أخبار عاجلة

الحقيقة المتوحشة فيتولد كومبروعيتش Witold Combrofiwicz سيرة كاتب

إن آثار فيتولد كومبروفيتش الأدبية هي عمل في البحث عن في ذاتيته ، سيرة ذاتية ضخمة ، حيث الفن والحياة في تواشج تام ، ففي نهاية منفاه الأرجنتيني عاد

كومبروفيتش الى أوروبا . . والى الموت ، وسؤال واحد كان يقلقه ، هل اكتملت ؟ هل أصبحت عبدا لكومبروفيتش ، عبدا لشكله؟ بالفعل ، كان كل موقفه من الحياة هو

أن ينتصر على الانحسار، وأن يفلت من الحدود، أن يتحد بالحقيقة العارية . . ويبلغ من خلال العمل الأدبي حقيقته الذاتية ، أن يولد مرة ثانية من آثاره الأدبية ، كانت غايته من الإبداع كما يقول : "أن يصبح العمل الأدبي "أنا" . ثم سرعان ما يضيف "إنني اتخلق من خلال العمل الأدبي ".

بالاضافة الى ما في آثاره من صدق عال ، هناك نزوعه في اتجاه المخاتلة »كما لا يمكن وصف شخصيته إلا بأسلوب التضاد Antitheses  فكومبروفيتش ، رجل الأجواء المعتدلة يقف دائما بين قطبين في ذلك المجال الذي يسميه هو نفسه بين بين إن ذلك الـ"بين بين " كما في وصية Testament  له اثره في وجوده كله ، وقد جعل منه لا منتميا Outsider  كنت أجدني دائما "بين بين " لم أكن منتميا الى أي شيء (Testament p.14:  ) تتمفصل حياة كومبروفيتش في حركتين ؛

1904 – 1939 ( بولونيا ، العائلة ، الاساتذة ، الرفاق ، البدايات الأدبية) .

1939-1963 ( المنفى، الأرجنتين ، الثقافة الختلفة ، استعادة الشباب ، الحرية، التحقق ككاتب أوروبي) .

ثم حركة لاحقة ،1913 – 1919 : ( برلين ، باريس ، فانس ، الموت ) ان كل شيء مترابط في هذه السيرة ، فبإنفصاله عن بولونيا وعن العائلة ، عن وسطه الاجتماعي وعن محيطه استعاد كومبروفيتش في الأرجنتين شبابه وحقيقته المتوحشة ، هكذا تتعارض في الجالية الكومبروفيتشية ، الاطروحة البولونية ( الشكل المصطنع ، التعالي، الكبرياء) مع النقيض الاوجنتين (دونية الشباب ، الصدق ، الهوان ) ان

ذلك التعارض ، أو تلك النظرة التي اعادت الاعتبار لما لا قيمة له كان من نتائجه

اتخاذ مسافة من الذات ، من "الشكل البولوني" وبناء مفهوم للانسانية جديد .

لا تعني القطيعة مع بولونيا ومع الماضي تجاهلهما ، وانما تعني التخلص من القوقعة ، من قوقعة الشكل البولوني الذي كان يحده، والسيطرة على ذلك الشكل ، لقد استمد "شكله النقيض " وعدم نضجه من اصوله الاولي، مما كان مكتوما وباطنيا فيه من قبل ، استمد قوته من فسفه ، مما هو عار وغريب وشنيع وشاذ، ابتدع عالمه الخاص بالتساؤل حول مرحلة تكوينه كله ؟ حول السنوات الخمس والثلاثين من حياته في بولونيا، تجعلنا معجزة كومبروفيتش الأرجنتينية نتذكر مغامرة البطل العجيبة فرد يدورك Ferdydurke الرواية التي كتبها ثلاث سنوات قبل رحيله ,عن  بولونيا، إن بطر هذه الرواية وهو رجل تجاوز الثلاثين ، يتحول الى فتى في الخامسة عشرة من العمر. "لقد بدا لي حينذاك وأنا فيسن أكبر من الثلاثين أن أهزأ واتقارد للغر سيئ التربية الذي كنت من قبل ، لكن وبالمثل كان هو يتقارد لي بدوره ولأكثر من سبب .

"وجدتني في المنتصف من عمري في غابة سوداء والأسوأ انها كانت خضراء (…) كنت قد تجاوزت وادي الثلاثين ".( 1)

تشكلت في بولونيا فلسفته (الفارديدوركيزمFerdydurkisme  ) فمع فرديدورك بدأ كومبروفيتش في النزول الى أعماق الجحيم الى عالم "أناه " البكر وغير المتكمل ثم تجاوز وهو بالأرجنتين الخلافات المتتالية "للدونية المؤلهة " وعندما شعر بانه تحرر من "شكله " ركب ترانس اطلانتيك Atlantique Trwse  عابرة المحيط وهي "سفينة قرصانية تهرب حمولة ثقيلة مز الديناميت ، لتفجير الشعور القومي الذي لا يزال مستشريا عندنا" وهي كذلك "مركب اغاثة " يهرب فيها كومبروفيتش المسيحي البولوني، اسلوبه في تحطيم قيود الرق ، "عدم الخنوع ، اطلاق واباحة الجانب الأخر من الحساسية التي تفرض على الفرد الدفاع من نفسه امام أمته مثلما أمام أي طغيان جماعي. امتلاك الحرية تجاه الشكل البولوني، الا تكتفي بكونك بولونيا حتى مع كونك بولونيا، ذلك هو التهريب الايديولوجي لترانس اطلانتيك ".(2)

هذا الكتاب هو حساب مع الماضي وتطهير له ، وهو مع ذلك لا يتنكر للماضي، ولكنه يتعمقا "لينتشل ذلك الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعينه في أوانه على صياغة أفضل للشكل القائم "(3) إذ تظهر عائلته وبدون انقطاع في كتاباته ، كتناقضاته وعقده في شبابه ، انه يخصب بالتجربة هو ابس خياله المتسلط، لكنه إذا كان يخلا مثل هنري في "الزواج". بين أوهامه وعالم الواقع ، فان تهويماته الساخرة تقوده دائما الى وطن شبابه ، تظل بولونيا بالنسبة اليه قلعة للطفولة لكل أشكال الطفولة ومكانا للعود الأبدي.

ولد فيتولد كومبروفيتش في 4 أوت عام 1904 بمزرعة مالوزيتش 1904 مقاطعة لابيه كانت عائلته تفخر بانتسابها الى اشراف ليتوانيا، متألقة في عصبة مغلقا، وتحتقر بكبرياء، اشراف بولونيا ، فعندما اضطر جده الى بيع أراضيه بليتوانيا ليستقر في بولونيا أمس بأن في ذلك تنارلا منه ممن طبقته ، وخل دائما يحتفظ بكراهية لمحيطة الجديد.. بعد وفاته تخلى ابنه ، اب فيتولد، من الدراسة وانهمك في ادارة ممتلكاته بجاكوبوفيتش JakuboWce  ثم اشترى اقطاعا أخر (مالوزيش) حيث استقربه بعد زواجه من انطونيا كوتكوفشكا – Antonia kotkowska  وولد ابناؤه جميعهم ، يا نوش Yariusz 1894 جيرزي gerzy 1845  رينا Rena 1899  فيتولد 1904 .

كان والد فيتولد صناعيا يدير مصنعا للورق شيدا على أراضيه كما كان يشرف على مؤسسات ضخمة وقد سكن مع عائلته بين عامر 1905 و1911 ببودزيكوف Bodzechow ناحية من نواحي بولونيا كانت خاضعة للنظام القيصري، فجرت اضطرابات ثورية ووطنية بتلك المنطقة مما جعل يدن كومبروفيتش الكاثوليكي المؤمن والغريب عن الأفكار الاشتراكية يتصرف كبولوني مناضل ضد الاضطهاد القيصري، فقبض عليه عام 1908 بتهمة التحريض وحس ثم أطق سراحه بكفالة بعد محاكمة طويلة كان يمكن أن يصدر فيها حكم بالأشغال الشاقة في سيبريا، فصدر حكم بالسجن لعامين ، بعد انهاء الحكم عام 1911، صفي بيع ممتلكاته ببوزيكوف ولم يبق سوى مالوزيتش،ثم استقر بعائلته في فارصوفيا ، وهو لم يطهر بعد من عقوبة السجن في RADOM. هذه المحاكمة وهذه الادانة ذكرهما جيرزي أخ فيتولد أدمن البديعي أننا نحن الاطفال كنا نعيش تلك الأحداث بتأثر شديد وكان فيتولد وهو في الخامسة من العمر يفهم ذلك جزئيا ويتأثر به ".( 4)

اضطر فيتولد ، اذن عام 1911 الى مغادرة الريف الذي كان إطارا لطفولته .. وقد كان لقصر بودزيكوف القديم المحفوف بالبساتين والمليء  بالأسرار أثر عميق في حساسيته ، فبعد أن ذكره وما فيه من ملامح وأشباح في أول رواية له مطولة ، المسحورون Les envoutes-   اتخذ منه ديكورا لروايته البورنوغرافيا Porriographic  كما كانت عائلته لأمه التي تقيم في ناحية من بودزيكوف ، يمده أفرادها الكثيرون بنماذج لشخصياته الروائية .

كانت عائلته لأبيه شديدة التفاخر بنسبها وبصلاتها بالأسر الملكية ، وتد تشبع فيتولد بالتقاليد الليتوانية ، إذ كانت أوراق الارشيف التي أتى بها جده من ليتوانيا ، محل قراءته الشغوفة ، وعند بلوغه السادسة عشرة ، ألهمه ذلك أول نص له ، "قصة عائلة " وقد هل هذا النص مخطوطا لكن كومبروفيتش هل يحتفظ طوال حياته بحبه للجنيالوجيا Genealogie. يفسر هذا كله ، وبلا ريب ، ان انتماءه الى طبقة اجتماعية هي بين الأرسطوقراطية الراقية ، وبين نبلاء الريف الصفار. كان يمثل بالنسبة اليه وفي فترة مبكرة إشكالا وشغلا شاغلا. كان يحس وهو بفار صوفيا ، بمشاعر النقص أمام زملائه في الدراسة من أبناء العائلات الارسطوقراطية الراقية ، ويحتقر النبلاء من ملاك الأراضي الذين كانت عائلته على صلة بهم ، ولأن الواقع لم يشبع رغباته راح فيما بعد يزحم مسرحياته بالملوك والأمراء والبارونات لكنه وهو في حالة من الاحباط ظل دائما يستعرض فيها سمات من الابتذال والبذاءة والهزل .

في عائلة كومبروفيتش يشارك الأطفال ومنذ فعومتهم ، الكبار حياتهم فيحضرون الاجتماعات ويصفون الى المناقشات ، وكانت علاقاتهم مع الاطفال في مثل سنهم محدودة بأبناء الجيران الأقربين فتيانا وفتيات ، ولم يكن يسمح لهم باللعب مع أبناء وبنات الخدم او المستخدمين ، كان  فيتولد ، وبعد أن تعرف إلى حياة الكبار يهتم بالمشكلات الجادة ، وقد نمت فيه والدته حبه للكتب ، وقد كانت هي نفسها تحت تأثير الاتجاهات التحررية للمرأة ، تتكلم جيدا الفرنسية والألمانية وتتمتع بعقل ثاقب ، وتؤجج بحماسة المناقشات الفكرية .. غير أنه سرعان ما كشفت روحا النقدية عن "أكاذيب النفس " عن الخداع والطابع الايهامي لعالم الأمومة مما جعله على نحو مطرد يأخذ بعكس كل ما تقوله وما تفعله.. هكذا أخذ ينحرف عنها، ينمو بفضلها لكن ضدها.. كثيرا ما كان يقول كومبروفيتش وهو يتحدث عنها فيما بعد: "كانت تحبني كثيرا" لكن لم يبدر عنه ابدا ما يجعلنا نعتقد انه كان يبادلها ذلك الشعور، اكتملت تربية أمه له وكذا المربيات الفرنسيات بفترات عدة من الاقامة في الخارج لا سيما بالمانيا والنمسا، وهو ما جعله يحتفظ بحبه للأسفار، يسجل أخوه قائلا: "أذكر أيام اقامتنا سويا عام 1910براينش هول – Reinch  Hall- فهنا كذلك ، كان يتحاشى زحمة مجتمع الاطفال مفضلا البقاء بين الكبار يسألهم عن موضوعات شتى ذات علاقة ببلد الزيارة .. ربما وبعد هذه المناسبات ، استيقظ فيا حبه لروايات الرحلات ، فقد كان وهو في الثانوية يفضل قراءة مؤلفات كاول ماي Karl  may عند وصوله الى فار صوفيا أخذ كومبروفيتش يتابع درسا خصوصيا كانت تعده السيدة بالينشكا Balinska لابنها كازيمييرز وقريبها اتنوس Antos (ابن أخيها أو أختها) وفيتولد. كانت عائلة بالينسكي من العائلات الصديقة لوالديه ، وكان بيتهم مركزا من أهم المراكز بفارصوفيا وكان فيتولد يكثر من التردد عليهم ، موثقا صد اقته بكازيمييرز أحد أبنائهم .غير ان صلاته الأولى بأبناء ارستقراطيي فار صوفيا كانت مؤلمة ، لقد أحس برعوتنه فقاده شعوره بالاختلاف الى ان يبتعد عن اسرته ومحيطا والمدرسة وفي النهاية من نفسه .

ولأنه كان يعتقد أن أدأب السلوك ستحقق له كثيرا مما يرغب فيا، فانه أخذ يهتم على الدوام بأشكال السلوك الاجتماعي، كان يحسد الأرسطوقراطيين على تلك السهولة التي يفرضون بها أنفسهم على الأخوين ، على أدبهم المرح الذي يبدو كأنه فطري، وفكرهم الذي ينبغي له من حيث الجوهر السيطرة على كل شيء. كان يحسر أثناء تعامله مع الكبار بأن عيوبه التي كان يتوهمها في الغالب ، تجعله مشلولا، فزاده ذلك خجلا وارتباكا، وهو ما يؤكد بعض السمات في طباعه ،خجل ظاهري محكوم بثقة من الداخل ولأنه كان واعيا بتفوق بعض الأشخاص الكبار من حوله ، كان يتحاشى الكلام معهم ، خوفا من أن يكون مثارا للسخرية .

عقد فيتولد، خفية هن والديه ، صلات حميمة بامتياز مع الخدم وصغار الاطفال ، كان يتحدث اليهم تلقائيا، ناقلا لهم ، أراءه ومعارفه الأدبية . وهكذا بدأت مغازلته للدونية (ln feriorite”(   فخلال ايام عطلته بالريف اكتشف العالم الذي ظل محظورا عليا حتى ذك الحين .. عالم أطفال المزرعة وأبناء الخدم الذين كانوا يمثلون له جمالا بكرا وطبيعيا، أصبحت الدونية هي- عالمه المثالي- وقد كشفت له غرفة الخدمة والمطبخ والاصطبل عن حقيقة عائلاته ، أولا، ثم حقيقة طبقته الاجتماعية فيما بعد. ففي القسم الرابع من فرد يدورك قرينه (DOPPELGANGER) يعي ميانتوس Mientus النظام "فحسب هذا النظام تكون يد المربي في مستوى وجه الخادم بينما تصل رجل السيد في مستوى النصف من جسم الفلاح (…) كان ذلك هو القاعدة الأبدية "القانون والنظام ".(6)

باكتشافه لتك التراتبية التي لم تكن منسجمة مع قوي الموازين الحقيقية ، فهم فيتولد خبث الفطام الذي كانت تعيش في ظله عائلته ، فتحت شخصية العم وشخصية العمة في فرديدورك يختفي أبواه .

"كانت ناقة نعش النبلاء وهي تنقل عمي متغلغلة عميقا صوب العامة ، تمتص رحيقها من هؤلاء الدهماء، كان عمي وعمتي يعرفان ما يقال عنهما في غرفة الخدم ، وكيف كانت تنظر اليهما جاحظا، عيون أولئك الريفيين ، كانا يعرفان ذلك ولكنهما لم يسمحا لتلك المعرفة بالذيوع ، كانا يكبتانها ويكتمانها ويدفعان بها الى دهاليز العقل الكاهية ".(7)

لقد أثر الاطلاع على تلك الحقيقة في سلوك فيتولد، فزاد على كبريائه الموروثة رغبته في ان يركع أمام ذلك المزارع الفظ .. فيعطي الشعور بالدونية توازنا للشعور بالتعالي، وبالمثل على الرجل البالغ الاعتراف بانه "لصيق الطفل ". فحتى يتحقق . الصدق يضاعف الشعور بالنضج بمشاعر عدم النضج ، مشاعر الفتوة والجمال ، ولقد انتهى كومبروفيتش الى تلك الفلسفة عن طريق الباثولوجيا Pathologie ، باثولوجيا حامت به ، كما لاحظ ذلك برونوشولتر. BRUNO SCHLZ   أحد أصدقائه في نص له نشره عام 1938 بعد صدور فرديدورك .

كم خرافة ينبغي عليه قبل أن تتحقق غايته تلك أن ينسف من الخرافات وكم ملكا عليا أن يطيح به من الملوك؟

بدأ أولا بالهجوم على قاعدة النظام ، بالهجوم علي عائلته ، ينبغي القضاء علي نظام الاسرة الاستبدادي وعلى السلة الأبوية ، تنحية "الملكة المتسلطة " وشخص "المك " الموقر، بعيد المنال .

وقد جعلته عزلته في محيط الاسرة ، وبعده عن الأخوين ، واشعارهم له بالدونية يستشعر سهولة المهمة ، على الرغم من ذلك فان تحفظا لم يشجع المقربين منه على التعاطف معه : "لم نكن نعرف عنه شيئا، كان يكتب خلسة " فيما يقولا أخوه .(8)

فلا غرابة ، إذن ، أن يتكرر وباطراد ، ظهور امه وأبيه في مؤلفاته . وان كان هذه المؤلفات تستروح مناخا شبه فرويدي، وقد جعلته ثورته على أمه ينبذ العادات والاعراف وأكذوبة الشكل ، فرفض تسلط الأب والمجتمع القمعي يسمم بمظاهرة الابن والقضاء على كل أشكال التسلط . فقد انبثق فن كومبروفيتش من تعارض حاد مع كل ما كانت تمثله له أمه من واقع مزيف ، وانصياع للاعراف ومن مبادئ وأفكار جاهزة ومن عادات ومشاعر مصطنعة ، وهو يستعيد في مشاهد من ذلك الفن حالات كانت لطفولته من قبل .

لقد تعرض فتولد الطفل الأصفر، الخجول والحساس ، أكثر من اخرته الأخوين تجارب أمه في التربية . فقد قضت عليه بالمحو، والتشويه ، بأن اذابته في العائلة : "انها جد طيبة وودود ، طيبة حقيقية ، كنت أذوب في طيبتها (…) كنت دائما بالنسبة لها في سن العامين ، ومع ذلك هل كنت موجودا في نظرها لا، لم أكن أنا الموجود وانما هو شعر الخال إيدي = EDDY وأنف أبي، وعينا أمي، وذقن بيفتشنشكي= pifezynski أجزاء من جسد العائلة "(9) ولأن الاعتراض المباشر مستحيل ، اضطر الى العثور على أساليبه الخاصة في المواجهة ، والتي تقتضي منه أن يتظاهر بالإنصياع مع مخالفة ذلك في واقع الأمر، او باختصار ، أن يقلب الشكل المفروض عليه ، وهكذا أصيب ذلك شيئا فشيئا أسلوبا خاصا به ، وصنيعه في التصرف Modusoperand  في الحياة ، كما في الأدب .

كان لأمه أكثر من وجه أدبي في أعماله ؟ فهي مارجريت Marguerite  في ديفون أميرة بورجوني، امرأة عاطفية ، فظيعة جبانة ومتعالية ، وهي كاترين Cathrine    في الزواج ، زوجة الملك الذي حكم عليه ابنه بالقتل ، وهي ايمليا ELIE AM  في البورنوغرافيا ولينا LENA في كوسموس وهي في روايات أوبريت Oprette المتواترة : الأم وامبراطورة روسيا، كتب كومبروفيتش في مخطط المشهد الأول : "الأم (هروب من الحياة / التخيل ، لا تطاق )= نفور= استاذ الاستاطيقا والجمال ، امبراطورة روسيا (الابن) = طبيب الاعفاء، (قاتل الأم )= Matricide

(10).

كان طوال يومه في صحبة أمه وإخوته لا مع ابيه ، كان الأب بالنسبة لفيتولد الطفل نائيا وسماويا، ومن ثم استبد به جيرزي عن قرب ، والأب عن بعد "كما كتب كينسكي في سيرته من كومبروفيتش "(اا)

ظل فيتولد لفترة طويلة ينظر اليه ابوه واخرته علي أنه فتى غر، وقد تواطأوا على ابعاده فيما بقي جيرزي ابن العائلة المدلل ، كان جيرزي النبيه والمرهف يستفزه على الدوام ويتذمر عليه في كل مناسبة ، فأخذ فيتولد في محاكاة أخيه وقد أعجب با وبتفوقابين الكبار محاولا أن يكون مثله ، وزاد الى اعجابه بأبيه اعجابا أخر بأخيه ، غير انه كلما زاد اعجابه أكثر شعر أكثر بالصغار والنقص ، لا سيما تجاه أبيه الذي بهره هدوؤه وتميزه ، وقد منحه التقدير الذي كان يحظر به ، ومركزه الاجتماعي هيبة ، كان يشعر تجاهه بالاحترام ، والرهبة والتوق ، كما كان يشعر كذلك بالغيرة والنفور، وهو وان كان يصفه بالوسيم ، عظيم القامة والاصيل ، إلا انه كان هو نفسه ينفر من رؤية ظله ، ان ما كان ينقصه هو ما أعجبه من تلقائية ومظهر رجولي في أبيه . كان يشتكي من "عيبين " فيه كانا يعرضانه باستمرار لسخرية رفاقه منه ؟ سحنته الانثوية ، وخجله ، وهو سيثور، فيما بعد عي كل مشاعر النقص فاضحا كل ما كان يتحكم فيه ويعوقا، وساخرا منه ، ان تحول موقفا من أبيه هو أشبه برقية ، فقد شفي من ذلك الاعجاب في (قصة )، "راقص المعلم كرايكوفسكي".. وسيقف الأب في فرديدورك في مواجها مع الأبن فيتعرض شعوره بالتعالي ، وأناقته ، ولطفه كسيد للاستهزاء، "فهذا الثري الكبير الذي كان على معرفة بالحياة ، ظل وبسذاجة عاجزا أمام سذاجتي، والغريب انه على الرغم من معرفته بالعالم وخبرته به ،لم يفكر لحظة في انني كنت استطيع ان أتحالف مع ميانتوس Tintin وتينتين Mientus  ضده ، لقد كان له صدق المجتمع الفاضل الذي ( يتخيل خيانة في عقر داره " (12) ففي ايفون أميرة بورغوني يصل هدم السلطة الأبوية والنظام القائم الى أبعد الحدود، اذ تنتهي كل أشكال البروتوكول ، تنتضح الملكة ، ويظهر المك مبتذلا ببلاهة واضحة ، بينما يشترك الأبن في قتل جماعي ثم وفي نهاية المشهد يقضي نحبا في طقس جنائزي تحت ضق العائلة . وفي الزواج يخلع المك نهائيا ويعدم ، وسيهاجم كومبروفيتش في هذه المرة كل رمزية الأب ، الإله ، المك . ويلتقي في هذه الدراما كل من فرويد وشكسبير، "أي إله ؟ أب أي أب ؟ لقد اصطنعتهما أنا نفسي (…) فأمام من سأركع ؟. لم لا أركع أمام نفسيا فأنا منبع شريعتي الوحيد(3ا). إن لهذه الدراما صلة باكتشاف فيتولد الشاب لخداع الأب ، يسلب الابن السلطة التي أسندها اليه الأب ، غير أنه لم يكن على علم ببقايا التضليل ، اذ لم يكن للأب أية سلطة فهو لم يكن يحكم إلا بفضل اتفاق عرفي، فيحاول الابن أن يحل محله باستحواذه على الحكم واعطائه نفسه حق رباط الزواج ، لكنه وبتحطيمه للسلطة جاء بسطة أخرى، فتفشل محاولة التحرر، فهو قد استهزأ بالقيم التي لقنها له الأب لكنه عاجز عز استبدالها بأخرى ، ان صراعه مع الأب صراع خاسر مسبقا ذلك أن محاولة استبدال شكل بال بنظام جديد من العلاقات الانسانية سينتهي حتما الى خيبة Fiasco  وهكذا تستمر حرب كومبروفيتش مع الأب مدى الحياة .

ان ثبوت الابوة هو كذلك من الظواهر البارزة في كوسموس ، حيث نعثر فيها، وكما في الزواج على بنية أوديبية ، اذ تمتك شخصية لوميان Lucien  أكثر من سمة واحدة من سمات أب كومبورفيتش(4ا) وهي تطعنا كذلك على أيروسيته ، على الكيفية التي بها تشكلت أذواقه أثناء الطفولة والشباب ، ان ليون Leon  هو في الأن نفسه قرين فيتولد وذاكرته ، ذاكرة ارتباطاته بالأخوين ، ذاكرة الاعتداءات التي كان ضحيتها وتلك التي اقترفها، فمن خلال القداس الشيطاني الذي أقامه قرينه يعيد فيتولد اكتشاف جانب الخزي في حياته ، حبه للعاملات في المطبخ والمربيات ، لا سيما مغامرة له منذ سبعة وعشرين عاما مع بغي كانت محببة اليه ، يشير كومبروفيتش في الطبعة البولونية لكوسموس ، بين قوسين ، لثلاثه وعشرين عاما، الى جانب سبعة وعشرين وهو ما يحيلنا الى تاريخين وحدثين ذكرهما في السيرة التي كتبها "لليرن" (Lherne): علاقة حب عابرة مع عاملة المطبخ، علاقات مع الخادم "(15) وفي 1941: "تجارب جنسية مثلية مع فتية صغار من  أهالي بوينس أيرس "(16) وبالتقابل الدائم بين لينا Lena  والخادم كاثريت Catherette ، بين جمال ونضارة هذه ، رقبه وبلاهة تلك ، تستعيد كوسموس ذكريات بعيدة ، إذ كلتا المرأتين اجتذبته اليها، "إن ما في شفتيها وما في قوامها من تشوه ، مع خيبتي هناك بفار صوفيا حيث نبذتني عائلتي، جعلني اتقرب قليلا، وبلا حماسة من قذارتها هي (17)، هكذا يفسر الراوي رغبته في كاثريت .

"ربما كان هنالك شيء ما يعود الى مرحلة الطفولة ، منذ ان استيقظت فيه أشواقه الاولي، منذ أن كان في السابعة أو الثامنة من العمر، (…) يكون قد رأى ما أثاره ساقان أو ما هو اكثر فتنة .. ثم لخل يتذكره باستمرار " كما يذكر ذلك ، كبينسكي صديق طفولته (18) ذلك ، اننا نعلم ما لرؤية الساقين (ساقي طالبة في الثانوية أو مربية …) من أهمية في أعماله كذلك يعود ميله الى الخدم ، والذي تكشف عنه قصة "على درج مصلحة العمل " الى أصول قديمة .. "لم يزاولني هذا الشعور منذ الطفولة ، منذ تلك السنوات : حيث الانفاس المتقطعة ، والقلب الخفاق ، كنت أتأمل الخادمة وهي تخدم على مائدة الطعام ، وهي تنظف أرضية البيت ، وهي تحمل فطور المباد (…) كنت اختلس اليها النظرات في تلهف وخوف ".(19)

يشتد هذا الميل أكثر، فيما بعد، خلال المراهقة والشباب ، لقد خابت تجاربه في الحب مع فتيات صغيرات من طبقته ، طبقة ملاك الأراضي مخلفة له شعورا بالاحباط ، بينما كان يستمتع حقا بمعاشرته للأوساط الوضيعة بفار صوفيا. كان بتمجيده لتجارب الحب في المطبخ يفضه اللياقة الأدبية الكاذبة في الصالون . وهو عندما يقول في وصية Testament  "كنت عاجزا عن الحب" فان ذلك يعني أكثر من مجرد خيبة قاسية ؟ يعني رفضه للخداع . ان ما كان يصده عز الزواج هو المظهر "النفعي" الذي لم ينجح المجتمع الفاضل ان يخفيه في خطابه عن الحب : "أرادت عائلته أن تزوجه في وقت ما من الأوقات ، فاختار له والده فتاة ، هي زوجة لائقة من حيث النسب والمال ، وأثناء الحفل العائلي لمباركة ذلك الزواج لم يكتف فيتولد بعدم القرار به وحسب ، فهو لم يكن راضيا عن تلك الجهود في تنظيم حياته العاطفية والمادية ، بل انه ظل جافيا وغير مبال تاركا مهمة الاهتمام بالفتاة لأبيه . بعد يوم من الخطبة الفاشلة صرح لأصدقائه قائلا: "ما حاجتي لامرأة ؟ لقد راقت هذه لوالدي، فاراد لي الزواج منها لانه لا يستطيع هو ذلك " ويضيف كبنسكي "لم يكن يحتمل أن. يكون زوجها(…) فهو لم يكن او لا يحسن تمثيل دور الزوج المثابر، والملتزم ، والحساس ، والمكد. لم يكن له أن يتخيل نفسه أبا لا هم له سوى خلق ظروف مواتية لحياة زوجته وأطفاله (…) كان ذلك بالنسبة اليه بمثابة الموت "( 20) وعلى العكس من ذلك ، فان عالم الأوساط الوضيعة الذي كانت تدفعه اليه ايروسيته كان يبدو له حياة زاخرة بامتلاء ومجردة من كل أشكال الوعي المفروض . وقد رسخت حين ذاك أو اثرت في أفكار وسلوك الشاب كومبروفيتش قراءته لبور تريه دوريان جراي Portrait de  dorian  gray   لاوسكار وايلد Oscar wilde  ما يمكننا كذلك ان نرى في أعماله مصدرا مهما لمذهبه في تقديس الشباب والجمال ، ومفهومه من الايروسية ، وموضوع القرين Theime du double. يجمع كومبروفيتش دائما بين الحب والحرب ، فهو يقول في "مذكرات سطيفان شارنيشكي" "الحب … انني أرى القرابة السرية بينه وبين الحرب (21) وفي البورنوغرافيا يؤجج مناخ الحرب العنيف العلاقات الشبقية بين كارول Karol وهينيا Henia  استعر شبقهما المبكر ممتلئا كله بالغريزة وبما هو ليلي، في نطاق مغلق من الاثارة والرقبة ، بما يشبه دائرة سحرية ، ربما مع رغبة ومن خلال الليل في تهييج السهار الأخر الذي كان يجوس خلال الحقول في الخارج ، وبقدر ما كانا متعطشين للعنف "(22) تتضح هذه النصوص بالذكريات التي كتب عنها في وصية أدان شعوري الجنسي المبكر الذي غذته الحرب والعنف وأغاني الجند والارهاق جعلني أسيرا لهذه الأجساد القذرة المكدودة ".

بالفعل فقد تأثر فيتولد المراهق  تأثرا عميقا بالحرب العالمية الأولى وبأحداث 1920 فيما بعد، أثناء غزو الجيش البلشفي لبولونيا واقتحامه لفار صوفيا.

كان فيتولد واخرته عند قيام الحرب عام 1914 في عطلة بمالوزيتش ، فاضطرت العائلة الى البقاء عاما كاملا بالريف ، وقد ظل عبور الجيوش الروسية ، والنمساوية ، والالمانية وكذا الحرائق والحقول التي اتلفتها الحرب

محفورا في ذاكرته ، نعثر على ذكرى هذه الاحداث في قصة قصيرة من سيرته الذاتية "مذكرات سطفيان شارنييتشكي".

اصبح فيتولد مناهضا للنضال العسكري مسالما من قناعة ، لا سيما انه كان شاهدا علي فظاعة الحرب وما انجز عنها من دمار، وهووان كان مأخوذا في شبابه بقصص الحرب ومذكرات رجال الدولة او الدبلوماسيين او القادة العسكريين فانا لم يكن يهتم بالسياسة ، وحتى ما كان يتهدد بولونيا من احتلال البلشفيين عام 1920 لم يحرك فيه أي وازع للمقاومة . ان ما كان يهما هو ألية الحكم وحصائص رجال الدولة وهو كذلك لم ينتم الى أي تنظيم سياسي أو اجتماعي، ثم وبسبب من سوء صحته (مرض رئوي» ) أعفي من الخدمة العسكرية .

كانت سنوات الدراسة بالنسبة لكومبروفيتش ابتداء من عام 1915 وحتى عام 1927 بالثانوية أولا ثم وبعد امتحان البا كالوريا عام 1923 بكلية الحقوق .بفارصوفيا. ومع انه كان تلميذا لا سأخذ عليه ينتقل بمعدلات متوسطة من قسم الى أخرقانه لم يكن يحب المدرسة ، او يشارك في حياة الدراسة ، ولم يكن يخالط من الاطفال سوى أبناء العائلات الصديقة لعائلته وقد تميز سلوكا بالتحفظ تجاه اساتذته وزملائه . وكذلك تجده بعض مواد الدراسة سوى الأدب والتاريخ والفرنسية ومن جهة أحنى، كان يعتبر الاهتمام بأية مادة أخرى غير الأدب من الميول المرضية ، وهو سيسخر فيما بعد من طرائق التعليم ، وأجواء المدرسة ، وذهنيات الاساتذة في روايته الهجائية "فرديدورك ".

كان يخضع في الثانوية لتكوين نظامي غير انه تربى على نفسه ، كان يقرأ كثيرا وقد بدأ يكتب قصة عن عائلته قرأ وهو بعد في الخامسة عشرة ، سبنسر، وكانط ، وشوبنهور، ونيتشه ، وشكسبير، وجوته ، ومونتاني، ووايليه ، كانت الغاية من اهتمامه بالفلسفة هي معرفة المشكلات لا التحصيل المنهجي لذلك العلم ، ثم اكتملت معرفته بعلم النفس وعلم الاجتماع ، ثم وقيما بعد بقليل ستغذي مؤلفات شيلر Scheler  وسبرانجر Sprangee  وديلتي Dilthey ميوله التحليلية ، كما سيكتشف هيجل Hegel  ورسل Russell وهيدجر Heidegger تحت تأثير هذه القراءات كلها ابتعد كومبروفيتش عن الديانة الكاثوليكية فأصبح ملحدا.

إن تاريخ وعيه بالحياة الواهمة التي كان يعيشها، بتمرده وتخليه عن الايمان الكاثوليكي، وبعده المتزايد عن بيئته ورفضا المشاركة في الحياة الاجتماعية ، يبدأ منذ تلك السنوات بالثانوية والمتزامنة مع الحرب العالمية الاولي ثم مع مرحلة الاضطراب اللاحقة .

وحتى يوفر الوقت ولا ينشغل بحياة الكبار، سجل فيتولد نفسه عام 1923 في كلية الحقوق . لم يكن اختياره لهذه الكلية عن حب ، وانما لان الحقوق كانت "موضة " الاوساط التي ينتمي اليها، وكانت تمكن صاحبها من مهنة شريفة ومربحة ، شجع والده هذا الاختيار مؤملا لابنه مستقبلا مهنيا. غير ان فيتولد لم يتحمس لذلك المشروع ، فقد كان يعتبر دراسته عملا تثقيفيا، وفرعا علميا دقيقا وليس تحضيرا لمهنة ، كان في الجامعة ، كما في المدرسة ، طالبا متوسطا يمتحن بانتظام ويحصل على شهادته بمعدلات متوسطة ، فحصل عام 1929 على ليسانس في الحقوق ، وقد بدت له مهنة المحاماة مضنية ، والعمل في الادارة مقرفا، ولم تجتذبه مهنة القضاء هي كذلك . وحتى يفلت من مشاريع عائلته ، سجل بمعهد الدراسات الدولية العليا بباريس حيث هل بفرنسا مدة عام ونصف دون أن يفيد شيئا من تلك الدراسة ، ثم عاد الى بولونيا دون أن يكون له مشروع محدد، اللهم الا ان يصبه كاتبا.

فقد شرع في الفترة ما بين 1923 و1026 في كتابة روايتين ، كتب الاولي بأعالي زاكوبان Zakopane  حيث كان يقيم بانتظام ولأسباب صحية ، غير أنه أتلفها بعد مشورة أحدى صديقاته ، وفي الوقت نفسه وبالاشتراك مع صديقه كينسكي بدأ في كتابة رواية استلهمها من أجواء الروايات العاطفية الرديئة ، لكنها ظلت غير مكتملة بعد أن تخلى كينسكي عن العمل فيها، ومن المحتمل أن يكون كومبروفيتش قد استعاد موضوعات هذه الرواية في "المسحورون ".

وفي عام 1926 كتب كومبروفيتش وهو ما يزال طالبا قصتين قصيرتين : "شارنييتشكي" ثم وبعد عودته من بارميو عام 1927، وحتى يتمكن من العيش على نفقات أبيه ، سجل نفسه تحت التمرين بمحكمة فار صوفيا، لم يأخذ ذلك منه سوى قليل من الوقت ، فاستطاع أن يكتب قصصا قصيرة أخرى، واذا كان بعض هذه القصص مستلهما من ملاحظاته أثناء التمرين ، لا سيما ملاحظاته عن علم نفس الاجرام ، فإنها مع ذلك ، وفي مجموعها كان يطغى عليها طابع السيرة الذاتية . ففي قصة "مغامرات " تلميح الى واقعة من السيرة : "كنت استريح بعد عودتي الى بيتي في الريف باقليم ساندومير SANIDOMIR  وقليلا ما كنت أذهب الى الصيد أو ألعب البريدج ، كنت أزور جيراني، وكان عند بعض هؤلاء الجيران فتاة شابة كنت أتمنى أن ألقي كليها شالا أبيض ، وأتوجها بالأس "(23) وفي سيرته التي حررها لمجلة "ليرن " HERNE  كومبروفيتش تحت تاريخ 1926: "كان حبه الأول هو فتاة الجيران بمزرعة أخيه جورج بنزولا WSOLA  كان يلقاها ليلا مخاطرا بحياته (…) عب متذبذب دام بضع سنين "(24) وفي مقدمة كان قد اعدها للطبعة الأولى لقصصه والتي حذفها فيما بعد أثناء طباعة الكتاب (حفظت هذه المقدمة بالخطأ في بعض النسخ ) كان ينبه فيها قراءه "فيما يتعلق بمبدأ الجنس بخاصة ، فان تفوقه ناتج عن روح العصر الذي يؤكد للأسف ، أكثر فأكثر على علاقة المجال الجنسي بمجال الفكر، ان تفوق القسوة والنبذ هو ناتج في رأيي من كون دورهما في الحياة يفوق فيالنا الأكثر ابتكارا"،(ه2) ظهرت كل قصص مرحلة الشباب هذه ، عدا قصة : "على درج مصلحة العمل " عام 1933 في مجموعة ،بعنوان "مذكرات مرحلة النضج " ولم يلق هذا الكتاب استحسانا لدى غالبية النقاد، فقد "ان هؤلاء النقاد عدم نضج كومبروفيتش ، وحاجته الى الرصانة ، مؤكدين للكاتب الشاب لا سبالاته وشذوذه ، وعوض ان يثبطا ذلك الاستقبال ، جعله مصرا على مخططاته مدركا لوجهته التي يريد، فاختار كومبروفيتش، وقد اتهم بعدم النضج ، في روايته التالية فرديدورك ان يمجد الطفولة ، وان يرتدي قناع المهرج ، حتى ينسف البنيات التي رفضته ، مذاك وثنائيتان اساسيتان في فنه : الدونية والعظمة ، عدم النضج ، والنضج ، أخذتا في الظهور والنمو في صورة جدلية بين الشكل وحالة مدم النضج .

كان العام الذي ظهرت فيه قصص "مذكرات مرحلة النضج" عاما حاسما في حياة كومبروفيتش، فقد تخلى فيه عن تربصه بالمحكمة وعن فكرة العمل في مهنة القضاء، وبدأ يتردد على الأوساط الفنية والمقاهي الادبية : وقد جمعته روابط من الصداقة هو بعض كتاب الطيعة من بينهم برونوشولتز BRUNOSCULZ وادولف رودنيتشكي ADOLF RUDNICK  الانضمام الى جماعة "سكاماندر" SKAMANDER  الادبية والتي كان يتحلق فيها كتاب تلك الفترة المرموقون ، محيطا نفسه بكتاب مبتدئين أو ثانويين ، حيث كان يحلو له أن يمثل بينهم دور المعلم ، ثم اتخذ له مجلسا أدبيا بمقهى، زيمياشكا (ZIEMIANSKA  )وهو المكان الذي كان يستطيع فيه التأثير على الأخرين بتشريحه لنفسه ولمستمعيه أثناء مناقشاته معهم .

أخذ كومبروفيتش ابتداء من عام 1933 ينشر مقالاته النقدية وتمصه القصيرة ، في المجلات الأدبية والجرائد اليومية ، وقل ما كان يكتب اطراء، وإنما كان يكتب على العموم ، من الكتاب والكتب التي كانت محل إعجابه ، ما يتعلق منها بالاسلوب او المضامين أو مفهوم الأدب ، وقد كشف بهذا عن قرابة فيما بينه وبين بعض الكتاب أمثال جاري- JARRY  وكافكا KAFKA  وتوماس مان THOMAS MANN  وبخاصة منهم JOYCE  إذ لاحظ أن في "يوليس" ULYSSE  امحاء للحدود بين الكاتب والانسان ، مشددا في مقالته عنه على التطابق بين العمل الأدبي للفرد، والحياة الفردية ، وهو ما سيصبر أساسا للخلق الأدبي لديه ، ثم وفي عام 1935 نشر مقالا حماسيا عن "دون كيشوت " لسرفانتيس = CERVENTES  الكتاب الذي سيصبر مصدر الهامه الذي لا ينضب . وعند ظهور ترجمة "مقدمة في التحليل النفسي"= (كتاب لفرويد) من العام نفسه في بولونيا خصص له دراسة مطولة أطراه فيها بكثرة ، ثم انه باختصار قد كشف من خلال نصوصه النقدية كلها عن تأصله في الحداثة .

في عام 1933 وهو العام الذي ظهر فيه أول كتبه ، وبداياته النقدية ، أخذ يهتم بالمسرح ، فقد كتب أثناء سهره ليلا على والده المريض ، أولى مسرحياته : "ايفون أميرة بورجوني" والتي ستظهر هي كذلك عام 1935 في مجلة ODER) (SKAMAN دون أن يلتفت اليها رجال المسرح البولوني ثم مات والده في شهر ديسمبر(1939) فأحدث ذلك تغييرا كليا في حياة الأسرة . انتهز فيتولد ذلك ليستقل بنفسه بعيدا عن بيت والدته ، منقطعا للأدب والعمل في "فرديدورك " التي ظهرت منها مقاطع أولى باحدي المجلات في جويلية 1935، غير ان الأدب لم يعنه على العيش قبل نجاحات فرد يدورك (نشرت في اكتوبر 1937) والتي جعلته يقف في الصف الأمامي من الأوساط الأدبية "لقد جعلني هذا الكتاب ، على نحو ما، أواجه الحياة " كما يقول في "وصية ".

الأن ، وبعد أن أعب كاتبا معروفا ، قام فيما بين 1928و929ا بنشر روايته المسلسلة "المسحورون " في جراند فار صوفيا ورادوم اليومية ، شاعرا برغبة في الاسفار، فقام في عيد النصر عام 1958 برحلة قصيرة الى ايطاليا ، ثم قبل دعوة ، في أولى الرحلات الافتتاحية ، الى بوينس ايرس على متن "ترانس اطلانتيك البولونية كروبري" CHROBRY. وصل كومبروفيتش الى بوينس ايوس في 22 اوت 1939، بعد اسبوع من ذلك غزا الجيش الهتلري بولونيا ، فكان على كومبروفيتش وقد فارق بولونيا، أن يمدد من فترة اقامته والتي كانت محدودة باسبوعين ، فظل خلال اربعة وعشرين عاما يقيم بالأرجنتين ، هكذا انتهت " الملحمة البولونية " وبدأ التفكير في الحس البولوني: Le Polonite من المؤكد ان اليوميات Journai  Le التي كتبها من الأرجنتين تكشف عن وجود سلسلة من " الأنا" إنها في مجموعها ، تمثل توكيدا لشخصية معينة وبحثا عن أصالة للإنسان ، مشرح ذلك كومبروفيتش : "ليست "أناي" سوى ارادتي في ان اكون نفسي" غير أنه وهو في المنفى كان يناضل من أجل قيمته كانسان ومن أجل أن يكون ذاته تماما، وبولونيا تماما: "تحدثت في بادئ الأمر عن نفسي، وأنا في بوينس ايرس ، ثم أخذت ، فيما بعد، أفكر في بولونيا".

لقد أصبح شغله الشاغل هو ان يحقق ذاته بين البشر، كان عليه ، إذن ، أن يبتعد عن أوروبا وعن ثقافة أوروبا، كان عليه، حتى يتحقق له ذلك ان يتغلب على الشكل الذي كان يعوقا ويشوهه . فترا نسر اطلانتيك او الحس البولوني هو من نتاج هذه التأملات ، انه "كاتارسيس " CATHARSI,C  حقيقي. فبعد هذا الكتاب سيتمكن كومبووفيتش ، الكائن المتحول ، من اعادة اكتشافه لبولونيا. "هأنذا عدت ولكن لا كهمجي، ذلك انني في الماضي، أيام شبابي بوطني كنت همجيا تماما تجاه بولونيا ، إذ لم يكر لي بد من ذلك ، لم تكن لي اللياقة ، كنت عاجزا حتى عز الكلام على بولونيا ، كان يزعجني ذلك وكفى.. لكني وبعد ان جئت الى امريكا، فانني ابتعدت عنها، وانفصلت فير ان الامور تبدو اليوم مختلفة ، فأنا عدت بمطالب واضحة ، اعرف ما أريده من الأمة ، وما استطيع بالمقابل ان أعطيا لها ، وبهذا صرت مواطنا(26) لقد قسم كومبروفيتش نفسه حياته بالأرجنتين الى مراحل ثلاث ، ثماني سنوات في كل منها.

المرحلة الأولى من 1939 الى 1947، وفيها عرف حياة البؤس اليومي، وتعلم اللغة الاسبانية ، كان يحيا حياة بوهيمية بفضل مساعدات مواطنيه من مهاجري بولونيا، فقد دعاه ناد لنساء بولونيات الى القاء سلسلة محاضرات في الفلسفة ، وعلى الرغم من الصعاب التي واجهها في سنواته الاولي بالأرجنتين ، فقد اعترف الكاتب بأنه كان يشعر كما لو انه كان في عطلة . ثم بعد ان عرفه أصدقاؤه البولونيون على عالم الاوساط الأدبية ، تعرف الى ما نويل كالفيز= MANUEL GALVEZ  وارتيرو كابديفيا ARTURO  CAPDEVILLE  وادولفو بيوي كاياريس ADOLFO  BIOY CASARES-   وروجيه بلا PLA. = ROGER  فاستضافه كابديفيا في بيته وسعى له في الحصول على مركز اجتماعي ونفوذ في الأوساط الأدبية ، لكن كومبووفيتش المفتون بـ"شبابه المتجدد" لم يستغل هذا العون ، وقيما تجاهله كابديفيا راح هو يلعب دور البطل كما في فرديدورك مفضلا صلاته مع ابنته (=كابديفيا) وهي طالبة بالثانوية ومع فريق من صديقاتها الفتيات ، كان يجلس اليهن للحديث عن الحب في أوروبا.

ما كادت تقوم بينه وبين كتاب الأرجنتين أواصر من القربى حتى أفسدها

بمواقفه الاستفزازية العنيفة ، وقد بدا راضيا عن نفسه وعن هروبه من الاوساط الأدبية ، محيطا نفسه بفتيان من الأحياء العمالية : "اخترت الهرب الى الشباب تاركا فلفي الابواب وهي تصطفق . كنت دائما أميل الى البحث في الشباب – في شبابي أو في شباب غيري- عن حصن ضد الثقافة ".(27) ومثلما كان يتردد قديما على أحياء فار صوفيا الوضيعة ، أخذ يتردد كذلك على ما يشبهها من أحياء في بوينس ايرس "كحي" الروتيرو بالميناء ، هنا "دوريان جراي" أخر "سيشفي الروح بالحواس ، والحواس بالروح ". هنا بالروتيرو كنت أتأمل في الشباب من حيث هو، متحررا من الجنس .. من الدنايا .. أجل كان ذلك يجرني الى الدنايا ، هنا وقد أهين الشباب كشباب ، أهين مرة أخرى بكونه شبابا مبتذلا و"بروليتاريا". أما أنا فرديدورك فلم أكن أفعل شيئا سوى مراجعتي للقسم الثالث من روايتي: قصة ميانتوس في محاولته التودد الى سائسي الخيل ".(28)

تعرف كومبووفيتش في حدود 1942 الى الشاعر كارلوس ماسترونارجي MASTRONARDICARLOS وبتجديده الصلة بالأوساط الأدبية ، اقترب من محيط فيكتوريا أوكامبو VICTORIAOCAMPO ومن حلقة الفنانين في مجلة "(SUR) كما لقي في هذه الأثناء جورج لوي بورخيس J.L.BORGES  ثم أصيب في نهاية 1943 بنزلة برد فوقع طريح المرض ، وخلال نقاهته بكوردوبا CORDOBA  شرع في كتابة مسرحيته الثانية " الزواج " وقصة " المأدبة ". ثم شرع في نهاية 1946 مع جماعة من أصدقائه الكتاب الشباب في ترجمة فرد يدورك عن البولونية الى الاسبانية : "كنت طلبت ذلك من سيسيليا أو بندتي ECILIA DE BENE DETT والتي قبلت بترحيب تغطية نفقات ترجمة فرديدورك الى اللغة الاسبانية بان منحتني ستة أشهر لأنهاء  هذا العمل . . كنت في البداية قد ترجمت النص البولوني إلى الاسبانية ترجمة بين بين ثم أخذت معي المخطوط الى مقهى ركس REX راجعه معي أصدقائي الارجنتنيون جملة بجملة "(29)  من بين الكتاب الذين ساعدوه في هذا العمل والذين كان على صداقة معهم : فرجينيو بينيرو VERGINIO PINIERO واومبوتورودريجيز توميو HUMBERTO RODROGUEZ  TOMEU وأليخاندرو روسوفيتش SOVICHZ ALEJANDRO RUS  وروجيه ROGER PL.A.   فترجمت رواية فرديدورك الى الاسبانية في بوينس ايرس عام 1947 بمنشورات أرجوس ARGOS.  يلق الكتاب النجاح الذي كان يأمله كومبووفيتش ، بسبب من برودة الترحيب التي خصت بها جماعة فكتوريا اوكامبو كاتبا أجنبيا غير مجاز من باريس. في حال كهذه فضل كومبروفيتش البقاء في الظل على المكانة الثانوية التي أرادها له مثقفو الأرجنتين . وبازدراء الوسط الفني له ، أعطى هو ظهره لعالم النضج والشكل والنفس من جديد فيما هو بدائي ومتخلف من المجتمع . هنا وفي عالم الروتيرو "(RETIRO ) " عثر على مصدر إلهام له ، وقد كانت أكثر مراحل ابداعه الخلاق نشاطا موصولة دائما بهبوطه نحو الدنايا .

ومنذ 1947 لم يحاول كومبووفيتش التعايش والمجتمع ، فقد استقرت أوضاعه قليلا، ثم وبعد أن قرر عدم العودة الى بولونيا بسبب النظام السياسي الذي سادها بعد الحرب . استقر نهائيا ببيونس ايرس ، وقبل بالعمل كموظف في بنك بولوني، ان دخوله البنك هو علامة على بداية مرحلته ثانية بالارجنتن . ثم وبفضل الدعم المالي من سيسيليا دونبدتي BENEDETTI C.DE  ترجم هو وصديقا اليخاندرو روسوفيتش A.RUSSOVICH مسرحيته الثانية غير المنشورة : الزواج والتي ظهرت أولا بيبوس أيرس في منشورات " ايام" EAM  تحت عنوان الكازاميات EL CASAMIENTE  عام 1948، ولم ينشر الكتاب باللغة البولونية حتى عام 1953، ثم سرعان ما شرع في كتابة ترانس اطلانتيك TRANS ATLANTOUE  في أوقات عمله بالبنك ، ولولا تسامح مدير البنك ، ما كان له أن يبقى في منصبه حتى عام 1955، وقد كان يفتقد الى المؤهل المهني مع كراهيته الشديدة لوظيفته . بعد انهائه رواية ترانس اطلانتيك عام 1950 بدأت علاقته مع كولتورا KULTURA  الأدبية البولونية بباريس والتي نشرت له مقاطع من الرواية .. ثم ظهرت هذه الرواية مع مسرحية الزواج في مجلد واحد بمنشورات كولتورا عام 1953، أثار هذا الكتاب ضجة عالمية في أوساط المهاجرين من بولونيا الذين اعتبروه انتهاكا وشتما في حق  بولونيا والقيم التقليدية المقدسة وان صاحبه مدع وعدو للوطن ، ومن يومئذ اصبحت علاقات كومبروفيتش الفاترة مع المهاجرين علاقات بفض ، ووحدها كولتورا التي كانت ترحب بأعماله وتشجع ابداعاته .

في عام 1951 بدأ كومبروفيتش في كتابة مسرحية سماها "هيستوريا" (30) HISTORIA  لكنه يتممها ، ثم وابتداء من عام 1953 أخذ يساهم بصفة دائمة في مجلة كو لتورا بباريس حيث نشر فيها يومياته بانتظام . فبعد أن قرأ يوميات جيد GIDE  عزم علي كتابة يومياته : "أردت في هذه اليوميات ، بصورة علنية وبانفتاد " ان أصقل موهبتي مثلما كان هنري يعد لزواجه في المشهد الثالث من مسرحيتي الزواج ".(31)

تبدأ المرحلة الثالثة في الأرجنتين من حياة كومبروفيتش عام 1955 وفي هذا التاريخ خصصت له الهيئة الامريكية من اجل أوروبا حرة منحة مالية ، سمحت له بالتخلي عز منصبه في البنك البولوني، والعيش المستقل ، والانقطاع للأدب وحده ، وقد زاد نفوذه الأدبي فصار يدعى لالقاء بعض المحاضرات .

وخلال أعوام في 1955 حتى 1957 كتب روايته الثالثة " البورنوغرافيا" والتي انتهى منها في 4فبراير 1958، تميزت هذه المرحلة بنجاح أدبي بطيء لكنه متنام وببعد شبه كلي عن عالم الأدب الارجنتيني، ومع ذلك فقد كانت تربطا صلات دائمة مع أصدقائه في تانديل TANDIL  أمثال ، ديباولا لفين DIPAOLA  بتليو BETELU  رخوان كارلوس JUAN CARLOS GOMES   وفي نهاية مقامه بالارجنتن قرب من ميجيل جرينبيرج MIBUEL GRINBERC-  من جماعة "موفادوس " MUFADOS  الرغم من تعلق كومبروفيتش الشديد بالأرجنتين فانه لم يكن يحيا فيها سوى نصف حياة ، فقد استغرقته نجاحاته الأدبية في أوروبا أكثر فأكثر. وأخذت ابتداء من عام 1958، طباعة وترجمة كتبه في التزايد المستمر، وفي العام نفسه أفلت "فرديدورك " في ترجمتها الفرنسية الى "سوق الأدب " بباريس مثيرة اهتماما كبيرا لدى النقاد . وبفضل مقالات الاطراء التي كتبها عنه فرا نسوا بوناي- FRANCO IS BONDY  في مجلة ,(PR E UV ES  ) وبفضل كذلك صديقه ك . جلنسكي ، وسوزان ارليت = SUZANE AR LET  اللذين قاما باعداد ترجمات لكتبه ، أصبه كومبروفيتش معروفا أكثر لعامة القراء الفرنسيين ، وقيما كانت نجاحاته الأدبية تتعاظم في أوروبا، أخذت تتدهور صحة الكاتب المقيم دائما بالارجنتن ، أزمات الربو تعاوده باستمرار، وقد نال منه الشكل الجسدي للنضج : الشيخوخة والمرض ، إذ فكر وهو تحت وطأة الأزمة لحظا في الانتحار: "لا أذكر أياما أكثر يأسا من أيام نقاهتي، لم يكن هنالك من خلاص . لقد اشتد علي يأسي النوارستيني NELJRASTHENIQUE  (انهاك عصبي ) حتى انني لركنت أمك أداة لانهيت حياتي بسهولة . من يدري، ربما كنت قضيت على نفسي.. فقد بلغت حدا خارت فيه قواي الصحية ، كان ذلك من مدة ولم تكن صحتي لتؤكد سوى على حياة عاث فيها الموت ، حياة ميؤوس منها".(32)

تحدث دومنيك دورو D.DE ROUX  حياة كومبووفيتش في أعوامه الاخيرة عن ثاني محاولة له للانتحار: "أطاحت به الذبحة الصدرية في نوفمبر 1968 مفاقمة اختناق الصدر بالربو، فلم يكن له ان يخرج البتة ، كان كيانه كله أسير جسده العليل . وقد بلغ به عجزه عن القراءة والحركة حدا جعله يكلمني عن الانتحار، فقد كان كبودلير لا يريد أن يثقل عليه جانب البلاهة الكئيب "( 33)

أثناء نقاهته بتانديل TANDIL عام 1958عاد الى مشروع مسرحية له كان قد بدأ في كتابتها عام 1951، فأخذ يعمل فيها ويغير، ثم تخلى عنها من جديد، كانت هذه المسرحية بعنوان "أوبريتكا 1" = > 1. OPERETKA  أشارة الى هذا العمل وهو يستعرض "برنامجه " لعام 1959: "قد يقال لماذا انا لم أكتب في العام الماضي إلا قليلا من اليوميات وقليلا من تلك الاوبريت OPERETTE  والتي تخليت عنها مجددا، انه المرض ولا شيء غير".

لقد كانت مشاريعه لعام 1959 كالتالي: "إنهاء المشهد الثاني من أوبيريت OPERETTE  موضوع "الأم البغي" وتكثيف ادوار فيروليه FIRULET  وشارم  CHARME  ومراجعة الترجمة الفرنسية لليوميات .. ومراجعة تعليقاتي على هيدكر HEIDEGGER  استعدادا لمحاضرتي الرابعة بنادي "أميجوس ديل أرتي (AMIGOS DEL ARTE  واعداد نصوص اذاعية ، وكتابة رسائل للناشرين ، والترجمة الفرنسية لا يفون "(34) وقبل مغادرته الأرجنتين ظهرت "البورنوغرافيا" باللغة البولونيية بمنشورات كولتورا KULTURA  بباريس عام 1960 ثم باللغة الفرنسية في "الليتر نوفيل TFRES NOUVELLES LET  بمنشورات جوليار JULLIARE  عام 1962.

بدأ كومبووفيتش كتابة كوسموس cosmos عام 1961 والتي أنهدها ثلاث سنوات فيما بعد بفرنسا.

وقد كانت صلاته طوال مكوثه بالأرجنتين محدودة بظهور بعض اعماله بين الحين والأخر في الأدب البولوني لما بعد الحرب ، وبر سائله الى عائلته والى بعض النقاد.. ففي عام 1957، فترة الانفراج في بولونيا بعد المرحلة الستالينية خرج كومبروفيتش صمته فسمح له بنشر او اعادة نشر كل أعماله عدا "اليوميات " (التي ظلت محظورة ) وهكذا ظهرت في بولونيا عام 1957 "فريديدورك " FERDYDURKE  ومجموعته القصصية "باكا كاي" BAKAKAl  ثم ايفون اميرة بورجوني ، وترانس ، واطلانتيك عام 1958، قدمت "ايفون " على مسرح

كراكوفيا "(CRACOVIA ) قد دعي المؤلف الى حضور

اول عرض افتتاحي لها ، غير انه في عام 1958 وبسبب من تشدد الفطام أعيد إدراج مؤلفاته من جديد في قائمة الكتب المحظورة ، مما ادى الى تناقض في الموقف ، فغيما كانت أوروبا تكتشفه ، ارادت بولونيا نسيانه واقصاءه عن أدبها ، ولم تنكسر حالة الصمت المؤقتة تلك حتى عام 1963 ، حين كان كومبووفيتش ببرلين ، وبقدر ما كان يزداد شهرة في الخارج بقدر ما كانت ترد الصحافة الرسمية في بولونيا بوابل من مقالات الاتهام .

وسرعان ما نفدت طبعات أعماله لعامي 1957و1958وصودرت الكتب التي نشرتها مجلة كولترا KULUTURA  بباريس والتي هربتها في سرية الى بولونيا ولم ينه منها الا ما كان متداولا بين الايدي، وقد لخل الوضع على ذلك ، بالرغم من ان النقاد حاولوا منذ سنوات ، رد الاعتبار للكاتب الذي كان معروفا في الخارج ، والبولوني المعاصر الوحيد الذي كان ينتمي الى نخبة الأدب في العالم ، ليظل مع ذلك ولفترة طويلة مجهولا في وطنه .

في عام 1963 تلقى كومبووفيتش وكله سرور وأمل ، فرصة العودة الى أوروبا ملبيا دعوة مؤسسة "فورد" FORE  له للاقامة سنة ببرلين ، وفي 8 ابريل 1963 رحل عن الأرجنتين لينزل في 22 ابريل ،بأرض أوروبا ، وقبل وصوله الى برلين ، قضى شهرا بباريس ، شرع خلاله في اكتشاف المدينة مصرحا بعدم حبه لها ، معلنا ئ تحد أشبه بتحدي راستينياك RASTIGNA  (إذا كنت سأذهب فذلك حتى أغزو ان ما ينبغي لي في باريس هو أن أكون عدوا لباريس (35) لقد كان في هذا الموقف وبلا شك ، معدمة للباريسيين ، لكن الضجة الحقيقية هي تلك التي اثارتها مسرحياته ففي 14 جوان من عام 1963 قدم جورج لا فيللي ,JORGE LAVELLI  المخرج الارجنتيني الشاب أثناء المسابقات بين الجمعيات الصفري عرضا لمسرحية كومبووفيتش "الزواج " فحازبها على الجائزة الكبرى ثم كان أول عرض للمسرحية على الجمهور في 8يناير 1964 بمسرح ركامييه RECAMIER  وكانت ردة فعل الجمهور والنقاد عنيفة : بين متحمسين ومترعين . وقد تلا العرض الافتتاحي الاول للزواج افراج مسرحيات كومبروفيتش الأخرى  ، ومن بين أهم هذه العروض عرض جورج لا فيللي لمسرحية : ايفون أميرة بورجوني بمسرح فرنسا عام 1965، كذلك اخراج ألف جوبيرج ALF SJOBERG  للزواج ايفون بالمسرح الملكي في ستوكهولم في 1965و1966.

وبفضل النجاح الذي حققته مسرحياته وبفضل كذلك مؤلفاته المنشورة والمترجمة الى اللغات الالمانية والانجليزية والايطالية والهولندية والدنماركية ، حصل كومبروفيتش على تقدير كبير في اوروبا كلها ، وقد تفاقم عليه المرض أثناء اقامته ببولين فملوحه على الفراش شهورا عدة ، وبعد شهرين بمستشفى برلين عاد الى فرنسا ليقضي أربعة أشهر (حتى نهاية أوت 1964) من فترة نقاهته بباريس و بـ لابي دورواويومون L, ABBAYE DE ROYAUMONT   حيث تعرف الى زوجته ريتا "لابر وس " RITALABROSE  وفي نهاية العام نفسه استقر هو وزوجته ،بـ لا ميسوجيير LA MESSUGIERE  ثم بفانس VENSE حيث سيقيمان حتى وفاته .

في ديسمبر 1964 أنهى كومبروفيتش روايته "كوسموس " والتي نشرت بالبولونية بمنشورات "كولتورا" عام1965 ثم بمنشورات "دونويل

DENOEL (LES LETTRES NOUVELLES)  عام 1966وقد نال عليها كومبروفيتش الجائزة الدولية للآداب ثم أنهى مسرحيته الأخيرة أوبريت OPERETTE التي كان يعمل فيها على فترات منذ 1951 وحتى 1965 فنشرت باللغة البولونية في كولتورا عام 1966 ثم بالفرنسية بمنشورات "دونويل " عام 1969، كما نشرت مختارات له من يومياته عن  "دانتي" SUR DANTE  في طبعة مزدوجة فرنسية بولونية عام 1968، كما ظهرت في العام نفسه محاوراته مع دومنيك دورو  D.DE ROUX   بمنشورات بلفون BELFOND..  وعلى الرغم من تفاقم المرض عليه وأزمات الذبحة الصدرية ، فانه لم ينقطع من العمل مع مترجميه في اعداد مؤلفاته لطبعات مختلفة والمساهمة في التحضير لعدد خاص عنه من مجلة : (L,HERNE  ) والذي لم يتمكن من العيش لرؤيته منشورا عام 1971 فقد أدركه الموت ، أثناء نومه في 24جويليه 1969 وهو في قمة نجاحه الأدبي حيث كان مرشحا لجائزة نوبل ".

 
 
 
الحقيقة المتوحشة
فيتولد كومبروعيتش
Witold  Combrofiwicz
سيرة كاتب
الكاتبة: ايرنا سادوفسكا – جيون
المترجم: الخضر شودار (شاعر ومترجم من الجزائر)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …