الإصبع

يحيى سلام المنذري

دخل المريض غرفة القلق. إصبعه سوف تقطع، وربما سيتناولها كهدية، وسيخرجها من الكيس البلاستيكي ويضعها على الطاولة ليصورها بهاتفه النقال. راودته فكرة أن الطبيب ما يزال شاباً وقليل الخبرة. فسأل نفسه: “لماذا بالذات هذه الإصبع؟ الألم في كل قدمي”. وأخذ يفكر: “هكذا فجأة دون سابق إنذار، قرر الطبيب بأنها تالفة؟ ربما هذا الطبيب موهوب، ويخبئ في عقله الصغير طموحًا كبيرًا كي يصبح أشهرَ جرّاح في العالم، ويتطلع إلى جائزة نوبل للطب، ربما، ولكن لحظة، ربما دخل كلية الطب بسبب إلحاحٍ من والده، لكي يفتخر به أمام عائلته وأصدقائه، وربّما هو مصابٌ بالتّعاسة بسبب راتبه القليل، فخطط للانتقام من المرضى”.
هذه الاحتمالات حقتنه بالصداع، فطردها من رأسه. أخذ نفسا عميقاً وقال: “إنني جبان شرير”.
انتزق وفتح عيناه، واكتشف بأن الطبيب خرج من الغرفة. استغرب خروجه المفاجئ، كانت الحماسة تُرقّصه وهو يشرح تفاصيل المرض والعملية، كان يبدو سعيدا خاصة مع تحريك يديه، كأنه يحصل على جائزة في كل مرة يبتر إصبعا. لم يستطع تذكر حديث الطبيب عن العملية فتفاقم ألمه.
أعطته الممرضة بطاقة موعد مع طبيب التخدير. وخرج من المستشفى مصابًا بشدٍّ عضليّ في رجله نتيجة تفكيره. كان يعرج. تمنى أن يحصل على قنبلة ليزرعها في قلب المستشفى. رجع إلى نفسه ليحدثها، ومن له غيرها: ” لن يسلبوا منّي شيئا.. حاولوا كثيرا على مدار الأعوام الماضية.. مرت سنوات وصرت شبه مسن.. لن يأتوا الآن لينجحوا في استئصال إبهام نحيل من جسدي”. انتابه ضحك هستيري، وتذكر كابوسًا مؤلما كان يراوده: أفعى تطارده في نهر لونه أسود، ورغم قدرته على السباحة تعب واستسلم لأنيابها.

دخلت الممرضة، وألقت عليه السلام بدون ابتسامة. حدق في هيئتها فعرف بأنها ليست التي قابلها آخر مرة. كان من طبيعته التدقيق في الوجوه وقراءتها. عادة اعتبرها مزعجة، كثيرا ما سببت له مآزق في حياته، فقراءة الوجوه قد تصيب، وقد تخطئ. يؤمن بأنها ليست سوى ضرب من الوهم، لكنه يصدقها. وعدم دخول الممرضة بابتسامة كفيل بطعنه بسكين التوتّر. على الفور تذكّر مضيفات الطيران غير المبتسمات، واللواتي سبّبن له خوفا خاصة وقت اهتزاز الطائرة في المطبات الهوائية. رد عليها متصنّعا الوجوم وقال: “وعليكم”. كانت عيناها واسعتين، ومشعتين في وجه مبالغ في تبرّجه.
أخبرته على مضضٍ بأنّ عليه أن يستعد لإجراءات التخدير قبل العملية. أعطته انطباعًا بدا ثقيلا على نفسه، أخذت ملفّه من على طرف السرير، وأمسكت ذراعي كرسيه المتحرك، لاحظ بأنّ أصابعها ناعمة ومعتنى بها، ولون أظافرها أحمر. وحينما همّت بجره، رفع يده محتجًّا، وقال لها: “توقفي يا ابنتي”.
توقفت، وسألته: “ماذا هناك؟”.
صمت قليلا، أخذ فسحة في التحديق ناحية المغسلة البيضاء النظيفة، والبطء المزعج لقطرات الماء من الحنفية الفضيّة. شعر بقبح وجودها في غرفة بسرير أبيض، بعد ذلك قال لها: “أنا خائف”.
قالت ببرود: “لماذا أنت خائف؟”.
لم يستطع أن يداري خجله، كان يتحاشى النظر في عينيها، والمغسلة كانت ملاذه رغم تقززه منها. لم يجد تفسيرًا لشعوره ناحية عينيها، فهما جميلتان ولكنّهما ساذجتين.
رد عليها: “أنا خائف وفقط”.
– “تأخّرنا.. طبيب التخدير ينتظر”.
شعر بنبرة غضب في ردّها، واستهانة واضحة لخوفه.
رفع يده، وهذه المرة ركز بنظره في عينيها، وقال: “لحظة.. لو سمحتي.. لحظة، أنا خائف أن يخطئ الطبيب، ويقطع إبهام قدمي اليسرى، بدلا من قدمي اليمنى”.
استقبلت خوفه ببرود. تعابير وجهها ما زالت جامدة. وبشيء من اللامبالاة، وكأنها تعودت على هكذا مواقف، قالت له: “لا تخف.. الأطباء يعرفون عملهم”.
كلما استمع إليها ازداد قلقه. كان يتأمّل الحمرة الثقيلة على وجنتيها، ثم أكملت: “لا تخف، الله معك”.
لم يستسغ برودها، كان يتوقّع مواساة أو مبادرة لتخفيف قلقه بدلا من قولها “لا تخف”. رجع إلى حزنه. شاهد سنوات عمره الستين تتجول في غرفة بثلاثة جدران كانوا يسمونها “الغرفة السمبوسة”؛ فطيرة المعجنات مثلثة الشكل. كان يشتهي النوع المحشو بالبيض والبصل أكثر من تلك المحشوة باللحم أو الدجاج أو الخضرة أو الجبن. “السمبوسة”؟ ما الذي حولها إلى غرفة، ثم إلى حزن، وبعدها إلى ظلام، ثم كوابيس، ثم جدران من السنوات أخذت تتصدع شيئا فشيئا، انهارت، تحولت إلى ذرات رمال. والذرات تحولت إلى أضواء انبعثت من مكان مجهول وارتطمت في جدار واتجهت إلى آخر. سنوات عمره مضت، ولم ينم في مستشفى. وها هو الآن معرض لينام يوم أو يومين أو أكثر، وسيفقد عضوا من جسمه.
تفاجأ بأنها بدأت تقوده إلى غرفة التخدير، فتذكّر يوم أن استقال من عمله بعد أن أصبحت امرأة رئيسة له. قال مستهجنا لزميله الذي حاول إقناعه بالعدول عن الاستقالة: “أنا تقودني امرأة”. وها هو الآن تقوده ممرضة متبرّجة بعينين كبيرتين إلى حتفه. شعر بغضب. لكن هذه المرّة ليس بسبب كونها امرأة، لكن لسبب آخر، فعاود التصريح عن مخاوفه:
– “لديّ شعورٌ بأنهم سيبترون إصبع رجلي اليسرى، أعرف مثل هذه الأخطاء، أعرف، أعرف، سمعت عنها، الله يستر، أرجوك أن تتفهمي موقفي، أرجوك”.
توقفت في وسط الممر، وسألته: “ألا يوجد أحد من أقربائك معك؟”.
رفع رأسه ببطء، وشاهد طبيبًا يمشي بسرعة وتتبعه ممرضة، ثم وقعت عيناه على فتحة مظلمة أسفل باب مغلق. كان يتوقع مثل هذا السؤال، وربما سيتلقى مثله كثيرًا. رد عليها: “لا أعرف”.
فكر في وحدته، فلولا سيرته التي بات يكرهها، لكان الآن محاطًا بزوجته وأولاده، وكانوا سيحرصون على رعايته، ومنذ أن صار وحيدًا بسبب عناده وحماقته، تمزقت عواطفه، وتناثرت مع الرياح، وتحول إلى كتلة أحجار متراصة. فالوحدة تحول الإنسان إلى كرة يتقاذفها جداران بينهما مسافة قصيرة. سأل نفسه: “هل تعرف هذه الممرضة معنى الوحدة؟ سأخبرها بأن الوحدة هي أن تكون مُحاطًا بالجفاف، وتسكن في شقة بدون امرأة تحبك، وبدون أولاد يغمرونك بالحنان وينتظرون قدومك بشوق في كل مرة تغيب عنهم. لا، لن أخبرها، فربما لن تفهم ما أقول، والوقت غير مناسب.”
سؤال الممرضة ذكّره بأحداث لا يرغب في تذكرها. استمرّ في الحديث مع نفسه وقال: “أسئلة تافهة لا يمكن أن يسألها إلا التافهون”. يوقن بأن الحياة لم تكن سهلة معه، حقنته برحيق الشرّ أكثر من رحيق الخير، وهذا طبيعي فالشر جائحة أصابت معظم سكان الأرض. هو لم ينجُ منها؛ أما الناجون منها فسيعانون أكثر. انتابته ضحكة شريرة، فنجح في إخفائها بشكل مؤقت.
ها هو الآن على كرسي متحرّك تقوده امرأة لا يعرفها، لا يعرف إن كانت تخاف عليه بسبب طبيعة عملها، أو تكرهه بسبب ضغوطات العمل أو ضغوطات أخرى في حياتها. كل ما يُخيفه هو وجود صخرة مؤامرة جديدة ستصطف مع بقية الصخور في حياته، لتتأهب في رميه بالرصاصة المعتادة؛ رصاصة الألم. هكذا تعلم: كل شيء يتآمر ضده.
لم تبد الممرضة ردة فعل، بل قادته بسرعة لتصل إلى الغرفة المنشودة، وكأنما تعبّر عن غضبها منه. كان الممرّ يعبق برائحة الأدوية، وكلما شاهد طبيبًا مُتّجها ناحيته يرى في وجهه كميّات كبيرة من السخرية.
– “من بين كلّ ممرضات الدنيا تأتيني هذه الممرضة.. أين الحنان؟ يا رب سترك، ممرضة جميلة ولكن قاسية”.
كانت الممرضة صامتة وهي تقوده إلى غرفة التخدير. وفي محاولة منه في لثنيها عن مهمتها قال لها: “كأني رأيتك قبل ذلك، لكن ذاكرتي بدأت تضعف”. لم تعلق على كلامه، لأنّ هاتفها النقال رنّ، فاستجابت له بسرعة: “أنا حاليا مشغولة مع مريض، سأكلمك لاحقا”.
أغلقت الهاتف ونسيت كلام المريض، لأنّها أوصلته غرفة التخدير. وحينما أدخلته، ابتسمت للطبيب الجالس خلف المكتب. سلّمته الملف وخرجت مسرعة كمن يريد أن يتخلص من حشرة، ويلتفت إلى شؤونه الأخرى، ستذهب إلى المطبخ أو الفناء الخارجي للمستشفى وستحتفل، وستقرأ ما تراكم من رسائل في هاتفها، وربما ستكتب رسالة هاتفية عن مريض مسنّ مصابٍ بالوسواس.
كان طبيب التخدير متوسّط السنّ، بدينا وقصيرًا، وشعر رأسه منسدل حتى كتفه. بدا عليه الإعياء الشديد، تناول الملف وقلب أوراقه بسرعة. ثم قال للمريض: “كيف الحال؟ بخير؟”.
صوت الطبيب كان حادًّا. سمع المريض طنينًا في أذنيه، فقال في نفسه: “هذا هو الصوت الذي يلسع البعوض، يسألني ويجاوب عنّي.. الأمر مقلق”. لكنه أجاب:
– “لا.. لست بخير.. تريدون قطع إصبعي، نعم.. قطع إصبعي.. جزء من جسدي.. فكيف أكون بخير؟”.
رغم نبرة المريض الغاضبة، ضحك الطبيب وقال: “لا تخف، عملية بسيطة”.
تخيّله يترنح من الضحك، لكن الطنين قطع المشهد المُتخيّل، فأدخل سبابة يده اليمنى في أذنه، محاولا تقليل أثر حدة الصوت، ثم قال:
– “تضحك؟ نعم، تعتبرونها عملية بسيطة، لأنّها عبارة عن بتر.. ولا يوجد ما هو أبسط من البتر.. فقط يُقطع عضو في الجسد وتنجح العملية.. المهم الدقة في أدائها، وعدم الوقوع في الخطأ”.
ثم أردف وسأل الطبيب بغرض اختباره: “في أيِّ ساقٍ ستكون العملية؟”.
ارتبك الطبيب، فتح الملف، وقال: “الساق اليمنى”.
رد المريض بسرعة: “متأكد؟”.
اندهش الطبيب وقال: “نعم متأكّد، لماذا تسأل؟ هل الوجع في مكان آخر؟”.
نكس المريض رأسه، ولم يجب. حاول الطبيب أن يبثّ فيه الطمأنينة، فقال له: “هذا هو المكتوب في الملفّ، لا تخف، الأمور ستكون بخير، لا بد من بعض الفحوصات قبل التخدير”.
المريض لم يركّز في كلامه، كان رأسه كالجرس، ويفكر في إصبعه التي ستبتر، فاعترض وقال: “لا.. لا أستطيع أن أثق فيكم”.
اندهش الطبيب وقال: ” ألا تريد إجراء العملية؟”.
قال المريض: “أريدك أن تكتب على قدمي اليمنى وبخط كبير بأنها هي الهدف، وتشير أيضا إلى الأصبع المعطوب، وغير ذلك أرفض العملية”.
نظر الطبيب إليه باستغراب وقال بعد تفكير: “لماذا هذا الوسواس؟ نحن نعرف شغلنا، لا تخف”.
غضب المريض وقال: “هل ستخسر شيئًا إذا فعلت ما طلبته؟”.
قال الطبيب: “طيب سنعمل ما تريد، وسأستشير الطبيب الذي سيجري لك العملية، وربما سيكون ذلك بعد التخدير”.
غضب المريض مرة أخرى وصرخ قائلا: “ماذا تقول؟ بعد التخدير؟ هل تراني غبيًّا؟ الآن تكتب.. الآن”.
فكّر في طريقة الصراخ التي اكتسبها من تجارب الحياة، يلجأ إليها من أجل قتل الهدوء أولاً، وثانياً للفت الانتباه، وأخيرا لإخفاء جبنه وخوفه. وبعد صُراخه دخل طبيبٌ آخر، يبدو بأنه المسؤول، وسأل عن سبب الصراخ، فأخبره طبيب التخدير بالحكاية، فضحك الطبيب المسؤول، وقال: “لا بأس، افعل له ما يريد”.
لكن المريضَ توجّس شرًّا في الطبيب المسؤول. ربما يكون مُخطئا، ولكن لهجته كانت تؤكد ذلك، خاصة ضحكته الخبيثة ونظراته الساخرة، لكن خطة الصراخ نجحت.
تناول طبيب التخدير قلمًا عريضًا، وكاد أن يرفع الساق اليُسرى للمريض، ففاجأه بصرخة: “ماذا تفعل؟ أنت من الآن تخطئ، العملية لم تبدأ بعد.. وأنت تخطئ، أنا أعرفكم، ستبترون الأصبع الخطأ”.
لم يرتبك الطبيب، وكأنه كان يقصد. رجع إلى الملف وقرأه، وقال بسرعة: “أعتذر أعتذر، نسيت، لا تخف، لا تخف، سأكتب على القدم اليمنى”.
هذا الطبيب ما هو إلا ممثّل، أراد أن يلعب بأعصابه، وأن يزيد من قلقه وخوفه، وربما رغب في التسلية قليلا. فلا مانع من السّخرية والضحك على حالته. فالمريض في موقف ضعيف ومهزوز. هي فرصة للتندّر عليه، ونسج قصة مضحكة لتكون مادة ثريّة يحكيها بصوته الحاد أمام أصدقائه في سهرة ليليّة.
تناول طبيب التخدير القدم اليمنى وحاول أن يكتم ضحكته، وكتب فيها: “القدمُ المتأثّرة”، ثم علّم على الإبهام المعطوب بنقطة سوداء كبيرة وأشار إليها بسهم غامق اللون.
وبعد أن انتهى، اصطنع الجديّة وقال للمريض: “هل هذا مناسب؟ هل أفحصك الآن لأبدأ عملية التخدير؟”.
بدأ المريض يكشف شخصيّة الطبيب وصوته، وتفتحت لديه حقائقه، وتلاحظ لديه بأنه سبق وأن شاهده في مكان ما، ولكن لا يتذكر أين، وبعد تفكير قال: “نعم هكذا أفضل، ولكنّني أريد مقابلة الطبيب الذي سيجري لي العملية، لا بد أن أقابله قبل التخدير”.
شعر طبيب التخدير بالغضب، لكنّه كان متماسكا، ثم ابتسم. وهذا النوع من الابتسامات يعرفها المريض جيدًا، تكرّرت أمامه في ماضيه العتيق خاصة عند رؤسائه في العمل، والبائعين والأشرار والممثلين. ابتسامة تشعّ خبثًا، تعملُ مثل صنارة الصيد التي غُرزت في طُعم حلوِ المذاق. تُطلق الصنارة في فم الشخص المستهدف، فتنغرز في الحنك، وسرعان ما يُسحب خيط الصنارة فيشق الحنك، مفجّرًا ألمًا فظيعًا يتسبّب في إعياءٍ وإغماءٍ وكسلٍ وبلاهةٍ تستغرق طويلًا، تخرج بعدها الضحيّة محطّمة ويائسة.
استجاب طبيب التخدير للمريض قائلا: “حسناً.. سأتصل بالطبيب”.
ثم توجّه إلى جهاز الهاتف وطلب الطبيب، كان المريض يدقّق في وجهه، وكأنه لمح ضحكة سقطت من فمه على الأرض، وداسها بحذائه. لكنها قاومت الحذاء وهربت بجناحيها الضعيفين واصطدمت بمروحة السقف وتمزقت.
بعد أن تكلّم في الهاتف رجع إلى المريض وقال له: “طبيب العمليّة مشغول الآن في غرفة العمليات”. لكن المريض أصرّ على مقابلته وقال: “سأنتظره”.
قال طبيب التخدير: “المفترض أن أجري لك التخدير لتدخل غرفة العمليات بعد ساعتين من الآن، والطبيب الذي سيجري لك العملية مشغول بعملية أخرى لمريض آخر، فلا يوجد وقت لما تطلب”.
غضب المريض مرة أخرى، وقال: “لا، يجب مقابلة الطبيب أولا، لا أستطيع الوثوق فيه”.
قال طبيب التخدير: “لكنّني كتبت على القدم اليمنى وأشرت إلى الأصبع المُصابة”.
قال المريض: “الأطباء يجهدون بعمليات كثيرة، وما الذي يضمن لي بأن الطبيب سينتبه إلى ما كتب، ربما سيرتبك من أثر إجهاد العمليّة السابقة، ولن يستطيع التركيز، وسيبتر الإصبع الخطأ، ألم يحدث هذا من قبل؟”.
رد طبيب التخدير وقال: “لا.. لم يحدث في هذا المستشفى مثل هذا الخطأ”.
قال المريض بسرعة: “الكذبُ يتطاير من عينيك”.
قال طبيب التخدير بشيء من الغضب: “بدأت تُهينني، وأنا صبرت عليك كثيرا، ونفذت جميع طلباتك بقدر الإمكان”.
كان لسع الأذنين هذه المرّة قاسيًا على المريض، وقابله بالصمت لبعض الوقت، ثم قال: “أرجوك لن أطمئن إلا بعد أن أقابل طبيب العمليات، قلبي يؤلمني”.
انتزق طبيب التخدير وتناول السمّاعة وتوجّه بها إلى المريض ليفحص قلبه، فأوقفه المريض قائلا: “ماذا تريد أن تفعل؟ إنه ألمٌ مجازي.”
توقف الطبيب وقال: “هل أنت متأكد؟ لأن أيّ ألمٍ سيُؤثر على إجراء العملية، هناك مرضى ينتظرون دورهم للدخول.”
رد المريض بيأس وارتباك: “لا أعرف، المهمّ أن تنبه الطبيب على القدم اليمنى، أرجوك، أوصيك بذلك، هل تفعل؟”.
قال طبيب التخدير: “نعم سأفعل، لا تخف، سأفعل”.
شعر المريض بالخسارة في جزء من طلبه، وأن طبيب التخدير سيحتفل الليلة مع أصدقائه بالحكاية والنجاح، بعدها قال بيأس: “هيا أكمل عملك يا دكتور، لأن قلبي يكاد ينفجر من الخفقان”.

دخلت الممرضة مع الطبيب إلى غرفة المريض، الذي بدأ يستفيقُ تدريجيًّا من التّخدير، وبدون ابتسامة قالت له: “الحمدلله على السلامة.. العملية نجحت”.
بدأ المريض بفتح عينيه، وشاهد أمامه نفس الممرضة وبجانبها طبيب مبتسمٌ لأول مرّة يراه. لكنه لاحظ بأن عينيها صغرتا قليلًا عن المرّة الماضية.
بادره الطبيب بسؤال: “كيف الحال؟ طمنّا عليك”. ثم أردف وقال: “أنا الطبيب الذي أجرى لك العملية”.
تكلم المريض بصعوبة: “الحمدلله أنا بخير؟”. ثم حوّل نظره باتجاه ساقه. واطمأنّ بأن العمليّة أجريت في اليمنى.
ولكن عيناه اتسعتا، وشهق بقوة حينما شاهد رجله اليمنى بدون قدم.

شاهد أيضاً

رسائل من فؤاد التكرلي (1927-2008)

خالد المعالي لا تسعفني ذاكرتي بشيء واضح حول بداية علاقتي بفؤاد التكرلي، فهناك علي الشوك …