أخبار عاجلة

التمساح

لم أفهم سوى كلمة «غجر». لا تبدو حركاتهما عادية ولا سلوكهما. كانت نظراتهما مملوءة بالريبة  والعداء. سحب أحدهما _ وهو اسمر اللون ذو شارب كث _ السكين من جيبه وبدا يلعب بها. كانوا يحملقون ببغض حيث كان باستطاعتنا أن نتوقع ماذا يخططان لنا. همست لصديقي رسول:

 – الحالة غير عادية

–  لكننا لم نفعل أي شى ء.

 – ما تقوله صحيح لكن يبدو انك لم تسمع ماذا قال لصديقه ؟

– لا.

– قال له: هؤلاء "غجر".

سحبت الكوفية من حقيبتي ولفيتها على رأسي. سطعت عينا الشاب الأسمر ذي الشارب الكث. غلق السكين وقال ضاحكا:

– هل كنت في مسقط ؟

-لا.

– فمن اين أتيتم ؟

– من عبادان وانتم ؟

– كنت ضابط صف في مسقط والآن أتيت الى بلدتي "سرباز"

ضحك وأنا ابتسمت فقط، آمر بالشاي لنا، قلت:

– لا أشر ب

– انزعجت ؟

– لا، الطقس حار.

– جيد، ما هو مقصدكم ؟

– المحيط الهندي

ضحك مرة أخرى، حين كان يضحك، كان فكاه يتحركان كفكي سمك القرش. كنا _ أنا وصديقي _ ننضح عرقا حيث التصقت ملابسنا بأجسادنا.

كان المقهى يشرف على الوادي الذي يجري فيه نهر «سرباز". فكنا نرى أشجار الموز بوضوح. قال رسول:

– دعنا نستحم بالمجان بالنهر.

–  يبدو أنك تذكرت نهر كارون ؟

– والله أنا مضطرب منذ يوم أمس بعد استماعي للخبر الذي بثته الاذاعة. يا ليت كنت الآن في مدينتى عبادان. ليس عندنا أي خبر دقيق عن المأساة. اشتعلت سينما «ركس » (2) وما فيها من مشاهدين ولم نعلم من هو الحي ومن هو الميت ؟

– هل تظن أن بعودتنا الى عبادان نحيي الموتى؟

– لا ولكن على الأقل نطمئن على سلامة أقر بائنا.

 – ما هو الفرق ؟ الجميع هم من ابناء مدينتنا.

واتجهنا صوب الوادي. رسول بدأ يركض 0في انحدار الوادي، متجها الى النهر مترنما أغنية عربية قديمة، ويجريه هذا، ظننت أنه ينوي دخول النهر بملابسه. وقفت هنيهة انظر أشجار الموز. كانت قطرات الندى تتلألأ على اوراق الموز العريضة والمتدلية من الأغصان. هذه هي الأشجار الوحيدة المفيدة في تلك المنطقة، كانت مياه النهر مغرية في تلك الصبيحة المشتعلة، لكنني احترزت.

وصل رسول الى ضفة النهر ونزع ملابسه وانا ماأزال واقفا في مكاني. كنت انظر رسولا من جهة واراقب الشاحنة من جهة أخرى، ولولاها لم نصل الى هذه البلدة النائية ولن نصل الى المحيط. كان السائق قد اختفى في المختلى وبدأ يشرب الأفيون. كنا خائفين ان يتركنا ويذهب دون علمنا لأنه فهم أننا فهمنا بعض الأمور.

كانت الشمس مشتعلة في كبد السماء حيث كانت حالتها مع الأمس، فتلك الشمس كانت تتبختر من وراء السحاب وفي أعالي جبل " تفتان » كفتاة جميلة والأخيرة كانت تصب حممها على الأرض كنيران عفريت، فكنت أرى عدة سحب لكنها قاتمة ووسخة ومتبعثرة ذات أشكال مزعجة.

عادة لم ينتظر من السماء في ذلك الموسم الصيفي أن يمطر غير أنني كنت أشعر انه من الممكن أن تهطل علينا الأمطار الغزيرة في أية لحظة، يا لها من غيوم قريبة جدا فأشكالها تظهر انها كانت تتسكع في سماء هذه المنطقة منذ عهد أغا محمد خان الغجري (3). فبامكانك أن ترى جماجم

محتشدة، كانت تراقب الأرض دون عيون.

فادهشتني صرخة طويلة مرعبة من أسفل الوادي، حيث خرج عدد من الذين كانوا في المقهى. فاذا برسول يصعد الينا في أعلى الوادي راكضا لاهثا. غير أنه كاد أن يموت حينما وصل الينا في أعلى الوادي. سألته:

– ماذا وقع ؟

قال وهو عريان يلهث:

– انظر ماذا ترى على ضفة النهر.

– لا أرى شيئا

–   لونه لون التراب. انظر جيدا.

كان فم التمساح مفتوحا يبحث عن فريسة. فتمكنت من رؤية أنيابه أيضا. أصبح وجه رسول شاحبا ويبست شفتاه وبدأ يرتجف في ذلك الطقس الحار. فلما ارتاح هنيهة، سألته:

 – وماذا عن ملابسك ؟

–  حتى لو تكون من الذهب لن أرجع اليها.

 رغبت أن أقول له مازحا:

–  كان الحظ معاك مرتين حتى الآن. مرة الآن، مرة نجوت من سكينة البشر ومرة من سكينة الحيوان، لكن في المرة الثالثة الله أعلم بما يجري عليك. لكنني لم أقل هذا الكلام لأنني شعرت أن مزاجا لم يكن مستعدا للمزاح.

التمساح لم يزل ينتظر ولم يفارق الضفة. نحن أيضا كنا ننتظر ساعة رسول الثمينة والتي اشتريناها من مدينة زاهدان تلمع من بعيد. كانت تغرينا كي نتقدم اليها غير أن التمساح قد شعر بالأمر ولم يتزحزح من مكانه قيد أنملة.

الشمس أصبحت تقترب تدريجيا من وسط السماء. لم نعرف الوقت لأن التمساح قد أخذ ساعتنا كرهينة، رأيته يشمها عدة مرات، كأنه يحاول أن يأكلها.

لو كان التمساح أكل رسولا بالتمام لوصل صديقي حتى الغروب الى المحيط الهندي. فكان لابد ل في تلك الحالة الا أعود الى عبادان خائبا والا أكون قلقا للحصول على سيارة لتنقلني الى ميناء «جواتر"(4).

فقمنا بدفع حجارة كبيرة من أعلى حافة الوادي حسر بدأت تتدحرج في الانحدار لكنها لم تصب التمساح.

فحاولت أن أقنع رسول كي نمكث فترة أطول هناك نراقب التمساح لربما يترك الملابس. لم يقتنع. كان يقول لي:

 – لا نستطيع أن نمكث أكثر من هذا في بر موحش كهذا وحينما تركنا المكان والملابس قلت له:

–  كأنه استولى عليك الخوف يا رسول، لماذا وأنت الذي كبرت مع أسماك القرش ؟

– ماذا تقول يا أخي، فألف رحمة على أبو سمكة القرش.

 فالتمساح الملعون يأكل الانسان والقرش معا ولوجبة واحدة.

– دعنا من الفلوس والملابس، ربما نستطيع أن ننقذ الساعة من يده.

 – فاتركها هذه أيضا هدية له.

كان رسول على صواب، فالتمساح كان يشتم رائحة البشر من ملابسه ولم يرغب بالعودة الى الماء أبدا.

القصة ترجمها الكاتب بنفسه من الفارسية الى العربية.

 ا – بلدة نائية يقطنها البلوش في محانظة بلوشستان ايران، قربية لبحر عمان والمحيط الهندي.

2- اشارة الى الحريق الذي شب في سينما ركس في مدينة عبادان قبل انتصار الثورة الايرانية بشهور والتي راح  ضحيتها أكثر من 300 شخص.

3- مؤسس سلالة ملوك الغجر الذي حكم ايران في أرائل القرن التاسع عشر واحتل  بلوشستان ذات الكثافة السكانية من العنصر البلوشي غير الفارسي.

4-  ميناء في محافظة بلوشستان الايرانية على ضفاف المحيط الهندي وقريبة لبلدة سرباز..
 
يوسف عزيزي بني طرف(قاص من ايران)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …