الحياة العادية: نظرة مغايرة

عبد الرحمان إكيدر

نادرًا ما تمّت دراسة موضوع “الحياة العادية” في مجال الفلسفة في فرنسا، وهذا ما جعل الفيلسوفة أديل فان ريث Adèle Van Reeth التي تقود مسارات الفلسفة في الثقافة والفنون في فرنسا في France Télévisions مهتمّة بهذا المشروع، باحثة عن ماهيّته وأصالته التي تستعير شكل سردٍ رائع، وذلك من خلال إصدارها الأخير الموسوم بالحياة العاديّة “La Vie Ordinaire” الصادر في ربيع 2020 عن دار النشر غاليمار Gallimard. إنّه تحقيق ممزوج بين الموضوعي والذاتي حول كلمة “عادي”، تسعى الكتابة عبره البحث عن العادي، وعن مزايا “الحياة العادية” المحبوبة والمرفوضة.
تنشر المؤلفة كتابا عن التمزق والانفصال، هو عبارة عن شهادة شخصيّة وتأمّل فلسفيٍّ. ففي كتابها “الحياة العادية” قصة امرأة حامل بطفلها الأول على وشك فقدان والدها المريض. وتحاول في هذا الكتاب أن تصنع الفرق بين الحياة اليوميّة والمبتذلة والعادية، متسائلة: “لماذا يحدث في لحظات تبدو غير ضارة شيءٌ عنيف للغاية؟”، معتبرة أنّ “ما يحدث، في تلك اللحظات، هو أننا نلمس شيئًا في الحياة نحاول إخفاءه في معظم الوقت”.
بدأت الفيلسوفة والصحفية في France Culture رحلتها العلمية في جامعة شيكاغو، حيث سمعت اسم أبرز أعلام الفلسفة المتعالية ودعاة الفردانية رالف والدو إمرسون (1882-1803) (Ralph Waldo Emerson)‏ لأول مرة في دورة حول “الكماليّة الأخلاقيّة والتحوّل الذاتي”، كتب هذا الفيلسوف الأمريكي سنة 1837: “أنا لا أطلب العظيم، والبعيد، والرومانسي … أنا أعتنق المشترك، أستكشف المألوف، والمنخفض، وأجلس عند أقدامهم”، هذه القولة وردت في سياق تشجيع أمريكا الشابة على اختراع طريقة تفكيرها خارج الميتافيزيقيا الأوروبية. أما بالنسبة إلى الفرنسيين العاديين، فهذا يشكّل وحيًا؛ إنّ “العادي ليس مفهومًا، إنه بحث دؤوب، هذا ما يذكرنا به ستانلي كافيل Stanley Cavell، المتخصص في فكر إمرسون الرائع”.

ما “العادي” إذن؟
تعني كلمة عادي “Ordinaire” في الأصل اللاتيني (الترتيب). ولكن ما الذي وضعه في هذا الترتيب؟ وإذا كان هناك ترتيب، فهل هذا يعني أن هناك فوضى سابقة؟ لا يمكن تعريف “العاديّ” إلا بالنفي. العاديّ ليس كل يوم، وليس المعتاد، وليس المألوف، وليس المحليّ. تقول المؤلفة: “لذلك شرعت بالنفي؛ إذا كان من الصعب تحديد العادي، فلنبدأ بتمييزه عمّا ليس هو عليه. تحدّد اللغة المشتركة العاديّ والمبتذل، ولكن يبدو أن العاديّ ليس سوى مبتذل، وبمجرد أن تضع الإصبع فيه، تدرك أن ما يسمى العاديّ هو بُعد من الواقع لا نعرفه، لأننا لا نأخذ الوقت الكافي لاستكشافه. وبالمثل، فإنني أميز العادي عن اليومي: الحياة اليومية هي الإيقاع الذي أعطيه لأيامي، ويمكنني وصفه بسهولة. أما العادي، وعلى العكس من ذلك، فيبدو واضحًا ومراوغًا على حد سواء”. تشير أديل فان ريث إلى أنّ العادي ليس المعتاد ولا اليومي، إنّ “العاديّ هو ما يبقى عندما نغيّر كل شيء، هو ربما رفض الاستثنائي والمغامرة لصالح الأشياء الصغيرة والمشاهد العابرة”، وهي بذلك تؤكد أن العاديّ من المواضيع التي تستحق اهتمام الفلسفة.
تقرر المؤلفة أن تتخذ من (العادي) موضوعا للدراسة والتحليل، فهي تلاحظ محيطها وأحباءَها، وتدوّن كل التفاصيل، فكل شيءٍ يُصبح مصدرًا للتفكير. تقول: “تبدو الأصوات المألوفة في بعض الأحيان أصواتا لا تطاق… فقد يبدو صوت اهتزاز غسالة الصحون، أو الصوت الصادر من الثلاجة، أو صوت حركة الملعقة في الكوب، أصواتًا غير ضارة، بيد أنه في بعض الأحيان يتم ترجيحها واتهامها بعنف كبير. وفجأة؛ سيكون لهذا الضجيج المألوف شيء وقح تمامًا بطبيعته المتكررة، وسيسبب لنا الانزعاج مما يجعلنا نرغب في الهرب إلى كوكب آخر، هذا ما نسميه (بالاحتكاك العادي)، وهذا العنف الذي نشعر به أحيانا يمكن أن ينطبق أيضا على الروائح أو حتى بعض العبارات”.
يحمل هذا الشعور عند بيسوا Pessoa اسم اللاطمأنينة، ويسميه سارتر Sartre غثيانا، أما مونتين Montaigne، فيعتبرها أشواكًا محليّة. لتتساءل المؤلفة من جديد: إذن، فمن أين يأتي هذا الشعور بعدم الارتياح الذي يسيطر علينا في أكثر اللحظات هدوءا؟ وتجيب بعد ذلك: “كل شيءٍ كان على ما يرام، يوم كسائر الأيام يأخذ مساره المعتاد، وفجأة شيء ما ينكسر، شيء صغير، ولكنه يخلّف شعورًا حلوًا ومثابرًا، وهو شكل من أشكال التعب الشديد الذي لا يستبعد السعادة، ولا حتى حبّ الحياة، صدمة الإنسان الذي يتذكّر أنه على قيد الحياة، وأنه يجب أن يستمرّ مهما كلّف الأمر. لا حزن، ولا غضب… مجرّد قلق عادي. إنه لمن الصعب معرفة ما الذي سنفعله بهذه التجربة، من هذه الفجوة التي تفصلنا عن الحياة العادية. إن عدم الرضا عن الحياة اليومية مردّه عدم الرغبة في تغيير الحياة؛ من قبيل الانتقال، والطلاق، وتغيير الاسم، وحتى لمس الوجه، “فالحياة اليومية يمكن أن تفكك، كما يمكن أن تتغير، لكن العادي هو ما يتبقى عندما يتغير كل شيء. فهو (من أكون)، و(مع من أعيش)، لا يمكنني أبدًا الهروب من تكرار الأيام والليالي، العادي لا يتوقف أبدا، وكل المحاولات للهرب منه، وإدارة الظهر له ذهبت سدى تماما … وهذا البعد العاديّ لوجودي لا يطاق بالنسبة لي”.
تعتبر المؤلّفة أن الحياة العادية موضوع جدير بأن يكون موضع تأمل فلسفي، ذلك “أن الفلسفة لا تأتي أبدًا من العدم، فكل شيءٍ يبدأ من تجربة، من جسم، وكل شيء يتجسد. فالفلاسفة هم في المقام الأول أجساد، وليست كائنات أزلية لها الحكمة والمنظور في كل حالة. إن التفكير ليس منعزلا عن العالم. وإنه لمن الصعب أن نخرج بفكرة، وأحيانًا ما يكون عملًا مدى الحياة، إنه صراع، إنه طريق”. بهذا المنظور يشكل العادي مشكلة والحياة العادية عقبة في طريق التفكير.
إن العاديّ موجود في حياتنا، وليس في أفكارنا، تقول أديل فان ريث: “لقد تم اعتبار الحجرِ الصحيّ تجميدًا كبيرًا. وقد بدأنا في الذوبان منذ إزالة الثقة… هناك نظرة جديدة على شيءٍ مألوف، ومن الممتع أن نرى أن هذه الأزمة التي مررنا بها تجعل كل شيءٍ عاديًا وأمرًا مرغوبًا فيه يوميا.” تعتبر المؤلفة أن “الحياة العادية هي حياة النفاق”، مشيرة إلى أن “الحياة العادية هي حياة وهميّة كاذبة” وهي بهذه الجملة تتوجه إلى أولئك الذين يعتبرون الحياة العادية نهاية الحياة طواعيةً، الذين يعتقدون أن الرّضا الذي ستجلبه الحياة العادية هو ما يجعل الحياة جديرة بالعيش. إننا حينما نجامل شخصا أو نبيّن له إعجابنا تجاه شيء أو أمر أو نشاطره الرأي، فإن هذا الأمر قد يبدو عاديا، غير أن هذا العادي غالبا ما يكون مرادفا لسوء النية. لقد اعتدنا على مثل هذه التصرفات التي تتكرر بتكرر الحياة اليومية.
الحياة العادية: تجربة شخصية.
في “الحياة العادية” تمزج الفيلسوفة بين قصة اكتشافها للعادي في الفلسفة، وقصة حياتها الخاصة، ولا سيما تجربة الأمومة.. تعترف أديل فان ريث على الفور قائلة: “لديّ مشكلة في الحياة العادية … إنّ هذه الحياة هي حياة التفاصيل، وهي حياة تُرى عن كثب، وقريبة منا جدًّا، تلتصق بنا، وقد تجعلنا نتعثر، وينتهي بنا الأمر بعدم التحرك”. وتضيف: “من المستحيل أن نقول إن هذه الحياة حقًّا لي. لذا جعلتها مسألة شخصية، طريقة لاختبار نفسي في طموحي للتفكير في الوجود”.
إن مقالة عن “الحياة العادية” ستكون حتمًا طريقة لسيرة ذاتية، وأنانية صادقة، وبالتالي تكون مجنونة في بعض الأحيان. تريد الكاتبة بكلماتها السماح للجميع ببداية منقذة للحياة. “عندما أدرك هذه اللحظات، أكتب كل التفاصيل، هذا الكتاب هو مغامرة حياتي كلها، وليس مجرد شيء وضعته هناك بمنأى عن الجميع، إنه مخلص لرحلتي”. تسرد المؤلفة قصتها الشخصية وهي تعيش تجربتين متباينتين في الآن ذاته؛ تجربة حياة على وشك البداية، وتجربة حياة أخرى على وشك الانتهاء؛ التجربة الأولى هي تجربة الحمل، ولدهشتها الكبيرة، فإن هذا الحدث الشائع وغير العادي هو الذي يمنح الحياة سمة العاديّة. إذ تستعد المؤلفة لتلد طفلها الأول في الوقت الذي تستعد فيه أيضا لخوض تجربة ثانية متمثلة في فقدان والدها المريض. سوف ينفصل الطفل عنها إلى المرح في العالم؛ وينفصل الأب عنها للانسحاب من الحياة كلها. وبين أمل الولادة وظل الموت، هناك شكوك، وحياة يومية، وروابط أسرية، ومشاعر جياشة.
تكرّس الصفحات الأخيرة من الحياة العاديّة للأب المريض، تخشى هذه الفيلسوفة الشابّة حدث النهاية. تقول في مقطع سرديّ: “كيف يمكنني أن أفصل نفسي عنه؟ الأب وابنته كلاهما محرجان، تجلب الشابة مع ابنها القليل من الحياة التي ستختفي عن الأب الذي يسأل ابنته: متى سأغادر بالفعل؟ تنهار الكلمات بالعاطفة وتعجز العين عن ذرف الدموع. وتسمع فجأة حلاوة العادي … يطبق صمت طويل، دليل حب مفعم بالأسى”.
تدعونا أديل فان ريث في هذه القصة إلى التأمّل في الأمور العاديّة، محاولة تعريف العاديّ وتطويق مفهومه، وتأخذ القراء في تحقيق مثرٍ حول ما يشكّل كل واحد منا: إنه (العادي). لقد نجحت الفيلسوفة في الانتقال بقوة من إمرسون إلى فوكو وسارتر .. وقبل كل شيء باستخدام تجربتها الشخصية والحميميّة التي تسرد فيها قصة عن الانفصال الذي شكل وقفة تأمل في طريق استجوابها الوجودي الذي وضع حدًّا لشكها. إن كتابها هو بمثابة رسالة صريحة تحث على إعادة التفكير في ذواتها ومحيطنا ووضع كل واحد منا في الحركة نحو الأفضل، ونحو الآخر أيضا، والنظر إلى الأمور العادية بشكل غير عادي.

شاهد أيضاً

المطر الذي جلا الحكايات(1)

ريموند فوي – ترجمة: محمد مظلوم المرّة الأولى التي صادفتُ فيها ذلك الوجه اللافت كانت …