التلقي وتضايف البلاغــة والإعجــاز

1- تمهيد وتعريف
لقد دأب الإنسان، مذ تقدمت به معرفته على وجوده، فانتقل بها من وجود كائن إلى وجود عارف، أن يجيز لنفسه في عالم العلم، والأفكار، والآداب استدعاء علم آخر، أو فكرة أخرى، أو نصاً مما هو من صناعة غيره. وقد يحصل هذا في عالم العلم تضايفاً، وفي عالم الأفكار افتراضاً، وفي عالم الآداب تناصاً. وإن هذا في حصوله ليكون على سبيل المعاونة، أو تأكيد الصحة، أو تعزيز البرهان، كما قد يكون هذا، لاسيما إذا كان تضايفاً بين العلوم والمعارف، سنداً للإنسان وظهيراً يتكئ عليه ويستعين به  فيما هو مزمع إنشاءه، وبناءه، ومعماره.
ولكي نؤسس، في إطار التلقي، لمصطلح التضايف مفهوماً واستعمالاً، نرى أن نقيم له بين المصطلحات أنطولوجيا خاصة به، ليكون دليلاً دالاً على مقاصد ما به الخطاب يكون، ودليلاً يستدل به على وجوه ما يجوز الاستدلال به ومالا يجوز. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه يتميز، بهذا التحديد، خلقاً مماسواه. فلا يكون تناصاً مثلاً، أو تعالقاً،أو استشهاداً، ولكن يكون تضايفاً، أي يملك هوية لعلمين وميدان اشتغال لهما. وهذا يجعله ميسراً لما خلق له، ومفارقاً لغيره مفهوماً واستعمالاً .
أ‌- تعريف التضايف 
التضايف مصطلح مستحدث، يراد به ومن خلاله، التعبير عن حدث معين، بموضوعية، وحيادية، ومن غير تحيز من أي نوع. وهو لا يكون درساً، ومعنى،  وتأصيلاً إلا بين علمين أو أكثر، يشتركان أو يشتركون في ميدان واحد، وإن كانوا من حيث الأصل مستقلين وجوداً وميدان اشتغال.
ب‌- التضايف والإديلوجيا 
ومما يجب أن يلاحظ أن الأداء الذي يتمتع التضايف به موضوعياً، هو غير الأداء الذي ينجزه إيديولوجياً. فهو إذا كان يعبر، موضوعياً، عن حاجة منهجية في الدرس العلمي، فإنه إذا دخلته  الإديولوجيا —و كثيرا ما هي – فإنها تصيبه بعللها ذاتها. ولقد نذكر طرفاً يسيراً من ذلك فنقول:
1- إنه يكف عن الموضوعية العلمية منهجاً، ليصبح في مضمونه تحيزاً لرأي أو انتصاراً لرؤية. ولذا، فهو يصطبغ، والحال كذلك، بالصبغة الحجاجية والجدالية يصير وطرفاً فيها.
2- إنه يجعل من العلوم المتضايفة ثوابت ويعطيها منزلة الجوهر المطلق، فيخرجها بذلك من نسبيتها، وينزع عنها قابليتها للتحول والتغير. وبهذا تصبح علوماً حاكمة على مثال مستخدميها إيديولوجياً، وليس علوماً باحثة ومستكشفة على مثال ما يجب به أن تكون.
3- إنه يجعل من العلوم المتضايفة قطعيةً   في دلالتها بعد أن كانت صائرة، وفوق زمنية في وجودها بعد أن كانت زمنيةً، وغير مفارقة لمنطق الصواب بعد أن كانت محتملة فيه. ولما كانت  هكذا، فإن مخالفتها تحاكم بمنطق «الخطيئة والتكفير».
4- إنه يستخدمها في صراع الأفكار، وكسر الإرادات، وتحدي الرؤى والعقول والبصائر، بغية استبدالها بأخرى مقنعة خفية أو ظاهرة جلية. ولقد يكون التضايف هنا تطلعاً إلى إنشاء سلطة أو بسط سلطة.  وهذا ما سنتبينه في موضعه.
2- فرضية التضايف
تريد هذه الدراسة أن تنطلق من فرضية في التضايف تقول: إن المعتزلة، عباقرة هذه الأمة ودهاتها، قد عملوا، بشكل متزامن على إطلاق علم البلاغة وعلم الإيجاز، وإشاعتهما في الثقافة العربية الإسلامية. وقد كان بدء ذلك في القرن الثاني الهجري، وما جاء بعده من القرون. وقد شاعا، بالفعل، في هذه الثقافة على أيديهم. وكان ذلك، كما هو أكيد، لغرض أيديولوجي، يخدم المذهب رؤية ونسقاً. وكذلك، فقد شاعا عند الفرق الأخرى للغرض نفسه وتأسياً بالمعتزلة، أو مغالبةً لهم، أو مغالبة لبعضهم بعضاً.
وإذا كانت هذه الفرضية التي نريد أن ننطلق منها، فإنها لن تمر مع ذلك إلى تأكيدها أو إلى دحضها من غير أن نطرح، تمهيداً لأي نتيجة، نوعين من الأسئلة: أما النوع الأول، فتنصب الأسئلة فيه على التضايف مكاناً، ونظاماً، وأداء. وأما النوع الثاني، فتنصب الأسئلة فيه على التضايف بحثاً عن هوية الوجود وسر العلاقة بين الإعجاز والبلاغة.
أ‌- التضايف:  انتسابه ومكانه
القرآن نص، وكل نص بناء. ولقد نعلم أن البناء محتاج في وجوده إلى متصور (مخطط) به يقوم في الأذهان وإلى إنجاز يقوم به في الأعيان. كما نعلم أن ما يقوم  في الأذهان لا يقل واقعية، في مثل هذه الحال، عما يقوم في الأعيان. وكذلك نعلم أن ما في الأعيان لا يمكن أن يتحقق إنجازاً ما لم يتحقق تصوراً من حيث المبتدى في الأذهان. وإذا كان النص بناء، فهو محتاج، مثل البناء، إلى متصور يقوم به في الأذهان. وإلى أداء يقوم به في اللسان. فكيف يكون ذلك فيه ؟ 
النص في مكتوبه صورة للسان في منطوقه. وسواء كان هذا أم ذلك، فثمة أمران يتقاسمانه: اللغة والكلام. أما اللغة، فهي نظامه الذي به يكون، وهي ألفاظه التي تفصح صورها الصوتية عما يكون. وأما الكلام، فهو أداؤه الفعلي وإنجازه وتعينه وتحققه.
ونلاحظ أن هذه النظرة تملك وجاهتها من ناحيتين:
– أولا، إنها تقول ما به النص يكون.
– ثانيا، لأن سوسير أقام قسمته للسان عليها.
فإذا أخذنا أنفسنا بهذه النظرة وأحكمنا رؤيتنا بها، فسنكون أدنى إلى الصواب في بيان أن القرآن فرادة نفسه من جهة، وأنه لا يماثله نص سواه فيما هو فيه لغة وكلاماً، نظاماً وأداء من جهة أخرى .
وهذا تفكيك دقيق، نواجه فيه أنفسنا بسؤالين اثنين:
– الأول، ونقول فيه هل البلاغة والإعجاز ينتسبان إلى لغة النص القرآني نظاماً ولفظاً، أم ينتسبان إلى كلام النص القرآني أداء وإنجازاً؟
– الثاني، وتأتي ضرورته من افتراض صحة الأول- على الرغم من كونه غير مسلم به عندنا كما سنرى لاحقاً– حول انتساب البلاغة والإعجاز. ولذا، سنتجه فيه ليس إلى الانتساب مثلما فعلنا أولاً، ولكن إلى مكان التضايف بالذات. وإننا لنقول فيه: هل التضايف،إعجازاً وبلاغة، يقوم مكاناً في لغة النص القرآني نظاماً ولفظاً، أم يقوم مكاناً في كلام النص القرآني أداء وإنجازاً؟
ولكي لا نستبق النتائج قبل نضجها، نود أن نسير ببحثنا حفراً وتفكيكاً، مخلصين بذلك لشروط المنهج الذي ارتضيناه في الاستثمار فكراً، وفي الإنتاج معرفة، وفي الكشف علماً. ولذا نرى، مدفوعين بكل هذا أن هذين السؤالين تتولد عنهما أسئلة كثيرة.وهذه الأسئلة، نعتقد بأنها كفيلة بتشكيل إجابات، قد لا تكون نهائية، ولكنها تملك مع ذلك، معقول طرحها والتفكير فيها.
ب- التضايف وتوليد الأسئلة
– إن تضايف البلاغة والإعجاز في القرآن، يفضي ضرورة إلى إنتاج الأسئلة وتوليدها، سواء تعلقت هذه الأسئلة بهما وجوداً في القرآن، أم نفياً لهذا الوجود. وانطلاقاً من هذا المنظور (المحفوف بالمخاطر والمغامرة) رأينا أن نطلق سبيلها.
– أما السؤال الأول،فهو: إذا نظرنا إلى النص القرآني بوصفه كلاً واحداً لغة وكلاماً، نظاماً وأداء، فهل يمكن، والحال كذلك، النظر إليه بوصفه نسقاً واحداً؟
– وأما السؤال الثاني، فهو: إذا كان النص القرآني نسقاً واحداً،فهل يقبل هذا النسق غير ترتيبه الخاص لغة وكلاماً، نظاماً وأداء؟
– وأما السؤال الثالث فهو: البلاغة نسق، والإعجاز نسق، فهل يمكن النظر إليهما بوصفهما شيئاً واحداً، أم أن لكل واحد منهما ترتيبه الخاص الذي لا يقبل ترتيباً سواه نظاماً وأداء؟
– وأما السؤال الرابع، فهو: إذا كانت البلاغة والإعجاز نسقين مستقلين، فما نوع العلاقة بينهما: هل هي اندماجية أم تعاضدية؟
– وأما السؤال الخامس، فهو: إذا كان من المحال النظر إلى العلاقة بين البلاغة والإعجاز  بوصفهما علاقة اندماجية لتخالف النسقين وعدم تجانسهما، وإذا كان من الممكن، في المقابل، النظر إليها بوصفها تعاضدية، فما تأثير الواحد منهما في إنتاج الآخر، وما حاجة بعضهما إلى بعض في واحة النص القرآني؟
– وأما السؤال السادس،فهو: إذا كانت البلاغة والإعجاز قيمتين مختلفتين، فنحن أمام ثلاثة احتمالات:
أ-الاحتمال الأول، ويلخصه السؤال الآتي: هل يمكن النظر إليهما، وهما على هذه الحال، بوصفهما قيمتين مضافتين إلى النص القرآني؟ وإذا كانت كذلك، أفلا تعدان قيمتين مسلطتين عليه من خارجه لأغراض لا تتصل به نسفاً ؟
ب-الاحتمال الثاني،  ويلخصه السؤال الآتي: إذا كانت البلاغة والإعجاز قيمتين مختلفتين لأن إحداهما تقوم في المدهش تقانة، ولأن الثانية تقوم في الممتنع محاكاة، أفلا يعني هذا أنهما، في افتراقهما على هذا النحو، لا تشكلان مع النص القرآني أو فيه نسقاً واحداً وكلاً متماسكاً؟
ج-الاحتمال الثالث، ويلخصه السؤال الآتي: هل البلاغة والإعجاز تمثلان قيمتين وظيفيتين منتجتين للنص القرآني، أم تمثلان قيمتين حجاجيتين ومفسرتين للنص القرآني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلأيهما شد الباحثون رحالهم: هل للقيمة الوظيفية الإنتاجية بغية إعادة إنتاجه وتنزيله في سياقات  زمانية متغيرة يحافظ بها على ديمومته، أم للقيمة الحجاجية التفسيرية بغية تمثله والتحول به من كينونة شخصية إلى كينونة نصية؟
– أما السؤال السابع، فهو: ما العلاقة التي تربط بين القرآن نصاً لغوياً والإعجاز، هل هي علاقة داخلية اقتضتها دلالة انتماء النص القرآني إلى مرسله (الله)، أم علاقة خارجية اقتضتها دلالة متلقي النص عقيدة وإيماناً؟ وبقول آخر، هل الإعجاز في القرآن شاهد على مرسله، أم هو ضرورة لإيمان متلقيه وعقيدته؟
– وأما السؤال الثامن، فهو: ما العلاقة التي تربط بين القرآن نصاً لغوياً والمجاز، هل هي علاقة داخلية اقتضاها نشوء النص نظاماً وأداء، أم هي علاقة خارجية اقتضاها وجود متلقي النص تفسيراً أو تأويلاً أو بياناً؟
– وأما السؤال التاسع، فهو: ما العلاقة بين الإعجاز والمجاز، هل هي علاقة عقيدة لا يصح الإيمان إلا بها، أم هي علاقة إيديلوجية توزعتها المذاهب الإسلامية أو أنشأتها، كل مذهب على مقداره ومثاله فلسفة وإديلوجية، أم علاقة وجودية فلا يصح وجود الواحد منهما إلا بوجود الآخر، مما يعني أنهما معاً وجود  بعضه يدور على بعض بحيث يصح قول القائل فيه: الإعجاز في المجاز، والمجاز في الإعجاز؟
– وأما السؤال العاشر، فهو: في ظل تضايف الإعجاز والبلاغة، ماذا يبقى للنص خارج هذا التضايف من جهة، وما هي مآلات النص داخل هذا التضايف من جهة أخرى؟
– وأما السؤال الحادي عشر، فهو: إذا كان يمكن النظر إلى البلاغة بوصفها آلة وأداة، فلماذا اتخذ التفلسف الإسلامي (المعتزلة ثم الأشاعرة) منها معياراً به يتميز الإعجاز في القرآن، مع أنها من حيث هي آلة وأداة يستوي فيها ومعها القرآن وغير القرآن كلاماً ويتطابقان صناعة ومعياراً؟ وإذا كان التفلسف الإسلامي يدرك هذا، وهو بالفعل يدركه، فلماذا ظل متمسكاً بمعيار البلاغة إعجازاً في القرآن وهو ليس بمعيار، مع اتخاذه النظم (وهو بالغ الدقة ويعد بحق فيصلاً للتفرقة) معياراً آخر، يخرج به القرآن، لغة وكلاماً، عن جميع استعمالهم سواء، أكان هذا على صعيد التداول النفعي للاستعمال اليومي والمباشر للغة والكلام، أم كان على صعيد الأدبية والمجاز؟
وأما السؤال الثاني عشر فهو: ماهي العلاقة بين تأويل النص والمجاز، هل هي علاقة صوغ إيديولوجي أم هي علاقة فهم لغوي واستعمال ؟ وبقول آخر، هل هي علاقة عقيدة صنعتها الإيديولوجيا وعززت نفسها بها مستخدمة التأويل والمجاز، أم هي علاقة عقيدة صنعها النص وعزز نفسه بها فهماً للغة واستعمالاً لها ؟
وأما السؤال الثالث عشر، فهو من أكثر الأسئلة أهمية وخطراً، في نظرنا وهو أيضاً السؤال الرئيس لهذه الدراسة، وإننا نصوغه،  نظراً لذلك، على النحو الآتي: لقد انتقل الإنسان بمجيء الإسلام من كائنه الشخصي إلى كائنه النصي، ولكنه عاد فارتد (جزئياً) عن ذلك، فما أثر تضايف الإعجاز والبلاغة في ارتداده وعودته من كائنه النصي إلى كائنه الشخصي ؟
وأما السؤال الرابع عشر والأخير، فإنه لا يقل خطورة عن سابقه، وإنه ليقول: ما هي مآلات الإعجاز مفهوماً، وما أثره في صوغ معجزات الأشخاص في الثقافة الإسلامية، وما هو الأفق الأيديولوجي الذي تدور فيه ؟
ويبدو لنا أن جل هذه الأسئلة تحمل إجاباتها في داخلها، كلياً أو جزئياً، ولكن طرحها،و هو المهم في نظرنا، يبرز حجم القضايا والتحولات التي كابدها الفكر الإسلامي وما زال، لأنها كما صنعت   ماضيه، فهي تصنع حاضره أيضاً. ولما لم يكن هنا من مقصودنا إطلاق الأحكام، ولكن إجراء التحليل، فسنعود إلى تضايف الإعجاز والبلاغة على ضوء الوضع الذي أشعلته هذه الأسئلة.
3- تضايف الجليل والجميل وتضافرهما
ينقسم تلقي القرآن في الزمان إلى قسمين: قسم يمثله القرن الأول الهجري، وقسم آخر يمثله القرن الثاني الهجري، وما أعقبه من القرون.
وإذا كان هذا التقسيم يصدق على التلقي ويفصل بين زمنين يصح لهما توصيفاً، فليس ذلك بسبب ما استحدث في الثاني من أدوات أو من أجهزة مفاهيمية وتصويرية، لم تكن معروفة أو مستخدمة في الأول. بل هو لحدوث قطيعة بين نموذجين من نماذج التلقي، ونسقين من أنساق بناء الشخصية. وهي قطيعة، كما نرى، فارقة وحادة، إلى درجة أنها تنطوي على تصورين ومفهومين مختلفين اختلافاً جوهرياً. ومع ذلك، فهي قطيعة، على الرغم من عمقها، لم تظهر واضحة جلية لكثير من الدارسين الحديثين، كما ظهرت واضحة جلية لبعض من السلف الصالح، يقف على رأسهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية.
ولكي نمضي في تثبيت ما نحن فيه من افتراض، نتساءل عن الناس في تلقيهم للقرآن كيف هم وفيم كانوا؟ ولو أمعنا النظر لوجدنا أنهم، طيلة القرن الأول الهجري، تأسيساً لوجودهم العارف كانوا يعملون. ثم لو أمعنا النظر ثانية، لوجدنا أنهم، طيلة القرن الثاني الهجري وما أعقبه من القرون، تأسيساً لوجودهم الكائن كانوا يعملون.
ولقد نعتقد أن بيان هذا الفرق بين الوجود العارف والوجود الكائن وتفسيره، يكشفان ويدلان أن ثمة تغيراً في الرؤية وتحولاً في الكينونة قد حدث، أو أن انقلاباً من النوع النسقي يشبه الردة قد أنشب مخالبه في الجسد الاجتماعي ممارسة، وتصويراً، ومفهوماً، فانتقل الإنسان به من وجوده العارف ممثلاً بكائن النص، إلى وجوده الكائن ممثلاً بكائن الشخص.
ونحن إذا كنا نسمي هذا الأمر «ردة»، فليكن واضحاً أننا نقصد بذلك الردة النسقية وليس الردة العقدية. ولقد يعني هذا أن الناس (وهنا نقصد أيضاً النخب المثقفة والقيادات المذهبية والسياسية والاجتماعية) قد غلبتهم أنساق ما قبل الإسلام وحكمتهم،ممارسة ومتصوراً ومفهوماً،فذهبوا بالقرآن من نسق نصي هو به كائن إلى نسق شخصي أرادوا أن يصبح به كائناً*. ولما كان القرآن يشكل حراكاً عقلياً هائلاً على كل صعيد، فقد كان لابد من ثورة إصلاحية ترد هذا الأمر إلى أصوله. وهذا ما نراه قد حصل فعلاً مع أعظم قيادتين فكريتين للإصلاح في تاريخ الإسلام، هما: ابن تيمية (ت 728)هـ)، وابن قيم الجوزية(ت751)هـ.
ونوجز في خلاصة  أن صراعاً نسقياً قد التهب أواره واشتدت ناره، فكان النسق النصي ضد النسق الشخصي منطلقه، وذلك منذ لحظة التنزيل الأول للقرآن وتلقيه، وحتى نهاية القرن الهجري الأول. ثم جاءت لحظة ثانية من لحظات التلقي على شكل «ردة نسقية»، وتمثلت على شكل عودة من النسق النصي إلى النسق الشخصي السابق على التنزيل(]). وقد ابتدأت في القرن الثاني الهجري، واستمرت بعده. ثم جاء ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ليردا الأمر إلى ما كان عليه في لحظة التنزيل وحتى نهاية القرن الهجري الأول. ولقد بقي الصراع بعد ذلك مفتوحاً إلى يومنا هذا بين هذين النسقين، أي منذ القرنين السابع والثامن الهجريين. وهذا ما نسميه لحظة ابن تيمية.
ولعلنا نستطيع الآن أن نقول: إن هذه الخلاصة،تمثل الأطروحة الأساس والوحيدة لهذه الدراسة، كما تمثل أيضاً، وفي الوقت نفسه، رؤية لتكوين الكائن في الحضارة العربية الإسلامية وذلك عبر أزمنة متعاقبة.ولذا نرى، أن تطويرها وتفكيك العناصر المتضادة فيها، هو ما يشكل، بالضرورة، الموضوع الذي:
1- سيجيب- قدر المستطاع- على الأسئلة التي تقدم طرحها في الأعلى.
2- وسيرسم – أيضاً قدر المستطاع – الإشكاليات التي تنبني عليها الرؤى، والأفكار، والنظريات لغة ً وعقيدة ً وإيديولوجيا من جهة، ووجوداً ومذاهب وطوائف، من جهة أخر.
– يستوي في ذلك تلك الأنساق التي كانت قائمة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، أم في غيرها من البلاد المفتوحة، خصوصاً العراق وفارس.
ولكي ندل بنظر إلى ما انتهينا إليه من رأي في هذه الخلاصة، سنجد أن أصحاب الاتجاه الثاني، أي «الشخصانيين» أو أصحاب «الوجود الكائن» قد حاولوا، في سعي منهم لامتلاك سلطة الحكم والتشريع، وسلطة المعرفة، وسلطة القول الرفيع،أن يدمجوا بين الجليل والجميل، أو بين الإعجاز والمجاز، وأسندوا إليهما علاقة تعاضدية بحيث يكون من المحال إدراك كنه الجليل (أو هكذا أرادوا أن يوهموا) من غير إعمال الجميل فيه. ولقد تبوأت البلاغة في هذه العلاقة مكاناً علياً لسببين:
1- لأنها أصبحت مفتاح سر الإعجاز في القرآن وباب الدخول إليه. وهذا ما جعلها قيمة عليا.
2- ولأنها بوساطة ذلك، أصبحت البنية الأساس في إنشاء مفهوم السلطة. فالبلاغة قيمة كما قلنا، وهي من حيث هي كذلك، تمثل سلطة. ولقد ينتج عن هذا، كما هو بدهي، أن مالك البلاغة هو مالك للسلطة أيضاً أو مشارك فيها أو متطلع إليها.
وهذا يفسر لنا مسعى الاعتزال الإيديولوجي، وغيرهم من مخالفيهم،  لامتلاك السلطة أو لتأسيس سلطة موازية للسلطة ذات طابع معرفي ينسجم مع منظورهم الخاص ووجودهم الكائن ونسقهم الشخصاني. وإنه ليفسر لنا أيضاً ،كيف أنهم، إنجازاً لهذا الغرض، قد أدخلوا مصطلح «الإعجاز « و«المجاز» إلى الثقافة العربية، بالمعنى التقني والفني، وغير ذلك من المصطلحات والمفاهيم التي تخدم مضامينها رؤاهم وفلسفتهم وكائنهم الشخصي وتقدمه على كائنهم النصي.
ولقد نرى، بياناً لهذا الأمر، أن نبدأ من مرحلة متأخرة نسبياً في الزمان، لكي نرصد المشهد على حقيقته. وإذ ذاك، نعمل على تفكيكه وتحليل أسس التلقي فيه.
وإننا  لنجد أن مما يدخل في هذا السياق أيضاً كتاب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه المسمى «نهج البلاغة»، مع العلم أنه كتاب ليس في البلاغة ولا في منهجها، ولا يتصل بأي شكل من الأشكال بمنهج تعليمها. ولذا، كان يمكن أن يسمى «نهج الإسلام» أو «نهج التوحيد»، أو أي مسمى آخر يقارب هذا المسمى غير «نهج البلاغة». ولكن الذين جمعوه كانوا، مثل جل الفرق الإسلامية سنة وشيعة، مسكونين بالهاجس الذي ذكرنا. ولذا، فقد ألصقوا به هذا المسمى الذي لا يليق بالمقاصد الإسلامية والتوحيدية التي وضع من أجلها.
واللحظة التي نود أن نبدأ منها هي لخطة استقر فيها التضايف بين المجاز والإعجاز أو بين البلاغة والإعجاز، بل صار فيها نمط تفكير، وبدهية عقل وعقيدة، ومنظور مذهب وإيديولوجيا. ولأنها استقرت على هذا النحو، فقد كانت لحظة غلبة اتجاه «الوجود الكائن» الممثل  في  «الكائن الشخصي» وتراجع اتجاه «الوجود العارف» الممثل في «الكائن النصي».
وإذا كان التضايف قد ظهر في القرن الثاني الهجري، فإنه قد استقر مفهوماً، وبشكل نهائي، في القرن الثالث الهجري. ولقد ظل كذلك إلى يومنا هذا. ولكن الأمر لم يمض، على امتداد التاريخ، من غير مقاومة. فلقد ظهرت، في القرنين السابع والثامن، حركة مقاومة بالغة القوة، سعت إلى تقويض هذا الاتجاه. وذكرنا أن من كان يقف على رأس هذا الاتجاه، هما: ابن تيمية وابن قيم الجوزية. وهذا اتجاه لا يزال سائداً ومؤثراً إلى يوم الناس هذا. بيد أن ما يجب أن ننتبه إليه، هو أن هذا الاتجاه أقل انتشاراً من مثيله الذي يناقضه، وإن كان عالي الصوت. ويمكن أن نعزو قلة انتشاره لسببين: فلسفي وأدبي.
و أما لم كان ذلك، فلأن العالم بأسره، منذ عصوره القديمة، وفي كل الحضارات، قد حشد التأييد للبلاغة فلسفة وأدباً. ولقد نستطيع تعزيزاً لما نراه، أن نذكر ما بين أرسطو ونيتشه، ثم ما بين نيتشه في القرن التاسع عشر وفلاسفة القرن العشرين، مئات الأسماء اللامعة والنافذة والمؤثرة في علم الفلسفة. وكذلك هو الأمر في الأدب. ولكننا نستطيع أيضاً، وفي الوقت نفسه، أن نتكلم عن أفول البلاغة، أو عن «جنازة المجاز» في العصر الحديث.
وما دام حديثنا عن الاتجاه الآخر، فإن أحداً، على الصعيد الفلسفي لم يتمثل فلسفة ابن تيمية  أو ابن القيم أو الجوزية، مع العلم أن ابن تيميه في هذا الميدان، فيلسوف، وهو أيضاً بنقضه للمنطق ونقده يقف على صعيد واحد مع كبار الفلاسفة والمناطقة.
ويمكن أن نقول الشيء نفسه على صعيد الأدب أو على صعيد نظرية الأدب عند العرب، فإن أحداً لم يعمل على إسقاط البلاغة عربياً أو تجاوزها، والنظر إلى النص بعيون أخرى غير بلاغية، مستفيداً في ذلك من نظرية ابن قيم الجوزية في هذا الشأن، والتي سنقف عندها وقفة مطولة نسبياً، مستفيدين ً من الدراسات العلاماتية(السيميائية) الحديثة .
4- تمثيلات التضايف في
صناعة الخطاب وتلقيه
سنختار مثلنا من منظّر عالي السمعة بين منظري الأدب في القرن الرابع الهجري، أي بعد أن استقر التضايف إعجازاً وبلاغة. هذا المنظر هو أبو هلال العسكري (ت 295هـ). وهو ناقد غير معتزلي،ولكنه كان،ككل الطبقة المثقفة في ذلك الوقت،قد وقع في زمرة من غشيهم فكر الاعتزال وأصابهم بلوثته في هذه القضية،فأخذوها عنه أخذ مفتتن، على النقد غير مقتدر. وسنجعل ما سنستشهد به من قوله، يدور على خمس نقاط:
1- مراتب العلم
ويقول في هذا:
«اعلم علمك الله الخير، ودلك عليه، وقيضه لك، وجعلك من أهله، إن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ، بعد المعرفة بالله جل ثناؤه علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة»(1)
وهو تراتب يقوم، كما نلاحظ، على اشتراط الأولية. ولذا نجد أن العلم بالله يأتي أولاً على سلم المعارف، وأن العلم بالبلاغة يأتي ثانياً.
وللتعليق على هذا الترتيب نقول إن هذه العقيدة غريبة على الإسلام.  إذ لم يعرف عن القرآن أن قال بهذا، ولا عن الرسول، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد في القرن الهجري الأول كله. وإنما هي عقيدة النخبة المثقفة (المعتزلة ثم غيرها) الطامحة للحكم والسلطة.
2- تضايف العلوم.
ويقول في هذا:
«علم البلاغة […] به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى]. ويقول أيضاً: « وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن»(2). 
وهو تضايف يقوم، كما نلاحظ، على اشتراط وجود الأول (أي علم البلاغة) لحصول علم بالثاني (أي بالإعجاز). وهو شرط لازم هنا، لأن المتلقي إذا أخل معرفةً به «لم يقع علمه بإعجاز القرآن»  كما قال. وللبيان نقول إن التضايف هنا شرط يقع على عملية التلقي كما يقع على المتلقي، ولكنه لا يقع على المتلقى، أي على القرآن. وبهذا يكون القرآن، من هذا المنظور، معجزة سواء وقع علم المتلقي بالبلاغة أم لم يقع.
و إذا كان ذلك كذالك، فإنه يترتب على هذا الأمر قضايا كثيرة، نذكر منها:
– إن الأعجاز والبلاغة أمران منفصلان، وأن لا رابط ضروري يجعل من البلاغة برهاناً على الإعجاز ودليلاً.
 – كما يمكن للمرء أن يعتقد أن القرآن في فرادته وتميزه هو خصوصية الله، من غير أن يقع له علم بالبلاغة، لاسيما إذا علمنا أن القرآن نص ليست البلاغة قائمة في كل مكتوبه وبيانه.
– وكذلك، فإنه يمكن للمرء أن يعتقد ثانياً ( كما اعتقد أولاً بعدم ضرورة البلاغة)، أن لا ضرورة لكي يقيم معتقده بأن القرآن من عند الله وأن لا أحد يقدر أن يأتي بمثله، على عقيدة الإعجاز. لأن عدم قدرة الإنسان على الإتيان بمثله، لا تستوجب أن يجعله الله عاجزاً عن ذلك ويمنعه (فالصرفة هنا مرفوضة بكل أشكالها سواء نسبوها إلى الله أم جاءت من عجز الإنسان ذاته)، ولكن تستوجب العلم فقط أن لله أقوالاً وأفعالاً لا يقدر أحد أن يجاريه فيها، ومنها القرآن، فهو قوله وفعله، وأنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء، وأنه القادر والقاهر فوق عباده.
– ويمكن للمرء، أخيراً أن يعتقد أن القرآن بلاغ (وهو بالفعل كذلك)، وأنه مستوى من الكلام لا يقدر أحد على مثله، وأنه دال بنظمه على قائله، وأن الله دعا الإنسان، من أجل ذلك، وحضه ليتدبر هذا ويدركه، من غير تحد ٍ، تعالى ربنا عن مثل هذا علواً كبيراً.
ولقد يعني هذا أن عقيدة المرء بعدم قدرته على محاكاة القرآن إنْ في كثير أو قليل لا توجب منه أن يستند إلى عقيدة التحدي، كما قال بها كثير من الدارسين الفضلاء.
 3- الإعجاز والعجز:
 ويقول فيه:
«و إنما يعرف إعجازه من عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايتهم في حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه»(3)
 وإذا تأملنا منطق هذا القول، وقلبناه على ممكن العديد من الوجوه دلالة، فسنجد أنه يقوم على أمرين معاً، كل واحد منهما يفضي إلى غاية ليست من الدين فهماً في شيء، ولا يمكن أن تكون من علاقة العبد بربه مطلقاً، ألا وهماً:
 1- التبخيس
 2-التيئيس
 وإذا كان هذا الخطاب منطقاً واستراتيجية مرفوضاً  إسلاماً، فإن قوى الإيديولوجيا الراغبة في السلطة، لتجعل من هذا المرفوض وسيطاً أو نافذة تعبر من خلالها إلى ما تريد دون عائق من أحد. فالآخر، الذي يشكل الطرف المقابل لها في السلم الاجتماعي والمعرفي، عاجز ومنجس ويائس. وهي وحدها، بما أنها تملك مفاتيح المعرفة، قادرة أن تعوض هوان التبخيس والتيئيس اللذين ينضوي تحتهما عجز العاجزين. وإن هذا ليشبه ما هو في النصرانية قائم. فالإنسان يولد فيها حاملاً لعقدة الذنب، والإنسان في الإسلام، تبعاً لعقدة التبخيس والتيئيس، يولد حاملاً لعقدة العجز. وما هذه ولا تلك سوى أمور ليست من الدين في شيء. وإنما هي اختراع من اختراعات أصحاب الأيديولوجيات من النخب الثقافية. فهم يريدون الإنسان معتقداً بعجزه، منكسراً في يقينه بنفسه لكي ينقضوا عليه ابتغاء السلطة، بغض النظر عن وجهها ومدلولها.
ولقد نجدنا، هرباً من لعبة الإيديولوجيين والبلاغيين، أميل إلى أن نسمي « معجزات « الأنبياء « آيات «. وما يخول هذا الميل ويبرره عندنا، يكمن في أسباب كثيرة، نذكر منها ما نراه وجيهاً:
–  إن «المعجزة» لفظ لم يرد في القرآن. كما لم يرد اللفظ الآخر الذي يقترن به أيضاً، وهو لفظ «التحدي». ولقد يجعلنا هذا نعتقد أن كلا اللفظين، وقد تحولا إلى مصطلحين مقدسين  بالإضافة إلى  «البلاغة» و«المجاز»، هي مصطلحات تدل مضامينها على:
أ- شخصنة العلاقة مع القرآن، وتحويله من كائن نصي إلى كائن شخصي.
ب- إن الرؤية التي تحكم هذا المنظور هي اجتهاد رجال. وبقول آخر، إنها ليست ملزمة كما إنها ليست الرؤية الوحيدة.
– إن «المعجزة» لفظ مضلل، ويحيل إلى كل ما هو غير عقلاني ومضاد للدين الحنيف في الوقت نفسه.
ولقد كان كذلك، لأنه استعمل في هذا الموضع النبيل العظيم ( أي أنه استعمل دليلاً على أن القرآن من عند الله، ودليلاً على صدق النبي في دعوته)، مدعاة إلى فتح باب الخرافة في الإسلام. وإننا نعلم أن شرف الغاية لا يبرر الوسائل أياً كانت. فما قيل عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعن قدراته الفائقة، وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم وعن قدراتهم، وعن علي كرم الله وجهه وأبنائه الكرام وعن قدراتهم، وعن بعض الأولياء الصالحين وما يأتون به من خوارق ومعجزات، لشيء لا يقدر عليه إلا الله، ولا يقع قبوله لا في الدين ولا في العقل، بل إن الله في قدرته لا يفعله ولا يقبل بفعله.
والجدير بالذكر أن كل ما قيل في هؤلاء وما نسب إليهم من معجزات، إذا ما فكرنا به وتأملنا، نجد أنه قد تم صنعاً خدمة لتحيزات كثيرة ذات طابع عرقي، أو مذهبي، أو طائفي، أو إيديولوجي. وهذا شيء جعل القرآن يسير في مسارين لا يخلوان من تواشج أو علاقة قربى:
– الأول، وقد سار القرآن فيه في مسار الشخصنة. ولهذا لم تعد النصوص آيات، كما أراد الله لها أن تكون، وإنما أصبحت معجزات، كما أراد لها نفر من الناس أن تكون. والفرق بينهما أن الآية دالة بنفسها، أي بكلامها، في حين أن المعجزة دالة بغيرها، أي بعجزنا. وقد كان الأولى والأهم أن يسير القرآن في مسار النص لتدل الآيات فيه على قدرته سبحانه وتعالى لا لتدل المعجزة على عجزنا نحن.
– الثاني، هو استتباع للأول وتطوير له. ولذا نجد، أن القرآن فيه قد سار في مسار حل «الشخص المعجزة» معه محل ما كانوا قد سموه»النص المعجزة». وهذا توالد لتحول يقع في منطقة الأشياء إما تطورت. وأما كيف كان ذلك، فلأن المعجزة على مثال الشخص في تجاوز قدرته تكون. ولقد يعني هذا أن الشخص الذي دل القرآن بعجزه عنه على الإعجاز فيه، سيعود ليكون بعضه لبعض في الاجتماع البشري معجزاً. وهكذا سيتكرر مع الشخص نسق الإعجاز الذي ابتدع من أجل النص. ولو عدنا إلى كتب الموروث الدالة على هذا، لوجدنا أنها تعد بالمئات(4).
وأخيراً, ثمة أمر مهم يجب أن نشير إليه هنا، وهو أن هذا التحول من النص إلى الشخص لم يرافقه تحول فلسفي على غرار ما حدث في العالم الغربي(الديكارتي تحديداً)، حيث وقفت العقلانية شاهداً على ميلاد الفرد. وإنما رافقه تحول من نوع آخر كانت الخرافة فيه شاهداً على ميلاد نفسها بوساطة الفرد الذي يتمثلها. وبقول آخر، فإن التحول الذي شهدناه من النص إلى الشخص، كان في جوهره تحولاً من المعرفة إلى الخرافة. ألا وإن هذا ليعد انتكاسة خطيرة في الحضارة الإسلامية لما يزل العالم الإسلامي يعاني من تبعاتها الجسام.
4- معرفة البلاغة قيمة. ويقول في هذا:
«وقبيح بالفقيه المؤتم به، والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته في مجادلته وشدة شكيمته في حجاجه، وبالعربي الحليب(الخالص النسب)، والقرشي الصريح أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي، وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي»(5).
البلاغة إذن قيمة. وإن من يمتلكها يمتلك سلطة. وإذا ذهبنا متكئين على ما قال، ومستلهمين ما قال، فيمكننا أن نجعل الناس ثلاثة أصناف:
أ- النخبة المثقفة. ويدخل فيها ما يلي ممن ذكرهم أبو هلال العسكري:
1- الفقيه المؤتم به .
2- والقارئ المهتدى بهديه 3- والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته.
ب- الأعراق العليا من البشر. ويذكر لهذا الصنف نوعين: 1- العربي الصليب، أي العربي الخالص النسب. 2- والقرشي الصريح، أي الذي لا يحتاج إلى دليل يدل على انتمائه إلى قريش. وإننا نرى أنه جعل قريشاً في الطبقةالعليا لكون رسول الله من قريش.
ج- الأعراق الدنيا من الناس. وقد حددهم بوصفه لهم وصفاً تبخيسياً مذلاً وعنصرياً، فقال: الزنجي، والنبطي، والجاهل، والغبي.
ثمة ملاحظتان تترتبان على هذا الخطاب، نود أن ندلي بهما قبل أن ننتقل إلى النقطة الخامسة والأخيرة من وقفتنا مع أبي هلال، أو تمهيداً ضرورياً لها:
– الملاحظة الأولى، ونرى فيها أن لهذا الخطاب استراتيجية. وأن من استراتيجيته إحاطة نفسه بنظرة استعلائية وعنصرية توطد للبلاغة سلطتها وتجعلها قيمة.وهي بوضعها كذلك، فإن حاملها يعلو بها مرتبة فوق مرتبة الزنوج والأنباط من جهة، ويتميز بها من أهل الجهل والغباء من جهة أخرى.
ولقد نرى أن تبئير البلاغة متصوراً بوصفها قيمة، وتأكيدها مفهوماً من حيث هي كذلك، ليدفع بالضرورة إلى امتلاكها لسببين:
.- الأول،  خشية الوقوع أو السقوط في الأعراق الدنيا من الناس: الزنوج والأنباط، وأهل الجهل والغباء. ولذا، فإن على من أراد أن يرتفع قيمة، أن يحصن نفسه بها. وإلا يمكن ذلك، فإنه سيفقد دوره الاجتماعي وحضوره في صفوف النخبة المثقفة، لاسيما إذا كان من أولئك الذين لم يسعفهم حظهم ومولدهم أن يكونوا من العرب الخلصاء عرقاً أو من القرشيين الصرحاء نسباً.
.- الثاني،  وتطلعاً عبر الاستحواذ عليها (وهذا تطلع قائم في مضامين خطاب العسكري واستراتيجيته الخفية) إلى امتلاك سلطة، عدا عن علو المكانة علماً، والتميز بها ذكاء ووجاهة. وهي سلطة لايدين بها الشخص إلى غير ذاته، وإنه ليضع بها علامة على معنى وجوده وتفرده بهذا الوجود.
ولذا، نعود فنقول إنها تمثل قيمة، وإن من يمتلكها يمتلك سلطة. وإذا كان هذا هكذا، فإننا نرى، في هذا التوجه، ميلاداً جديداً للفرد، وعقلانية جديدة لمعنى وجوده. وهي عقلانية يقترن فيها معنى الوجود بوجود السلطة. وإذا صحت هذه الرؤية، فهذا يعني أن الفرد قد خرج، بهذا الميلاد الجديد، من نسق النص الذي وطده القرآن وأرضنه مذ لحظة نزوله، إلى نسق الشخص الذي أنشأه الاعتزال أو أعاد استرداده(من عصر ما قبل الإسلام ونسقه)مطوراً وبثوب إسلامي.
– الملاحظة الثانية، ونرى فيها أن العسكري إذا كان قد جعل من استراتيجيته إكساب البليغ أو صاحب البلاغة قيمة استعلائية(وذات طابع عنصري)، فإنه قد جعل من استراتيجيته أيضاً، كما يوحى بذلك ظاهر الخطاب، أن يتبع منهجاً إقصائياً(لن يثبت عليه طويلاً كما سنرى) تجاه فئتين هامتين من الناس، هما: الحاكم والشاعر. فهو لم يذكرهما، ولم يصنفهما في فئة من الناس كما فعل، مع أنها معنيان، في الواقع، بالبلاغة. بل هما، في وجودهما،من مقتضيات وجود البلاغة وحكمتها .
ولقد نجرؤ فنقول، مستندين إلى هذا المنظور، إنه لولا البلاغة، لما قام للحكم أو للشعر وجود. وكذلك نقول، في المقابل، إنه لولا الحكم والشعر لما قام للبلاغة وجود. ودلائل هذا الأمر كثيرة، ليس هنا مجال ذكرها. وإذا كان الحال كذلك، فكيف نفسر هذا المسكوت عنه في خطاب العسكري؟  وكيف نعيد فهم هذا المفصح عنه في هذا الخطاب ونفسره تفسيراً جديداً يلائم هذا الفهم؟
تقع هاتان الفئتان موضوعياً (الحاكم والشاعر) في قمة الهرم الاجتماعي تطلعاً للسلطة واقتساماً للحاكمية. غير أن السكوت عنهما في هذا الخطاب، كان أكثر نطقاً بهما من الإفصاح عنهما. فكيف كان ذلك؟ ولماذا؟ثم ما الذي دعاه كي يتكلم عنهما ساكتاً إذا صح التعبير؟ وما هي مبررات هذا؟ أهي لعبة الخطاب، أم لعبة الإيديولوجيا بالخطاب، أم هذه وتلك معاً؟
أسئلة بعضها يتقاطر من بعض، أو بعضها يقطر بعضاً. فكيف يظهر من عجاجها قول له وجه مبين؟
ينطوي هذا السؤال الأخير على مقولة تقول إن ما نقوله مباشرة ليس هو ما نعنيه مباشرة. فما نقوله قد لا يكون سوى عجاج نغطي أو نغشي أو نحجب أو أيضاً نوارب به ما نريد أن نقول حقاً. وهذه طريقة في القول معروفه، لا سيما في المعنى المضمر(6)، وترددت في الأساليب شعراً ونثراً، وهي شائعة ومتبعة عند العرب وعند غيرهم. ومن هنا، فلا غرابة إذن أن نجد هذا النهج قائماً عند أبي هلال وأضرابه ممن برعوا في صنع استراتيجيات للخطاب، تتخذ من مثل ما أشرنا إليه من طرق القول نهجاً تقول به ما تقول وأصحابها في مأمن أسلوبي وبياني مما تقول.
وانطلاقاً من هذا التمهيد البسيط، ندخل إلى القضية، التي نريد أن نبرزها في ظل ملاحظتنا الثانية هذه، ونقول: إن الخطاب التبخيسي والعنصري الذي ألبسه للفئتين المثقفة والعليا من الناس، لكي تمتاز به من غيرها أو مماً هو دونها علماً وذكاء، أو عرقاً ولوناً، أو حسباً ونسباً، ليبدو في ظاهره – وهذه لعبة الخطاب في التدليل على نفسه بمعكوسه – إعلاء من شأن هاتين الفئتين (المدح بصيغة الذم). ولكن عند التأمل فيه، نجد أن دلالته القائمة في مضمره هي الدلالة الحقيقية، أو هي معكوس الدلالة المباشرة التي يدلي بها الخطاب ويعينها في ظاهره المباشر (الذم بصيغة المدح). فالتبخيس، في الواقع، بوصفه أداة من أدوات التميز من الآخر (الزنجي، والنبطي، والجاهل والغبي)، إنما هو تبخيس عنصري ترتد سوء قيمته لا على المميز منه ولكن على المتميز به والمستعلي بوساطته.
وهكذا، فإن هذا الذي يتبدى لنا عند إعمال القراءة وتفكيك الخطاب، ورد ظاهره معنى إلى باطنه دلالة، لهو الأمر الذي دفع أبا هلال كي يفصح عن فئتين أراد لهما ذماً حيث بدا أنه يمدحهما، وأن يسكت عن فئتين أخريين خشية منه أن تتصفا بما اتصفت به الفئتان المفصح عنهما. وبالتالي، فإن قراءة لمنطق الخطاب واستراتيجيته، وناتجه الدلالي ومقصده، لتجعلنا نجد أن الفئتين المفصح عنهما في الخطاب، غير مستحقتين للسلطة، في حين أن الفئتين المسكوت عنهما أو غير المذكورتين في ظاهر الخطاب ومنطوقه، هما المستحقتان لها، لأنهما بريئتان مما ينسب إلى الفئتين المفصح عنهما. وتلك لعمري لعبة في المضمر والتعاكس الدلالي أجاد أبو هلال لعبها، وقال من خلالها ما يريد أن يقول ببراعة وإتقان.
وإذا بقي ما يقال من خلال هذه الوقفة، مع هذه الفقرة، فهو أن البلاغة هنا قد غدت قيمة لإبراز الشخص  على حساب النص. وهذا تحول كان قد ضرب جذره في الثقافة العربية الإسلامية في زمن أبي هلال.
5-التحول من القرآن إلى الشعر :
إذا دقق المرء النظر في مسالك الكلام، منهجاً في التأليف وأسلوباً في التعبير، فيمكنه أن يلاحظ مباشرة كيف انزلق أبو هلال، بمهارة، من الحديث عن البلاغة في القرآن، وضرورة معرفتها بعد علم التوحيد لأن فيها صحة النبوة، إلى الحديث عن البلاغة في الشعر والنثر، وهو الأمر الذي استغرقه فيما بعد، لاسيما الشعر منه، وأخذ بتلابيب كتابه. وتدليلاً على هذا نستشهد بمقطع صغير من كلامه لكي لا نطيل. إنه يقول:
«ولهذا العلم بعد ذلك (يقصد علم البلاغة) فضائل مشهورة، ومناقب معروفة، ( منها) أن صاحب العربية إذا أخل بطلبه، وفرط في التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفَّى  جميع محاسنه، وعمى سائر فضائله. لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد (ونلاحظ هنا البدء في الانزلاق من القرآن إلى سواه)، وآخر رديء، ولفظ حسن، وآخر قبيح، وشعر نادر، وأخر بارد، بان جهله،  وظهر نقصه، (وهو أيضاً) إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينشىء رسالة، وقد فاته هذا العلم، مزج الصفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر، واستعمل الوحشي العكر، فجعل نفسه مهزأة للجاهل، وعبرة للعاقل»(7).
لا شك أن هذا الكلام الذي جعل فيه أبو هلال للعربية صاحباً، أي مالكاً(ولا ندري هل تدخل عربية القرآن في هذا أم لا)، لهو دليل آخر على أن التحول من كائن النص إلى كائن الشخص قد بلغ في هذا العصر ذروته. وما دمنا في هذا، فنود أن نشير إلى أمر آخر وأخير، وهو أن هذا الخطاب وقد قام  تمجيداً للبلاغة وتعظيماً لما تضفيه من فضائل على «العارف بلاغة»، تنقصه، في الحقيقة، نظرية في أنواع الخطاب من جهة، كما تنقصه نظريات أخرى تتناسب مع كل نوع تصنيفاً  لأجناسه التي ينطوي عليها من جهة أخرى. فلقد نعلم أن الخطاب ينقسم إلى نوعين. وهي قسمة تنطبق على كل أنواع الخطاب في العالم أجمع قديماً وحديثاً. أما الأول، فهو الخطاب الأدبي. وهو خطاب يمتاز، في كل لغة من اللغات وعند كل قوم من الأقوام، بسمات تجعله قائماً بذاته ومتميزاً من سواه. ثم إنه يتضمن عدة أجناس من غير أن يشكل تضمنه دائرة مغلقة على ما يتضمن لأنه خطاب مفتوح على أجناس أخرى محتملة يمكن أن تزداد فيه. وأما النوع الآخر، وهو الخطاب التداولي. وهو خطاب يومي، واستهلاكي، ونفعي يستعمله الناس في تداولاتهم، ومحاوراتهم، ومحادثاتهم ومعاملاتهم، وقضاء حاجاتهم. ولهذا الخطاب نحوه وسماته التي تجعله متميزاً من الخطاب الأدبي. ولكن العرب انفردوا  بخطاب آخر، شكل نوعاً ثالثاً، وهو القرآن. ولقد جاء لمرة واحدة، ولم يتكرر ولن يتكرر. وهو أيضاً يمتاز  بخصائص في نظمه غير قابلة للتكرار وينفرد بها. ولذا، يبدو ليس كمثله خطاب.
وهنا نقول، إن الاستناد إلى البلاغة من غير نظرية في الخطاب، لتجعل كل أنواع الخطاب شيئاً واحداً. وهي تكون بالفعل شيئاً واحداً في أدائه(ولكن من غير وجه حق) عندما تجعل البلاغة منها ناتجاً، للشخص في أداءه وإنجازه. ولقد تكفينا هذه النتيجة خلاصة مؤكدة للتحول الذي طرأ على الثقافة العربية الإسلامية، بسبب البلاغة أو بواسطتها، فخرج الناس بها من كينونة إلى كينونة أخرى، وعادوا إلى النسق الثقافي للشخص بعد أن كانوا غادروه إلى النسق الثقافي للنص. ولكننا إذ نقول هذا (و هنا ننبه بقوة مرة أخرى)، فإننا لا نعني أن الناس قد عادوا من بعد الإسلام كفاراً. بل إننا نعني أنهم قد أخضعوا الإسلام للنسق الشخصي. ولذا، فقد عم إسلام الشخص وساد بعد أن كان أسلام النص هو السائد.  
 المراجع:
1) أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر.
دار الكتب العالمية. مصر. بلا تاريخ ص(9)
2) المرجع السابق والصفحة
3) المرجع السابق والصفحة. ص.9-10
4) أنظر كتاب جورج طرابشي:»المعجزة أو سبات العقل في الإسلام ». دار الساقي. بيروت. 2008 م
5) «كتاب الصناعتين ». ص 10
6) انظر كتاب:
Cathrine kerbrat-orecchione
«L’ implicite». ED,Aramand colin.paris1998
وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية بعنوان «المضمر». وصدر عن المنظمة العربية للترجمة. تر: ريتا خاطر. بيروت.2008 
7) «كتاب الصناعتين». ص10  

منــذر عيــاشي
كاتب  وأكاديمي من سورية

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …