أخبار عاجلة

البطل اليهودي فـي رواية «شوشا» حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان

رواية (شوشا/1978) رواية بطل يسرد بتقنية ضمير المتكلم وقائع حياتهِ منذ طفولته في الأحياء الفقيرة التي يقطنها اليهود في بولندا، حيث تبدأ جميع المشاهد والمفاصل بفعل مضارع فاعله ضمير مستتر تقديره أنا يعود إلى البطل الذي يفرض على القارئ وجهة نظره في إطار واقعي بأسلوب نقدي انبثقَ ربما عن رغبة الروائي القوية في الحضور عائداً من ماضيه بإعادة استحضارهِ صوراً منتقاة وتعديلها بما يتوافق مع ذاكرة البطل ليؤرخ جانباً من حياة اليهود كجزء من الحياة السياسية والأدبية في وارسو(1917- 1938) وفي أحداثٍ عاشَ الروائي الجزء الكبير منها، ونحن إذ نهتم بمقاصد المؤلف الروائي فإنما ذلك استناداً إلى القصدية كمفهوم ظاهراتي (طوَّره أدموند هوسرل.. في أنَّها سوف تؤثِّر في التأويل العملي من خلال تسويغ اللجوء إلى مواقف المؤلف الخاصة واعتقاداته بصدد عمله بوصفهِ خطوة جديدة)(1)
وليس معياراً للبرهنة على معنىً للنص الأدبي، و(لا حاجة لأنْ يقوم الدليل المستمد من السيرة بإقحام النزعة القصدية لأنَّهُ في الوقت الذي يكون دليلاً على ما يقصده المؤلف، قد يكون أيضاً دليلاً على معنى كلماته والطابع الدرامي لملفوظهِ)(2) وإنْ كان المقصود بهذا الكلام هو قصد الشاعر من ألفاظهِ، لكنَّ هذا لا يمنع امتداد مفهوم القصدية إلى قصد الروائي من تناقضات وجهات النَّظر ومواقف شخصياته من العالَم.
ما هي التفسيرات المحتملة لأسباب انغلاق المجتمع اليهودي على نفسه، وعدم انفتاحهِ على الآخر؟ ما هو السياق التاريخي والاجتماعي الذي سمح باستمرار هذا الانغلاق إلى الآن؟ ما هي السرديات الأسطورية الكبرى التي ظلت متماسكة في التراث اليهودي وتناولها الروائي عن طريق بطله هارون؟ هل نعرف المجتمع اليهودي؟ ما هي مصادر معرفتنا؟ في السياسة تُطرَح أو تُنتَج معرفتنا باليهود بحسب المصلحة وغالباً ما تتأرجح المعرفة لدينا ولديهم بين ذاتانية متطرفة وموضوعانية متطرفة أيضاً، والتطرف والمغالاة موانع ضد العلم والمعرفة. محاولة لتتبُّع تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي تكشف البيئة التي شاركت في تكوين شخصية اليهودي وأسهمَت في تكوين وعيهِ بذاتهِ وبالآخر المختلف وبالعالم الخارجي، باعتبار الرواية حدثاً سوسيولوجياً من المجتمع إلى المجتمع، وقد وصفَ الروائي إسحاق باشيفيس سنجر في رواية «شوشا» الظروف التي جعلت هارون يرفض مغريات الزواج بالأمريكية بتي حتى وهي تمثِّل طوق النجاة من بؤسهِ، ويُفضِّل شوشا رغم كلِّ شيء، كنوع من الانغماس في الحرمان والاضطهاد أو لأنَّها ليست ضمن الآخر المختلف، أو للأسباب التي ذكرها هو. ويظهر أثر المكان والبيئة الثقافية في التقلبات وتناقضات إدراك الذات وعلاقتها مع الآخر المختلف، التي طرأت على شخصية اليهودي كبطل روائي: يعيش في مجتمع يهودي مضطهد ومهمَّش يعاني القلق الاجتماعي والاكتئاب في بولندا، وصراعه مع أحلام الهجرة إلى تل أبيب، أو إلى أمريكا.
أهمية البطل الروائي:
يقول باختين (المهم… بالدرجة الأولى ما الذي يكونه العالم بالنسبة للبطل، وما الذي يكونه هو بالنسبة لنفسه، يتطلب البطل بوصفهِ وجهة نظر، بوصفهِ نظرة إلى العالم وإلى نفسه بالذات)(3) ومصطلح «البطل: وجهة نظر» استحدثه هنري جيمس وزعزعه كافكا وأتباعه، ولا زال الكثير يتمسكون به كإسحاق باشيفيس سنجر الذي يُقدِّم العالم اليهودي من وجهة نظر بطلهِ هارون هذه النظرة التي لم تعجب جزءا كبيرا من اليهود المتشددين ولا غير اليهود أيضاً.
السياق التاريخي والاجتماعي
قد نوَّه الروائي في بداية الرواية أنَّ الطفل هارون قرأ كتب باروخ إسبينوزا(1632 – 1677) رغم تحذيرات والدهِ (وأشار والدي إلى الفيلسوف إسبينوزا محا الله اسمه…وفي ذلك اليوم ألقيت محاضرة على شوشا عن الفيلسوف إسبينوزا كما لو كنتُ قرأت كلَّ مؤلفاتهِ)(4). وبالتالي تخفَّف هارون من وطأة النصوص الدينية التي لها أثرٌ كبير في السلوك البشري والضغوط الاجتماعية على الآخر المختلف. وقد كتبَ هــــــــ تين عام 1868 (من ضمن الوثائق التي تجعلنا نعاين من جديد مشاعر الأجيال السابقة، الأدب هو الوثيقة الأفضل على نحوٍ لا مثيل له)(5).
في تل أبيب يقول هايمل(اللاجئون القادمون من أفريقيا، ما أدرانا مَنْ يكونون، لعلهم أحفاد قطورة)(6) وهم جوييم أيضاً(7). يقول هارون (وكنتُ مفارقاً لزمني من عدة وجوه، بيد إني لم أكن أدرك ذلك)(8) جميع اليهود مفارقين للعالم الذي يعيشونه من حيث الزمان والمكان لكثرة أساطيرهم وعمق إيمانهم بها رغم لا عقلانيتها، فهم يتواصلون مع بعضهم بلغات تعتبر ميتة بالنسبة للعالم الخارجي، تبدأ الرواية بمعلومات يكاد يجهلها الجميع كتشويق وإثارة وجذب للقارئ (تَرَبَّيتُ على ثلاث لغات ميتة: العبرية والآرامية والييدية، وعلى ثقافة تطورت في بابل التلمود، درست في حجرة ينام فيها المعلم وتطهو له زوجته ويأكل فيها، لم أدرس حساباً أو جغرافية أو فيزياء أو كيمياء أو تاريخاً، بل القواعد التي تحكم البيضة موضوعة في يوم عيد ديني، وما كان يُقدَّم من ذبائح أو قرابين في المعبد الذي تهدَّم منذ ألفي عام)(9) وهذا حال جيلٍ بأكملهِ، يدرس بلغات ميتة علوماً لا تنفع أكلَ الدهر عليها وشرب، لتتشكَّل منها سلوكاً عقول منغلقة لمواطنين يقفون عقبة أمام التلاحم الاجتماعي. وتنتهي الرواية في تل أبيب وزوجة هايمل الثانية تسأله وهارون (لماذا تجلسان أنتما الاثنان في الظلام؟ فضحك هايمل: نحن في انتظار جواب)(10) جواب الأسئلة الوجودية التي لمجرد تداولها يعتبر المرء مُنشَقَّاً عن اليهودية. لكن اليهود في بولندا أو شرق أوروبا ليسوا هم اليهود في تل أبيب حيث وقع انقلاب في طبيعة المجتمع بعدما انتقلَ النَّاس إلى أرض الميعاد، مع بزوغ الفكر العلمي وانتصار تيارات العقلنة، لكن رغم ذلك ظلت أساطير اليهود محتفظة بمكانتها المركزية داخل الثقافة اليهودية والحقوق الإلهية التي تتمتع بها شخصية اليهودي باعتباره من أبناء الله وأحبابهِ، واستناداً إلى هذه الأسطورة يقوم بتوجيه نظرتهِ إلى العالَم، يعتبر نورثورب فراي الأسطورة (شكلاً من أشكال التفكير الخيالي والإبداعي، فإنَّها لا تتطور مع نمو المجتمع أو التكنولوجيا… في الوقت نفسهِ من المحتمل أنْ يستمرَّ النظام الأسطوري بسبب طبيعته التقديسية في مجتمعٍ ما بطرق مصطنعة، ويبدأ بإطلاق الأحكام والافتراضات حوق نسق الطبيعة تتعارض مع الملاحظة الفعلية التي يوحي بها ذلك النسق)(11). ويحيل فراي إلى دور المؤسَّسة الدينية في حظر استبدال المفاهيم الأسطورية بمفاهيم علمية منذ كوبرنيكوس وغاليلو. في المجتمع اليهودي يُسمَح بالتفسير العلمي خارج العلوم الإنسانية، لئلا يتوسَّع إلى أساطيرهم المقدَّسة التي تحاول أنْ تُكيِّف نفسها مع كتب التاريخ الذي ذكرت أنَّ الهيكل هُدِمَ مرات كثيرة، ويذكر الإنجيل نبوءة المسيح بهدم الهيكل وكان الهدم الثالث(12) في الإصحاح 24 من إنجيل مَتَّى (فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل(2) فأجابهم يسوع: هل ترونَ كلَّ هذه؟ أقول لكم الحق، لن يُتركَ فيها حجرٌ على حجر، بل يُهدَم الكل). وبهذا الخصوص يقول نورثروب فراي (المبدأ الضمني العام هو: إذا وُجِدَ شيء ما صحيح تاريخياً في الكتاب المقدَّس، فليس ذلك لأنَّه صحيح تاريخياً بل لأسباب أخرى، ويُفترض أنْ تكون للأسباب علاقة بالعمق والدلالة الروحيين)(13) وفي الإصحاح الثاني من سفر دانيال الذي يبدأ برؤيا منامية لنبوخذ نصر، وليمتحنَ قدرة السحرة والكهنة وحكماء القصر، قال أريد منكم أن تخبروني بالرؤيا وتفسيرها قبل أنْ أخبركم، فعجزوا جميعاً، ولجئوا إلى نبي الله دانيال، الذي استعانَ برب السماوات والأرض، فأخبره بالرؤيا، ثم يخبره بتفسيرها الذي ينتهي (وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ). اليهود يرفضون مناقشة حقيقة علمية لهذه النبوءات، فضلاً عن إعادة تأولها بما يتَّفِق مع ميولهم واتجاهاتهم، وهنا (يُعتبر المقدس قوة ذات وجهين: فهو يحيي ويميت في آن… وتُدعى تجسداته الأولى في الحضارة الحديثة المتأخرة باسم اللاوعي أو غريزة الموت. وهذه الازدواجية الوحشية التي تجسدت لدى السلالة اليهودية المسيحية في إرهاب مقدَّس تكمن في جذر المفهوم الحديث للحرية، ذلك أنَّ فكرة الحرية مدفوعة إلى حدها الأقصى تنطوي على شكل من الإرهاب)(14) هذه النبوءات المقدسة غير المطروحة للنقاش يناقشها بطل الرواية هارون بعدما شبَّ وخرج عن طوق اليهود وأحيائهم حيث قرأ إسبينوزا الذي أثبت حقيقة أنَّ التوراة لم يكتبها الرب ولا موسى عليه السلام، لأنَّ فيها نعي موسى وذكر أحداث وأماكن وقعت بعده بعهد بعيد، كما وأنَّ الكتب المقدِّسة كُتِبَت باللغة اليونانية، وأنَّ عيسى عليه السلام كان يتحدَّث اللغة الآرامية، كما وأثبتَ من قبل أنَّ (حرية التفكير لا تمثِّل خطراً على الإيمان، أو بتعبيرٍ آخر أنَّ العقل هو أساس الإيمان، والثاني إثبات أنَّ حرية التفكير لا تمثِّل خطراً على سلامة الدولة، أي أنَّ العقل أساس كل نظام سياسي تتبعهُ الدولة… بل أنَّ القضاء على حريَّة التفكير يؤدي إلى ضياع سلامة الدولة والإيمان)(15) ثمَّ توصَّلَ إسبينوزا إلى حقيقة أنَّ(الكتب المقدسة ليس لها مؤلِّف واحد، ولم تكتب للعامة الذين عاشوا في عصرٍ بعينه، بل هي من عمل عدد كبير من الناس ذوي أمزجة مختلفة عاشوا في عصور مختلفة)(16). وكنوع من التمرد استهلَّ الروائي بربط اللغة بالموت وختمَ بربط الانتظار بالظلام، كان اليهود في بولندا كما في أوربا يعيشون مضطهدين منبوذين أشقياء قليلي الرَّجاء غرباء غربة اختيارية ليس بسبب اللغة الميتة فقط، بل بسبب الرفض المتبادل بينهم وبين الآخر. لغات ميتة مقابل لغات حية من شأنها إحداث استلاب حضاري واغتراب وتمرد (تكلمت بضع دقائق بالإنكليزية، كم هي رائعة هذه اللغة ووثيقة الصلة بشؤون الحياة والناس)(17). لو أنَّك ذَمَمْتَ شيئاً أو مدحته بصفات محدَّدة، ثم ذكرتَ شيئاً خلافَهُ بدون صفات، فمن المنطقي أنْ تكون الصفات متضادة، وهذا يعني أنَّ اللغات الميتة: العبرية والآرامية والييدية منفصلة عن شؤون الحياة والناس، وكانت الجرائد والمسرحيات التي تعرض باللغات الميتة بالتالي لا يفهمها غيرهم.
المجتمع المغترب:
أشر الروائي حالة انفصال بين المواطن اليهودي وبين مؤسسات الدولة البولندية والمجتمع كمؤسسة أيضاً كان يمارس ضغوطاً على اليهود بقمعهم كمحاولة لصهرهم في المجتمع البولندي الذي يعلم جيداً أنَّ اليهودي لن يكون ولاؤه لوطنهِ الذي يعيشُ فيه أبداً. لكن البطل كان يعاني اغتراباً منذ طفولته داخل عائلته، وداخل حيِّهِ اليهودي أيضاً (لأني ابن حاخام أرتدي ثوبا طويلا من الجبردين وطاقية من المخمل، فكانوا يتهكمون علي بألقاب مثل: ذو الزي التنكري، الحاخام الصغير)(18). يعتقد اليهود أنَّهم يتميزون عن غيرهم من حيث السُّلالة واللغة والتاريخ والدين والملبس والمأكل والأعياد والتقاليد وشدة تمسكهم بكلِّ هذا يدلُّ على اعتزازهم بتواصلهم مع ماضيهم، إلى درجة أنَّ تشذيب اللحية يعتبر انتهاكا للعرف الحسيدي(19)، وهي تهمة والد شوشا، بينما والد البطل يقضي كل وقته باحثاً عن شروح وتعليقات للتناقضات الكثيرة التي تحتويها المجلدات الضخمة في شرح الكتب المقدسة (ومنذ وعيت على الدنيا وأنا أسمعه يكرر عبارة هذا منهيٌّ عنه، هذا حرام)(20) وقدَّم الروائي تفاصيل صغيرة عن الحياة اليومية لطائفة مغلقة ومعقَّدة إلى حدٍّ ما، هذا الضغط دفعَ هارون ليتحلَّل إلى حدٍّ منا من هذه الالتزامات ويتمرد على قائمة المحرمات الطويلة، هذا الطفل أثناء الحرب العالمية الأولى حلقوا له خصلات شعر الأذن، وأطعموني حساءً له نكهة لحم الخنزير، اعتبر الأمر كارثة، لكنَّه حين يشبُّ ويعيش في بولندا لن يعتبر الزِّنا وخيانة صديقهِ هايمل والتقاعس في إتمام عملٍ قبضَ ثمنه مسبقاً مئات الدولارات وإغواء الخادمة الفقيرة وأفعال مُحرَّمة أخرى: ليست كارثة! فهو يريد كغيره أنْ يعيش الحداثة ويتمتَّع كغيره من الشباب في زمنٍ قالت عنه بتي الأمريكية (العالم كله يريد تقليد أمريكا، وهي تريد تقليد العالم كله)(21) بالأحرى ابتلاعه من خلال أمركتهِ.
لطالما وقفَ العالم عاجزاً أمام اليهود كمشكلة بلا حل، واتُّهِموا بالخيانة والغدر على الدوام، (واتَّهمهم البابا إنوسنت الرابع سنة 1247 بخطف أطفال المسيحيين وذبحهم كما يدعوهم التلمود)(22) وكان المجتمع اليهودي المحافظ يعتبر أيُّ مثقف أو كاتب أو أديب متمرد على الأعراف والتقاليد التلمودية، لأنَّهُ وهو يبحث عن وجهة نظرهِ الخاصة لإدراك العالم سيشعر بتناقضات تستعير بنيتها من الاصطدام بالواقع. ويحظر عليه قراءة الفلسفة التي يعتبرها الحاخامات أداة لتخريب العقل اليهودي وتشكيكهِ بالكتب المقدسة، وهذا الشعب بسبب جهله وانطوائه وانغلاقه على نفسهِ كان يُمثِّل عقبةً كبيرة أمام الدولة (فتحت حكومة النمسا عدَّة مدارس إجبارية لتعليم اليهود واستقدمت مدرسين يهودا من ألمانيا، قوبلت هذه المحاولة بمعارضة حادة من قبل المواطنين اليهود، فأغلقت المدارس عام 1806… وعلى الرغم من أنَّ المدارس الثانوية فتحت أبوابها لليهود فإنَّ عدد من التحق بها عام 1827 لم يتعدَّ الـــ 158 طالباً يهودياً فقط)(23).
وهارون الذي عاش وسط بيئة دينية متزمِّتة حين انتقلَ إلى بيئة أخرى صار يؤمن بحرية المرأة كنوع من التمرد، ولكنه يعتقد جازماً أنَّهُ حين يريد أنْ يتزوَّج سيتزوج امرأة يهودية محافظة، ولهذا رفض بتي والإغراءات التي قدمتها.
وما حدث لهارون ربما هو عين ما حدث لمبتكرهِ الروائي إسحاق باشيفيس سنجر(1902-1991) وما كان لهُ أنْ يحيطَ بشيءٍ منها، لولا أنَّها جزءٌ من سيرته الذاتية(24). علاقة البطل هارون بالمجتمع والسياسة والمرأة تنطلق من وجهة نظرهِ الخاصة التي لم تخل من نزعة صوفية، اكتسبها من بيئته الثقافية فهو ابن الحاخام رادزمين ابن الحاخام يانكل (الذي خاض حروباً مع الشياطين طوال حياتهِ، وقام بمعجزات لا تُحصى)(25). شقيقه موشيه حاخام متديِّن إلى درجة يرفض ركوب عربة واعترض في حفلة خطوبة شقيقه على شوشا(ليس في العرف الحسيدي أنْ يجلس الرجال والنساء على مائدة واحدة)(26) وهو في حالة ذكر دائم وترديد للمزامير إلى درجة أنَّهُ يعتقد(لو نسينا الله لحظة واحدة، لأصبحنا في عِداد الأنجاس على الفور.. إنَّ مَنْ يداوم على طاعة الله تتجدد قواه)(27) وهذا الاعتقاد موجود في كل الأديان السماوية(28). وحين يسمع موشيه غيبة يسد أذنيه بأصابعه، وفي الملمَّات يردد أقوالاً مثل (كله من عند الله إليه عاقبة الأمور)(29) والدة شوشا تنصحها قبلَ أن تنام (قولي فحسب: «استودع روحي بين يديك» ولسوف تنامين بأمن وسلام)(30).
المرأة في المجتمع اليهودي
والدة هارون تقص عليه (في الخامسة عشرة والنصف خُطِبتُ لوالدك، لا يُباح للبنت أنْ تدرس التوراة، إلا أني كنتُ أقف وراء الباب وأصغي إلى جدك)(31). لماذا يحظر على المرأة قراءة التوراة؟ لتظلَّ جاهلة بحاجة إلى علم الرجل، لأنَّها إذا تعلمت ستتكلم، والتوراة تأمرها بالطاعة والسكوت. هذا الجهل الديني بالتوراة والمعرفة سينعكس على رغبتها في أكثر من رجل، بحثاً عن الرجل الأقوى والأكثر علماً وثقافة في خمسة نماذج مختلفة من المرأة اليهودية الفاشلة يعجبن بشاب واحد: ابن حاخام وكاتب رغم فقره وضعف شخصيته وتردده:
شوشا: الطفلة الساذجة ترفض الزواج بالساعاتي رغم ثروته ولطفهِ، لأنَّها تنتظر هارون المُثَقَّف، يحدث انقلابا في حياتها، بعد الزواج حيث يكبر عقلها وشعورها بالمسؤولية. سيليا: القوية المثقفة تبحث عن الأقوى والأكثر ثقافة، ثمَّ تعاين أكاذيب وقسوة فيتلزوهن وافتخارهِ بعلاقاته الغرامية، والذي يبشِّر بعصرٍ جديد يفقد فيه الرجال والنساء غريزة الغيرة، يقول فيتلزوهن بعد كلام طويل (لقد بحثت لسنوات عن أساس لعلم الأخلاق، وفقدت الأمل في ذلك)(32)، وهذه الديوثية التي يبشِّر بها فيتلزوهن في الرواية تبدو ظاهرة اجتماعية يهودية يؤشِّر الروائي بدايات انتشارها في أوروبا، ويبدو هايمل وهارون والمليونير الأمريكي الذي بداية ظهوره يكون غيوراً ثم يوافق على مشاركة هارون بالعيش مع بتي، ويحدث انقلاب في حياة سيليا حيث تنحرف إلى البراءة وتُعجَب بشوشا التي ترى فيها صورة ابنتها الطفلة التي ماتت. بتي: صديقة المليونير المتشائمة تتفهَّم مشاعر هارون في تفضيل شوشا عليها، وترسل له من أمريكا دعوة وتنقذه بعد طول فراق. دورا: الثورية قوية المبادئ، يحدث انقلاب في حياتها بعدما تسمع وتعاين أنَّ الشيوعيين في روسيا ليسوا بأكثر إنسانية من النازيين، وبعدما تيأس من هارون تتزوج صديقها المنشق على الشيوعيين. تيكلا: الخادمة الفقيرة بعد علاقتها مع هارون تنقلب على خطيبها وترفضه. لماذا اختار شوشا؟ يشير عنوان (شوشا) إلى أنَّ النصَّ في حبكته سيرتكز حول فتاة اسمها شوشا، كما في آنا كارنينا ولويتا وإمَّا وجين آير وغيرها، الرواية تبدأ باسترجاع هارون طفولته وشبابه في بولندا، وهي عينها طفولة وشباب الروائي إلى حدٍّ ما، أصدقاء هارون يسمونه تسوتسك وهي كلمة تعني حرفيَّاً نبح الكلب الصغير، لكنَّهُ لا يغضب من هذه التسمية التي تستخدم للتحقير غالباً.
هارون جريدنجر في حياتهِ حبُّ خَمْسِ نسوة، شوشا ثم دورا ثم سيليا ثم الأمريكية بتي، وبين ذلك يُعجب بالخادمة تيكلا التي تخاف سيدة النزل. ويجتمع منهنَّ ثلاثة في مشهد ساخر بين الصفحات 329-341 حيث تأتي دوار حاملةً باقة ورد، ثم تتبعها بتي بباقةٍ أخرى ليباركا له زواجه من شوشا (وانفتحَ الباب مرة أخرى ودخلت تيكلا وقد تألقت عيناها بالضحك وأعلنت: السيدة بتي هنا ومعها أزهار)33، وسيليا تتصل لتمنحهما هدية الزواج أسبوع في فندق داخل مدينة ثلجية ونائية. إنَّ فشل هارون في كتابة مسرحية، تسبَّب بانسحاب من الحياة ومن كلِّ شيء، وعزلة ولو مؤقَّتة، ثم ارتداد إلى زمن الطفولة بحثاً عن بداية جديدة للخلاص من أسباب الفشل. وهناك سلوكٌ آخر يتمثَّل في البحث عن منفى، وفرصة سفر وإقامة في دولة أخرى باعتبارها ولادة من جديد وهو ارتداد من نوعٍ آخر يزعمُ لنفسهِ المواجهة ولا يعترف بالفشل.
1- شوشا الزوجة العقيم: طفلة لا تنمو، ولا يمكنها الإنجاب لصغر حجمها، في السابعة ينجذب إلى الطفلة شوشا التي ورثت سذاجة أمِّها، يفترقان بسبب الحرب والتهجير، ويزعجه (انطباع في ذهني بأنَّ شوشا لم تعد حيَّة)(34). بعد عشرين سنة يقف أمام باب الشقة التي انتقلت إليها شوشا ليجدها(أشبه بطفلة متخلفة عقليا وجسمانياً)(35) هذا الرمز الفنتازي للمرأة المُحرَّم عليها قراءة التوراة باعتبارها نجساً، وفي هذا الرمز الفنتازي تناص مع بطل غونترغراس أوسكار ماتزيراث(36)، لكن عدم نمو أوسكار جسدي فقط، وعدم النمو عند شوشا هو عقلي أيضاً، أمام حيرة شوشا الكبيرة في اختيار قطعة حلوى من العلبة التي جلبها لهم هارون يقول في نفسه (قرأتُ في كتاب عن الطبِّ النفسي انَّ عدم القدرة على اتخاذ قرار بشأن أبسط الأشياء هو علامة على الاختلال النفسي)(37). يتعرَّض الزوج إلى إحراجات كثيرة، في طريقهما إلى شهر العسل (وجاء مفتش القطار ليثقب التذاكر وسألني: لماذا تبكي؟ لقد نسيت أن تحضر وسادتها. ابنتك إيه؟ كلا أجل)(38) (وبدأت تضحك ثم استحال الضحكُ نشيجاً على حين بغتة)(39). لكن الطفلة بدأت تتعلم حيث مُنِحت شيئاً من الحب والاحترام الذي تستحقه كإنسان (شوشا قد قامت بواجبات الزوجية شيئاً فشيئاً)(40). هارون أحبَّ الطفلة في شوشا وهي صغيرة، وأحبَّ الطفلة في شوشا بعد عشرين سنة، لأنَّ الطفلة داخل وخارج شوشا ظلت كما هي بريئة، لم تتلوث كما حدثَ للطفل داخل هارون، شوشا التي كانت تصغي بشغف إلى ما يسرده هارون من قصص وأساطير ظلَّت كما هي، فهو يخبر شوشا(فيما مضى كان هناك فيلسوف يعتقد أنَّ كل شيء حلم)(41). ويستمع حكايات شوشا الساذجة 161- 170. منها (ليزر الساعاتي لديه قلم يكتب من غير أنْ يُغمس في الحبر)(42). ويأخذها في نزهة فتنصحه (علام نستقل درشكية، فلنستقل ترام 11… من المخجل أنْ تبدد النقود)(43). وتنقل له بعض الإشاعات المتداولة(عربات خطف الفتيات وبيعهن في أسواق الرقيق الأبيض في بوينس آيرس)(44). ولكي يتزوج شوشا يلزمه شهادة مختبرية (الحاخام يطلب ثلاثين زلوتاً من أجل تزويدهم بشهادة تؤيد أنَّ شوشا عذراء سليمة)(45) (الدولار يساوي تسع زلوتات)(46) يعلق هارون وهو ابن حاخام(لم أكن أدرك أنْ توجد مثل هذه الخرافات في وارسو)(47).
2- سيليا الزوجة الفاشلة: تشكو ضعف زوجها هايمل إلى الصحفي الشاب هارون ابن الحاخامات المُشكِّك زير النساء، الذي يُعجب بسيليا زوجة صديقهِ هايمل. فيتلزوهن قال لسيليا بمناسبة موت ابنتها (موت الطفلة ينطوي على حكمة إلهية، لأنَّ لديها طفلاً من قبل هو هايمل)(48). فهي تعامل زوجها كما تعاملُ طفلاً أيْ تتسلَّطُ عليه، ولا تخاف منه لأنَّها أذكى منه وأقوى، لكنَّها في نفس الوقت تخاف عشيقها الثاني وصديقهم المشترك الدكتور فيتلزوهن الذي يمارس نفوذاً قوياً في وسطهِ باعتباره الأكثر ثقافة ومعرفة، وَيُشجِّع هارون للتقرب من سيليا(وذات مرة دعتني إلى شقتها في المساء عندما كان هايمل غائبا لحضور مؤتمر صهيون العمالي)(49) وشعر هارون أنَّ سيليا تريد أنْ تنتقم من فيتلزوهن بسبب افتخاره بعلاقاته الغرامية كثيراً، تعترف سيليا بأنَّها تخون زوجها مع فيتلزوهن. هارون يعترف (كل ما رأيت وقرأت ينهضُ دليلاً على الإنسان العصري لا يأخذ المسؤولية العائلية مأخذ الجد)(50). ويعود هايمل فجأة لأنَّ المؤتمر كان قد ألغي، وتشكوه سيليا لزوجها هايمل بأنَّه خجول وأنَّها حاولت إغواءه لكنه رفض، فيقوم بتشجيعهِ (ما الذي يدعو إلى الخجل لقد خلقنا من جبلة واحدة؟ ألا تجد سيليا جذَّابة؟ إذاً ما المشكلة؟ قَبِّلها)(51). سياق الحديث يمكن تفسيره على أنَّ الزوج يقول هذا الكلام مازحاً، لكن السياق العام للرواية ينفي هذا. وحين فشلت المسرحية كانت سيليا شديدة القلق عليه، خاصة بعدما اختفى واعتزل في بيت والدة شوشا (تحدثت إلى تيكلا بالتليفون، فأخبرتني أنَّ سيليا دائمة الاتصال بي تلفونياً)(52). وحين انتقل الزوجان سيليا وهايمل طلبا معاً من فيتلزوهن الانتقال معهما فرفض مبرِّراً (إنَّ كل جوانب الضعف والانحراف لديَّ ناشئة عن إصراري الشديد على الحرية المطلقة وتمسكي بها، هذه الحرية المزعومة حولتني إلى عبد)(53). عبدٌ لحريته المزعومة، ولشهواته التي تهبط به دون مستوى الإنسان. وكذلك طلبا من هارون أنْ يعيشَ معهما مع زوجته شوشا، وحين اشتهرت أنباء المسرحية في بدايتها، اتصلت به سيليا، تعاتبه، فقال (أنتِ لستِ صديقتي فحسب، بل إني أحبك)(54).
3- بتي سلونيم الممثلة الفاشلة: فتاة يهودية هاجرت من روسيا إلى أمريكا وحصلت على الجنسية، لكنها لم تحقق حلمها وتصير ممثلة ولا كاتبة (إني اقرأ المجلات فأجدهم ينشرون أسوأ النفايات، ولكنهم يطلبون مني أن أكون بوشكين آخر أو يسنينين)(55)، وكلامها لم يخلُ من داء قديم حديث، ومسكوتٌ عنه، حيث ربما تجد مجلَّة أدبية أو فكرية رصينة، تنشر مادةً ذات مستوىً متدن يفضح الضغوط التي مورست من أجل نشرها. وهو عين ما عاناه هارون في البداية (رفضَ رؤساء تحرير الصحف كلُّ ما قدمته لهم، ولم يلح لي بأني سأجد الأسلوب الذي يخلق لي مجالاً أدبياً يخصني وحدي ويميزني عمَّ، سواي فتخليت عن الأدب وركَّزت على الفلسفة)(56)، لكنه في النهاية وهو متزوج ومستقر مع شوشا كتبَ حلقات مسلسلة خيالية عن حياة الدجالين والقديسين، وحققت له شهرة كبيرة لكن في إطار اليهود قراء اللغة الييدية فقط. عرَّفَهُ بها فيتلزوهن وعشيقها الأمريكي المليونير سام دريمان، يسأل(ما اسمك؟ هارون جريدنجر. إنه اسم صعب، في أمريكا نحن لا نولع بالأسماء الأوربية الطويلة، فهناك الوقت من ذهب، لقد جاء إلى مكتبنا روسي اسمه سيرجي إيفانوفتش متروبوليتانسكي، قد تصاب بالربو لمجرد محاولة نطق اسم كهذا)(57) يطلب من هارون أن يكتب لها مسرحية، ويقترح عذراء لادومير، فهي تريد أن تصبح ممثلة بملايين صديقها، تفشل المسرحية ؛ لأنَّها سرعان ما تتضخم لاشتراك الجميع في كتابتها وإضافة ما يرغبون فيه، أثناء عرض البروفا الأولى بعد شهور، ونفقات كثيرة، ظهرت المهزلة، وغضبَ سام(لن نعرض هذه الفظاعة)(58) وبتي متمسكة بفرصتها باعتبارها الوحيدة والأخيرة، هارون يفكر في الانتحار ولازمه النحس والأرق والندم على إضاعة وقته، ولم يعد قادراً على السفر؛ لأنه أضاع مستمسكاته لكثرة تنقلاته(عليَّ أنْ أسافر إلى القرية التي ولدت فيها لإحضار شهود إلى مبنى البلدية كي يشهدوا على يوم ميلادي فقد احترقت سجلات المواليد والوفيات تحت وابل القنابل الألمانية 1915)(59). وإذا كانت بتي الأكثر ضرراً من فشل المسرحية وضياع حلم حياتها بأنْ تصير ممثلة، فإنَّها أيضاً كانت السبب الرئيس في فشلها (رغمَ أنَّ بتي نبهتني كثيراً إلى أنَّ العمل في المسرحية يأتي في المرتبة الأولى من الأهمية، فقد جعلتني أذهب معها إلى المتاحف والنُّزَه الطويلة وأفسدت عليَّ كل خططي للعمل)(60)، وهذا ما يسميه هابرماس غَلبة العقل الأداتي على العقل التواصلي حيث (أنَّ العقل الأدائي تكمنُ فيه بذور انهياره التي تولد عنها النزعات الشمولية والاستبدادية)(61) وهذا التفكك في القيم والمبادئ يندرج تحت مِظلَّة التناقض الأدائي وهو بحسب هابرماس (صراع بين الدعوى الظاهرة التي تطلق في قول من الأقوال والطريقة التي تُطلق بها هذا القول، فالتناقض الأدائي يسير بعكس النية التواصلية أو القصد التواصلي للدعوى)(62). والجزء(بتي سلونيم) يدلُّ على الكل حيث أنَّها وهي المرتبط مصيرها بنجاح المسرحية، وهي الأكثر ضرراً من فشلها وضياع حلم حياتها بأنْ تصير ممثلة، كانت السبب الرئيس في فشلها، وبدلاً مِنْ أنْ تكون حريصة بألا ينشغل كاتب المسرحية بأيِّ شيءٍ آخر غير المسرحية، فعلت العكس تماماً. فيبدو أنَّ غايتها كانت هي أنْ تعثر على هارون، وحين وجدته نسيت المسرحية كما في قصة قاتل التنين(63) للشاعر ريلكه، وكيف أنَّ الذي قتلَ التنين لم يتوقف ليأخذ جائزته من الملك وهي الأميرة نفسها، أو أنَّ فرحته في الانتصار على التنين أنسته كلَّ شيء، وكأيِّ إنسان حالما يصل إلى الهدف الذي يسعى وراءه، ينسى كل المتاعب التي لقيها يقول الشاعر (كأنَّك لم تدرك من الدهر ليلةً، إذْ أنتَ أدركتَ الذي كنتَ تطلبُ).
ثم تتمكن بتي بعقلها الأداتي من إقناع سام دريمان بالاشتراك مع هارون كزوج على أنْ يظلَّ هو كعشيق، يعرضان عليه المشروع، شرط أنْ يظلَّ سام دريمان بقربهما في بيتٍ واحد، يرفض بعدما يتجلى له والده، ويقارنه بما حدث ليوسف الصدِّيق عليه السلام مع زليخا، ثم تعود بعد سنوات لتعرض عليه نفس الفكرة فيرفضها أيضاً(لا أستطيع أنْ أقتل طفلة، ولا أستطيعُ ايضاً أن أخلف وعدي)(64) يقصد بالطفلة شوشا. وبدا هارون متردِّداً وعانى صراعا نفسياً، في الموافقة على بيع نفسهِ للمليونير الأمريكي زوجاً لعشيقته بتي التي تقول له (تستطيع أنْ تذهب إلى شوشا إذا رغبت، لكن عليك أنْ تقطعَ صلتكَ نهائياً بسيليا)(65) لكن بعدما سمع أحقاد الحلاق كنموذج بولندي على اليهود قرر الموافقة من أجل الحصول على تأشيرة إلى أمريكا. سر انجذاب بتي إلى هارون هو أنَّها تشعر كيهودية(الحقيقة المحزنة أنَّه لا يوجد مكان في العالم كله، أحسُّ فيهِ أنني في وطني)(66). رغم أنَّها حققت حلماً كان في رؤوس جميع شباب أوروبا والعالم آنذاك وهو الحصول على جنسية أمريكية. وهذا حال اليهود جميعاً وفي كلِّ مكان لا يشعرون بالرِّضا حتى عن طعامٍ يأتيهم من الجنَّة، يقول هارون (نحنُ نفِرُّ وجبل سيناء يلاحقنا، هذه المطاردة قد جعلتنا مرضى ومجانين. تجيبه بتي: لا تشملني إني مريضة ومجنونة لكن لا دخلَ لجبل سيناء بذلك)(67). وربما انجذبت إليه لأنَّه إلى حدٍّ ما يُمثِّل نسخة اليهودي الأكثر التزاماً بالتوراة، ودريمان يتذمر من هارون لأنه يرفض أنْ يسبح معهم في النهر الصغير، (كنتُ أرتبك من خلع ملابسي أمام الغرباء، لم أحرر نفسي من فكرة ورثتها عن أجيال، أن الجسد وعاءُ عارٍ وخزي ونفاية في الدنيا وما هو أسوأ من ذلك بعد الموت)(68). بتي هي التي تأخذ هارون في نزهة وحين يقتربان من بيت شوشا لا يتمالك نفسه ويدخل وحين ترى بتي نظرات هارون إلى شوشا تدرك جيداً أنَّهُ يحبها رغم أنَّها بلهاء تماماً، ويعترف لها، فتحاولُ ثنيه (الموهوبون مجنونون جميعهم، قرأت كتاباً عن هذا، لكن نسيت اسم المؤلف) وجمع مجنون مجانين. يجيبها هارون (لومبروزو)(69). ولبتي آراء فكرية وثقافة لا يمكننا إلا أنْ نعزوها للروائي سنجر، ومنها: أنَّ المصيبة تتمركز حول (أنَّ عدداً ضخماً من الرجال والشباب لديهم ميل إلى القتل، وهم في حاجة إلى ذريعة أو سبب فحسب، تارة من أجل الدين، الفاشية، الدفاع عن الديمقراطية، وحافزهم من القوة بحيث يتغلب على خوفهم مِنْ أنْ يُقتلوا)(70).
4- دورا ستولينتز الثورية الفاشلة: (في وارسو بدأت علاقة مع دورا فتاة هدفها أنْ تستقر في روسيا السوفيتية، موظفة في الحزب الشيوعي، قُبِضَ عليها مرات عديدة، وكنتُ أنا لستُ شيوعياً وضدَّ كل ما ينتهي بالياء والتاء المربوطة.. بدأت أنفر منها بسبب شعاراتها الجوفاء وعباراتها الطنانة عن المستقبل السعيد والغد المشرق)(71). وكأيَّة شيوعية (كانت تعتبر الزواج بقية من بقايا الغلو الديني)(72) ثم بعد ذلك(كانت تلح بإصرار على أنْ نتزوج.. وقالت إنَّها ترغب في ذلك إكراماً لخالتها لأنَّها امرأة تقية وورعة)(73). يرفض الزواج والارتباط، ورغم خوفه لأنَّ الشيوعيين كانوا ملاحقين من الشرطة السرية في وارسو، لكنه يظل يعيش معها إلى أنْ تقرر الهجرة إلى موسكو مع أصدقائها، في تلك الفترة التي تظهر فيها بتي. ودورا متحمسة كبيرة ومخدوعة بالتيار الشيوعي، تنهار وتنقلب بعدما تستمع إلى رواية فلهندلر بعدما فرَّ من معتقلات ستالين عاد يروي المأساة، فقال له هارون(أمور تحدث في كلِّ الثورات، فكلما أريق دم باسم الإنسانية أو الدين أو لأيِّ سببٍ آخر أدَّى حتماً إلى ذلك النوع من الإرهاب)(74) ودورا وصديقها يزداد إعجابهما بهارون لنفاذ بصيرته وتعترف له بإيمانها بصدق آرائه في(أنَّك لا تقدر أن تساعد الجنس البشري، وانَّ أولئك الذين يقلقون أكثر مما ينبغي على مصير الإنسان، لا بدَّ أنْ يصبحوا قساة غلاظ القلوب عاجلاً أو آجلا)(75). وتعتقد دورا أنَّ (ما يسميه الفضلاء وأساتذة الأخلاق شرَّاً هو جزء من نظام الحياة في الواقع)(76)، وفي مشهدٍ ساخر تزوره دورا بباقة ورد لتبارك زواجه من شوشا، وتعترف له بأنَّها تعمل مع الشرطة السرية، وتخبره بأنَّها ستززوج فلهندلر (أجل يا أعزَّ الناس فكلانا خارج على الحزب الشيوعي وفاشستي وخائن وعميل للشرطة السرية)(77).
5- تيكلا الخادمة الفاشلة: دريمان يعطي هارون منحة ثلاثمائة دولار ليكتب مسرحية، فيستأجر غرفة في نزل نظيف وفيه خادمة، يعاملها معاملة لطيفة، فتنجذب إليه، أعطاها نصف زلوتي (خذيه يا تيكلا إني أحبك)(78)، ويستمر في محاولات إغوائها (أعطني ثغرك؟ أوه هذا ممنوع… كانت تخاطر بسمعتها وعملها…وتذكرت عبارة في كتاب «أخلاق السلف» تقول: الخطيئة تجرُّ إلى الخطيئة)(79). وعلاقته بتيكلا ربما كانت الأضعف، فهي تعتبره صديقاً وملاذها الأخير الذي يسمع إشاعات عن أنَّ خطيبته تحب الصحفي الذي (يكتب الرسائل إليه باسمها)(80)، وحين يعود ثائراً ويهدد بقتلها وهارون معاً، وتلجأ إلى بيتهِ عند شوشا فيتصل بصديقته سيليا التي وافقت على قبولها كخادمة، والتي تكون في غاية النفع حين تسقط بولندا تحت الاحتلال النازي ثم تغادر المدينة عائدةً إلى القرية بسبب وفاة والدها. وشخصيات الرواية كلهم يهود عَدا تيكلا الخادمة.
مصادر اغتراب اليهودي
إنَّ نظرة إلى العقل اليهودي من خلال وجهة نظر أحد أبنائه الروائيين، قد تجعلنا نقف على بعض الأسباب الكامنة للرفض المتبادل بين اليهودي والآخر المختلف، سواء لمجرَّد الاختلاف الديني فقط باعتبار الآخر المختلف عند اليهودي جوييم، أو لأسباب أخرى كالحرب والحالة الاقتصادية وطريقة الملبس والسلوك وغير ذلك.
الطفل هارون بماذا يفتخر؟ (وأتباهى أمامها بأني على دراية بالقبَّالاة، بأنِّي أعرف عبارات تخرج النبيذ من الحائط لفرط قداستها وتخلق حمائم حية وتجعلني أطير إلى مدغشقر)(81) هذه الخزعبلات موجودة في كتب السَّحرة والمشعوذين المغطَّاة ببعض مصطلحات المتصوِّفة عند كل الشعوب والأديان. وتحذيرات والده (إنَّ من ينغمس في القبَّالاة قبل الثلاثين، يكون عرضة للوقوع في الهرطقة أو الجنون، أعتقد على أي حال إني كنت نصف مارق ونصف مجنون)(82).
الطفل هارون بماذا يحلم؟ (اكتشفتُ شراباً لو شربته هي لجعلها في قوة شمشون، إذ شربته أنا من قبل وإني أصبحت من القوة بحيث أستطيع طرد الأتراك من الأرض المقدسة وأصبح ملكاً على اليهود)(83) هذا الحوار بين طفلين هارون وشوشا عام 1930، واندلعت الحرب العالمية الأولى (وأصدرَ العم الأكبر للقيصر والقائد العام نيقولاي نيقولائيفتش مرسوماً بإقصاء كل اليهود عن المناطق الواقعة خلف الجبهة باعتبارهم جواسيس للألمان)(84) وفي تاريخ أوروبا الوسيط، كلما حدثت مجاعة أو غلاء أو حرب أو طاعون أو أية كارثة أخرى صبوا جام غضبهم على اليهود، ونهبوا دورهم وشرَّدوهم باعتبارهم سبب البلاء! وكنازح (حلقوا لي خصل الأذن وأطعموني حساء له نكهة لحم الخنزير، وكان هذان الأمران كارثتين دينيتين، كما أمرتني ممرضة غير يهودية بأن أتجرد من ملابسي.. ولا بد أني وقعت في يد ليلت)(85). وهذه الخرافات يرددها مثقف منشق، فكيف بالملتزمين؟ وبحسب هامش المترجم ليلة شيطانية في التراث الديني الشعبي تأتيهم بصورة امرأة في أحلامهم، وإنْ كان يتحدث عن هارون الطفل، لكن الذي يتحدث هو الذي يتذكر وهو هارون الرجل الكاتب المثقف.
مجتمع متحذلق
أشباح الحرب وتهديدات هتلر المتواصلة كانت تقضُّ مضاجع المجتمع البولندي، الذي يُنَفِّسُ عن خوفه وقلقه بصبِّ جام الغضب على (ثلاثة ملايين يهودي يعيشون في بولندا ويتحايلون على كسبِ عيشهم بطريقة ما)(86) بسبب الفقر والتهميش وطبيعتهم المغلقة في الإصرار على عدم تقبل الآخرين ظلوا متخلفين علمياً واجتماعياً واقتصادياً. عندما يصير التحذلق مصدراً للعيش في مجتمعٍ ما، سيتفكك. لكن اليهود متماسكين. ذلك لأنَّ شريعتهم تبيح التحايل بل وتحببه وترغِّب فيه على اليهود فقط. الجميع يطالب المليونير الأمريكي سام دريمان بنقود أكثر إلى درجة أنْ صرخَ في وجه هارون(إذا كان اليهود قادرين على مثل هذا الخداع والتضليل، فهتلر على حق إذاً)(87) هذه المقولة كتبها إسحاق باشيفيس سنجر(88) كروائيٍّ كان صوته موجوداً وبقوة وراء جميع الشخصيات تقريباً، حتى وراء أسئلة شوشا الساذجة، ولا زالت تتردد منذ المحرقة التي لولاها لَما وجدَ اليهود أرضاً تجمعهم، ولقد عانى اليهود الاضطهاد والقتل والتهجير طوال تاريخ أوروبا تارةً باعتبارهم جواسيس للعدو وسبباً للطاعون والغلاء وتارةً لأنَّهم مرابين والناس يحبون الخلاص من دائنيهم، لأنَّ الخلاص من الدائن خلاصٌ من الدين.

(البقية بموقع المجلة على الانترنت)

يقول هايمل في تل أبيب (أمَّة يهودية فقدوا أعصابهم، يخامرهم الشعور دائماً أنَّهم مضطهدون، في البداية كانوا يلعنون هتلر، أمَّا الآن فهم يلعنون بن جوريون)(89). وذلك لأنَّ (اليهود يحبون ثلاثة أشياء مجتمعةً معاً: الجنس والتوراة والثورة)(90). الذاكرة اليهودية متخمة بقصص وأساطير السَّبي البابلي الأول والثاني ومئات المرات عرضوا للاضطهاد والإبادة، فيتلزوهن ينصح صديقه هارون(تسوتسك لا تمكث في بولندا، المحرقة قادمة إلى هنا، سوف تكون أسوأ مما كانت عليه في عهد شملينسكي)(91). شملينسكي الذي يعتبره اليهود مجرماً سفَّاحاً، يعتبره الأوكرانيون والروس بطلاً قومياً لأنَّه وحَّد القوزاق ودعا إلى الوحدة مع أوكرانيا وروسيا وأقيم له تمثال في كييف عاصمة أوكرانيا 2009، هذا الرمز النقيض لدى اليهود والأوكرانيين ما هو إلا نموذج من نماذج كثير من الرموز النقائض بين الشعوب الأخرى. تقول باشيل والدة شوشا(الأوباش يتحدثون عن قتل كل الأغنياء وسلب أموالهم)(92)، (كل هذا بسبب عدم وجود ما يكفي للأكل، كانوا يخلطون الخبز باللفت أو نشارة الخشب)(93).
مجتمع الكراهية
لماذا يكرهون اليهودي وكأنَّهُ ليس إنساناً مثلهم من بني آدم؟ ماذا فعل اليهودي ليضطهد لأجيالٍ متلاحقة؟ (كان رجال الشرطة الذين يحرسون البوابات يحرمون دخول المتنزه على اليهود)(94). ويعتقد هارون كغيره من يهود بولندا أنَّ (البولنديون يريدون التخلص مِنَّا، فهم ينظرون إلينا على أننا شعب داخل شعب وجسم غريب، وهم تنقصهم الشجاعة للقضاء علينا بأنفسنا.. لقد أصبح الشيوعيون ألدَّ أعدائنا منذ بدأ تروتسكي معارضته لهم)(95) لأنَّ التروتسكيين في بولندا كلهم يهود. ثم يكمل هارون في تقريع اليهود (إذا أعطيت اليهودي ثورة، طلب أخرى دائمة. وإذا أعطيته مسيحاً طلب آخر، أما عن فلسطين فالعالم لا يريد أنْ تكون لنا دولة، والحقيقة المؤلمة أنَّ كثيراً من اليهود لا يريدون أنْ يكونوا يهوداً بعد الآن)(96). لماذا كاد اليهود ينكرون يهوديتهم؟ ذكر نتنياهو في مذكراته (كان الجستابو يرسل إلى البحر سفنا محمَّلةً بيهود ألمانيا، لكي يثبت بأنَّ أحداً لا يريدهم، في حين كان البريطانيون يعيدون السفن من شواطئ البلاد إلى الموانئ التي أبحرت منها، وأحياناً بعد إطلاق النار عليها، كان هذا السلوك واضحاً لماينر تساهجن(97) الذي قال: إنَّ أحداً لا يحب اليهود ولا أحد يريدهم، لكننا تعهدنا بمنحهم وطناً في فلسطين)(98) لكن كيف استطاعوا إقناع الغرب كله بوجوب منحهم وطناً في فلسطين؟ الكاتب المعروف ماكس نورداو الذي قال (إنَّ اللاسامية المتصاعدة تعرِّض يهود أوروبا لخطرٍ لم يسبق له مثيل، ومن شأنِ هذا الخطر أنْ يدفع بأعداد كبيرة من اليهود إلى صفوف الشيوعية) فاقترح هرتسل (الحل الوحيد هو إقامة دولة يهودية فوراً، وخروج اليهود المطاردين إليها)(99)، رغم أنَّ ستالين كان يكره اليهود أيضاً، أكثر مما يكره بقية القوميات غير الروسية. (وأضاف جيبوتنسكي أنَّ الكراهيةَ لليهود التي سادتْ أوساطَ الجيش البريطاني في أرْض إسْرائيل خلال الفترة 1919 – 1920 لَم يكن لها مثيلٌ، حتَّى في روسيا وبولندا)(100) ماذا فعل اليهود في فِلَسطين للإنجليز ليستحقُّوا مثل هذه الكراهية؟ يقول ماينر تسهاجن (كانوا يتعاملون مع البريطانيِّين أصحاب النَّشاطات المعادية، يغتالونَهم جسديًّا، أو معنويًّا بافتِعال فضيحة أخلاقيَّة أو ماليَّة، أو يشترونَهم بالأموال، وفي عام 1921 كانت جذور العداء لليهود قد تعمَّقت في لندن ذاتها)(101). يذكر هارون بداية الرواية (أصبح هتلر حاكماً على ألمانيا، وبدأت عمليات التطهير السياسي في روسيا، وأنشأ بيلسدسكي دكتاتورية عسكرية في بولندا، ولسنوات خلت قررت أمريكا حصة المهاجر، ورفضت قنصليات كل دول العالم تقريباً إصدار تأشيرات دخول لليهود وتقطَّعت بي الأسباب في بلد مضغوط بين عدوين قويين)(102) هتلر وستالين كانا يكرهان اليهود أكثر من أيِّ شيءٍ آخر.
البطل المغترب والكتب المقدَّسة
في تل أبيب (وصدمني أنَّ الزوجين قد خلطا طبقيهما بمنتجات اللبن، إذ ظننتُ أنَّ هايمل سيراعي اليهودية في أرض إسرائيل) وتدخلت جينيا للدفاع عن زوجها وقالت لهارون(أنتَ غير يهودي كذلك بالطريقة التي تحيا بها؟) فأجاب (ما دمتُ لا أقتل أحداً أو أؤذيه أستطيع أنْ أسمِّي نفسي يهوديَّاً. فقالت جينيا: مكتوب في موضع ما: مَنْ يخرج عن إحدى الوصايا العشر لا بدَّ أنْ يخرجَ عنها جميعاً. جينيا الوصايا العشر كتبها إنسان لا الله)(103) مَن هو اليهودي؟ الذي لا يقتل أحداً ولا يؤذي أحداً، والمقصود أحداً من اليهود، لأنَّ قلت أو إيذاء غير اليهود الجوييم مسموح به وربما مستحب بحسب بروتوكولات حكماء صهيون(104). مَنْ هو غير اليهودي؟ القاتل المؤذي(105).
الحرب تُغذِّي التفكك الاجتماعي
بسبب اقتراب شبح الحرب وتهديدات هتلر (كان لنقابات العمال مستوطنات في كارفيا في بحر البلطيق في الممر الذي يفصل ألمانيا الشرقية عن ألمانيا الغربية والذي أقسم هتلر أن يسترده)(106)
تقهقر المجتمع البولندي خارج إطار الدولة، باحثاً عن خنادق يأملُ بأنْ توفِّر له الحماية، هكذا انقسمَ المجتمع إلى اثنيَّات متناحرة متخندقة متربِّصة بالآخر المختلف، بين الشيوعيين والتروتسكيين، البولنديين واليهود، النازيين والليبراليين، وعشرات الفصائل المختلفة الأخرى، (فلهندلر اعتادَ أنْ يُهدِّد غير الشيوعيين في نادي الكتاب بأنَّهُ لدى قيام الثورة سوف يراهم مشنوقين في أقرب عمود إنارة)(107)، وكلُّ فصيل يكتب التقارير إلى الشرطة السرية، وخيانات ومؤامرات وانقسامات وانشقاقات، لكن ليس أسوأ من حال العراق بعد 2003. ومن بينهم كلهم كان (غلاة الصهاينة يشجعون اليهود على تعلم استخدام الأسلحة النارية، ويقولون بأنَّ أعمال الإرهاب ضد الإنكليز الذين يتولون الانتداب هي فقط يمكن أنْ تعيد فلسطين لليهود)(108)، وحول هذه الفصائل المتناحرة، يتفجَّع الإنسان (ماذا يصنعُ المرء؟ كيفَ لهُ أنْ يحيا؟)(109). وشيئاً فشيئاً تزداد معاداة اليهود(لقد أصبح الأغيار جامحين، فقد أرادوا أنْ يقصوا خصلات شعر أذن موشيه، اليهودي عاجز عديم الحيلة)(110). والأغيار بحسب اليهود جوييم كفار، و(الكفار ليسوا أشراراً فحسب، بل وحمقى أيضاً)(111). في عيد الغفران يصوم اليهود 27 ساعة ويمتنعون عن القيام بأي عمل ممتع مهما كان صغيراً وفي عيد الغفران تبدو المدينة كلها مغلقة، حتى (الجيران الأغيار تركوا أعمالهم احتراماً لعيد الغفران، خلعت سترتي وغسلت وجهي ولو أنَّ هذا مُحرَّم في هذا اليوم المقدَّس)(112) ويقصد عيد الغفران، والأغيار هم غير اليهود ويسمونهم جوييم، و(حينما تظهر ثلاث نجمات في السماء نستطيع أنْ نأكل)(113)، وبعض اليهود يرون في الشعيرة إسرافاً وتبذيراً (هاجمَ كتاب في الصحف الييدية هذه الشعيرة ووسموها بالوثنية، واقترحَ أنصار الصهيونية التضحية بالنقود بدلا منها لتذهب إلى الصندوق القومي اليهودي من أجل فلسطين)(114). دخل هارون محل حلاق فوجده مغتاظاً وحاقداً(ما جنس هذه المدينة؟ عيد الغفران من أجل اليهود وحدهم، ومع ذلك تتصرف المدينة كلها كالميتة… المدن ممتلئة بهم كالقمل.. احتشدوا في كل مكان كالحشرات الطفيلية والهوام، العزاء الوحيد أنْ يطلق هتلر الدخان عليهم مثل بقِّ الفراش)(115) ويضيف الحلاق (اليهود العصريون الذين يحلقون لحاهم ويتكلمون البولندية الصحيحة هم أسوأ من اليهود المحافظين.. لأنهم يجلسون في برلماننا ويعقدون المعاهدات مع ألدِّ أعدائنا من روزنيين وروس وليتوانيين)(116)، ويعتقد هايمل في بولندا قبل غزو هتلر بعام أنَّ(اليهود على خلاف غيرهم لم يسفكوا دماً على مدى ألف عام، وأنَّهم الجماعة الوحيدة التي تلعب بالكلمات والأفكار بدلا من السيوف والبنادق، وأنَّهم سوف يسافرون إلى أرض إسرائيل على جسر مصنوع من الورق لا على جسر مصنوع من المعدن، أهي صدفة أنْ يسيطر اليهود على هوليود وعالم الصحافة ودور النشر؟)(117) لكن لماذا؟ الجواب جاء من هايمل نفسه لكن في تل أبيب(من كان يظن أنَّ غير اليهود سيصوتون لصالح الأمة اليهودية)(118).
المذابح والحرب المقدَّسة:
يحاول المتحاربون دوماً إضفاء صفة القَداسة على حربهم باعتبارها دفاعاً عن المقدسات، وذلك لتوريط أكبر عدد ممكن، كما يحاولون ايضاً استعراض أحلافهم وقواهم حتى وهم يعلمون زيفها (أكَّد المارشال ريذر سميجلي أنَّ القوات المسلحة البولندية لديها الوسائل لصد الهجمات من اليمين واليسار)(119) وهاجمَ نافيشينسكي (العجوز المعادي للسامية اليهود الذين يتآمرون هم والبناؤون الأحرار-الماسونية- والشيوعيون والنازيون ورجال المصارف الأمريكان على تقويض الديانة الكاثوليكية وإحلال المادية الوثنيَّة محلها، وظل يستشهد ببرتوكولات حكماء صهيون)(120). يقصد الجيش الأحمر من الشرق والنازي من الغرب. ما لم يذكره الروائي وتركه لقدرة القارئ وشغفه وفضوله المعرفي للعودة إلى الأول من أيلول 1939 حين ذُهِلَ العالم وامتلأ رعباً انشَلَّ تفكيره، وهو يرى سقوط العاصمة وارسو تحت ضربات الفرق النازية القاسية، في غضون ثلاثة أسابيع، شعبٌ يبلغ تعدادهُ 33 مليون نسمة، لم يستطع المقاومة عملية سحق واسعة ومدمرة، كحجرٍ قاسٍ يسحقُ خردلة رمل، أربعة آلاف طائرة نازية حربية حديثة، تنقضُّ على ألف طائرة قديمة الطراز، 58 فرقة نازية مشاة آلي، تهاجم 35 فرقة معظمها من سلاح الفرسان الذين لا زال كثيرٌ منهم يعتمدون الخيول والسيوف، وفي مساء اليوم العاشر للهجوم انهارَ خط الدفاع البولندي(نارو) وصارَ أثراً بعد عين، تبخَّر فخر الدفاعات البولندية، الذي اشترك في بنائه خبراء ومهندسون أوربيون. الجيش الأحمر للاتحاد السيوفيتي اقتحمَ الأراضي البولندية من الشرق يوم 17/9/1939 ولم يلقَ أيَّة مقاومة. الجيشان النازي والأحمر تقاسما بولندا، استسلم الجيش البولندي في الشرق للسوفيت، وفي الغرب للألمان، أمرَ ستالين بإعدام عشرين ألف ضابط بولندي، رغبةً منه في إبادة النخبة البولندية لتسريع اندماج الشعب البولندي بالاتحاد السوفيتي، ودفنهم في غابات كاتين. فأين تصريحات المارشال ريذر سميجلي الذي أحسنَ الظنَّ بنفسه وبدفاعاته وهو لا يعلم شيئاً عن الجيش الألماني؟ وحُسنُ الظنِّ من سوء الفِطن!
الزمن والرواية:
الفترة (1917-1951) البعد الزماني لفترة عاصرت حربين عالميتين، مرتبطٌ بالبعد المكاني بين دول منقسمة قسمين:
المكان الحلم أو الفردوس: تل أبيب وأمريكا
المكان الكابوس أو الجحيم: بولندا روسيا ألمانيا
البعد الزمكاني خلق ذاكرة أجيال متخمة بالاضطهاد
مقارنةً بزمن كتابة النص أو نشره 1978 مقارنةً بزمن القراءة الآن، والذي يستهدف الروائي إلغاءه ليندمج القارئ مع زمنهِ بعد تعطيل حاسة الارتياب وتقوية وهم الحضور داخل الزمن الروائي الذي يكسر انسيابية الزمن الواقعي، بحسب حاجته إلى العودة إلى الماضي، ليسرد طفولته مع شوشا، أو التقدم إلى الأمام بقفزة كما في الخاتمة (مضى ثلاثة عشرَ عاماً…وإنَّها لتجربة أنْ أرى اللافتات العبرية تعلو الدكاكين، والشوارع تحمل أسماء الكتاب والحاخامات والقادة، وأنْ أسمعَ العبرية تُنطق بطريقة اليهود الشرقيين)(121) وقد يتوقف ثلاثين صفحة أو أكثر ليصفَ مشهداً واحداً. كتبَ سنجر أربعة عشرَ فصلاً وخاتمة، بدأت الأحداث بتيار وعي 1918 ثم قفزة عشرين سنة إلى 1938، ففي بداية الرواية كان عمر هارون ثلاثين عاماً، فبدأ بتيار الوعي يحكي طفولته مع شوشا قبل ذلك بعشرين عاماً. وكأيِّ حرب هرب الناس إلى أقربائهم في الريف (غادرت عائلتنا وارسو عام 1917 وانتقل والدي إلى قرية يحتلها النمساويون لأنَّ الطعام هناك أرخص، وكان لأمي أقارب في ذلك الجزء من الريف)(122). ثمَّ قام بقفزة ثلاثة عشرَ عاماً ليكتب الخاتمة عام 1951، وعمر هارون 43 عاماً، ليدور حديث بينه وبين هايمل وزوجته الجديدة جينيا حيث التقاهما في تل أبيب ليتحاورا عن وفاة الأصحاب: سيليا ماتت، شوشا ماتت في الطريق بعد يوم من مغادرة وارسو. بتي أرسلت تزوجت عقيداً في الجيش الأمريكي وأرسلت إقراراً، وانتحرت عام 1950. والدته وشقيقه موشي أنقذهما الروس في قطارٍ للمواشي ثم تركاهما في غابة ثلجية وحدهما ليموتا برداً. في الرواية مشاهد ساحرة بفوضى أليفة من روائح الطبيخ البطاطا والحمص والفول والفكاهة والسخرية من الميتافيزيقيا والسحر والتنجيم(مع رائحة مبيد بشري أو بق)(123) وتفاصيل الحياة اليومية السطحية البسيطة المتحركة بسلاسة سردية إلى الأعماق، وشخصيات ساحرة كالدكتور فيتلزوهن الناقد الأدبي الصَّارم والرجل العبثي، والمتناقض يخاف القطط السوداء ويحمل أنواع التمائم والتعاويذ، وكان عضوا في تحرير جريدة ييدية في نيويورك، تركها وعاد وفي كلِّ مرة يسأله هارون عن سبب عودته من الأرض الذهبية يخبره سببا مختلفاً.
المترجم:
سمير أبو الفتوح قاص وكاتب قبل أنْ يكون مترجماً وشرح أكثر من مائة مصطلح بصورة موجزة وكافية، بدونها ما كان لقارئ أنْ يستمتعَ بالقراءة، كما وله فضل السبق في ترجمة روائي نوبلي منذ 1978 لم يترجم له شيء، ويعدُّ هذا نقصاً في المكتبة العربية.
لكنَّه بدا مربِكاً في بعضها(فأنتَ كلبيٌّ أكثر مني/ص37) وفي هامشه كتب أبو الفتوح: كلبي: يؤمن بأنَّ المصلحة الذاتية هي التي تهيمن على السلوك البشري، وقد يراد به من يؤمن بأنَّ الفضيلة هي الخير الأوحد، وأنَّ جوهرها ضبط النفس(124). بينما الفلسفة الكلبية المنسوبة إلى ديوجين الكلبي تقوم على ازدراء تقاليد المجتمع وأن سعادة الإنسان لا تتأثر بالمادة، وأنَّ الفقر والصبر مهمان لبناء شخصية قوية. فرضَ رؤيته الخاص أحياناً(ليس كل ما يتمناه المرء يدركه)وهو صدرُ بيتٍ للمتنبي. في النص جمل غير مفهومة مثل (ولو أنَّهُ رمى نفسه للفن أخلصَ له، وجاء أحد النقاد ليضفه لوضعه في أعلى مرتبة) الرواية- ص35. وأخطاء تقول شوشا(قلت لها إني سأبقى أعزب) الرواية- ص178. الصواب عزباء. (وارتديت النسوة/158)وارتدت. (ليس هناك من أن أتحدث معه/167)أن زائدة. وأخطاء مثل (التكعيبية/ص41) (عن عم ناهز المائة/56) (ولم يكن هذا الرزق بالحسبان/89) (في هذه الحاة/ص178) الحالة. (إلى سن الستين/243) السنتين. (أنَّ الوصايا الشعر/ص442)العشر. (في رأيي أنَّ الشهوة رقم عند المرأة، ليست الجنس وإنما الكلام/ ص241). (وهاجيم/418) وهاجمَ.
1- ديفيد كوزنز هوي- الحلقة النقدية: الأدب والتاريخ والهرمنيوطيقا الفلسفية- ترجمة خالدة حامد- منشورات الجمل- 2007- بغداد- ص46.
2- ديفيد كوزنز هوي- الحلقة النقدية: الأدب والتاريخ والهرمنيطيقا الفلسفية- ترجمة خالدة حامد- ص47.
3- باختين- شعرية ديوستوفسكي- ترجمة جميل نصيف التكريتي- دار الشؤون الثقافية- 1986- بغداد- ص67.
4- إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص21.
5- جيروم روجي- النقد الأدبي- ترجمة شكير نصر الدين- دار التكوين- 2013- دمشق- ص46.
6 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص433. وقطورة هي هاجر زوجة إبراهيم الخليل ووالدة إسماعيل عليهما السلام.
7 جوييم معناها اللفظي: حيوانات. لأنَّهم هم وحدهم شعب الله المختار، باعتبار اليهود أبناء إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهم الاثني عشرَ أخاً الذين هاجروا من الشام إلى شقيقهم يوسف عليه السلام في مصر، واستقروا فيها إلى أنْ خرجوا مع موسى عليه السلام، ستمائة ألف ينقسمون إلى اثنتي عشرة عائلة، كل واحدة منهم تعود إلى أحد أبناء يعقوب، ودخلوا فلسطين بعدما قتل داود عليه السلام جالوت، وبنى لهم الهيكل. لكنَّهم إذ يدَّعون أنَّهم أبناء الله وأحبابه وشعب الله المُختار يتجاهلون ما جاء في ذمِّهم في التوراة والإنجيل من قتلهم الأنبياء وشغبهم وثوراتهم العبثية، في الأصحاح التاسع والخمسين من سفر أشعياء(لأن أيديكم قد تنجست بالدم، وأصابعكم بالإثم. شفاهكم تكلمت بالكذب، ولسانكم يلهج بالشر… طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل. جعلوا لأنفسهم سبلا معوجة. كل من يسير فيها لا يعرف سلاما). وقد أخبرنا تعالى عن عقيدتهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران‏: 75. فالأمانة واجبة بين اليهودي واليهودي فقط، ويزعمون أنَّ دينهم يأمرهم بالغدر والخيانة والمكر والخديعة مع الأغيار، ولهذا يُقال (كُلْ في بيتِ اليهودي وَنَمْ في بيت النصراني)لأنَّه في عقيدته يستبيح الآخر المختلف، ويُستحبُّ خِداعه أو قتله والمكر به. وهو ما استنتجه المليونير الأمريكي سام دريمان في هذه الرواية التي كتبها روائيٌّ متجذِّر في التوراة والتلمود، وقبله بآلاف السنين يسرد أبو نواس شعراً قصة صاحب حانة يهودي(فلمّا حكَى الزُّنَّارُ: أنْ ليس مسلماً/ ظَنَنّـا به خيْراً ؛ فظـنّ بنا شَرّا/ فقلنا: على دينِ المسيحِ بن مرْيمٍ؟/ فأعْرَضَ مُزْوَرّاً، وقال لنا هُجرَا/ ولكنّ يهـوديٌّ يحبّك ظـاهـراً/ ويُضْمِرُ في المكْنونِ منه لكَ الخترَا). وفي الليلة السابعة والعشرين من (الإمتاع والمؤانسة)يسرد أبو حيان التوحيدي صحبة المجوسي واليهودي في سفرٍ، حيث يعترف اليهودي(أعتقد أنَّ في السماء إلهاً هو إله بني إسرائيل، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل.. وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أنَّ من يخالفني دمه لي يحل، وحرام عليّ نصرته ونصيحته والرحمة به). وشخصية اليهودي في مسرح شكسبير وفي تراث الغرب لا تختلف كثيراً عنها في تراث الشرق والعرب.
8 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص13.
9 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ترجمة سمير أبو الفتوح- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة- 2007- ص13.
10 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص81.
11 نورثورب فراي- المدوَّنة الكبرى: الكتاب المقدَّس والأدب- ترجمة سعيد الغانمي- منشورات الجمل- 2009- بيروت- ص90.
12 حيث هُدِمَ المرة الأولى: على يد ملك بابل نبوخذ نصّر عام 587 ق.م وسبى اليهود عبيداً إلى بابل، بعد خمسين سنة من السبي الأول، سمح الملك الفارسي قورش الكبير عام 538 ق.م لمن أراد من أسرى اليهود في بابل بالعودة إلى القدس، عاد عدد من اليهود إلى القدس وشرعوا ببناء الهيكل الثاني، وانتهوا من العمل به سنة 516 ق.م. هُدِمَ للمرة الثانية على يد ملك مقدونيا أنطيوخوس الرابع بعد قمع تمرد اليهود عام 170 ق.م. قام اليهود بثورات عديدة على حكم الرومان كان من أهمها ثورة عام 66 م، إذْ أحكمَ اليهود سيطرتهم على القدس عام 70 م، فعاد الرومان، وأحرقوا الهيكل وهدموه ولم يُبْقوا حجراً على حجر ثمَّ هدمه أدريانوس سنة 135 للمسيح وأخفى آثاره فلم تبق منه إلا أطلال لم يستدل عليها. خلال حكم قسطنطين للإمبراطورية الرومانية الشرقية عام 313 أصدر مرسوم ميلانو الذي أعلن فيه إلغاء العقوبات المفروضة على من يعتنق المسيحية، وتنصرت الملكة هيلانة والدة قسطنطين ملك الإمبراطورية الرومانية الشرقية بيزنطة، دفعها حاشيتها إلى التطرف، خلال عقد المجمع المسكوني الأول (نيقيا 375م) ودعا أسقف القدس مكاريوس الإمبراطور قسطنطين إلى تدمير الهيكل الوثني في المدينة المقدسة للبحث عن قبر المسيح، وأوغل قلب الإمبراطور ووالدته ببغض اليهود، باعتبارهم قتلة المسيح، فطردوهم وبعض قدامى المسيحيين، وأمرت بردم أطلال هيكل سليمان، ونقلت ما بقيَ من الأحجار لتبني مرقداً على القبر المزعوم للمسيح، وتوسموا مكانا بغير أدلة باعتباره مكان القبر.
13 نورثورب فراي- المدوَّنة الكبرى: الكتاب المقدَّس والأدب- ترجمة سعيد الغانمي- منشورات الجمل- 2009- بيروت- ص94.
14 تيري إيغلتون- الإرهاب المقدَّس- ترجمة أسامة إسبر- بدايات للطباعة والنشر- 2007- دمشق- ص145.
15 إسبينوزا- رسالة في اللاهوت والسياسة- ت:د.حسن حنفي- دار التنوير- 2005- بيروت- ص13.
16 إسبينوزا- رسالة في اللاهوت والسياسة- ص345- 346.
17 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص81.
18 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص18.
19 الحسيدي كلمة عبرية معناها التقي أو الورع وهي تشير إلى جماعات دينية يهودية كانت تتسم بالحماس الديني والتقوى في القرن الثاني قبل الميلاد، كما تشير إلى الحركة الصوفية التي ظهرت في ألمانيا في القرن الثالث عشر، ثم أصبحت تشير إلى أتباع الحركة الحسيدية التي ظهرت في بولندا في القرن الثامن عشر أسسها بعل شيم طوف. هامش مترجم الرواية- ص458.
20 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص17.
21 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص145.
22 د. عبدالمنعم الحفني- عالم بلا يهود: كتابات لماركس وسارتر وتشمبرلين وفرويد ومارتن بوبر وويل ديورانت وآخرين- دار الرشد- ط2- 1997- القاهرة- ص10.
23 د. عبدالوهاب محمد المسيري- الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة- سلسلة عالم المعرفة- العدد 60 ديسمبر 1982- الكويت- ص69.
24 الروائي بولندي المولد، أمريكي الجنسية يهودي الديانة حصل على نوبل 1978، والدته ابنة حاخام ووالده حاخام الحسيدية ولهذه الجماعة نوع من الاستقلال عن المؤسسة الحاخامية، عام 1923 انتقل من القرية إلى العاصمة وارسو ليعمل مدققا لغويا لمجلة. عام 1935 هاجر إلى أمريكا وعمل محرراً في مجلة (إلى الأمام) ونشر فيها أعماله مسلسلة باللغة الييدية وهي لهجة ألمانية قديمة تكتب بحروف عبرية ويتحدث بها يهود شرق أوربا منذ العصور الوسطى.
25 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص323.
26 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص325.
27 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص327.
28 يقول تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) سورة التوبة: 67. وقوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)الحشر: 19. وفي الحديث (مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ).
29 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص347. والمترجم يترجم بتصرف فيحدث تناصا مع قوله تعالى (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى? وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)لقمان: 22.
30 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص388.
31 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ترجمة سمير أبو الفتوح- الهيئة المصرية العامة للكتاب-ص320. وجاء في رسالة تيموثاوس الأولى (وَلَكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ) وجهل وخنوع وذل، فكيف سينمو الجاهل؟ وكيف سيكبر الذليل؟
32 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص231.
33 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص333.
34 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص31.
35 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص289.
36 في (طبل الصفيح) وهو راوٍ غير موثوق به، يحكي عن نفسه من مستشفى لرعاية المتخلفين عقليَّاً (عقدتُ العزم على أنْ أكون سياسياً وليس تاجراً لبضائع المستعمرات، إنَّما يجب عليَّ أنْ أضعَ نقطة محدَّدة وهي أنني سأبقى كما أنا محافظاً على حجمي الصغير… بغية التحرر من أساليب التفريق التي تقوم بها التعاليم المسيحية، حتى لا أكون رجلاً خاضعاً لنفوذ رجلٍ آخر)غونتر غراس- طبل الصفيح- ترجمة حسين الموزاني- منشورات الجمل- ط2- بيروت- 2014- ص78.
37 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص154.
38 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص356.
39 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا-ص360.
40 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص377.
41 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص367.
42 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص161.
43 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص177.
44 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص172.
45 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص189.
46 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص177.
47 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص 189.
48 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص40.
49 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص42.
50إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص48.
51 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص45.
52 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص207.
53 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص40.
54 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص99.
55 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص146.
56 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص31-32.
57 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص51. وكان السادات حين يذكر ليبيا يقول متهكِّما: الجماهيرية الليبية العربية- وخذ نفس وكمِّل- الاشتراكية العظمى.
58 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص201.
59 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص 212.
60 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص209.
61 عبد الغفار مكاوي- النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت- حوليات كلية الآداب الرسالة 88- 1993- مجلس النشر العلمي في جامعة الكويت- ص63.
62 آلن هاو- النظرية النقدية مدرسة فرانكفورت- ترجمة ثائر ديب- المركز القومي للترجمة- 2010- القاهرة- ص77.
63 راينر ماريا ريلكه- قاتل التنيّن- ترجمة حسين الموزاني- مجلة العربي- العدد 550 سبتمبر- 2004- ص131.
64 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص417.
65 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص268.
66 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص226.
67 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص415.
68 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص158.
69 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص142.
70 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص341.
71 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص32.
72 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- 47.
73 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص48.
74 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص300.
75 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص333.
76 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص305.
77 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص331.
78 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص150.
79 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص151.
80 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص175.
81 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص19.
82 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص20.
83 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص23.
84 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص28.
85 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص29.
86 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص206.
87 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا-ص196. والمقولة تتفق مع مقولة نُسِبَت إلى هتلر(كان بمقدوري قتل كل اليهود، لكني تركت بعضهم ليعرف العالم أنني كنتُ على حق).
88 سنجر كان والده وجده لوالده حاخام يهودي، ووالد أمِّه كذلك حاخام، ولد 1904-1991 والتحق 1921 بكلية إعداد الحاخامات في وارسو، ثم اشتغلَ بالصحافة والأدب وهاجر إلى أمريكا 1935 ونال جائزة نوبل 1978.
89 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص446.
90 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص63.
91 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ترجمة سمير أبو الفتوح- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص252. بوهدان شملينسكي (1595 – 1657) قاد انتفاضة ضد الكومنولث البولندي اللتواني أسفرت عن قيام دولة القوزاق في 1654. دخل الكومنولث البولندي اللتواني في حرب مع الإمبراطورية العثمانية، في أول معركة تسوتسورا في 17/9/1620، قتل والده، وأسِر لعامين أمضاهما في القسطنطينية حيث تعلم اللغة التركية، ولا يوجد دليل ملموس عن عودته إلى أوكرانيا، يعتقد المؤرخون أنَّه هرب أو دُفِعَت له فدية، أثناء ذلك كانت والدته قد تزوجت نبيلاً بيلاروسيا، تزوج ابنة أحد أغنياء القوزاق، في 30/8/1637 كان ضمن وفد إلى وارسو للتباحث عن حالة القوقاز مع الملك البولندي فلاديسلاف الرابع. في صيف 1646 رُتِّبَ لقاء بين شملينسكي والملك فلاديسلاف الرابع بخصوص مشكلة عن أراضٍ يملكها الأول، في نيسان 1647، طرد شملينسكي من أرضهِ، عبثاً حاول لقاء الملك، في خريف 1647 قادَ فوجاً واحداً وتباحث مع قادة القوقاز في أنحاء أوكرانيا، أثار نشاطه الشكوك وألقي القبض عليه وصدرَ أمر بإعدامه، لكن حلف القوقاز الذي شكله شملينسكي أقنع الحكومة للإفراج عنه، كان المجتمع البولندي يغلي بسبب انتشار الفقر والفساد وسيطرة التجار اليهود البولنديين، في 7/12/1648 قاد مفرزة من 300 رجل وهاجموا مفرزة بولندية صغيرة، بعد هذا النصر وفي نهاية كانون الثاني 1649 أنتخب شملينسكي بالإجماع قائداً عاما للقوقاز، وأعلن التمرد ما لم يتم استعادة حقوق القوقاز القديمة التي ألغاها الكومنولث، وكانت روسيا القيصرية تدعم المتمردين، وقتلَ شملينسكي عشرات الآلاف من اليهود بوحشية الكثير دفنوا أحياء، لكن لا توجد وثائق عن المذبحة فقط حكايات شعبية متوارثة.
92 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص137.
93 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص140.
94 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص176.
95 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص224.
96 إسحاق باشيفيس سنجر- ص225.
97 ماينر تساهجن عقيد الاستخبارات البريطاني الحاكم السياسي لفلسطين الذي وطَّأ الأمور لليهود وساعدهم، وجاءَ في كتابه يوميات الشرق الأوسط (الحمد لله لقد عشت لرؤية ولادة إسرائيل، وهو أحد أعظم الأحداث التاريخية للألفي سنة الماضية، والحمد لله لقد كان لي شرف المساعدة في هذا الحدث العظيم)
Meinertzhagen, Richard. Middle East Diary, London: Cresset Press, 1959, p: 189.
98 نتنياهو- مكان تحت الشمس- ترجمة محمد عودة الدويري- ط4- 1999- دار الجليل- عَمَّان- ص128.
99 نتنياهو- مكان تحت الشمس- ص69.
100 نتنياهو- مكان تحت الشمس- ص113.
101 نتنياهو- مكان تحت الشمس- ص118.
102 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص34.
103 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص450.
104 والعالم كله يتساءل: لماذا تتعامل إسرائيل بكلِّ هذا العنف مع الفلسطينيين دون أيِّ رادع؟ اجتاحت غزَّة في السنوات 2008 و2009 ومؤخرا عام 2014 قتلت ألفي فلسطيني وأصابت الآلاف ودمرت آلاف المباني، قصف عشوائي دونما أي استثناء للمدارس أو المستشفيات أو مواقع الأمم المتحدة.
105 وفي شريعة الإسلام العدل واجب مع المسلمين وغير المسلمين: يقول تعالى(ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)المائدة: 8. وحديث انصر أخاك بمنعه من الظلم، وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: 90. وفي الحديث(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) و(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). لكن كيف ننتظر من الآخر اعترافاً ونحن لا نعترف بهِ لاختلافهِ حتى وإنْ كان غير مؤذٍ ولا قاتل؟ وقد جاء تفصيل في تفسير ابن كثير وغيره للآية الثامنة من سورة الممتحنة ودعمها بحديث (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَ فَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ).
106 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص207.
107 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص308.
108 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص307.
109 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص308.
110 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص310.
111 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص317.
112 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص270.
113 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص277.
114 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص327.
115 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص270.
116 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص271.
117 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص397.
118 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص433.
119 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ترجمة سمير أبو الفتوح- الهيئة المصرية العامة للكتاب-ص418.
120 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ترجمة سمير أبو الفتوح- الهيئة المصرية العامة للكتاب-ص418.
121 الرواية-ص429. الصواب أنْ يكتبَ مضت ثلاثة عشرَ عاماً.
122 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص28.
123 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص48.
124 إسحاق باشيفيس سنجر- شوشا- ص469.
—————

————

عبدالكريم يحيى الزيباري

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …