نظرها: أربطك إلى الكرسي بأحزمة جلدية. وبعد أن ثبتت آخر ذراع وآخر ساق، ابتعدت قليلاً لتتأمّل عملها.
– لماذا؟ سألت ماي لين وهي تشدّ على أربطتها.
– لأنّ ذلك يؤلم يا ماي لين, وإذا تلوّيت في كلّ الاتجاهات سوف تفسدين عملية التّضميد, الآن خذي اقبضي على حبات الكستناء هذه في كلّ يد, وحين تشعرين بالألم اضغطي عليها بشدّة بكلّ قوّتك, وإذا كنت محظوظة لن تكبر قدماك أكثر مما هما الآن”.
أخذت ماي لين حبتي الكستناء, وشدّتهما داخل راحتيها، راحت تدور المرأة حول نفسها أمام المذبح خافضة رأسها لتقوم بمهمّتها تتمتم بينها وبين نفسها.
“هذا منديل لمسح الدّموع، هذه سكين, وأربطة القماش, حجر الشّب، بودرة الياسمين الأحمر حسنا أعتقد أنّ كل شيء جاهز. هل السّاعة الملائمة حانت؟” وألقت نظرة على السيدة غوغو التي أومأت رأسها، وتقدمت لتقف إلى جانب الكرسي ثم ربتت على كتف الطفلة وابتسمت بوهن، تقدمت لاوبينغ هي الأخرى، ووقفت من الناحية الأخرى للكرسي. “إذا بدأنا في الساعة الملائمة تماماً، لن يكون الأمر مؤلماً”، قالت العجوز من دون كثرة اقتناع.
في تلك اللحظة دخلت لاي تي إلى المعبد من الباب الجانبي وجلست بصمت إلى جانب لاوبينغ فوق مقعد أحضرته خادمتها. كانت تبدو مريضة بقدر ما كانت الحرارة تستنزف السوائل التي تورم جسدها النسائي، لكنها ابتسمت لماي لين وحركت أحد كميها الفائقي الطول.
أخذت مضمّدة الأقدام السكين وركعت أمام الكرسي وشددت تركيزها على منقوع عظام القرد وأقدام ماي لين، وفردت منشفة فوق ركبتيها ورفعت إحدى قدمي ماي لين وجففتها، ثم تناولت السكين وقرّبتها من أصابع قدمي البنية، زعقت تلك الأخيرة من الرعب وراحت تتخبط بين أحزمتها. أمسكتها أمها وعمتها وهنّ يحاولن تهدئتها، نهضت لاي تي مسرعة وصاحت:
– لا تخافي ماي لين، تريد فقط أن تقص أظافرك، صدقيني يا صغيرتي، صدقيني.
تراخت ماي لين، كانت دموعها تجري فوق وجهها وعلى ردائها الحريري الجديد الذي طرزته لها أمها خصيصاً للمناسبة. التقطت مضمّدة الأقدام المنديل ومسحت لها خديها ثم شرعت تقوم بمهمتها وتقلم لها أظافرها.
– الآن، ما هي القواعد التي على كل النساء الخضوع لها؟ قوليها لي بينما أقص أظافرك.
رددت ماي لين بصوت واضح حزين:
“لا تمشي وأصابع قدميك تتجه نحو الأعلى”.
“لا تبقي واقفة وعقباك في الهواء”.
“لا تحركي تنورتك وأنت تجلسين”.
“لا تحركي قدميك وأنت تتمددين”.
“لا تنزعي الضمادات، لا شيء جميل تحتها”.
– لأنه بعد أن تُربط القدم لا تحتمل أن تُفك يا ماي لين. قالت مضمّدة الأقدام وهي تضع السكين جانباً لتفرك قدمي الصغيرة بالشّبة: “أرى أنه حين يتشكل برعماك، ستصبحين غاوية صغيرة رهيبة. وغمزت بعينها غمزة ماجنة نحو لاويينغ والسيدة غوغو. ثم أردفت تقول: “أتنبأ لك بإليتين كدراقتين عملاقتين منزوعتي النوى، وفخذين ككيسي الصوف المندوف، وطبع وديع كطباع المخصي”.
قهقهت النساء في المعبد بخجل، أما ماي لين فقد احمرّت وبدأت تتلوى تحت أحزمتها.
أمسكت مضمّدة الأقدام قدم الطفلة اليمنى وتركت الإصبع الكبير طليقاً، وثبتت الأصابع الأخرى تحت قدمها وشدّتها برباط حريري طويل؛ تجمعت السيدات حول الكرسي ليراقبن العملية بكل انتباه، ثم تناولت المرأة رباطاً آخر ولفته بكل قوتها حول العقب تحت القدم، ثم من فوق من جديد وحول الأصابع التي سبق ثنيها بشكل يصبح فيه الأصابع والعقب متقاربان أكثر ما يمكن، ويتقوس مشط القدم نحو الأعلى وبشكل لا يدعو للشك أنها ستنكسر وتلتحم ثانية وتقصر القدم، كان آخر ضماد تحت الإصبع الكبير وحول العقب، يدفع بالإصبع الكبير نحو الأعلى كالطرف المقعر لهلال القمر.
حين أنهت المرأة تضميد القدم اليمنى، قامت بالعمل نفسه للقدم اليسرى، أبعدت حوض منقوع عظام القرد وراحت لتجلب الحذاء الصغير من المذبح؛ ركعت أمام ماي لين، وبينما راحت تحشر الأقدام المضمدة بقوة، أنشدت السيدة غوغو صلاة: “أيها الأجداد المبجلّون، ابتسموا لماي لين لتحصل على أجمل زواج، ولترى ذات يوم دخول ابنتها في عالم الأنوثة، هيّا يا طفلتي اخطي خطوتك الأولى هيّا، اخطي خطوتك الأولى”.
فكّت كل من السيدة غوغو ولاوبينغ ومضمدّة الأقدام أحزمة الجلد لتحرير ساعدي وساقي ماي لين. بقيت الأخيرة صامتة جامدة فوق كرسيها.
– هيّا اخطي خطوتك الأولى. قالت السيدة غوغو وهي تمسك بمرفق ابنتها.
– قفي يا صغيرتي، قالت مضمّدة الأقدام، وأوقفت ماي لين على قدميها المعاد تشكيلهما من جديد.
زعقت ماي لين ثم أخفضت نظرها نحو حذاءيها الصغيرين الذين يخفيان قدميها المشوهيتن على نحو غريب، وزعقت من جديد.
ترنحت نحو أمها وزعقت مرة ثالثة، ثم حاولت أن تلقي بنفسها على الأرض. أمسكتها النساء بسرعة. “امشي” قلن لها بصوت واحد. “عليك أن تمشي وإلاّ ستمرضين، مع الوقت سيختفي الألم في غضون سنتين”. قالت لها الجارية لانغ مي بصوت يشبه هديل الحمام. كانت قد ظهرت فجأة في مكان مضمّدة الأقدام والتي كما يبدو اختفت. “امشي يا صغيرتي، حتى لو آلمك ذلك”. التقطت “لاوبينغ” الطفلة التي كانت تخبط الهواء بذراعيها، وهزّتها من كتفيها:
– نحن جميعاً مررنا بذلك، ألا تفهمين؟ عليك أن تثقي بنا، الآن امشي…”
تراجعت النساء وقامت ماي لين بخطوتين أو ثلاث وهي تعرج. موجات من الألم الحاد كشفرات خنجر عبرت ساقي وفخذي البنية ذات السنوات الست، ومن ثم إلى عمودها الفقري ورأسها.
انحنت على نفسها كعجوز صغيرة وتمايلت على غير هدى، دون أن تفهم تماماً لماذا كانت مجبرة على سحق أصابع قدميها تحت ثقلها.
قامت بخطوات متقطعة نحو المذبح، وهوت فوقه تشهق منتحبة. أحاطتها لانغ مي بعناق دافئ عطر.
– هل تتمنين البقاء على الأرض أو تتمنين المجيء معي؟ حرّكت لانغ مي كمهّا الطويل.
خلال لحظة بدا كل شيء ساكناً. تجمدت النساء في مواضعهن وتعلّق الزمن في المعبد.
– يمكنك أن تكوني كوكبة أو فيضاً من النجوم في سماء الصيف، أم لاما كبيرة في جبال الشرق…، لك الخيار يا ماي لين…”
فكّرت البنية مطولاً، ثم أجابت: “الطريقة الوحيدة للهروب من قدرنا هو استساغته، سأبقى هنا”.
– تعالي ماي لين، اجلسي. قالت مضمّدة الأقدام. ثم رفعت الفتاة بيديها القويتين، ووضعتها فوق الكرسي أمام المذبح. تنهدت الطفلة بارتياح، تركت رأسها يتدلى، كان الحذاءان الصغيران مبقعين بالدماء كأحلامها بأن تصبح سيدة. كانت تتأوه بصوت خافت. اقتربت منها لاي تي بمشية متمايلة، انحنت وبدأت بتدليك ساقي الصغيرة الملتهبتين.
تجمعت النساء حول المذبح، وبعد أن أشعلت مضمّدة الأقدام شمعتين للصلاة، ردّدت: “أيتها الآنسة ذات الأقدام الصغيرة، يا آلهة قدرنا كنساء، احفظي عزيزتنا ماي لين سليمة معافاة، اجعلي من قدميها برعمين مستديرين بيضاويين مثل كرات العجين، آملين ألاّ تعوجّا كجدعين بنيين، ميتين في طرفي ساقيها، لا تدعي دمها أو ذهنها يتسممان، ودعيها تتعلم المشي بظرف وأناقة دون ألم، وألا تحسد أولئك اللاتي يستطعن الجري، ذلك لأنهن وضيعات مبهدلات، اجعليها تتزوج من أقرباء الإمبراطور أو من الإمبراطور نفسه، ارزقيها بأبناء عديدين لك، وحين تحين الساعة، تدخل إلى الحياة الأخرى كأميرة”.
فرقعت السيدة غوغو بأصابعها:
– مانت تسو أرجوك شيّعي سيدتنا الجديدة إلى جناحها، سآتي لملاقاتك فيما بعد يا ماي لين عند غروب الشمس، وسأحضر معي عصا الأبنوس التي أرسلها لك والدك من المدينة، انظري يا صغيرتي، ها هي مطر الربيع، لقد أحضرتها مانت تسو لتستطيع رؤيتك في ملابسك كسيدة.
– يا إلهي، صاحت لاوبينغ: الدمية تلبس أحذية صغيرة، شرعت السيدة غوغو بالضحك: لعمري هذا صحيح، كم هذا ظريف! لا بد أن ماي شين هي من فعل ذلك.
اختطفت ماي لين مطر البيع ونزعت عنها الحذاء وضمت الدمية القماشية إلى صدرها وخرجت من المعبد وهي تترنح. أخذت السيدة غوغو مضمّدة الأقدام إلى الجانب لتدفع لها، وخرجت النساء ببطء من المعبد نحو الشمس بهيئة مترددة.
– يا إلهي! تنهدت لاويينغ من جديد، عاودني الألم في كل مكان، مرّت خمسون عاماً كأنها البارحة. وحمت عينيها من الشمس بمروحتها.
– هل من الضروري أن يكون الأمر بهذا العنف دوماً؟ همست لاي تي.
– لا أعرف إذا كان من الواجب ذلك، لكنه كان هكذا دوماً. قالت مضمدّة الأقدام، بينما كانت هي والسيدة غوغو تخرجان من المعبد.
– كم من الفتيات … متن؟ سألت السيدة غوغو.
– البعض يفضلن الموت سيدة غوغو، هكذا هو العالم.
صعدت المرأة إلى هودجها. “عليّ الذهاب، قالت. دعوا الفتاة على برعميها. سآتي بعد أسبوع أغسلهما وأعيد تضميدهما، احرصي على تهيئة حذاء صغير جداً للمرة القادمة حين عودتي، إلى اللقاء”.
نظرت كل من السيدة غوغو ولاويينغ إلى هودج مضمّدة الأقدام يختفي من باب الشمس، وحين رحلت طقطقت لاوبينغ بلسانها: “أخصائية محترفة، كم دفعت لها؟”
– ثلاثين سبيكة.
– ثلاثين سبيكة؟
– الأمر يستحق هذا المبلغ، حين لا أكون أنا من يسبب الألم لابنتي، قالت ببساطة السيدة غوغو.
– آه نعم، أنا أفهم، تنهدت السيدة لاوبينغ. حسناً، ربما لن تحقد عليك من جراء ذلك، رغم…
– من بعد ماي شين، لم يعد بإمكاني التحمل… أتفهمين؟
– بالتأكيد.
ربتت لاوبينغ على كتف زوجة أخيها ثم بحركة من رأسها نادت هودجها.
“وداعاً، يا أختي الصغيرة، سنلتقي في المدينة، سأروي للسيد زوجك القصص عن أبهة ضريحك، ولكن كوني أكثر تقشفاً يا ابنتي لأن صبره سينفد”.
– شكراً لنصيحتك التي لن تضيع يا لاوبينغ.
أغلقت السيدة غوغو باب الهودج وانتظرت أن يرفع الحمالون السيدة العجوز، وابتعدوا بسرعة في طريق المعبد.
كانت الشمس الساطعة تلهب وتستثير ما حولها. انسلت السيدة غوغو إلى داخل ظلال المعبد المسقوف، وبقيت واقفة وحيدة، نظرتها تائهة في الفراغ، تحرك مروحتها من وقت لآخر شاردة. وبعد لحظة دخلت في حيز الضوء مزمعة على الذهاب إلى جناح “الانتعاش” حيث كانت قد قررت أن ترتاح اليوم.
اجتازت بخطا صغيرة الشرفة المسماة “رؤية العالم الآخر”، ثم عبرت ساحة “الألف مجنون”، ومرّت تماماً أمام جناح عازفي السيتار الذين رأوها وعزفوا في الحال لحنها المفضل. كانت الأغنية تدعى “ليالي الصيف”، انتظرت بلباقة في الحر الأتون إلى أن انتهوا من عزف الأنغام الأخيرة، وبعد أن شكرتهم بانحناءة منها، تابعت طريقها ببطء أكثر إذ إنها كانت قد فقدت قواها. حين بلغت جناح “الانتعاش” كان برعماها منتفخين يختلجان كقلبين خافقين.


إيميلي براغر

نقلتها عن الفرنسية: لينا بدر *

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …