التسعينيون وآفاق الكتابة سرديات سورية.. خليل صويلح نموذجاً

تتبدى السمات الأساسية لتجربة خليل صويلح السردية برواياته الأربع في إطار محاولته الدائمة للخروج بالسرد إلى مواقع أبعد من المفترض، ومن جغرافية القص القائمة على الحكاية في تماثلها، بنيانياً لغوياً وبواعث، مع ما كان أو ما يمكن أن يكون، أو ما هو كائن، في منظومة المتوقع أو ما يفترضه الواقع، في سياق التعريف السائد للسرد وفي مسلكياته المتسيدة للراهن السردي لوقت قريب، والمتمثل (بضم الميم وفتح التاء والميم الثانية) بنياناً حكائياً، يستثمر وقائع عيانية، أو يقوم على وقائع عيانية، افتراضاً سردياً أو متخيلاً سردياً، وربما يكون مفترضاً سردياً يستند على (ما يمكن أن يكون) الأمر الذي يحدد للسرد مساراً خاصاً في أبنيته اللغوية ونسيجه الأسلوبي ومداراته لقيم القص، مفهوماً اجتماعياً لأبعاد الحكاية وعمرانها اللغوي والدلالي…

… فالممارسة السردية عند خليل صويلح (وبعض أقرانه) تنظيم للدلالات وأشكال تعبيراتها، خلل استثمار للوقائع الحكائية، وللمتون السردية، والتقابلات المسلكية، والاقتصاد اللغوي، ونمط الشخصيات، وغرائبية مساراتها الحياتية، استثماراً يخرج السرد من تعريفه السائد وتوصيفاته التي أطرت الممارسة السردية، بصرامة أنتجت مقاييس أدت إلى تشابه في التجارب وقلة في الأشكال وتعميم النمطية مساراً سردياً عاماً، يبدو أن جيلاً جديداً يحاول الخروج عليه واستدراك قيم (الجديد) بأشكال توازيه، مستفيداً من أشكال تعبير أخرى، تساند السرد في تفعيل مقدراته، وتحفيز طاقاته الأسلوبية والتقنية بالبحث عما هو لائذ وطريف ومستفز ومغاير للنمط السائر في البنى الحكائية.
إن هذه المقدمة المكثفة الواصفة بإيجاز ما هي إلا مدخل قابل للإستطالة والتفصيل تعويضاً عن اختصار القول المحكوم بالظرف والمكان، والذي يستدعي في حالة كهذه الحالة، إشارات أولى ليس إلا، لجهد سردي متميز ذي مسار خاص، لسارد نتوقف بدورنا عند تجربته إشارة لمساهمته- وأسماء أخرى- بتوسيع دائرة السرد لتشتمل على مواقع جديدة، قد لا تكون مأهولة تماماً، في جغرافية السرد، في واقعه السوري الراهن، وستقوم مقاربتنا هذه على مؤشرات عامة، تقوم بدورها على تبنيد توصيفي مكثف يقي نفسه من الفائض اللغوي الذي يشكل في الآونة الأخيرة عبئاً نقدياً ثقيلاً:
تشير تجربة خليل صويلح (وبعض أقرانه) إلى دخول جدي في حركة تحرير (هكذا سأوصفها) الشكل السردي من محموله المألوف بعد أن تحول في بعض التجارب (أقول بعض التجارب وأعني الممارسة السردية عند بعض الأسماء المكرسة) إلى عبء جمالي، يستعير من الواقع العياني كل عناصر وجوده، ويتكئ عليها كلياً، أحياناً، مع انحسار تام لنفوذ قوى التخييل وأدواتها وفواعلها السردية، في سياق تحولات يستجيب فيها الزمن الفني لزمنه الاجتماعي، الذي يتعرض بدوره لتأثيرات روافد كثيرة (السينما- والفن التشكيلي- والوسائل السمعية البصرية- ومنجزات علم النفس- وعلم الاجتماع- ومحاولات إلغاء الفوارق بين أشكال التعبير..الخ) في مرحلة بحث متسارع مرتبط بالتطورات الكبيرة التي لحقت بـ (نظرية الإبداع) نفسها، خارج التنظيرات التي سارت في القرن الماضي، منذ بدايته تقريباً وحتى نهايته.
إن رغبة الخروج على السائد وتحطيم الأشكال القائمة أو تدويرها وتثويرها على الأقل كانت ومازالت هماً إبداعياً عند الكثيرين (1) وإن تبدت في جيل الثمانينيات والتسعينيات شكلاً تنظيرياً أكثر منه مسلكياً كتابياً، فإن بوادره تجلت في السرد (السوري) منذ بوادره الأولى، وفي مراحله اللاحقة المتتالية، وإن لم يشكل ذلك تياراً-يشير إن لم يؤسس- لمظاهر ناظمة لحالة سردية تخلق مواصفاتها وترسخ مسعاها الحكائي والبنائي، وهذا ما يعطي مشروعية خروج النماذج السردية أو بعضها عن (جادة الصواب) التي يحاول بعضنا فرضها مساراً فنياً وأخلاقياً للوصول إلى المبتغى السردي.
إن نزوعاً واضحاً وصريحاً (مشروعاً أحياناً وأحياناً يحتاج إلى شرعنة) عند خليل صويلح، نحو نص سردي يحاول تخليص محمولاته من أعباء (كما يحب هو وبعض أقرانه توصيف هذه الضفة). القضايا الكبرى وخطابها (الصارم) كما تجلت عند بعض الرواد والجيل الأول والثاني في السرد السوري، باقتراب كبير من الحياة اليومية وقضاياها (الصغيرة) لغة ومعنى، بما يوازي القصيدة الشفوية التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي(2) وكان صويلح أحد الساعين شعرياً في اتجاهها والذي حسمت أمره الظروف والوقائع وتحولات دعاته الكتابية.
ومع إقرارنا بمشروعية احتفاء السرد (بالطارئ) و(الهامشي) و(اليومي) والمتمثلة بانشغالات (الإنسان الصغير) بمصيره اليومي وعذاباته التي تبدو للبعض صغيرة وهي ليست كذلك وفضائل وجوده التي لم يستدركها السرد الروائي بما يوازي ثقل هذا الوجود نشير إلى أن القضايا الكبرى كما يشير إلى ذلك تاريخ الأدب نفسه، ونظرية الأدب عموماً والنقد الأدبي ذاته، هي الباعث الأساس لخوالد المنجزات الإبداعية الكبرى وما (التراجيديات) الكاشفة للسلوك البشري ولعثرات الإنسان في سعيه، نحو الحقيقة والعدل والكرامة (البشرية) إلا نواتج أساسية للقضايا الكبرى التي تقف خلف الأدب العظيم وتساند وجوده.
وإذا كان من حق السرد أن ينشغل بما يؤرق الذات البشرية، مما يتبدا عارضاً وطارئاً وربما فردياً مشخصناً يقع في دائرة النقد المستثنى فإن من حق المحمول على حامله السردي استدراك قيمة الوقائع بما يشي بدوافع السلوك البشري، وبواعثها المحركة للذات السردية في علاقتها مع نفسها أولاً، ومع الآخرين ثانياً، وهذا لم يفت تجربة صويلح في سردياته التي تفصح وإن لم يكن بشكل مواجه وحاد، بما هو أبعد مما يظهر عابراً وطارئاً ويومياً، بالمعنى الذي استخدم فيه هذا المفهوم في التمارين النقدية على الساحة السورية، ففي نصه السردي (دع عنك لومي) (دار الآداب 2006) إحياء للمهل الذي ترى فيه بعض المواقف النقدية أمراً غير ناظم للمسلكيات العامة، بما يوقعه في دائرة الاستثناء التي يستهدفها (السرد السوري) إلى وقت قريب، فالتوصيف السردي «لشلة الثعالب» المتمثلة بشخوص ثقافة ومثاقفة من دوائرها الأقرب والأبعد والمرموزة بحيوات عيانية يستدركها ويدرك غاياتها ويعرف حركتها كل ذي صلة بالمناخ الثقافي العام في سورية وسواها، مما تحتمله الحياة الثقافية عموماً، ويعد تعبيراً عن مظهر من مظاهرها، والذي يعده بعضهم سلوكاً ثقافياً (وإن كان هابطاً ومرذولاً أحياناً) كونه لا يستدعي اختصاصاً ولا يشترط (شهادة) وليس من توصيف فارز لممثليه، الأمر الذي يسمح بتداخل الصفات وبتغليب المظهر على الجوهر فشخصيات مثل سمير شكري، زير النساء المتمرس، المعتاش على قدرات ذاتية في تزجية المنافع العابرة في استخدامات ثقافية- إذا جاز التعبير- تسهل أمر تمريرها، وحسين حمام، مبتكر الألقاب المزيفة، ومنها ألقاب علمية وأكاديمية «سمحت» له أن يكون استاذاً جامعياً في إحدى دول الخليج العربي، وعماد معصراني، الأفاق المجرب، وغيرهم من شخصيات تآزر الوقائع السردية ليصبح الحدث، ليس مجرد حامل وقائع حياتية، بل مكون أفكار يستخدمها السارد في توليف محمولاته الأخلاقية والفكرية التي تأخذ من الافتراض التخييلي، ومن الوقائع العيانية، ما يكفيها لتشكيل إدانة واقع ثقافي يبحث السارد في أسباب ترديه وفي توليف وصف هجائي لممثليه، إذا جاز أن نعد هذه النماذج- التي فصلها السارد على قد مراميه- تمثيلاً منصفاً للواقع الثقافي الذي يسرف خليل صويلح في-هذه الحالة تحديداً- في تلطيخه، خلل تفعيل طاقة السرد في توصيف نماذج هابطة كان بإمكانه أن يرى غيرها! تساعده على أن يوشي الوصف بهذه النماذج الهامشية المتناقضة المنسجمة والمتنافرة في آن! ما يجعل هذه (الرواية المدهشة ملأى بالمفارقات) على حد توصيف الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي.
إن (دع عنك لومي) ليس نصاً وصفياً، وإن تبدى كذلك، لأنه يمثل شكلاً ذا سوية خاصة من أشكال التعبير السردي، بأسلوب ذي طابع نفسي يعلن عن حالة التعويض التي تتلبس الشخصيات جميعها ولاسيما شخصية سمير شكري، الغنية بالمتناقضات، وتعبر عن حالة نكوص، بالمعنى المتداول لهذا المفهوم النفسي، تقود إلى تصور البعد التعويضي لحالة الإبداع، كما يريد لها السارد أن تكون ليست تأكيداً لمزايا الفحولة الشرقية التي ألفناها في الرواية العربية التي تتحدث عن علاقة الرجل الشرقي بالمرأة الغربية مثلما هي ليست تأكيداً على عقدة الخصاء، لأنها- في أصلها وفصلها- كما يعبر نيتشه عن ذلك في أصل الأخلاق وفصلها، تأكيد على الضعف البشري في سعيه اليومي لتحقيق رغبات يومية معقولة يعبر عنها بمسلك لغوي يوازيها ويفصح تماماً، عن علاقة الكلام بصاحبه، وفي ذلك قول للمعلم الجرجاني يوازن بين الثنائيات التي تتخلق بصفاتها.
(إن سلاسة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلق.. فلابد للجافي الجلف أن يكون كز الألفاظ معقد الكلام وعر الخطاب).
إن المؤدى اللغوي في هذا النص يحمل معنى يوازيه، وأسلوبه مناسب، كما في القول الشائع، للموضوع الذي ينقله، كما يرى أرسطو، في الكلام المناسب لوظيفته، وما دام الأسلوب هو الوظيفة المركزية للخطاب، كما ترى البنيوية، فإنه يتأكد من هذا الأسلوب السردي توافق عمليتين متطابقتين في الوظيفة: تركيب الموضوعة واختيار السارد لأدواتها التعبيرية من خلال لغة الحدث، فالأسلوب في حقيقة الأمر هو الكاشف من وجهة نظر السارد (أي من زاوية المتكلم) عن فكر ونفسية صاحبه، ووسيلته الحقيقية بدءاً من الجملة، لتأكيد صفات شخوصه التي تظهر عادة مقاصد البث اللغوي وتظهر مزايا المعنى لتحقيق شرطين، كما يبدوان في هذا العمل وفي الأعمال الثلاثة الأخرى: (وراق الحب، 2002، وبريد عاجل، 2004، وزهور وسارة وناريمان، 2008) أولاً (الشكل معيار الحقيقة) وثانياً تأدية الكفاءة اللغوية في اقتصادها وكثافتها لوظائفها الأسلوبية كلما اقتربت من الحياة اليومية، ينبوع المباهج والمرارات والترقب وظلامة المصائر لهذه الشخوص الورقية التي تماثل الحياة فيما تعطي وتأخذ. أما الشكل فهو في حقيقتها كما يرى فيصل دراج، محقاً، (3) نقل الفكرة من مستوى الكمون على مستوى اليقظة وتحويلها من شكلها الخام البسيط على شكلها المعقد الواضح، أي أن الشكل هو فعل ممارسة وتحويل ووصول إلى جديد، لم يكن حاضراً قبل وجوده وبالتالي فإن الشكل هو بحث وسيرورة وإضافة جديدة إلى هذا الألم، وفي البحث والسيرورة يتحدد الإنسان والعالم، وفي البحث والسيرورة تدخل الأشكال الجديدة في صراع مكشوف مع قديم الأشكال والمعاني، وكما نعلم فإن جديد القول لا يزعزع قديم المعاني، ولا يهدد هيمنة الأشكال القديمة، لكن جديد الشكل، أي تحقق الجديد ممارسة يهدد ما هو قائم.
إن الكفاءة اللغوية في روايات خليل صويلح الأربع بما فيها (عين الذئب) (وزارة الثقافة السورية 1995) تؤدي وظائفها (بمعنى اجتياز القول إلى معناه وتحديد هذا المعنى) كلما اقتربت من لغة الحياة اليومية، إذ ينظم النص نسيجه اللغوي المنسجم مع طبيعة حاملة لغة المخرج السينمائي، غير لغة الجندي المهزوم، غير لغة المرأة المهتاجة، غير لغة مدعي الفلسفة ومصطلحات الأدب الحديث…الخ.
مع إعادة تشكيل دلالات تقوم على جمل وخصوصاً عند الراوي بعيدة عن الوصف المستفيض، وتحديداً ذلك الذي يستدر عطف القارئ ويقوم عليه أي على هذا العطف، حيث يتحول في بعض الأنماط السردية السائدة، إلى قتامة- غالباً- ما تكون شديدة الكتامة، ومثيرة للألم والعذاب ومثيرة من خلال وصفها المسهب كما من تعاطف لا تعطيها الواقعة مصداقية، تحول دون تحويل هذا التعاطف إلى ميلودراما متبادلة يلعب السارد فيها دوراً أساساً من خلال استطالات لغوية فائضة الواقع، في أغلب الأحيان، حاول خليل صويلح الابتعاد عن ذلك، مع رغبة واضحة في اقتصاد لغوي يحرر النص من اللغة الإنشائية التي تبدد الطاقة السردية حتى وإن كانت جميلة أحياناً وشعرية، لتصبح الرواية رفيقاً ممتعاً وأليفاً لجلستين أو ثلاث، أقل من ذلك أو أكثر بقليل الأمر الذي يغني مخيلة القارئ ويمتعه بعيداً عن أثقال الاستطالة في الزمان والمكان الروائيين اللذين يحولان عندما يتحولان إلى حجم لغوي المتعة إلى رغبة للخلاص منها! الصفة التي تشكلت صفة عامة للعديد من الروايات العربية، والسورية منها تحديداً.
إن في سرديات خليل صويلح، وتحديداً في عملية الآخرين، محض أدوات للتعبيرات البشرية، ونظام إشاري يخدم الشخوص في فضح مكامن الرغبات المشروعة وغير المشروعة، وهي بهذا المعنى، سعي في النسيج اللفظي، يشكل ظاهراً للبواطن الخفية القابعة في غرف النفس البشرية المظلمة، وهي وإن واربت واختفت في كساء التعميم، تظل تبث المكنونات الداخلية للنفس المضطربة في تصادمها مع الرغبات والوقائع المحيطة، وهذا ما يظهر جلياً في «وراق الحب» تحديداً، ولغة صويلح غير متعالية، تتوالد من حاجة الوصف والتجريد والمجاز التي يستند على شاعريتها الوصف الروائي ليحقق مناخاً نفسياً وحيزاً اجتماعياً موصوفاً، كفاية تحقق كما يرى بعض الروائيين شرط اكتمال الوصف باستثمار التفاصيل استثماراً مفرطاً أحياناً في شاعريته التي تلافاها صويلح وهو القادم من الشعر لصالح لغة تحترم وظيفتها باقترابها مما يخدم المعنى، فالطاقة التعبيرية للغة والكلام الناجم عن الاختيارات اللغوية، يطلق المداليل الكامنة في معنى الحوار والوصف فدعي المعرفة في (دع عنك لومي) على سبيل المثال يبدو كمحفظة أقوال معلبة جاهزة لا تعني أكثر من تعبيرها عنه كشخصية هشة تبدد معاني الكلمات باستخدامها في غير حقيقتها، وفي غير مكانتها، تستراً على حقيقة خواء الذات أمام ما يغزوها من ضغوطات واقع تتحايل عليه باللفظ الذي يحيل إلى دلالات أخرى، ففي الصفحة عشرين من (دع عنك) يقول الدعي من أقوال كثيرة تؤكد ما أشرنا إليه:
* بعض أفضل أوقاتي كانت أوقاتاً أخرى.
* وفي الصفحة 40 يقول: (أقصد بالفضاء التخيلي، القدرة على تمثل الأشياء بالحدس، حتى في غيابها، حسب ما يقول كانط، ولا أقصد اركيولوجيا التوهم كما يعبر عنها جاك دريدا)
* وفي الصفحة 51 من الرواية ذاتها يفتعل الحكمة ويتلبس لبوسها في قول يستعير ما ليس لصاحبها.
– هذا إذا كانت له من مقدرة العارف ولغته:
– أحياناً يتعين على المرء تخفيض خسائره.
ويعبر أنس عزيز الشاعر والمفكر والناقد التفكيكي، وكل ذلك بين مزدوجتين كما يقدمه الراوي، عن إعجابه بقصة منى جابر الشاخصة أمامه بالتوصيف التالي الذي لا يحتمل التأويل.
(المرأة والاقتحامية وزاوية النظر البصرية التي تحول المحسوسات إلى كائنات روحية وبالعكس، بمعنى أن اللغة تعبير استراتيجي عن نسف العلاقة المواربة بين الدال والمدلول) (دع عنك لومي، ص56) ويقول في المكان ذاته: «أرى أن استراتيجية التفكيك تتمثل في إخصاء النص».
اللغة، إذاً، وهي الأداة الأساس في عملية التوصيل بين محوري المبثوث تستمد قيمتها من ارتباطها الشديد بشخوصها (المخرج السينمائي، الراقصة.. إلخ) وتجعل الحدث تواصلياً، إذا استخدمنا التوصيفات الألسنية، وهو في الوقت نفسه تفاعلي، لأنه يحقق وظائف النص المعتادة التي تؤكد علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، المستهدف سرداً، وهو هنا المجتمع السوري في حقبة محددة، وهو أيضاً، أي النص توالدي، بمعنى أن الوقائع ليست افتراضاً صرفاً، أو هي نتاج تخييل سردي منبثق من فراغ، وإنما هو متولد من وقائع اجتماعية ونفسية ولغوية تتناسل منها أحداث لاحقة، فالنص، كما يرى الشكلانيون الروس –وهم أول من نبه لذلك- منظومة تحدد وظيفة الأدوات الأدبية.
ورغم أن الكاتب يبدو مفتوناً بما يعتقد أنه يضفي على حركة السرد في سورية تحديداً معنى جديداً من حيث طرافة الحدث وغرائبيته أحياناً، وبعده النفسي ومظهره تحديداً يظل أميناً للشرطين الاجتماعي والتاريخي، فالسارد لا يدفع شخوصه إلى حيث يريد هو لتأكيد مقولاته الإيديولوجية في عالم مسكون بالعنف والقسوة والخيبات والرغبات الضالة والمشروعة، الأمر الذي يحول الرواية من رواية أفعال إلى رواية أقوال ما يفقدها ميزة كانت قد حسبت لها لا عليها.
فالشخوص في معظم ما كتب صويلح تنبثق من واقعها وتقدم على أنها كائنات محملة بفكرة الإدانة التي تتأتى من نسيج الواقع نفسه، وهو واقع يتخفى خلفه السارد، في أكثر الأشكال تعقيداً ليدين بدوره أسباب الإدانة ويتعاطف مع شخوصها المدحورة من خلال مظاهر السرد، وهي الأساس في التشكلات الحكائية «فالمظهر هو المسؤول عن نمطية السرد والعرض وأنماطها الفرعية التي تتجلى كما يرى النقد الحديث من خلال علاقة السرد بالخطاب والوصف» إلخ.
ضياً عن غائب تستحضره وسائل التعبير، فعلاقته مع كريستين الفرنسية التي عاشرها أضف إلى الوسائل الثقافية في تأطير هذه العلاقة- ثم نبش
وكل ذلك يرتبط بالسارد الذي يدرك ويشيع نمط السرد من خلال المظهر الذي يعكس منظور السارد ويعكس علاقته بالحوادث والشخصيات من خلال الموقف والوعي، ببعديهما الفني والاجتماعي، لتكون الرواية كياناً اجتماعياً ينخفض مع مفردات الحياة والتي هي أولاً وأخيراً هدف الإبداع الحقيقي.
وأظن أن الكاتب قد نجح من خلال الوصف والعرض والمظهر السردي، الذي هو أساس تصنيع الحكاية، في خلق بنية موازية لغايته السردية، واستطاع أن يستثمر الحالات لنقل الحذرة لا المحظورة بما لا يتناقض مع المكان ودلالاته والزمان واشتراطاته، فالجنس لديه، وهو نتاج حالته، لا يستهدف-وإن لم ينسجم مع محيطه- تحطيم القيم الاجتماعية من خلال سلوك يتعارض مع طبيعة المكان والشخوص والزمان بالقدر الذي يعبر من خلاله عن حالات لا تقوم على الافتراض الروائي بل تتحول إلى دلالات سيمائية، بل لنقل استجابة لهوى سيطرة المصطلحات إلى دلالات سيمائية بيلوجية استمولوجية، تحمل معاني احتدام الرغبات البشرية.
في تركيب سردي لا يقيم وزناً للنمط المعتاد أو التوصيف المألوف، أو التراتبية الحكائية في بنيانها المعتاد وتعريفها السائد وتأطيراتها المفترضة، فروايات خليل صويلح جميعها (أستثني «عين الذئب» لبساطة موضوعها وسذاجته ولغتها العادية صدرت عام 1995) تخلص شخوصها من أعباء النمطية كما تجلى ذلك في النص السردي السوري، وتحديداً عند الرواد والجيلين الأول والثاني في الرواية السورية: البطل المنقذ، البطل المتواري، البطل الضحية، البطل الظالم.. إلخ كل ذلك في إطار توصيفات صارمة تسعى إلى خلق الأمثولة التي تفتقدها الحياة ويسعى إليها الأدب في مهمته الشاقة لتحسين ظروف العيش، كما يريد لهذه المهمة الكتاب الملتزمون بالقيم الكبرى.
انه وبعض أقرانه يحولون الشخصيات المسطحة (المتطورة والنمطية بالمفهوم الشائع)، في أدق أشكالها التي تدور حول فكرة أو صفة إلى شخصيات مستديرة كشكل، كما يرى فورستر، عالماً معقداً كثيراً ما يتصف بالتناقض.
وأخيراً.. نحن أدرى بأن تجربة خليل صويلح، مثلها مثل غيرها من التجارب الجديدة تحتاج إلى دراية نقدية أكثر تأنياً وأبعد تحليلاً واستنتاجاً وتوصيفاً، الأمر الذي لا يتيحه المكان حالياً، ولا الزمان إلا لاحقاً. نختتم بالإشارة ذات الدلالة: إن روايات خليل صويلح وإن لم تكن واقعية بالمفهوم الشائع عن هذا المنهج الإبداعي، هي روايات واقع وهي طريقة حياة بالقدر الذي نرى فيها تعبيراً عن الحياة.
كنا قد حددنا في توصيف لا يمكن أن يكون جازماً وحاسماً، جيل التسعينيات بالأسماء التي بدأت بوادر نتاجها تظهر في ذلك، قبله بقليل أو بعده بقليل، والتي عاينت انعطافات سياسية وأدبية كان لها كبير الأثر في تلمس ملامح مفارقة في الحراك الإبداعي.

الهوامش
يمكن العودة في هذا الشأن إلى دراستنا: القصيدة تبحث عن نفسها- شعراء التسعينيات والأنماط الشعرية السائدة- الموقف الأدبي العدد 427، 2006م.
1- يمكن أن نذكر تجارب سابقة في هذا المجال: شتاء البحر اليابس لوليد إخلاصي، وحل في جبين الشمس لسمير تنير، القطيعة لخليل النعيمي، وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر، حارة البدو لإبراهيم الخليل، الريش لسليم بركات، سيلاويسي لخليل الرز وغيرها وغيرها.
2- نذكر من هؤلاء على سبيل الاستئناس: فواز حداد، خليل الرز، محمد الحاد صالح، هيفاء بيطار، غازي حسين العلي، إبراهيم العلوش، فيصل خرتش، جمال الدين الخضور، سمر يزبك، أيمن ناصر، نجاح إبراهيم، حسن حميد.. ممن قرأنا لهم وآخرون لم يسعفني الحظ بالاطلاع على تجاربهم..
3- د.فيصل دراج، الشكل معيار الحقيقة، السفير، الأحد 30/3/1980
4- أ.م. فورستر: أركان القصة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001 ص94

شاعر وأكاديمي من سورية

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …