البردوني ناقدًا قراءة في خصوصيّة الكتابة وجدل الإثارة

همدان دماج

إضافة إلى غزارة إنتاجه الشعريّ، الممتدّ لعقود كثيرة، أنتج الشاعر عبدالله البردوني عددًا من المؤلفات الفكريّة والنقديّة، إلى جانب مئاتِ المقالات التي نشرها في الصّحف والمجلّات والدوريّات، وتناولت قضايا الأدب والتاريخ السياسيّ والاجتماعي، وتحولاتهما المعاصرة في اليمن على وجه الخصوص. ومن كتبه النقدية والفكرية المهمة: “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”، “قضايا يمنية”، “فنون الأدب الشعبي في اليمن”، “من أول قصيدة إلى آخر طلقة”، و”اليمن الجمهوري”.
وكما تميّز شعره بتعدد سماته الأسلوبية، وجرأته في نقد الأوضاع السياسيّة، وطرح المواضيع المثيرة للجدل، فقد أثارت كتاباته الفكريّة والنقديّة جدلاً أوسعَ، ليس لما تطرّقت إليه من قضايا وأطروحات صريحة وقاسية وحسب؛ بل أيضًا بسبب منهجه الكتابيّ، الذي كان متحرّرًا في أحيان كثيرة من اشتراطات الكتابات البحثيّة والفكريّة المعاصرة، وهو ما جعله عُرضة للانتقاد من قبل الدارسين والأكاديميّين الذين شكّكوا في مصداقيّة ودقة بعض ما طرحه من تقييمات وأفكار ومواقف، خاصة أن البردوني كان يتناول في كتاباته النقدية معاصريه من الشعراء والأدباء والسياسييّن.
تهدف هذه المقالة إلى التّطرق لبعض السّمات المميّزة لكتاباته الفكرية والنقدية وخصوصيتها، وما أثارته من آراء ومعارك وانتقادات، سواء فيما يخصّ مواضيعها الجدليّة أم أسلوب كتابتها. وللتدليل على هذه الخصوصية سنعتمد التركيز على ما جاء في كتابه “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”1، الذي يعدّ من أهم كتبه النقدية، حاول البردوني من خلاله تصنيف شعراء اليمن، من العصر الجاهلي وحتى وقت ظهور الكتاب في سبعينيّات القرن المنصرم، وعرض آرائه النقدية في تجاربهم الشعرية.

موسوعيّة الثقافة وتشبيك التاريخ
يُعرف البردوني باطّلاعه الواسع والعميق على التراث الشعريّ العربي، وعلى الموروث الشعبيّ اليمنيّ، والأماكن والقبائل والطبائع الاجتماعيّة في اليمن، وامتلاكه معرفة كبيرة عابرة للثقافات والأجناس الأدبيّة والفنيّة المٌختلفة. وقد وظّف هذه المعرفة في نتاجه الشعريّ، وأصبح هذا التوظيف إحدى سمات شعره، كما قام بتوظيفها كثيرًا في كتابته النقديّة والاجتماعيّة.
في كتابه “فنون الأدب الشعبي في اليمن”2 مثلاً، قدّمَ البردوني الموروث الشعبي اليمني رصداً وتحليلًا أدبيًّا واجتماعيًّا، وهو جهدٌ تأسيسيٌّ لم يسبقه إليه في غزارته أحد، فقد كان البردّوني حافظًا للكثير من الأمثال الشعبيّة، والشعر الشعبي، والحكم والحكايات والقصص الخرافيّة، وقد ساهم بالتالي في الحفاظ على هذا الموروث من الضياع. كما أنّنا في كتاب “رحلة في الشعر اليمنيّ قديمه وحديثه” (الذي سنشير إليه اختصارًا بـ”الكتاب”) نجد كيف حاول جمع عددٍ كبيرٍ من الشّعراء اليمنيين، من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، وتصنيفهم حسب مدارسَ فنيّة معروفة أو مُبتكرة، وهو الكتاب الذي وصفه د. عبد العزيز المقالح بأنه “أشمل كتاب عن الشعر والشعراء اليمنيين”3، على الرغم من إفراده مساحة أوسع لشعراء العصر الحديث، وتجاوزه عددًا لا بأس به من الشعراء، وهم الذين نوّه البردوني بأسماء بعضهم في خاتمة الكتاب، معللاً ذلك بما استلزمته سرعة النشر، واعداً بإضافتهم في الطبعات اللاحقة من الكتاب أو في مؤلفات أخرى4.
وإلى جانب هذه الشموليّة واحتشاد الشعراء، تكمن أهمية جهد البردوني في محاولته ربط تجاربهم الشعريّة، وجوانب حياتهم الخاصة، بشعر وحياة أقرانهم من الشعراء العرب في مختلف العصور. وبهذا استطاع أن ينظر إلى تطوّر الشعر اليمني في سياق تطور الشعر العربي ككل، وهو ما لفت إليه أنظار النقّاد والمهتمين بدراسة الأدب في اليمن. هذا الربط أو الموازنة هي إحدى السّمات الواضحة في كتاباته النقدية، فهو دائماً ما يقارن ويوازن بين الشعراء والأدباء والأجناس الأدبية المختلفة وما يقابلها أو يعارضها في أزمنة وثقافات ومجالات متعدّدة.
ومن الملاحظ أن البردوني، في رحلته التطوافيّة مع الشعر اليمنيّ، يتعامل مع الشعراء كما لو كانوا أبناء أسرة واحدة لا يفرقها الزّمان ولا المكان، ولا أساليب الشعر أو التجارب البلاغيّة. كما كان يتعامل مع الشعر بمختلف مراحله، والأفكار بمختلف منابعها، والأمكنة والحكايات والأحداث، ضمن رؤية واحديّة كُبرى تجمع كل هذه الأشياء وتربط ما بينها. فنجده يقارن أبيات الشعراء المعاصرين بأبيات قدامى الشعراء من حيث مواضيعها أو سماتها البلاغية أو حتى من حيث الظروف الاجتماعيّة أو السياسيّة التي أنتجتها أو مرَّت على شعرائها، سواء في اليمن أم خارجه.
فعلى سبيل المثال يتتبع البردوني سيرة أكثر من شاعر حملوا لقب “الحارثي”، لكنّهم عاشوا في فترات زمنيّة مختلفة، ومنهم “يحيى بن زياد الحارثي الكوكباني” في مطلع العصر العباسي، الذي كان طبعه التكتّم حسب رأي البردوني، وهو الطبع الذي ينسبه لكل أهل كوكبان من شعراء وفنانين، موضحًا أنهم على الرغم من ميلهم للفن والطرب “إلا أنهم شديدو الاحتياط والحذر من الغرباء”، ساردًا لنا كيف أن الفنان المشهور “حمود الحارثي” لم يجرؤ أن يسجل أغانيه في الإذاعة بعد ثورة سبتمبر 1962 إلا “بعد أن تغلّب على طبيعة الخوف بطول مخالطة فناني صنعاء”5، وهو ما يدلّ على واسع اطّلاع البردوني بسيرة ومرويات الأمكنة والعادات والتقاليد الاجتماعيّة.

الملاحظ أيضًا أن البردوني، في تعاطيه مع هذا الحشد من الشعراء، لم يتقيّد بأيّ تتابعٍ زمنيّ أو ترتيب للمواضيع، فتراه وهو يتحدث عن العصر الجاهلي قد انتقل فجأة إلى العصر الحديث، ثم يعود إلى العصر الإسلامي، ومنه إلى الجاهليّ، قبل أن يعود إلى العصر الحديث… وهكذا. كما نلاحظ أنه ابتكر، وفق رؤيته الخاصة وأسلوبه المتميّز، تصنيفات ومدارس غير معروفة أو منسجمة المعايير، فنجد تسميات مثل: “مدرسة إريان”، “مدرسة حجة”، “مدرسة الزبيري”، “عهد الخطورة”، “عهد الاجترار”، “شعراء من الريف”… وغيرها من التّصنيفات والتّسميات. ويبدو أن البردوني كان مدركًا لما ستثيره هذه التّصنيفات والتّسميات من جدل داخل الوسط الأدبيّ والنّقدي، لهذا كان عادة ما يسارع إلى شرح أفكاره ويبررها؛ فمثلاً نجده يوضح في مستهلّ حديثه عن “مدرسة إريان” قائلاً: “لا تقصد كلمة مدرسة في هذا العنوان، وما يليه، المفهوم الأكاديمي، وإنما واحدية الثقافة أو تقاربها”6. غير أن البردوني في أحيان كثيرة لم يكن يصوغ أي تفسيرات لاجتهاداته، كما كانت بعض التبريرات التي يقدمها غير مقنعة، أو متناقضة، ومن ذلك أنه لم يوضح سبب بعض التّسميات التي أطلقها، ولا لماذا اختصر العصور القديمة في رحلته الشعريّة، وركّز على شعراء العصر الحديث7، وكيف برّر استبعاد أسماء شعراء يمنيين مشهورين من العصر القديم، بسبب أن هناك خلافًا حول بيئتهم اليمانيّة، مثل “كثير بن الصلت الخولاني”، بينما لم يستبعد آخرين؛ مع أنّه يقول إن هناك خلافًا حول أنسابهم، أمثال “يزيد بن المفرغ”8. أضف إلى ذلك أن البردوني لم يتبع أي معايير برّرت إطالة وقوفه عند شاعر، ومروره العابر بآخرين كانوا أكثر موهبةً وحضورًا، حسب رأي المقالح في مقدمته للكتاب9.

المبالغة في الاستطرادات
تعدّ كثرة الاستدلالات والاتّكاء الدائم على الاستطرادات من السمات الواضحة في كتابات البردوني الفكرية والنقدية. ففي تنقلاته القافزة بين الشعراء اليمنيين بمختلف عصورهم يستعرض البردوني حشدًا كبيرًا من أبيات الشعراء العرب، وكل ما يتبادر إلى ذهنه من قضايا وأحداث وحكايات وأمثال وأفكار بمختلف مواضيعها. وهذه السمة، التي هي أيضاً نتاج غزارة معرفته واطلاعه وإيمانه بترابط الأشياء، عادة ما تُشكل تحدّياً للمتلقي الذي تُشتت ذهنه كثرة الاستطرادات والمبالغة في استخدامها، فالكاتب حريٌّ به أن يحرص على وضوح وتتابع ما ينقله من أفكار للقارئ؛ لكن لم يكن الأمر هكذا دائماً مع البردوني؛ إذ عادة ما ينزع للخروج من موضوع إلى موضوعات أخرى تطول وتتعدد قبل الرجوع إلى الموضوع الأصلي، فتجده مثلاً يورد حكاية من التراث العربي، قبل أن ينتقل إلى بعض أطروحات الفلاسفة الغربيين، ثم يعود فيورد بعض الأمثلة الشعبية والفكاهات، أو بعض الأبيات الشعرية لأحد الشعراء، متنقلاً بين الأزمنة والأمكنة والأجناس الفكرية، كل هذا لكي يؤكد على قضية كان قد طرحها في سياق حديثه عن شاعر ما انتقل إليه في سياق حديثه عن شاعر آخر.
ولا يكتفي البردوني بهذا، بل إنه يورد في بعض الأحيان مواضيعَ منفصلة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوع الأصلي. فمثلاً نجده، وهو يتحدث عن يوسف الشحاري وأشعاره الوطنية، قد أورد آراءه عن الحكم الوطني، واضعًا محدّدات وقواعد تنظيريّة له من وجهة نظره، وهي مجمل الآراء التي تنفع أن تكون مقالاً منفصلاً في السياسة لم يكن لها حاجة ضرورية في سياق حديثه عن الشاعر10، حتى إننا نجد في منتصف الكتاب مقالة أدبية مكتملة ومنفصلة بعنوان “نظرة في الأدب وكيف يُكتب” أفرد لها صفحتين ضمن حديثه عن شعراء الريف11.
في مواضع عديدة من الكتاب يتدارك البردوني هذا الأمر، معتذراً للقارئ على كثرة الاستطرادات وخروجه عن الموضوع كثيراً، مبرراً هذا الخروج بأنه كان ضرورياً، فنجده يقول مثلاً: “إن تداعي الخواطر، وإرضاء الذوق الأدبي دَعَيَا إلى هذا التقصّي”، مشيراً إلى أنّ “أدبنا العربي متطوّر بعضه من بعض، ممتدّ خلفه من سلفه، في تجدّد دائم حتى ولو في النكسات”12. على أن ذلك لا يمنع ما كان لكثرة هذه الاستطرادات، وعدم انتظام تتابعها، من أثرٍ سلبيّ على انسياب الأفكار واتّساق المواضيع لدى القارئ.

التبويب وغياب المراجع
كان عدم التزام البردوني بتبويب موضوعاته بشكل منهجي، وعدم إيراده للهوامش أو المصادر البحثية، من القضايا التي تعرض فيها للانتقاد. يشير د. حيدر غيلان إلى أنّ البردوني كان يقلل من أهمية التبويب في الكتب، مكتفيًا في حالات قليلة بالإشارة إلى بعض المراجع في ثنايا المتن، لأنه لم يكن يرى أهمية كبيرة لإثقال البحوث بالهوامش13. وفي حقيقة الأمر لم تكن ردود البردوني حول هذه القضية مقنعة دائماً؛ إذ عادة ما كانت تأتي متهكّمة أو غير جدية، فها هو يستنكر الاهتمام بالتبويب في “عصر الانفتاح”، ويقوم بمغازلة القارئ هروباً من محاصرة النقاد؛ قائلاً إن القارئ لا حاجة إلى إرشاده للأبواب أو الفصول في الكتاب، لأنه حسب قوله “أذكى منّي، وغاية الغباء تجاهل المعلوم”14. أما ما يخص خلو كتاباته النقدية من المراجع والهوامش؛ فيذهب البردّوني إلى أنّه شاهدٌ على عصره، وأنه لم يكن بحاجة إلى إثقال أوراقه بالهوامش، قائلاً بوثوق: “وإذا لم أشر إلى مراجع أخرى فلأني وأمثالي مرجع المراجع”15، شارحًا كيف أصبحت كتب الجاحظ والعقاد مراجعَ بحدّ ذاتِها، رغم عدم إشارتها للمراجع، حسب قوله.

موقفه من الجديد وقسوة النقد
على الرغم من تعدّد القضايا النقديّة والأطروحات الفكرية التي كتب عنها البردّوني وأثارت جدلًا واسعًا، إلا أنّ هناك ثلاث قضايا ربما أخذت حيّزًا أكثر من غيرها، وأولها في تقديرنا كان موقفه من الشعر الحديث، فلطالما كان البردوني يعتبر من الرافضين للتّجديد الشّعري، على الرغم من أن ذلك لم يكن يأتي إلا في سياق دفاعه عن القصيدة العموديّة، فنجده يقول: “لكن الشّعر العموديّ لم يمت ما دام يجد شعراء، والجديد لن يتوقف ما دام يجد شعراء، فليست القضيّة قضية جديد وقديم، وإنما قضية شعر جيّد وشعر رديء، فالجدّة لا تجعل الرديء جيّدًا، والعموديّة لا تجعل الجيّد رديئًا، فكل قديمٍ أصيلٍ يستطيع التجديد، وكل جديد يستطيع النمو”16. ولهذا تعاطى البردّوني كثيرًا مع شعراء الحداثة، واقتبس من قصائد “السيّاب”، وأشاد بأشعار “عبده عثمان” والمقالح وغيرهم. لكن ها نحن نجد المقالح نفسه يتّهم البردوني بغموض موقفه من الشعر الجديد، واصفاً موقفه بأنه “موقف لا يتسم بالرفض، ولكنه أيضاً لا يتسم بالقبول… موقفٌ غامض”17.
أما القضيّة الثانية فكانت مجمل تعليقات البردوني وآرائه الجريئة؛ بل وحتى المتهكمة في بعض الأحيان، في أشعار عدد كبير من الشعراء المعاصرين، بما في ذلك أصحاب الأسماء الكبيرة في الحركة الوطنية والأدبية في اليمن. يقول عبد الباري طاهر إنّ اجتهادات البردوني وتقويمه للأشخاص “غالباً ما تثير غبار النقع”، وأن البردوني كان معتاداً على نقد الشعراء والأدباء والمثقفين من مجايليه بقسوة، وأنهم كانوا يخافونه أشد الخوف عندما كان لا يتردد في سلخ جلودهم، والسخرية منهم. ويضيف طاهر أن أطروحات البردوني لم تكن كلها صائبة أو دقيقة، مشيراً إلى أنه على الرغم من ذلك فقد تميز البردوني عن غيره من أصحاب المعارك الفكرية بأن “الخلاف معه لا يتحوّل إلى حقدٍ أو ضغينة”18.
ولعلّ أكثر آرائه النقدية إثارة للجدل والانتقاد كانت تلك المتعلقة بشعر الزبيري وخلوّه من السمات المحليّة اليمنية. فمع أنّ البردّوني في الكتاب أسّس مدرسة شعرية باسم “مدرسة الزبيري”، وتتبع تاريخ تطور قصائد الزبيري الوطنيّة، التي ألهمت ليس فقط الشعراء ولكن أجيالاً من الثوار والقادة الوطنيين، إلا أنه لم يتردد في القول إن هذه المدرسة أصبحت بلا تلاميذ، وأن قصائد صاحبها خالية من ملامح الأرض اليمنيّة وروائحها، وأنه انشغل بنقد الحاكم عن الالتفات إلى همسات المحكومين، حتى لا يكاد قارئ شعره يعرف أنه يمنيّ إلا إذا كان يعرفه شخصيًّا19.
ومع أنّ هذه الآراء الجريئة، التي تم تفنيد معظمها من قبل النقاد والدّارسين، كانت كافية لإثارة منتقديه وخصومه، إلا أنّ أكثرَ ما شكَّل تحدّياً له كان نقده القاسِي على بعض الشعراء المعاصرين دون غيرهم من أقرانهم، ووقع هذا النقد على نفوسهم ونفوس معجبيهم، فقد كان يقوم باصطياد أخطائهم وتصويبها، واقتراح بدائل شعريّة لأبياتهم أو مفرداتهم، واتّهام بعضهم بتقليد الآخرين بدون وعي أو كفاءة، مثل اتّهامه للشاعر “محمد الشرفي” بتقليد نزار قباني، على الرغم من كونه أقل شاعرية وموهبة20. كما نجد مثلاً تحامله غير المبرر على “أحمد المطاع”، الذي أنكر على الناس إعجابهم بمقالاته النثرية في مجلة “الحكمة” ولم يورد له بيتاً شعرياً واحداً21، ونقده اللاذع لـ”لطفي جعفر أمان” وسخريته من جائزته الشعرية، وهو الحديث الذي وصفه هو نفسه بالحديث الفجّ22.
استهداف الإثارة

قد لا نعرف لماذا ركَّز البردوني نقده على بعض الأسماء، أو بعض التجارب الشعريّة، دون غيرها، ولماذا أفرد مساحة للاهتمام بقضيّة وتغافل عن أخرى، متجاوزًا المتعارف عليه من متطلّبات التحليل والتقييم؛ إلا أنّ ذلك كان لا شك إحدى النتائج الطبيعية لغياب المعايير والمنهجية البحثيّة في كتاباته النقديّة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولأنّ البردّوني كان مدركًا لكلّ هذا فهو لم يفوّت فرصة في تبرير ما يطرحه من آراء وأحكام جدليّة، فها هو يقول في تمهيده للكتاب: “إني أستهدف الإثارة الأدبيّة أكثر من الدقة التاريخيّة، فالتاريخ ليس إلا مجرّد إطار دقيق لتزمن الأعمال الأدبية”23، مضيفًا في موضع آخر أن “خير ما في الأسلوب الأدبي هو إثارة الملكات الملاحظة، لأن في تلك الإثارة نفعاً للناقد والمنقود”24. كما نجده يشكو من امتعاض البعض من أسلوبه النقدي، قائلاً إن النقد “انعدم بفعل المحاباة الاجتماعية”، وأنه سوف “ننتظر طويلاً حتى يلوح النقد المخلص والتقبل لهذا النقد”، موضحاً أنه لا يعرف تبعات مواقفه النقديّة؛ لكنّه قال ما ارتأى صحته، على الرغم من معرفته بما “يلاقي الصادقون من مجتمعاتهم”25.
كان البردوني في بعض الأحيان يبرّر قسوة انتقاده بما سمّاه “جدارة المنقود”، فنجده يقول: “استوقفني شعر محمد الشرفي، لما فيه من الإجادة والإثارة، فكان جديراً بأن يُناقش، لأن النقاش يصحح المفاهيم، وبالأخص إذا كان جدّياً”26. كما كان يعتمد على إبراز الجوانب الإيجابية من شخصية الشعراء الذين تعرّض شعرهم لقسوة نقده، فنجده يقول مثلاً عن عبد الرحمن قاضي ويوسف الشحّاري تباعاً: “ألم تكن طيبة عبد الرحمن أغنى من شاعريّته، وقلبه الحنون الودود أكبر من قصائده؟!”27، و”لكن يوسف الشاعر الممتاز يغلب عليه يوسف الثوري المناضل”28. وفي مواضع كثيرة كان البردوني يمتدح ما يراه جميلاً من شعر منقوديه كنوعٍ من التّعويض ربما، مؤكّداً أن “النقد أعلى ضروب المحبّة، إلا أنّه حبٌّ يحيي ولا يميت بنفخ الغرور”29.
وهنا ربما يجدر بنا الإشارة إلى قضيّة مهمّة، وهي أنه على الرّغم من كل ما يمكن أن يؤخذ على البردوني في كتاباته النقدية، إلا أنه في تفجيره للقضايا الجدلية وأطروحاته، والتي عادة ما كان يسوقها ببساطة وفي سياق موضوعات مختلفة، كان يؤسس لمفاتيح بحثية ونقدية تستدعي انتباه واهتمام النقاد والدارسين. وفي عالم النقد الأدبي والبحث العلمي تعتبر قدرة الباحث على إنتاج هذه المفاتيح بذاتها ميزة كبيرة بمعزل عن نتائج بحثه العلمي أو أطروحاته النقدية. وفي كتاب “رحلة في الشعر اليمني” تتناثر الكثير من هذه القضايا والأطروحات التي تثير لدى القراء عمومًا، والدارسين خصوصًا، الفضول والانتباه، ويمكن أن تشكل نواة أبحاث ودراسات. من ذلك على سبيل المثال ما يطرحه البردوني عن تشابه شعر النساء، وكيف أن الفرق بين شاعرة وأخرى ضئيل حتى يبدو أنهن شاعرة واحدة30. كذلك نقرأ رأيه في “سخف استخدام التاريخ الميلادي لتأريخ العصور الماضية”، وأنّ هذا النوع من الاستخدام ما هو إلا حذلقة وليس أسلوباً عصريًّا كما يدّعي البعض31، وقوله إن المفكّر لن يُحقق “إنسانية البَعيد إلا بعد أن يحقق إنسانيّة الأقرب إليه، وهو شعبه”32، وكيف أن في اليمن لا يوجد “شاعرٌ أكبر من شاعر، حتى ولو كان أجود إنتاجاً، فإن الأخوّة الأدبيّة تجمع الموهوبين على اختلاف حظّهم من المواهب ونصيبهم من الإجادة”، مُرجِعاً هذا الأمر، لا إلى الشعراء أنفسهم، بل إلى طبيعة المجتمع اليمني33.

روح الشاعر وفقدان البصر
يمكن إرجاع ما سبق ذكره من خصوصيّة وسمات جدلية في الكتابة النقدية لدى البردوني إلى عددٍ من العوامل، أهمها -من وجهة نظرنا- عاملان أساسيّان:
أولاً: إن البردّوني شاعرٌ كبير جامح الخيال في الأساس، ولهذا كان الشعر حرفته الأولى، ولا بدّ أن روح الشاعر لديه قد أثَّرت كثيراً في شخصيته كناقد، وهو ما يذهب إليه المقالح في مقدمته للكتاب؛ إذ يقول إن روح الشاعر ومعاناته كانت واضحة خلف كل عملية نقدية للبردوني، وأنه كان “يثور ويرضى، ويعنف ويلين، كشاعر لا كناقد”34.
والمعروف أن البردوني عاش حياةً فريدة متمرّدةً على بؤس الواقع وظلم الحكام، وكان شعره أيضاً فريداً متمرّداً على المألوف الشعريّ. ويبدو أن كتاباته الفكرية والنقدية هي الأخرى كانت متمرّدة على اشتراطات هذا النوع من الكتابة. ولهذا نجد بعض الفقرات التي يكتبها البردوني بشاعرية كبيرة لا تتطلبها بالضرورة الكتابة النقدية، فها هو يشرح منهجية كتابته النقدية قائلاً: “أنا عصيرُ قراءةٍ وثمراتُ ملاحظةٍ، ولم أتشكل من لا شكل، وإنما أنا أوراقٌ اخضرّتْ من أشجار، وتعنقدتْ من أكثر من كاس، وانبثقتْ من آثار القراءة والملاحظة”35.
ثانياً: إذا كان فقدان البصر لم يؤثر في البردوني الشاعر، الذي جاءت قصائده مشحونة ببلاغة شعرية بصريّة مذهلة36، فإن ذلك كان له تأثيرٌ مباشر في طبيعة كتابته النقدية وما تخللها من قصور، فقد كانت قراءات البردّوني سماعيّة، وكان قد رفض محاولات أصدقائه إقناعه بتعلم القراءة بلغة “برايل” للمكفوفين، قائلاً لهم إنه يرى بوجدانه ما لا تستطيعه الحواس الخمس، وأنه ليس بحاجة إلى “وسيلة تشوّش عليه صفاء ذاكرته أو تغيّر طريقة تطبيقه للمعرفة”37. إذن كان البردوني يعتمد على ذاكرته وحدها أثناء كتاباته النقدية، غير مستعين بأيٍّ من الأدوات البحثيّة المساعدة، وهو أمر يتطلب جهدًا مضاعفًا، ويتخلله -دون شك- الكثير من الصعوبات والاختلالات، فنحن نجده مثلاً يذكر لنا ترتيب قصائد ديوان شاعر ما، وعدد أبيات إحدى قصائده، مستشهداً بموقع بيت شعري في قصيدة شاعر آخر، إضافة إلى استعراضه للتواريخ والعناوين والمعلومات ومجمل التفاصيل التي يستقيها كلها من الذاكرة.
من الطبيعيّ أن يشكل كل ذلك عائقاً للبردوني ويبرر ظهور ثغرات في كتاباته النقدية، وهو الأمر الذي يشير إليه بنفسه في معرض حديثه عن صعوبات الكتابة وقلة الإمكانيات، قائلاً: “أنت لا تقرأ متى تريد، وما تريد، ولا تكتب في وقت حس الكتابة، لأن الغير من ضرورياتك، وأنت مواطن صغير لا تُنسّق لك سكرتارية، فإذا قدمتَ جهد الـمُقِل فهو منك فوق الـمُنتظر”38.
الجدير بالذكر أن معظم كتابات البردوني النقدية كان ينشرها في شكل مقالات منفصلة، وكان معظم كتبه تجميعاً لهذه المقالات، وهو ما يفسر بعض السمات وأوجه القصور التي أشرنا إليها، فهو لم يقم بتحرير كتبه النقدية من جديد، ولم يعتمد على آخرين في هذا الأمر؛ لانعدام الإمكانيات من جهة، وانعدام ثقافة التحرير في الوسط الأدبي الذي عاشه البردوني من جهة أخرى.

خاتمة
تميزت الكتابة النقدية للبردوني بسمات وخصوصيات واضحة المعالم، شكَّل بعضها مصدراً لانتقاده من قبل الدارسين والمتخصصين، خاصة فيما يتعلق بعدم التزامه بالمناهج النقدية والبحثية المعروفة، وهو ما جعل كثيراً من القضايا والآراء والتقييمات التي طرحها محل انتقاد وتشكيك. غير أن أهمية كتاباته النقدية تكمن في قدرتها على إثارة الأسئلة والجدل والاختلاف حول ما طرحته من قضايا، إضافة إلى ما شكَّلته من أثر كبير في التثقيف العام وتنشيط حركة النقد، وفتح أبوب ومواضيع بحثية كثيرة، مثله مثل عدد غير قليل من المفكرين والعلماء الكبار، الذين لم يكونوا في أحيان كثيرة يلتزمون بصرامة منهجية الكتابة العلمية أو النقدية، ولم يقلل ذلك من قيمة إسهاماتهم العظيمة.
ولا شك أن ثقافة البردوني وتأثّره بالنقاد القدامى، إضافة إلى المعوّقات البحثيّة النّاتجة من فقدان بصره، قد أثرت كثيراً في طبيعة كتاباته النقدية. ولا شك أيضاً أن البردوني، الذي اتّسمت بعض آرائه النقدية بالقسوة، قد استفاد كثيراً من الانتقادات التي وجهت إليه، ومن مجمل العواصف الفكرية التي أثارها، فقد كان يطور أساليبه النقدية التي ظهرت في كتاباته النقدية المتأخرة، وإن ظلت السمات الرئيسية لكتاباته النقدية كما هي عليه.
في كتابه “رحلة في الشعر اليمني” يكرر البردوني، في أكثر من موضع، سؤالاً جريئاً: هل كنتُ ناقداً؟ وحين كان يوضح ويسوغ المبررات والحجج لأسلوبه النقدي كان لا ينسى التأكيد على هدفه الأول والوحيد، والمتمثل في إثارة القضايا العامة لغرض الاستفادة والتطور، وتحريك “المياه الراكدة”، وهي المياه التي أجمع الكثيرون على نجاحه في تحريكها.


هوامش

البردوني: رحلة في الشعر اليمنى قديمه وحديثه، دار العلم للطباعة والنشر، دمشق، 1977، كما ظهر في طبعات أخرى.
البردوني: فنون الأدب الشعبي في اليمن، دار البارودي، بيروت، 1998.
عبد العزيز المقالح: مقدمة كتاب “رحلة في الشعر اليمنيّ قديمه وحديثه”، ص 14.
البردوني: رحلة في الشعر اليمني، مصدر سابق، ص359.
المصدر نفسه، ص35.
المصدر نفسه، ص60.
د. حيدر غيلان: الكتابة النقدية عند البردوني: سماتها وتوجهاتها العامة، مجلة مصر المحروسة، يونيو 2012.
البردوني: رحلة في الشعر اليمنى، مصدر سابق، ص28.
المصدر نفسه، ص15.
المصدر نفسه، ص 261.
المصدر نفسه، ص 122.
المصدر نفسه، ص 276.
د. حيدر غيلان: الكتابة النقدية، مصدر سابق.
المصدر نفسه.
المصدر نفسه.
البردوني: رحلة في الشعر اليمنى، مصدر سابق، ص206.
عبد العزيز المقالح: مقدمة الكتاب، مصدر سابق، ص 15.
عبد الباري طاهر: “البردوني المبدع والرائي الذي رأى ما لا يُرى”، ملحق صحيفة “الثورة”، 29/8/2010.
البردوني: رحلة في الشعر اليمنى، مصدر سابق، ص142.
المصدر نفسه، ص 242.
المصدر نفسه، ص 55.
المصدر نفسه، ص 171.
المصدر نفسه، ص 17.
المصدر نفسه، ص 285.
المصدر نفسه، ص 107.
المصدر نفسه، ص 245.
المصدر نفسه، ص 259.
المصدر نفسه، ص 271.
المصدر نفسه، ص 214.
المصدر نفسه، ص 25.
المصدر نفسه، ص 52.
المصدر نفسه، ص 262.
عبد الله البردوني: قضايا يمنية، دار الحداثة، بيروت، ط2، 1988.
عبد العزيز المقالح: مقدمة كتاب، مصدر سابق، ص 15.
عبد الله البردوني: قضايا يمنية، مصدر سابق.
د. همدان دماج: قراءة في حياة البردّوني وتعدد السمات الأسلوبية في شعره، مؤسسة العويس الثقافية، 2019.
د. عبد العزيز المقالح: الشاعر الكبير عبدالله البردوني كما عرفته عن قرب، مؤسسة العويس الثقافية، 2019.
عبد الله البردوني: قضايا يمنية، مرجع سابق.

شاهد أيضاً

كما يرى نيتشه : الثّقافة هي الفرنسيّة، وما عداها ليس سوى سوء فهم!

محمّد صلاح بوشتلّة «إنني صرت أُفضّل قراءة شُوبنهَاور بالفرنسية». نيتشه. إنه وإن كان إميل سيوران …