أخبار عاجلة

«الأنا» في قصصه .. تبدأ منذ بدء سلالة الإنسان وتنتهي إلينا

ناريندرا براساد Narendra Prasad *

يقول الروائي في اللغة المالايالامية فايكم محمد بشير في إحدى قصصه: «الأنا» التي أعبر عنها هنا ليست بذات نفسي. «الأنا» التي توجد في سلالة بني الإنسان منذ بدايتها حتى نهايتها التي تنتهي فيك أنت. ويجوز لك أن تعتبرها نفسك أنت إياك. هب أنك شاعر أو فنان، أو قد تكون مفكرا سياسيا. إن لم تكن أيا من هؤلاء قد تكون مُغنّيا، أيا كنت إنك تعيش بين ظهران الناس. تستخدم مهاراتك لصالح أناس تعيش معهم». حين يقول بشير هكذا إنما يقصد أن العلامة التي تدل على أنك موجود تعيش مع الناس إنما هي بأنك تُغنّي أغنية أو ترسم صورة. الفنان يُوقظ العالم النائم كما يُنوِّم تماما العالم اليقظ. ينهض العالم حين يطرح عليه أسئلة نارية. تُطرح هذه الأسئلة الوقادة من شيء ما في داخل الإنسان. قد يكون السؤال عن بيته….أو عمن «يمحو خطواته من ورائه حين يمشي..» (كلمات منقولة من إحدى قصصه) أو عن أشياء لا يَقدِر الإنسان أبدا أن يفهم كنهها تماما. مئات من الأسئلة هذه التي تصدر من لحظات صامتة من حياة الإنسان الخاصة تأتي إلى داخل نفسه وهي توقظ العالم الخارجي. تلتقي الأسئلة والأجوبة بعضها ببعض في ساحة السياسة وفن التشكيل ومحافل الأدب. الأسئلة التي لم تتلقى الأجوبة تعود مرة أخرى إلى دوائر صغيرة من ضوء القمر في داخل الإنسان. يجعل اللاشعور الأسئلةَ التي لا توجد لها أجوبة أساطيرَ. تصبح الأحزان والمخاوف والهواجس موجات ضوء قمري وتتحول إلى نور أزرق يمنح تسليا وهميا. هي تُدهشنا بعد أن صارت هيكل عظام ينكسر. وهذا الإنسان يبدو كأنه شاطئ لانهائي من الغربة. يرى الروائي هنا رجالا ونساء عريانين يطيرون إلى النجوم بلا أجنحة.
«رجاء لا توقظوني»
وفي قصة أخرى يكتب بشير: «أنا نائم، تعبان جدا، رجاءً لا توقظوني». هذه الكلمات المكتوبة على لافتة علقها فنان رسم على بابه، هي التي استقبلت صديقه الشاعر حين جاء لزيارته. ولكن لما اقتحم الشاعر غرفة الفنان الراسم باستخدام حريته التي منحها صديقه إياه فقط فوجئ بمشهد هيكل عظام ذلك الفنان الذي مات جوعا. الشاعر أيضا إنما يعيش مثلما يعيش تماما ذلك الفنان. وهو أيضا مثله مشغول في رحلة حول عالم الإبداعات بدون أن يتوقع من أحد أي مساعدة.» لا يوجد في حكايات بشير إلا واحدا من «أنا». سواء كان شاعرا أو عاشقا أو مجنونا. وذلك «الأنا» يتساءل العالم: « لِماذا هذه الحماقات الرومانسية؟ لماذا هذه الأكاذيب العملاقة؟»
لا حدّ لحماقات العالم ولا لأكاذيبه. وحين تكون على قيد الحياة يكون الجميع ضدك. تشتغل وأنت جوعان. وعندما تكون بأقصى غاية العجز تُروِّح نفسك فرحا باستماع أغنيات من «جرام فون». ومن يُلقِي خطبات عن فضائلك هو نفسه الذي يُوجِه إليك تهمة بأنك عدو الثقافة الإنسانية. ثم إنك إذا مِتِّ يبدأ جميعهم بالصراخ وهم يضربون على صدورهم.
جزيرة يأمن إليها الفنانون
يقول بشير عن الوسيلة التي يستطيع من خلالها العالم تتويجَ جهده الجهيد في تحقيق حياة خاصة أو يستطيع الفنان من خلالها أن يتغلب وجع مخاضه الصامت في إنتاج أعماله الفنية. المجتمع غير مستعد أبدا لأن يحمل أعباء أي مسؤولية تتعلق بهواجس الفنان. ولا يُعذٍّب ضميرَه إحساسُ ذنب في هذا الشأن. يشعر الفنان أن العالم الذي يعيش فيه غير جميل ولذلك يُشغل يراعه في المحبر لخلق عالم جديد رائع. ولكن العالم لا يعترف به. يحاول العالم تجزئة الفنان وامتلاكه بعد أن يُلبسه زينات متنوعة. بعضهم يملك جزءا منه فحسب. فيصبح «أنفه فقط مشهورا في العالم». (إشارة إلى قصته المعنونة بـ «أنف مشهور في العالم»)
وفي قصص فايكوم محمد بشير ليس هذا مشكلة الفن فقط بل مشكلة بين النظام السياسي والفن. حين يطرق الناشط السياسي باب صديقه الأديب يسأله الأخير: سأفتح لك الباب، ولكن قل لي حين يحكم البلاد أمثالكم ماذا انتظر منكم؟»
لا يحتاج منهم بشير أن يُعيِّنوه شرطيا أو كمسيونيا أو قائدا أعلى في جيش. يكفيه أن يصبح ملكا دون أي سلطان وصولجان أو حتى رعايا، بل يكفيه أن يكون أثرا من آثار التاريخ الماضي. بيت صغير جدا تحيط به أشجار كثيرة يقع في جزيرة توجد فيها بِركة لوتاس مع حديقة تحيطها بحيرة، جل أمنيته تنحصر في هذا المطلب.
يبدو هذا مجرد هزل. ولكن هناك شيء ما فوق المزاح. ومزاح بشير إنما هو ذو طابع تنبُّؤيّ. فلنلتفت الآن قليلا إلى الوراء. قد نرى أدباء وفنانين حتى نشطاء سياسيين أصبحوا فيما بعد شرطة. ولكن أين نرى ملكا يعيش في جزيرة تُحيط بها حديقة وبركة «لوتاس؟» أين يوجد مستعمر الفنان الخلاق؟ لن نسمح لفنان أن يملك جزيرة. لن نسمح للمواهب التواقة أن تحظى بحدائق لكي تستمتع بها. نحاول فقط أن نُحرِّق مواهب الكتاب حتى نجعلهم شرطة. سبق بشير وأن أدرك هذه الحقيقة.
خطوة حمراء
هذه كانت تقريبا تجربة ناشط سياسي بحث عن كنه الحياة تسلية عن أوجاعه الداخلية المقلقة. يستمع بشير إلى قصة هزلية حكى له سياسي، ذات مرة في منتصف الليل زار ذاك السياسيَّ أحد محبيه فأعطى إياه حصيرا ومخدة. ونشر السياسي بعض الجرائد القديمة على الأرض ورقد عليها. اطمأن قلبه أن كثيرا من الناس في العالم يرقدون هكذا على الأرض دون سرير. وفي النهار لما استيقظ لاحظ أن ضيفه قد ارتحل. وفي وسط الحصير الذي رقد عليه أثرُ خطوط حمراء، وقد فقد السياسي قميصه وإزاره الوحيدين!
إنما ذكر الأديب أثر الخطوة الحمراء تلك بعد فترة من الزمن. قرأ «أنا» في جريدة الأمس أن ذلك السياسي قد تُوفي أول أمس. « ربما قتله شرطة من أجل الحكومة التي تولت جديدا». لدى بشير شكوك في هذا الأمر. على كل حال خطر على باله حين قرأ هذا الخبر أَثرُ تلك الخطوة الحمراء. هذا ما يحدث منذ عصور. ويتمنى «الأنا» هذا ساهرا أن يمسك لحظة غالية من خلال قصصه. وفكر بالعزلة التي يعاني منها، ولكنه لا يدري هل هي في قلبه أم في بيئته. وفي هذه الحالة أقصى ما يتمناه هو راحة بال وسبات طويل.
نحاول أن نجعل الآخرين أدوات كما يحاول الآخرون أيضا أن يجعلونا أدوات لهم. نحن نعمل من أجلهم ومن أجلنا نحن من خلال هذه الممارسة. هذا هو غموض حياتنا، وتتضمن داخل هذا الغموض بذور من عدم التوازن. تشرب القهوة مع أصدقائك، تحب كثيرا من الناس كما تكره كثيرا منهم، تظل تتكلم أو تستمع إلى غيرك. تتناول دائما مفاهيم من الخارج. تتكلم وأنت تُشهِد عليه الله والنسل الإنساني والتاريخ والجيران. ليس لديك شيء تخفيه. ولكنك تعاني من عزلة، وهذه العزلة سالبة Nagation)) الطبيعة، وهي تنفي الحياة الشخصية والحياة السياسية اللتين توحيان بتجارب تحتفل بهزائم.
الكشف عن التناقض
حين تتذوق الهزيمة تود أن تعرف تصورات الآخرين عنك الحقيقية. وهذه التجربة هي العزلة. وفي عبارة أخرى إن العزلة هي الإدراك بتناقض هُويّتك المتفجرة والعميقة. وفي جانب تجد الكراهية والعداوة والغضب والحياء. وفي جانب آخر تجد أن الإنسان ذرة من ذرر الرمال. حين تعرف هذا التناقض ستصبح منزويا في الحياة. كان بشير يعرف هذا التناقض منذ طفولته. في إحدى قصصه يسأل والده من الذي يمحو خطواته من ورائه حين يمشي على شاطئ البحر. ويسأل في قصة أخرى هل ليس لنا بد من أن لا نعترف بهزيمتنا؟ هل تحتاج إلى هذا العالم؟ لما ذا خُلق هذا الكون؟ ألا تتجاوز أشعة أفكاري إلى عالم وراء هذا العالم؟ ما الخير؟ وما الشر؟ ( إلى مستقبل مجهول) قال « سأطرح هذه الأسئلة، عليَّ أن أعرفها». ويستعد بشير أن يقبل الهزيمة التي تصل إليها حتما هذه الأسئلة في صورة «لا أدرية». هذا الكون لا يعرف عنه أحد شيئا. الشيء الوحيد المعروف عنه هو أنه غير جميل. وفي هذا الكون الغير الجميل والمحيطة به طرق الحقائق الكثيرة «أنا» مغلول اليدين والرِجلين. الجميع فيه لهم أغلال غير مرئية، إجمالية معرفتي في هذا الشأن اللاشيء!
برّ الأمان من العشق
حاول بشير أن يخفيَ عزلته هذه في العشق. ولكنه عرف حتى أن عشقه منشق عن التاريخ. حين يعطي معشوقته قُبْلة يكتشف تلقائيا أنه مجرم أمام الماضي والمستقبل اللانهائيين. الرؤية الفانتازية التي يرى فيها معشوقته تنكسر تحت يديه كهيكل عظام. (تحت ضوء القمر). وهيكل العظام ذاك رمز لشعور ناتج من هزيمته. النقاشات التي أجراها مع جماعة الإرهابيين دفع بشيرا إلى إعادة نظره في انتمائه إلى تلك الجماعة. (حين يظهر ضوء القمر) يعرف بشير أنه حر في الانسحاب من تلك العصابة. حين يغادر تلك الجماعة الآخرون من الأعضاء لا يراه إلاّ عضوا فيها. وفي الوقت ذاته هو فريسة لفكرة الإرهاب حيث يكون فاعلا ومفعولا في وقت واحد. العزلة التي يحسها بشير هي الإدراك بالجانب الآخر من الإرهابية. والفتاة العارية التي ترمي مياه البحر عليه في القصة هي رمز لرفضه جماعة الارهابيين. وهذا التناقض واضح في قصة «الضوء الأزرق»: « خلوني أشرح لكم عن طبيعة تلك الذكريات…. قد انتقل من هذه الأرض ملايين من الناس منذ نشأة النوع الانساني، جميعهم قد أصبحوا ذرارا في التراب. أصبحت «بهارجافي» هي الأخرى كما نعرف مجرد ذكرى من آلاف هؤلاء الرجال والنساء» يذكر بشير «بهارجفيَ» حقيقة موضوعية بينما يراها الآخرون مجرد مادة: «ولكن هناك شيئا…يعني أن نفسي يملأ فيها الحزن بدون سبب مذكور. عبثا انتابني شعور للبكاء، يسعني أن اضحك بسرعة. ولكن ليس بوسعي أن أبكيَ دمعة. لا تدمع عيناي. وفي لحظات مثل هذه تنكشف لي تجليات إلهية».
شارد، مجرم
قد يصبح الإنسان مجرما. حرية اختيار الإنسان التي يتمتع بها قد يقوده إلى أن يصير مجرما. يُميز بشير هذا المجرمَ المختفي داخلَه. وبما أن من إمكانيات الإنسان في عصر بشير أن يكون مجرما استطاع أن يقدم إبداعات تتناول هذا الجانب من الانسان. «لست إلا ذرة من ذرر الأرض»– يتذكر بشير. رَحّال مستديم يستريح خلال رحلته تحت ظل من العشق والفكاهة قليلا ثم يستمر رحلته اللانهائية إلى هواجس وعبث. ظل شاردا سنين. وقد مكث في أماكن نقاط سوداء في خارطة الهند. خلال ذاك التجوال الطويل لم يكن هناك عمل لم يقم به ولا دور لم يلعب به. كان الحب طوق نجاته. «أجل أنا أيضا أحب، رُحت أنا أيضا عرفت ذوق الحب المفرط… يُخْنِقُني الحب…توجد داخل قلبي مآت من جروح. إنني لا أزال أصْلي في نار الحب رمادا… فلتجعلني هشيما… أكن فيها مشويّا … مع كل هذا أحب». لا يستطيع بشير أن يقلل قيمة حبه. هو عطشان. ولكن عند العطش ينتابه خوف من أن كأس الماء قد يسقط من يديه قبل أن يصل إلى فيه. حين يحب يكتشف ولائه نحو العالم. ينتهي كل حب كأنما يوقظ صاحبه فجأة من نوم هادئ إلى عالم رهيب. كيف يستطيع شخص ليست له حرية في حساب الأرباح والخسائر أن يجعل للحب قرارا مكينا؟ قبل أن يمس حبيبتَه نسيم الحب تتحول هي إلى كارثة. صارت مجرمة بعد أن أصابها مرض جعلها شحاذة شارع. يصير بشير «كوتشو كريشنا» ويقوم في شفق الليل بدموع تسيل كالدماء («الجوع «). يخاف بشير أن الطفل الذي يعدو ويلعب في الأودية يأتي فجأة أمام «شاشيناس» التي كانت تجامع مع رجل أجنبي فيسقط في هوة عميقة في الوادي. («شاشيناس»).
«السادية»
يجعل بشير ولاءه نحو حبه وشعورَه عن خطر قريب من ذاك الحب فكاهة. « أجد في حالة حرماني متعة خاصة».(«أغلال»). وفي آخر زمانه ظلت الفكاهة قناءً يغطي به وجهه. نراه هذا في قصتيه « موز» و»العجراء». ولكن إذا أمعننا النظر فيهما نرى أن مضمونهما حب الذات و»السادية»، هما النتيجتان الحتميتان النهائيتان من النضال بين الرجل والمرأة لاستيلاء أحدهما على الاخر. وهذه هي إحدى الحقائق العميقة التي عرفها بشير. وفي كل حب في حياتنا الاجتماعية توجد فيه « السادية». يفهمه القاص من طبائع والده. يذكره الناقد «كيساري بالاكريشنا بيلاي» في مقدمته التي كتبها لرواية بشير «أصوات». بنت شرطي في تلك القصة وممومسة الشارع التي تتعرض لضرب عصا الشرطي والمرأة المدحقة التي تتبنى فردوسا للسفهاء جميعهن ممن يتعرضن لقسوة الحياة. والمعشوقة التي تتكلم جالسة على شاطئ الغربة إنما تود أن تتناول من عاشقه قبلة تسليها مما تتعرض لعذابات جهنمية. إحساس القاص بالتعذيب مفتاح يفتح أمامه العالم مكشوفا. لا يسمع في هذا العالم الاّ بكاءً من العذابات. مع هذا يفكر أنه لا بد من أن يحب هذا العالم. يسأل معشوقته ماذا فعلت تلك الزهرة التي أهداها إياها؟ الزهرة الحمراء مثل النجمة الدامية»!
« ها…. تلك الزهرة….؟»
يسبقها بشير قبل أن تكمل حديثها. «أرجو أن أعرف هل دستها تحت قدميك؟»
«ماذا إن دستُها تحت قدميّ؟» حين تسأله يرد عليها: بلاش… ولكنها كانت قلبي!»
تنتابه مخاوف ما إذا كانت زهرة قلبه الحمراء تُداس رغم أنه يرى هذا الأمر سخيفا. وقد يتفجر شعوره هذا فكاهةَ فيما بعد. حتى حين يغرق في عذاب داخلي يفتخر بزهوة قلبه. وفي نفس الوقت الذي يُطرد فيه من التاريخ ويتعرض لمضايقات ليس له بد من ممارسات حبه وحرية اختياره.
هجوم من يتعرض للاضطهاد
وهذه الجروح والاضطهادات ينتظرها القاص في العلائق السياسية أيضا. الشعور بالهزيمة هذا الذي يتضح في قصصه التي تدور حول السجون يجامع مع النضال من أجل أفضل نظام تتحقق فيه عدالة اجتماعية. وهذا العنصر نراه في صورة رائعة في قصصه المعنونة بـ»نمر» وأغلال» و»الميلاد» و»الأم». يسل سيفه على شرف الآخرين الزائف الذين ينظرون إلى بشير باشمئزاز. وقف أمامه أباليس يلبسون ثياب شرف. المُضطهِد هو الشيطان. والشرطي نمره. يحرق بشير قميصه المنسوج باليد الذي يلبسه سياسيون شرفاء من أتباع الغاندي لمّا وجد عليه قطرة من الدم. كان ذاك الدم دافقا من فتاة اغتصبها سياسي «شريف» من أتباع الغاندي. في مجتمع مزوَّر يجعل المبادئ الغاندية علامة شرف، يشن بشير هجومه عليه بإحراق ثوبه الذي يلبسه الغانديون. كان الغاندي في عالم بشير الداخلي أبا روحيا يجدفه إلى بر من القيم المستديمة في مجال السياسة. «أمّاه لمستُ الغاندي». في إحدى قصصه يقول بشير لوالدته. « ها يا بنيّ» هكذا اندهشت والدته لماّ سمعت ابنه يقول هذا وهي لا تدري أي شيء هذا الذي يسمونه الغاندي. «هل يعالج الغاندي مخمصتنا يا بُنيّ؟» تسأل تلك الأم ولده. ولكن بشيرا لا يدري عن هذه القضية شيئا. ولكنه وضح: حين يستقل بلدنا كل شيء سيتغير». ولهذا الأم الغارقة في الفقر المدقع الذي شكلها بشير من جديد في صورة «الهند الأم» كتب قصصه.
لباس الشرف
بكى سكرتير حزب المؤتمر الذي تبنى مبادئ الغاندي حين اضطر أن يتوجه إلى السجن بعد أن عوقب في قضية مفبركة. ليس هذا حزنا رومانسيا أو حزنا وهميا. إنما بكى ذلك الرجل لِذكره زوجته وأولاده. مسح بشير دموعه. وكان أيديهما مربوطة بالأغلال مع بعض. « بعد هذا اليوم سيلبس الجميع ثيابا منسوجا باليد.» قال ذلك الرجل.
«هل رأيت الأغلال هذه؟» سأل كأنه يخاطب العالم ذاكرا شأنه الخاص فقط. ملابس الشرف الزائف وأغلال الاضطهاد ليست الاّ تعويذة تُستعمل لستر خطة المجتمع لتعذيب البؤساء.
أسئلة مطروحة إلى مستقبل مجهول
ود بشير أن يكون محبوبا لدى الجميع، فطرح أسئلة عريضة. يقول بشير: حين يكون الحب البحث عما تحت الملابس الداخلية تكون ممارسة الحب محاولة للاستيلاء على الآخر. وفي مجتمع متنافس تقود المحاولة لهذا الاستيلاء إلى عداوة بين الأشخاص. إذاَ الحب في مرحلة من مراحل نموّه يصير منافيا له. إذا أحببت أحدا تتعرض للهجوم. وقد يُداس قلبك تحت قدمي معشوقتك. بشير يستمتع بما يعاني من هزيمة حبه هذه. لذا يقول « أجد في حالة حرماني متعة خاصة». هذا الشعور بالهزيمة وفلسفة اللا أدرية حين يعبر عنهما بشير في ابداعاته إنما يعبر عن حالاتنا نحن. أسئلة القاص المطروحة عن الانسان وبحثه عن قضاياه الشاقة تمتد بلا نهاية إلى مستقبل مجهول بعيد.

شاهد أيضاً

قريب من الروح

منى المعولي* نساجون أنتم وغرباء يا من لا تفارق ألسنتكم كلمة «جميل». راؤون أنتم يا …