أخبار عاجلة

السرد، والارتحال، والبحث، والاكتشاف

اقترنت فكرة الارتحال بالآداب الملحمية منذ القدم، فبالارتحال يمكن التعرّف إلى عالم مغاير، وخوض تجربة مختلفة، وغالبا ما تعيش شخصيات أدب الارتحال في المجتمع الجديد دون أن تندمج فيه بصورة كاملة، لكنها تعود بخبرة مضافة..

 وفي الآداب الخرافية، والملحمية، والشعبية، تدفع الصدف بالأبطال إلى الارتحال، فتتهيأ للبطل ظروف مساعدة للوصول إلى المكان الجديد، وتُمدّ له يد العون في العودة إلى موطنه، وربما يكون ذلك مرتبطا بحقبة التفكير السحري.

١. مدخل :

 وهذا النظام السردي شائع في الآداب القديمة، وقد تسرّبت تجلّياته إلى الآداب الحديثة؛ فكل سرد إنما هو وصف لتوازن، ثم فقدانه، والعودة ثانية إليه. والشخصيات، في الآداب السردية، لا تحتمل فقدانا مطلقا للتوازن، وهي غير مؤهلة للانزلاق الكلّي إلى منطقة غياب التوازن، وأمر استكشافها للعالم الجديد الذي ترحل إليه لا يقع بدواعي الرغبة المسبقة للاكتشاف، والتصميم على ذلك، إنما يقع الارتحال بناء على سلسلة أحداث مترابطة تدفع الشخصية إليها دفعا، ولا تختارها، إلا على سبيل الفضول، أو الواجب، أو التوهم، أو الرغبة في انتهاك محرم. وما أن تلوح فكرة الارتحال إلا ويخرّب التوازن، فتتوجّه الشخصيات إلى عالم آخر، وتنخرط في مغامرات متعددة، وبعد أن يتحقق ميثاق السرد الخاص بالارتحال، تقفل الشخصيات راجعة إلى عالمها الأول، فتشرع في استخلاص قيم اعتبارية مما مرّت به من تجارب، فالرحيل- حسب تيتز رووكي- هو بداية، وهو وعد بالتطور، والتقدّم، والنمو، وهو يوحي بالكشف، والمغامرة، والنجاح. والمقصد قد يكون قارة جديدة، أو بلداً جديداً، أو مدينة كبرى، أو أي مكان آخر، فالاستقطاب بين «المعروف» و«المجهول» ليس مجرد مسافة جغرافية؛ لأن التناقض هو تناقض رمزي. والبطل لا يغادر مكاناً فقط أو يرحل منه، إنما الأهم من ذلك كله أنه يغادر «ذاته»(١).

وتشكل فكرة الارتحال، والبحث، والاكتشاف، مادة أساسية في السرد الحديث، وتتعدّد ضروبها طبقا للسياقات الحاضنة لها. ومع أن الغالب هو ارتحال من مكان إلى آخر، لكن ذلك قد يترافق مع ارتحال في الزمان، أو ارتحال في الأفكار، فلا يشترط بالارتحال أن يقتصر على الانتقال بين الأمكنة، إنما قد يكون ارتحالا من الحاضر إلى الماضي، أو يكون بحثا في قضية، أو فكرة، بهدف كشفها، وكل ذلك يتيح للشخصية أن تخوض تجارب مغايرة، تتصل باختلاف الأمكنة والأزمنة، والقضايا التي يروم السرد تمثيلها. وغالبا ما يقترن سرد الارتحال، والبحث، والاكتشاف بما يمكن الاصطلاح عليه بـ«المغامرة السردية» التي يخوضها البطل في عالم مختلف عن عالمه من النواحي الثقافية والاجتماعية، وهذه المغامرة تقتضي سرداً يعنى بوصف التجربة، وهو مختلف عن السرد التفسيري الرتيب، والبناء المتتابع للأحداث، وتعقّب تاريخ الشخصيات، ولهذا فرواية الارتحال، والبحث، والاكتشاف، تقترح سردا مغايرا لا يولي اهتماما كبيرا للحكاية المتخيلة؛ لأن الأحداث تتمركز حول تجربة فرد باحث في عالم مغاير، ومن خلال ذلك يقوم السرد بوظيفة التنقيب والبحث في موضوع ديني، أو اجتماعي، أو تاريخي، أو ثقافي.

إن التداخل بين الارتحال، والبحث، والاكتشاف، ثم التعرّف، ينتهي برواية تنتقل من مرحلة التخيل السردي القائم على اختلاق حكاية إلى مرحلة المشاركة في بحث قضية إشكالية، وما تتميز به هذه الرواية هو الانخراط في صلب الموضوعات التاريخية والدينية والاجتماعية ضمن إطار سردي يمزج الوقائع بالمتخيلات، فالفرضية السردية قائمة على أساس الخلط بين الاثنتين، وعملية التمثيل السردي تميل إلى نوع من التقريرية التي تجعل من كل ذلك موضوعا للبحث، وبهذا، لم تعد الرواية فقط حكاية متخيلة، إنما أصبحت أداة بحث في أكثر الأحداث أهمية في التاريخ والمجتمع. وينبغي التأكيد على أن هذه الوظيفة الجديدة للغة في الخطاب السردي الحديث بدأت تستأثر باهتمام كبار الكتاب في العالم، إذ لم تعد اللغة وسيلة إيحاء، وترميز، إنما أصبحت أداة بحث وتحليل لأشد القضايا تعقيدا، فالموضوعات الدينية، والتاريخية، والاجتماعية، أضحت المادة الأساسية للسرد الأدبي، وتوارت العوالم الافتراضية التخيلية التي رسختها الرواية التقليدية.

يقول جورج ماي «إن تجربة الرحلة تختلف عن سائر التجارب الشخصية، ليس فقط من حيث هي قابلة لأن تروى إلى الغير، وإنما لأنها تستجيب لحاجة من أكثر حاجات البشر انتشاراً، وهي لذة الجديد، والغريب، والتغرّب، والمغامرة»(٢). والمتون السردية التي ستكون موضوعا للتحليل تتباين في موضوعاتها، وقضاياها، وأفكارها الأساسية، وفي بنياتها السردية والدلالية، لكنها تنتظم في إطار واحد يبرز فكرة الارتحال في ثنايا قضية، أو في الانتقال إلى مكان آخر مختلف، وتتلازم فكرة الارتحال بفكرة البحث، بما يفضي إلى نوع من الاكتشاف.

٢. الارتحال والبحث.

٭ يقدّم كتاب«السيد إبراهيم وزهور القرآن» لـ«إريك إيمانويل شميت»(٣) تمثيلا لفكرة التسامح، والحوار بين العقائد، وتبادل الانتماء فيما بينها، والوصول إلى فهم مشترك لا يسمح بالاحتراب والتعارض، فهو كتاب سردي يرتحل بين الأديان بغرض اكتشافها. وهذه القضية خلافية بين المؤمنين بالعقائد السماوية، فبعضهم يرى أن تلتقي العقائد في منطقة حوار وتفاعل؛ لأنها، في نهاية المطاف، بالنسبة لهم، ديانات الله، وبعضهم يرى غير ذلك، ولا بد، طبقا لهؤلاء، أن تجهز عقيدة على أخرى، وتمحوها، وتطمسها، وتنتصر، وتعلن الظفر، فحيثما تكون ثمة عقيدة فلا مجال للحوار والمداهنة، بل الحسم، وتأكيد النصر النهائي. تعيش المجتمعات في عالم منقسم على نفسه في انتماءاته الدينية، وهوياته الثقافية. وينبغي ألا يُغفل السؤال الخاص بالنوع السردي لكتاب«السيد إبراهيم وزهور القرآن»لأن المؤلف أنجز سلسلة من الكتب التي تعتمد أسلوب الترميز السردي للبحث في الديانات، فلديه كتاب«أوسكار والسيدة الوردية»وهو مكرس للمسيحية، ثم كتاب«طفل نوح»وهو مخصص لليهودية، وعن البوذية أصدر كتابا بعنوان «ميلاريبا». وجاء هذا الكتاب في البحث عن الصلة بين الإسلام واليهودية. وجميع هذه الكتب أصدرها ضمن سلسلة بعنوان «اللامرئي». وهذا التعبير له دلالة، فحينما نتحدث عن الديانات والعقائد فإنما نتحدث عن ظواهر لا مرئية؛ لأنها نظم ثقافية رمزية غير منظورة تمنح الهوية الثقافية، ومادام الكاتب مشغولا بالعقائد الكبرى، فهذا يرجّح أن كتابه يندرج ضمن فكرة الحوار الديني. وذلك متصل بحوار الثقافات والأديان.

ولكي تمضي عملية كشف الصلات المضمرة بين الأديان، وبخاصة اليهودية والإسلام، يختلق الكاتب شخصيتين أساسيتين، ويجعلهما تقتسمان الكتاب منذ البداية إلى النهاية، وهما الشيخ المسلم «إبراهيم» والصبي اليهودي «موسى». والتركيز على عقيدتي الشخصيتين يظهر في الصفحات الأولى من الكتاب، فإبراهيم يؤمن بقرآن، ويفسره بحرية طبقا لحاجته اليومية، أما موسى، وهو صبي يهودي، فتواجهه صعاب كثيرة، ولهذا يجد في إبراهيم معيارا لتصحيح أخطائه، وتجنب إخفاقاته، ووسيلة لفتح أفق الحياة أمامه. لا يلجأ إبراهيم، في أية مناسبة، لإقناع موسى بصواب وجهة نظره، فهو ليس داعية لدينه، إنما يقدم له فكرة عن ممارسة الحياة بصورة لا تتعارض مع الدين، فالدين شعور داخلي بالانتماء أكثر مما هو نظام عقاب وردع خارجي. وهذا هو المحفّز لفكرة البحث والاكتشاف في العالم المتخيل للكتاب.

يؤمن إبراهيم بقرآن مرن، يدفع به إلى ممارسة الحرية، وهو لا يجد في قرآنه إلا وسيلة يهتدي بها نحو ممارسة الحياة بطريقة صحيحة، ولا يريد منه أكثر من ذلك. لقد انتهى إبراهيم إلى الإيمان بقرآن يفتح الشهية على الحياة ولا يلجمها، يغري بها ولا يفطمها. وكل هذا كان نتيجة بحث واكتشاف ذاتيين قاداه إلى الارتحال عبر قرآنه المقدس، فاستخلص منه فكرة الحرية. وبالمقابل نجد موسى صبيا غضا لا يظهر في عالمه ذكر للتوراة، لكنه يواجه بروادع ونواهٍ ذات معنى ديني تنتهي به إلى التمرّد على دينه، ونكرانه، واختيار الإسلام، والتسمّي باسم«محمد». فإبراهيم مرّ بتجربة بحث ذاتي أفضت به إلى الاكتشاف، إما موسى فاضطر للمرور بتجربة غيرية ارتحل فيها بين عقيدتين، قبل أن ينتهي إلى مرحلة الاكتشاف.

يعيش موسى في أسرة مفكّكة، فقد هجرت أمه المنزل، وتعلّقت برجل غير أبيه، أما الأب الذي يمتهن المحاماة، فعادته الاعتكاف في البيت منطويا، لا يخالط أحداً. يعيش مع كتبه وشرابه وعزلته، وليس له إلا موسى الصغير الذي يعامله بسوء، فيجبره على أداء كافة أعمال المنزل، ويعزله في شقة مظلمة خالية، ويراه عبداً وليس ابناً، وفوق ذلك يتهمه بالسرقة، وهو بخيل لا شأن له إلا تنغيص حياة الصبي، وهذا يتسبّب في استياء الابن الذي يسعى لاسترضاء أبٍ لا يُسترضى. وبمواجهة سوء فهم متواصل يلجأ الابن إلى الاحتيال، فيكون سارقا، ويعترف بذلك «بما أنني أصبحت موضع شك، فلأفعلها إذن»(٤). ويُدفع إلى مغادرة حال العبودية في أول يوم من بلوغه السادسة عشرة من عمره، ويكون ذلك على يد بائعة هوى في شارع «الفردوس».

 يتعرّف موسى إلى نفسه على يد بغي في حي يحيل اسمه الى الجنة، فطقس العبور من منطقة التقوى اللصيقة بالجهل إلى منطقة المتعة المقرونة بالمعرفة جعله يتعرّف إلى ذاته، ويعيد اكتشافها. أما إبراهيم المعمّر، ببشرته القمحية الدالّة على الحكمة، فقد نضجت تجربته عبر الترحال. وكان استبدل بالعزلة الحياة، وبالعجز الاكتشاف، وبالجهل المعرفة، وبالحقد المحبة. وكان مسلما ينتمي إلى «الهلال الذهبي» وهي المنطقة الممتدة من «الأناضول حتى بلاد فارس»(٥) إلى كل ذلك، قاوم بجَلَد الكراهية، والعجرفة، وهو البقّال المسلم الوحيد في حي يهودي لأربعين عاما.

 بدأت العلاقة بين الاثنين بالسرقة، سرقة موسى لإبراهيم، فلأن موسى اضطر إلى ذلك بسبب أبيه المتزمّت، والبخيل، فقد شمل إبراهيم بسرقاته. إن سرقته لأبيه مبرّرة من وجهة نظره، فهي انتقام من الأبوية التي استحالت الى عبودية، لكن سرقته لإبراهيم كانت فقط لأنه «عربي» كما يعتقد الآخرون. يعرف إبراهيم بسرقات موسى منذ البداية دون أن يخبره بذلك، فهو يريد أن يقوده إلى فكرة أساسية مؤدّاها أن تلك السرقات ممارسة خاطئة، ومن أجل حمايته، وتقديم العظة الأخلاقية التي يريدها، يقول لموسى «إذا كان عليك أن تستمر في السرقة، فافعل ذلك عندي أنا»(٦). ينبغي الآن تثبيت الآتي: يدفع تصرّف الأب اليهودي الابن موسى إلى السرقة، ثم يكتشف نفسه على يد مومس، وتقود السرقة إلى التعرّف إلى إبراهيم، ثم كيفية حماية نفسه، وادخار المال من أجل الملذات في حي الفردوس لإثبات رجولته. وعلى هذا النظام المتعاقب تترتب حياة موسى، فهي مراحل مترابطة من الحوافز التي تترافق فيها حالات بحث واكتشاف.

يجد موسى نفسه مستقطبا من علاقتين: علاقته الملتبسة بأبيه الذي يذكّر بـ«يهوه» إله بني إسرائيل العابس، والناقم، ثم علاقته المتفاعلة مع إبراهيم. مع الأول يحسّ بسوء تفاهم، وغياب تواصل، ومع الثاني يُغمر بالدفء، والنور، والحرية. يعرض إبراهيم على موسى فكرة الفرح عبر الابتسامة، فلكي يكون سعيدا فعليه الابتسام، ويستجيب موسى «أخذت أمطر العالم أجمع بوابل من ابتساماتي، ولم يعد أحد يعاملني كصرصار»(٧). وينخرطان في علاقة إنسانية عميقة، فبعد أن يهجره أبوه يلوذ بإبراهيم الذي يعيره القرآن ليطلع عليه، ويخبره بأن كل ما هو جميل في العالم يوجد في هذا الكتاب. حيازة موسى لقرآن إبراهيم تتسبّب في التخلّص من كتب الأب، إذ يشرع في بيعها فكأنه يبدّد تراثا يهوديا يحول دون أن يمارس حياته «في كل مرة كنت أبيع كتابا كنت أشعر أنني أكثر حرية»(٨). وحينما بلغه نبأ انتحار أبيه لم يحزن إنما استغرب لأنه اختار الموت تحت عجلات القطار في «مرسيليا» وليس في «باريس» حيث تكثر القطارات، فالاكتشاف يبدّد العجب.       

ثم تظهر أم موسى لتعيد الارتباط به، لكنه يرفضها، إذ إنه ارتحل إلى عالم إبراهيم، وانتمى إليه، وسمّى نفسه محمدا. لقد هجرته أمه اليهودية طفلا، وفتى غضّاً، وحينما شارف على البلوغ التقطه الإسلام، وأعاد التوازن الداخلي إليه، ولم يعد من الممكن الرجوع إلى حقبة الضياع، فمن الصعب عليه العودة إلى ما قبل مرحلة الاكتشاف. يجد موسى نفسه بلا أب ولا أم، ولديه شكّ عميق في جدوى يهوديته، فيعرض على إبراهيم أن يتبنّاه، فيتحقّق مضمون الارتحال بالمعنى الرمزي، إذ يصبح الأخير أباً له، ويحتفي موسى بالأبوة الجديدة «عندما كنت أقول«بابا» لإبراهيم كان قلبي يضحك فرحا، كنت أمتلئ ثقة، كان المستقبل يتلألأ أمام عيني»(٩). وإثر نجاح فكرة التبنّي يصطحب إبراهيمُ موسى برحلة إلى«الهلال الذهبي» ليتعرّف إلى موطنه، فيطلعه على مباهج التصوف وطقوسه، وهنالك يموت إبراهيم، فيما يمضي موسى وقد تعلّم معنى الحياة دونما فرضيات مسبقة. وحينما يعود إلى باريس يصيح وارثا لإبراهيم في«كل أمواله، وبقالته، وقرآنه»(10). يرث موسى كل ماله صلة بإبراهيم: الأموال، والمكان، والكتاب المقدس. يمكّنه إبراهيم من وراثة الدنيوي والديني معا.

ينبغي التفكير في مرحلة ما بعد انتهاء الكتاب، أي في كيفية تلقّي معنى هذه الفكرة بعد أن ارتحل موسى من عقيدة إلى أخرى، واكتشف كُنه الإسلام. فهل استحوذ موسى اليهودي على كل شيء له صلة بإبراهيم المسلم أم أنه هجر عقيدته، وانتمى إلى الإسلام، أم أنه طوّر عقيدة ثالثة تجمع مباهج العقيدتين، أم أنه تعرّف إلى نفسه عبر تجارب الارتحال والبحث والاكتشاف؟. لو أخذنا بالاحتمال الأول نكون جانبنا الصواب، فلا يمكن لعقيدة أن تطمس أخرى، أو تستحوذ عليها، ولم يقع ذلك في أي وقت من التاريخ، ولكن موسى، بحسب الاحتمال الثاني، ليس مسلما متزمّتا؛ فقد عرف الحياة الدينية السمحة على يد إبراهيم، كما لم يكن يهوديا محضا، ولكنه، في الوقت نفسه، ليس ذلك المسلم الذي انبثق من فراغ عقائدي. إنه شخص ثالث مرّ بالتجربة اليهودية، وانتهى بالإسلامية، أي أنه مرّ بطقس تحول ديني، فارتحل من عقيدة إلى عقيدة أخرى، واكتشف ما في تلك وما في هذه. وهو رمز تواصل تاريخي للحقيقة التي تتلوّن بالأديان المتعاقبة، لكنها ترمز لاطّراد الحياة اللانهائية القائمة على الاكتشاف الدائم.

لقد فاض الإسلام على موسى عبر شيخ مجرّب اعتنق إسلاماً سمحاً يتفاعل مع الحياة، وينمو بنموّها، ويواكب تطوراتها. وممارسة الإسلام في أفق منفتح هي التي تغري الآخرين به، وليس فرض تفسير ضيق له بالقوة؛ ففي عالم لم تزل للعقائد الدينية سطوة فيه لا خيار بين الإغراء والإكراه. لقد تخلّى موسى عن عقيدته مكرها، وانخرط في العقيدة الجديدة راغبا، وبهذا انتهى إلى دمج الاثنتين، بعد أن أعاد تعريف نفسه بوساطة إبراهيم، وهذا هو رهان العقائد الكبرى عبر التاريخ قبل أن تتلاشى. قام موسى بارتحال، ثم بحث، أفضى إلى الاكتشاف.

٭ وتندرج رواية «شيفرة دافنتشي» لـ«دان براون»(١١) في صلب القضية الدينية، لكنها تنطلق من فرضية بحث مغايرة لا صلة لها بالعبور من عقيدة إلى أخرى، إنما بالارتحال داخل عقيدة واحدة، بهدف تفكيك المسلّمات المطمورة في ثناياها، فالرواية بحث في أصل المسيحية، وفي تاريخها، وعملية الاكتشاف تقترن بالارتحال إلى الماضي لوصف تحولات الرموز الدينية عبر سياقات ثقافية متعدّدة، وهي تعرض جملة من التصورات الشائعة عن المسيحية، والتأويلات المتصلة بها، وتبحث في كيفية كتابة الأناجيل، وما له علاقة بشخصية المسيح«الكرستولوجيا» وصلته بمريم المجدلية، والبعد الإنساني لشخصيته، وتقترح، في الوقت نفسه، تاريخا مغايراً للمسيحية. وقد أفصح المؤلف في مقدمة الكتاب عن معاونة جماعة من الباحثين المتخصّصين في شؤون الدين والفن له، وشكرهم على جهودهم في توفير المعلومات الدقيقة التي أدرجها في الرواية، وأكد«أن وصف كافة الأعمال الفنية والمعمارية والوثائق والطقوس السرّية في هذه الرواية هو وصف دقيق وحقيقي»(12).

يتركّب النص من مادة تاريخية- دينية-أسطورية، داخل إطار سردي يعتمد تقنية التناوب السريع، فالرواية مشغولة بفكرة الاكتشاف، وتنهل من المدوّنة المسيحية، وتتطلّع إلى إزالة الشوائب الزائفة التي علقت بها- كما يرى المؤلف- ثم تخريب المسلّمات التي ترسخت في وعي المؤمنين عن شخصية المسيح، وأسرته، وعلاقته بالمرأة، وتفضح الإستراتيجية التي اتبعتها الكنيسة في إعادة إنتاج المسيحية بما يوافق مصالح البابوات وكبار رجال الدين منذ القرن الميلادي الثالث، وتريد بذلك هدم التصورات الشائعة في أذهان المؤمنين بالعقيدة المسيحية التي رسّخها التفسير الكنسي الضيق للمسيحية، وتقدّم وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر الكنيسة عن كل الظروف التي رافقت نشأة المسيحية الحقيقية.

وتثير رواية «شيفرة دافنتشي»السؤالَ الذي لا يخصّ المسيحية وحدها إنما الديانات كافة: ما الحقيقي، وما الزائف، في المعلومات المتداولة بين المؤمنين في سائر الديانات عن أنبيائهم، ورسلهم، وظروف نشأتهم، وكتبهم، وتكوين عقائدهم؟. وهي تريد التحقّق من تلك المعلومات التي جعلها التعليم المدرسي المغلق، ومصالح رجال الدين، والسلطات السياسية، جزءا لا يتجزأ من الدين. فهل ما تتداوله الكنائس هو حقائق موثّقة أم جملة افتراءات روّج لها لقطع المسيحية عن أصلها البشري-التاريخي، وبخاصة الأنثوي، وربطها بأصل أبوي زائف؟. ثم ما الأصل الذي مثله المسيح بوصفه إنسانا ارتبط بعلاقة جسدية مع المرأة، ثم تقصّدت الكنيسة بتر صِلته بكلّ ذلك لتوقف نسله البشري، فيصبح أبا رمزيا لجميع المؤمنين به بدون أبوة حقيقية؟. تذهب الرواية، بواسطة البحث، إلى التأكيد بأن الديانات رموز، وصور، ومجازات، وأنه ينتصر تأويل ما للدين في عصر ما تبعا لقوة المؤوّلين وسيطرتهم على المجتمع، وبالنظر إلى أن الكنسية هي الوجه الديني لمؤسسة الدولة الرومانية القائمة على مبدأ السلطة الهرمية الأبوية، فإن تفسيرها المعبّر عن مصالحها هو الذي ساد بين المسيحيين، ولكي يُرسّخ هذا التفسير بين عموم المؤمنين، فلابد من ممارسة قوة تلجأ إلى طمس أي رمز يمكن أن ينبثق للتذكير بالأصل الحقيقي للمسيحية، ثم تصفية كل من يتبنّى تفسيرا مغايرا للتفسير الكنسي الشائع، ووصمه بالهرطقة والمروق عن الطريق الصحيح. تجعل الرواية من هذه الأمر قضية بحث في الرموز المطمورة في مكان سري، ثم النزاع بين جماعة تريد إعلان السرّ للعالم أجمع، وأخرى تريد طمسه إلى الأبد لقطع دابر الحقيقة المتوارية في مكان مجهول.

على أن«دان براون» استثمر قضية شهيرة في تاريخ المسيحية ليجعل منها موضوعا للبحث، وهي «الكأس المقدسة» التي يُعتقد أن السيد المسيح شرب منها في العشاء الأخير قبل صلبه، ثم اختفت منذ ذلك الوقت، والبحث جار من أجل العثور عليها، وهي كأس تجسّد رمزيا الأصل الأنثوي للمسيحية، وبالنظر إلى هيمنة التفسير الأبوي فلابد من تدمير الكأس، وعلى هذا نشأت جماعة تحتفظ بالكأس، عبر القرون، وتنتظر الوقت المناسب لإظهارها، فيما تريد الكنيسة العثور على الكأس من أجل تدميرها؛ لإخفاء الدليل الذي يقود إلى الحقائق المنسية التي توارت خلف أحداث التاريخ. يتجسد أمر البحث عن «الكأس المقدسة» من خلال الصراع بين جماعتين. يمثل «جاك سونير» القيّم على متحف اللوفر في باريس الجماعة الأولى، وهي «أخويّة سيون» التي تأسست في عام 1099م، ومن أعضائها المفترضين: نيوتن، ودافنتشي، وبوتشللي، وهيغو، وجان كوكتو، وقد حافظوا جميعا على سرّ الكأس المقدسة منذ نحو ألف سنة، أما الجماعة الثانية فيمثلها الاتجاه الكنسي المتشدّد الذي تقوده جمعية «أبوس داي» في نيويورك بزعامة القس «أرينغاروزا» وهي جمعية أصولية متزمّتة تعتمد على فكرة الإيمان القائم على تعذيب الجسد، ووخزه بالمسامير للتذكير الدائم بعذاب المسيح. تريد الجماعة الأولى الاحتفاظ بالكأس التي ترمز إلى طقوس خاصة بالدم الملكي للمسيح، فيما تصرّ الجماعة الثانية على طمس هذا الأثر المقلق الذي سيؤدي الإعلان عنه إلى فضح أكاذيب الكنيسة. ويعزّز الصراع بين هاتين الجماعتين كل من المؤرخ الأميركي «لانغدون» والفرنسية «صوفي» بالنسبة للجماعة الأولى، والبوليس الفرنسي ممثلا بالنقيب «فاش» المتواطئ مع الكنسية، بالنسبة للثانية.

وتقع معظم أحداث الرواية بين فرنسا، وانجلترا، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، وبخاصة في متحف اللوفر، وكنيسة سان سولبيس، والريف الفرنسي في النورماندي، ثم بعض الكنائس العريقة في لندن. وتستأثر عملية فك الرموز السرّية للعثور على مكان الكأس، باهتمام بالغ، ويتخلّل ذلك تقطيع سريع للأحداث، ثم الدفع بمعلومات تاريخية في تضاعيفها، فالمتلقّي موزع بين الحركة السردية البارعة للشخصيات ليلا، والبحث في معلومات تُكتشف شيئا فشيئا من خلال الحوارات، وفك الشيفرات المستغلقة. وفي النهاية يجد المتلقّي نفسه أمام كشف كبير لقضية دينية-أسطورية استأثرت باهتمام جدّي إلى درجة يعتقد كثيرون أنها حقيقة.

٭ وسياق الحديث عن «شيفرة دافنتشي» فيما يخص اقتراح تاريخ مغاير للمسيحية يستدعي الوقوف على رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو التي أثارت الموضوع الديني على خلفية الصراع بين البابا والإمبراطور، أي بين الكنيسة والدولة، في القرن الرابع عشر الميلادي، وقد رهن إيكو في هذه الرواية، وفي رواياته الأخرى- بندول فوكو، وجزيرة اليوم السابق، وباودولينو- خبراته بوصفه باحثا، وناقدا،  فلجأ إلى أسلوب الإيهام السردي الذي يخدع القارئ بصدق الوقائع، وذلك حينما لجأ إلى توظيف فكرة المخطوط – وهي فكرة شائعة في الآداب السردية- الذي يُعثر عليه في«براغ» بعد أيام من اجتياح القوات السوفيتية لها في عام 1968، وهو مخطوط فريد كتبه باللاتينية راهب ألماني في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي يدعى «أدسو دا مالك» عن أحداث وقعت في أحد الأديرة الإيطالية أواخر عام1327م ، وكان المدوّن شاهدا على تلك الأحداث،  حينما كان صبيا.

مرّ المخطوط بتقلّبات كثيرة بين اللغات والأديرة قبل أن يصل إلى الراوي الذي سرعان ما يغيب بعد أن ينجز هذه المهمة السردية الإيهامية. وتستعين الرواية بأساليب البحث التاريخي الهادفة إلى تخليص المسيحية من البدع التي لحقت بها في ذروة التناحر المذهبي في نهاية العصر الوسيط، ومطلع عصر النهضة، ولكن على خلفية قوامها تحقيق جنائي يستفيد من تقنيات البحث السردي، وتوظّف الرواية فكرة التابع- ويمثله أدسو دا مالك- وهو الفتى الذي رافق راهبا ومحقّقا هو «غوليالمو دا بارسكافيل» من أجل خدمته، وتقديم المساعدة إليه عند الحاجة، فيكون شاهدا على سلسلة الجرائم التي تجتاح الدير، ويقوم بتدوين مذكراته عنها. ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، فالرواية تُعنى بالحقبة الفاصلة بين عصرين هما الوسيط والحديث، وتعرض لأسلوبين في التفكير، إلى ذلك تفضح طبيعة الصراعات المذهبية، وآثارها المدمّرة على البشر، تلك الآثار التي تؤدي إلى تخريب كل شيء: حرق الدير، وقتل الرهبان، وتدمير المكتبة التي ترمز إلى العالم.

يعيش المحقق «غوليالمو» في اللحظة الفاصلة بين ثقافتين: الأولى تنتمي إلى عصر في طريقه للأفول، والثانية تدشن لعصر لم تتبيّن بعدُ معالمه الواضحة، ونظراً إلى أنه ورث الثقافة القديمة، فلم تعد تسعفه في العصر الذي  يعيش فيه كما يتصوّر، فقيم الثقافة القديمة تتدخّل في توجيه أفعاله، لكن ذلك يتعارض، بدرجة أو بأخرى، مع القيم الثقافية الجديدة. وهذا الأمر ينعكس في سلوكه، وأفعاله، وعلاقاته بالآخرين. يبدو «غوليالمو» منقسما على ذاته، فهو يمثل رمزياً رجل القرن الرابع عشر الذي تزدوج فيه الرؤى العقلية المنطقية المغلّفة بمنظور ديني، من جهة، ومظاهر الإيمان العلمي-التجريبي الناشئة لتوها، من جهة ثانية. ففي الوقت الذي يمارس فيه عمله محقّقا في الخصومات الدينية والدنيوية، لا ينسى أنه أحد تلامذة «روجر بيكون». والحال فـ«غوليالمو» محقّق بارع، وباحث متمكّن، وراهب ثاقب الرأي، يستعين بالفرضيات العقلية في البحث، لكن مقدماته المنطقية لا تفلح في مطابقة الواقع، ولهذا يتشكّك بوجود نظام يحكم الكون، فهو جزوع من التفسير الديني القائل بوجود نظام شامل، لكنه لم يتمكّن بعدُ من هضم إمكانية الإقرار الكامل بوجود تفسير علمي لذلك النظام الكوني، ولهذا تتضارب تصوراته، وتأملاته، وتتداخل، وتتنازع فيما بينها؛ لأنه عالق بين نسقين ثقافيين متناقضين: الديني والعلمي. وكما يقول تلميذه وتابعه «أدسو»فهو يرتكب كثيراً من أفعال الغرور نظراً «لكبرياء فكره» فما يدفعه للعمل «الرغبة في معرفة الحقيقة، والشكّ بأن الحقيقة ليست تلك التي تظهر له في الآونة الحاضرة».

قامت تحقيقات «غوليالمو» على جمع الأدلة، وتحليل المعطيات، ولم تأخذ بالحسبان لا فكرة الفرح وصلتها بالضحك، ولا فكرة الحزن وعلاقتها بالبكاء، فيما يحدث من جرائم قتل في الدير، إذ لم يكن منتبها إلى أن الفرح هو المحفّز الغامض وراء القتل المريع في أنحاء الدير. وتبدو له المفارقة كبيرة، حينما تقوده تحقيقاته إلى اكتشاف تلك الفكرة المبهمة، وهي أن سلسلة الجرائم التي يكون ضحاياها من الرهبان، إنما هي بسبب كتاب مسموم مداره الضحك، وهو القسم المفقود من «فن الشعر» لـ«أرسطو» المخصص لـ«الكوميديا». فقد سُمّم المخطوط للحيلولة دون الإطلاع عليه؛ لأن الضحك يفسد المسيحية الجدية، وبالفرح الذي يسبّبه الضحك تتحلّل المسيحية، ويغزوها الفساد، والخراب، فالكنيسة تعدّ الضحك من إغراءات الشيطان، وهو يحرّر الإنسان من الخوف، ومتى قيّض للإنسان أن يتحرّر من الخوف، فهو في غنى عن رب، ولا حاجة له بدين.

تلك خلاصة ما ينتهي «غوليالمو» وهو يستجوب الأب «يورج» المسوّغ للجرائم بقوله إن أرسطو بكتابه عن«الكوميديا» حطّم جزءاً من المعرفة التي جمعتها المسيحية طيلة قرون. لقد قال الآباء كل ما يجب معرفته عن قوة الكلمة الإلهية، وما أن شرح بويتسو مؤلفات الفيلسوف (=أرسطو) حتى تحوّل سرّ الكلمة الإلهي إلى محاكاة بشرية للمقولات والقياسات.إن سفر التكوين أورد ما يجب معرفته عن تركيب الكون، وما أن اكتُشفتْ كتبُ الفيلسوف الفيزيائية حتى أعيد التفكير في الكون بمعنى المادة الصمّاء اللزجة، وحتى كاد العربي ابن رشد أن يقنع الجميع بسرمدية العالم». وينتهي «يورج» إلى موضوع الضحك في كتاب الفيلسوف، قائلا «من هذا الكتاب يمكن أن يتولّد التوق الجديد والهدّام لتحطيم الموت عن طريق التحرر من الخوف، وماذا سيكون مصيرنا، نحن الكائنات المذنبة، من غير الخوف، الذي هو ربما أحكم وألطف الهبات الإلهية؟ لقد جاد فكر الآباء والعلماء طيلة قرون بخلاصات عطرة من العلم المقدّس ضد التكفير، من خلال التأمل فيما هو سام، عن حقارة وإغراء ما هو دنيء، وهذا الكتاب بتبريره للملهاة، وكذلك الأهجوة والمحاكاة، على أنها دواء معجز، يطهّر من الأهواء من خلال تصوير العيب والنقص، والضعف، سيحمل العلماء الزائفين على محاولة التكفير عمّا هو سام من خلال قبول الدنيء. من هذا الكتاب يمكن أن تنشأ فكرة أنه بإمكان الإنسان أن يريد على الأرض نفس الرخاء المزعوم في أرض النعيم. ولكن هذا ما لا يجب ولا نقدر أن نمتلكه»(13).

٣. الارتحال، والاكتشاف.

رأينا كيف أن البحث في الموضوع الديني بوجوهه المختلفة كان المادة السردية لثلاث من الروايات، وفيها جرى التوغّل في عمق المنطقة الشائكة لتاريخ الدين. لم يقع تشكيك في الأديان، ولا ارتياب في العقائد، إنما جرى البحث في التفسيرات المصاحبة لها، والتحيّزات الدنيوية الخاصة بها، وكيفية استئثار فئة بها دون أخرى، وهذا موضوع دنيوي له أهمية بالغة في حياة الناس، لكننا نلاحظ أن الارتحال في رواية «أمريكانلي» لـ«صنع الله إبراهيم» ورواية «شيكاجو» لـ«علاء الأسواني» يتجه بنا إلى منطقة أخرى لا صلة لها بالدين مباشرة، إنما بالهوية: هوية مصر، وهوية أميركا، ثم نقد البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية  فيهما.

تفضح الروايتان أميركا الاستعمارية التي لجأت إلى فرض سيطرتها على العالم، بمزيج من أساليب الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري- كما هو الأمر في فيتنام والعراق- ومدّ نفوذها السياسي بوساطة الشركات المتعددة الجنسية، والقواعد العسكرية المنتشرة في شتى بقاع العالم لحفظ مصالحها، أو ممارسة الضغوط السياسية والعسكرية ضد الدول الأخرى، أو إخضاع المنظمات الدولية لما تريد، أو فرض سياسات العولمة على الآخرين، وكل ذلك لإعادة صوغ العالم وفق الرؤية الأميركية، فلم  يعد المبدأ الكولونيالي القديم متفرّدا لوحده، إنما ترافقت معه وجوه أخرى قدمتها أميركا بأفضل ما يمكن تقديمه. وفكرة الكولونيالية الأميركية الجديدة يقع تمثيلها في الروايتين بطريقة مركّبة لا تقتصر على وصف الهيمنة الخارجية، فحسب، إنما كشف السياسات القائمة على التحيزات الثقافية والعرقية داخل أميركا، بما في ذلك السياسات العنصرية البيضاء التي تدفع إلى الهامش بكثير من مكونات المجتمع الأمريكي. وتجعل الروايتان من هذه القضية موضوعا للبحث التاريخي أو شبه التاريخي، وقد وقع تجسيدها عبر التمثيل السردي من خلال العلاقات الاجتماعية المتوترة بين الملّونين والبيض، ناهيك عن الوافدين إلى الأرض الأميركية.

٭ أول ما يلفت الانتباه في «أمريكانلي» أن «صنع الله إبراهيم» توسّع في وظيفة السرد التقريري الذي كان بدأه في أول رواية له، وهي«تلك الرائحة» التي صدرت في عام 1966. وهذه الرواية لا تنقطع عن سابقاتها لا في تقنيتها، ولا في لغتها، ولا في العالم الافتراضي الذي تتماثل عناصره، وإن اختلفت الأزمنة، والأمكنة، والموضوعات، والأحداث، والشخصيات، فقد تمسّك بذلك في كامل تجربته الروائية التي أقامها على ركيزتين، أولاهما: التنقل بين خيط سردي ينتظم الأحداث، من جهة، وبين مادة اجتماعية أو تاريخية، من جهة أخرى، وهذا التوازي يشكل أحد الثوابت لديه. وثانيتهما: تعميق الوظيفة التقريرية للسرد المباشر الذي يكاد يتنكّر للموروث اللغوي الذي عرفته الرواية العربية؛ فلغة السرد وسيلة تحليل، واكتشاف؛ لأنها تنخرط في مناقشة التاريخ، والواقع، وتقدّم وجهات نظر حول مشكلات العالم المعاصر السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتشتبك  بالمصادر، والمراجع، والشخصيات التاريخية، ولا تعنى بالبعد التخيلي للمادة السردية المعروضة.

تنظم أحداث رواية «أمريكانلي» حول تفاصيل الحياة اليومية للبروفسور المصري «رشدي» الذي يصل أميركا مدعوّاً من معهد «التاريخ المقارن» بمدينة «سان فرانسيسكو» خلال النصف الثاني من عام 1998 لتدريس مادة تاريخية مقترحة هي مزيج من منهج الأستاذ والتاريخ الشخصي له«دراسة نشاط مؤرخ عربي معاصر قضى أكثر من ثلاثين سنة في المهنة، وتتبّع العوامل التي ساهمت في توجيهه إلى دراسة التاريخ، واعتماده منهجا معينا في أبحاثه، ثم محاولة تقويم هذا المنهج، وتقدير نصيبه من النجاح والفشل»(14)أ و كما وردت على لسان«رشدي»حول المادة التي أعدّها لتكون موضوعا للعرض والنقاش«كانت تحدوني الرغبة في تأمل تجربتي العامة في الحياة بجانبيها العلمي والشخصي. تصوّرت أن محاولة صياغتها في كلمات ثم مشاهدة انعكاسها على عقول أخرى قد تضيء بعض جوانبها، وخاصة فيما يتعلّق بحياتي الداخلية. فلم يحدث أن عكفتُ على دراسة بعض حلقاتها واستخلاص مدلولاتها البعيدة، شأني في ذلك شان أغلب الناس الذين ينشغلون بالحياة نفسها عن تأملها»(15).

يصل رشدي إلى المعهد بدعوة من طرف أحد طلابه السابقين، وهو«ماهر لبيب» مدير المعهد، الذي كان«رشدي» درّسه في جامعة القاهرة، ثم نال منحة من جامعة كولومبيا لمواصلة دراسته العليا، ولما انتهى منها، رفض العودة إلى مصر، وحصل على الجنسية الأميركية، وأصبح مديرا للمعهد. ويمتلئ الإطار السردي للرواية، منذ اللحظة الأولى، بحركة «رشدي» في المدينة، والمعهد، والبيت، وتجواله في أحياء المهمشين، والمثليّين، والمهاجرين، فيبدو وكأنه باحث جاء يكتب عن أحياء سان فرانسيسكو. وتتخلل ذلك النقاشات الصفية المتشعّبة عن التاريخ، والسياسة، والمجتمع، إلى ذلك ترتسم ملامح حبكة سردية موازية، تمثلها الرسائل الإغوائية التي يتلقاها«رشدي» من طرف امرأة مجهولة، فيستجيب لها، ويشغل في البحث عن مصدرها. لكن أبرز ما يرسمه السرد هو التركيب المغلق للمجتمع الأميركي المسكون بهاجس الحذر، والتوجس، والخوف، والذعر؛ فالأبواب المغلقة، والأقفال الكبيرة، والمفاتيح الكثيرة، والعزلة، وغياب التواصل، والعزوف عن المشاركة، كل ذلك يتردّد في تضاعيف الرواية من أولها إلى نهايتها، وكأن العالم يترقب حدثا جللا يهدّد الأفراد. تبدو حركة الأفراد وكأنها تقع في متاهة مغلقة، ولا هدف لها.

تتميز رؤية«رشدي»بالشبقية، فعيناه تمران بسرعة على الأشياء، لكنهما تتريثان بشبق على مظاهر الأنوثة، وتصفان بدقة أجساد النساء، على الرغم من كونه كهلا ستينيا يعاني من ضغط الدم، وانسداد في الأذنين، وحساسية في الأنف، وأوجاع في العنق والظهر، وفطريات بين أصابع القدمين، وخيانة في الذاكرة، وضعف في البصر(16). وكل هذا لا يثنيه عن تصابي المرتحل، ورغبة المكتشف، فيمعن في مغامرات غالبا ما تنتهي إلى الفشل، وهو رجل معطوب الأعماق، وفيه درجة واضحة من النفور، والسوداوية. وتتوازى هذه الوقائع مع مسار ثان للأحداث تمثلها تجربته الذاتية والعلمية في مصر منذ أربعينيات القرن العشرين. وهي سيرة تتضمن تاريخ مصر المعاصرة، لكنها، في الوقت نفسه، سيرة مؤرخ غير امتثالي ذي رؤية ماركسية في تحليلاته للظواهر الاجتماعية، وصاحبها انزلق إلى التاريخ بقراءة روايات «ساباتيني» و«الكسندر دوماس الأب» و«جورجي زيدان» وهم أعلام الرواية التاريخية، وكأن «المؤلف الضمني» في النص يسوّغ معالجة المشكلات الاجتماعية بأسلوب روائي.

تشبّع «رشدي» بالتاريخ المصري، وعرفه جيدا، وسعى طوال حياته الأكاديمية إلى استبطان خفاياه وكشفها بمنهجية ثقافية تبتعد عن البحث المدرسي التقليدي، وهو يرغب في عرض كيفية تشكيل هذه التجربة أمام طلابه الأميركيين المنحدرين من خلفيات دينية، وثقافية، وعرقية متعدّدة، فيتطلّع إلى تقديم تجربته ورؤيته معا، على خلفية شاملة من عرض لأفكار بروديل، وهوبزباوم، وجمال حمدان، وطه حسين، وسواهم، ويحرص على كشف الصلات المتشابكة بين وقائع التاريخ وحواضنه الاجتماعية، والبحث في المؤثرات المحاذية لها، وهذا يدفع به إلى عرض وجهة نظره الشخصية مرفقة بأحداث التاريخ. وفي الغالب يقع رفض لوجهة النظر هذه، أو أنها تستدعي مزيدا من الحوار والنقد، وربما الاختلاف، ومن ذلك فما أن يثار أمر المذابح الصهيونية في فلسطين، ومنها«مذبحة دير ياسين» التي جرت وقائعها في ربيع عام 1948ضد فلسطينيين عُزّل  حتى تتسرّب إشاعات في الوسط الجامعي بأن حلقته الدراسية يسودها جوٌّ من معاداة السامية، فيرتسم قلق، ثم خوف؛ ذلك أن أعضاء الهيئة التدريسية في المعهد- وكذلك الطلبة- ما زالوا ينتمون إلى هوياتهم الأصلية التي تحدّروا منها، ولم ينصهروا بعد في بوتقة هوية جامعة، فكل فكرة تكون مثار استياء وسخط إذا ما جرى تحريف مقاصدها بحيث يفهم منها أنها تنتقد هذا الدين أو ذاك، أو هذا العرق أو ذاك، أو أنها تعيد تقليب صفحات التاريخ على غير ما هو مرغوب فيه.

يسعى«شكري» المؤرخ والباحث، إلى توجيه طلابه نحو معالجة الظواهر التاريخية معالجة كلية توافق منظوره المنهجي، وذلك بإحالتهم إلى مصادر الفكر التاريخي الكبرى، وإتاحة الفرصة أمامهم لتبادل وجهات النظر، وإبداء الرأي بحرية كاملة، ويكاد يفلح فيما انتواه داخل قاعة الدرس، ولكنه يصاب بخيبة أمل حينما يدعى ضيف شرف على الاجتماع الشهري لـ«جمعية المصريين الأميركيين» فيلقي محاضرة عن واقع حال المجتمع المصري، ولا يجد، حينما ينتهي من حديثه، أحداً في القاعة سوى رجل لا يفهم العربية، فالحضور يتلاشى مذعوراً بالتدريج من القاعة كلّما اشتدت نزعة المحاضر النقدية للسياسات الحالية في مصر، وكأن الجمهور لا يريد أن يتحمّل وزر المسؤولية بالإصغاء إلى تشريح نقدي للحالة الاجتماعية الفاسدة التي ينتمي إليها، فعدوى الخوف لم تبق محصورة في مصر نفسها، إنما لاحقت، كلعنة الفراعنة، المصريين في المنافي، وصاروا كمن يتجنّب رؤية نفسه في المرآة، خائفين أن يضبطوا في حالة إصغاء لفكرة لا تريدها مؤسسة السلطة.

ويستأثر تاريخ القاهرة، وسان فرانسيسكو، بحيز مهم من بحث«رشدي» وطلابه، فعبر المقارنة التاريخية بين المدينتين لا يكتشف تاريخهما، فحسب، إنما التركيب الاجتماعي العميق الذي يحيل على تكوين الشعبين المصري والأميركي، وهو ما يقود إلى التعرف على هوية أمتين من خلال التاريخ الاجتماعي للمدينتين، وإذ يترافق وصفهما، يتضح طمس الأصول المجتمعية للساكنين الأصليين للمدينة الأميركية، وضروب الإبادة التي تعرّض لها الهنود الحمر، ووصول حملات المستوطنين البيض إليهم، ودفعهم من شرق أميركا إلى غربها بتطهير عرقي تؤججه أطماع المال والاستيطان إلى أن ينتهي الأمر بفناء الجماعات الأصلية، وإعادة صوغ ذاكرة ما تبّقى منها باعتبارهم غرباء وذلك بخطّة مُحكمة «وضعت للتذويب الثقافي بإعادة صياغة ذاكرة الهنود ووعيهم»(17).

وسنكتفي بمثال واحد من أمثلة التنكيل الذي تقدّمه الرواية عن طقس«سلخ فروة الرأس»الذي مارسه المستعمرون الأوائل، واستقرّ في وعي المستوطنين البيض فيما بعد«كانت السلطات الاستعمارية ترصد مكافأة لمن يقتل هنديا ويأتي برأسه، ثم اكتفت بفروة الرأس. وتصاعدت هذه المكافأة حتى بلغت مائة جنيه في عام 1704 وهو مبلغ كان يعادل أربعة أضعاف متوسط الدخل السنوي للمزارع في مستعمرات «نيو إنجلند» فكان بإمكان أي مستوطن عجوز أن يصطاد طفلين وثلاث نساء من الهنود فيصبح ثريا. وسرعان ما تأسست شركات-انجليزية وفرنسية- تستأجر فرقا من المغامرين لقتل الهنود والعودة بفروات رؤوسهم. وصار المستوطنون يتباهون بعدد ضحاياهم، وتباهى أحدهم بأن العدد٠٤ في الطلعة الواحدة. وتباهى آخرون- قبل زمن هتلر- بأن ملابس صيدهم وأحذيتهم مصنوعة من جلد الهنود. وكان الرئيس«أندرو جاكسون»الذي تزين صورته ورقة العشرين دولارا من عشّاق التمثيل بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد قتلاه، وإحصاء أنوفهم المجدوعة، وآذانهم المقطوعة، ورعى بنفسه في27مارس1814حفلة تمثيل بجثث800 هندي يتقدّمهم زعيمهم. ووصف الرئيس«تيودور روزفلت» المذبحة بأنها كانت «عملا أخلاقيا مفيداً؛ لأن إبادة الأعراق المنحطّة حتمية ضرورية لا مفر منها»(18). وبالمقارنة، فقد تعرّض المصريون لفتوح، وغزوات، من طرف سائر الحملات التي اكتسحت بلادهم، لكن التاريخ يكشف أنهم لم ينقرضوا مقارنة بالهنود، وتفسير ذلك أنهم تميزوا بخاصية «الاستقرار التي تسمح باستيعاب الغزاة، وخاصية التجانس. كان المصريون أمة واحدة بينما توزع الهنود الحمر على مائة شعب وأمة»(19).البحث التاريخي المقارن لا يكشف تماثلا، فحسب، إنما يرسم تباينا للتاريخ الاجتماعي للمدينتين، فقد تفتت الوجود الاجتماعي للهنود أمام زحف البيض، فيما ذاب الغزاة والفاتحون في بوتقة المجتمع المصري العريق.

وبالنظر إلى أن السيرة الذاتية لـ«رشدي»تحتل مكانا بارزا في متن الرواية، فينبغي التريث أمام صعاب التجارب العاطفية والبحثية التي تعثر بها، ليتضح مسار علاقته بالمرأة، ورؤيته التاريخية بوصفه باحثا يعرض تجربته أمام متلقّين يكادون يجهلون الحاضنة التاريخية لتجربته الشخصية، فمنذ بداية حياته ارتسم إخفاق واضح في المسارين الذاتي والأكاديمي له، وسيكون لذلك أهمية بالغة في صوغ رؤيته التاريخية وعلاقته بالمرأة، فقد أخفق جسديا مع الأميركية «برباره» لما قرّر اختبار رجولته، والتعبير عنها بعلاقة جسدية مع امرأة، فإذا بالفتاة تعزف عنه في اللحظة الحرجة لأنها مثلية «لا تحب الرجال وتعيش مع صديقة لها»(20) فأغلق أمامه أفقا طبيعيا حلم بارتياده، وهو في مقتبل العمر. وكان«رشدي» في شبابه ذا ميول مثلية، ولم تستقم علاقته بالمرأة على الإطلاق، على الرغم كل المحاولات التي قام بها، فبقي عازبا، على أن تعثراته العاطفية والدراسية تكشف شخصا يتحرك ببطء، ولكنه لا يتراجع. في عام1960أنهى دراسته الجامعية، وسجّل لنيل الماجستير في موضوع له صلة بـ«التاريخ المقارن» وذلك في أوج حملة تأميم الملكيات الخاصة التي قادها جمال عبد الناصر، واختار أن يكتب بحثا تاريخيا مقارنا عن «الملكية الفردية للأرض في مصر»فبعض المصريين يرون أن التأميم اعتداء على حق الملكية باعتباره حقا تاريخيا ومقدسا.

يرى «شكري» أن هذا التصور خاطئ لكل من يتمعّن في التاريخ المصري، لأنه «لم تُعرف الملكية الفردية للأرض طوال خمسة آلاف سنة، ففي العصر الفرعوني كانت الأرض كلها للفرعون، وصارت بعدها للملوك والسلاطين، واقتصر اقتطاع بعضها على حق الانتفاع. وفي العصر الحديث أعلن«محمد علي» نفسه المالك الوحيد لها تاركا للفلاح حق الانتفاع وحسب. ثم بدأ اقتطاع أجزاء منها لأفراد أسرته الألبانية، ولمن رضي عنهم من المصريين، ولم تتحوّل إلى ملكيات فردية حقيقية إلا في عهد حفيده«سعيد». وكانت هذه الملكيات غير الشرعية هي الأساس الذي قامت عليه بعد ذلك بقية أشكال الملكية من تجارية وصناعية. وظلّت الأخيرة حكرا لدائرة ضيقة من المتمصّرين، وأعوان الانجليز، الذين غدروا بـ«عرابي» وساعدوا على احتلال البلاد في1882 ووصل الأمر قبل ثورة 1952 أن كان نصف في المائة من مجموع السكان يملكون نصف الدخل القومي…التأميم لم يكن تصحيحا لظلم تاريخي بقدر ما كان حلا لمشكلة اقتصادية، فالرأسمالية المصرية كانت ضعيفة، وجرّدها هذا الضعف من الجرأة والخيال. فبدلا من الإقدام على مشروعات ضخمة تؤتي أكلها بعد عقود، اقتصرت أحلامها على الربح السريع الذي يتحقّق من المشروعات الخدمية والاستيراد، ولهذا لم يكن أمام الدولة المقبلة على خطة تصنيع وتحديث طويلة الأمد، إلا أن تضع يدها على الأصول الضرورية لذلك«(21).

يرفض المشرف فكرة الكتابة عن الملكية الخاصة للأرض؛ لأنها لا توافق المواد الجامعية المقرّرة التي تعنى بوصف الظواهر الاجتماعية، وليس تفسيرها، فيختار البحث في الحضارة الفرعونية، لكن الاهتمام بهذا الموضوع يشوبه الحذر؛ لأنه غير مرغوب فيه مع هيمنة الأيدلوجيا القومية في تلك الحقبة، ولهذا يرفض أيضا. وفي وقت متأخر يعرف رشدي أنه موضوعاته تلاقي عنتا من المشرف الذي يدفع به للبحث في «تاريخ الشعوبيين في اليمن» ليستفيد من نتائج البحث في إعداد دراسة موسعة عن «الحركات الشعوبية في الوطن العربي» كان وزّع أجزاءها على طلاب الدراسات العليا، ليجنى ثمارها هو، إذ راج آنذاك أن كل من يعارض السياسات الناصرية على المستوى العربي يوصم  بالشعوبية.

 لا يشعر «رشدي» بالميل إلى هذا الموضوع الذي وجده غريبا عنه، لكنه لاحظ أن معاداة أستاذه سوف تجلب له الضرر، فاختار ما يمكن الاتفاق عليه بينهما، وهو «الفتح العربي لمصر» من أجل تفسير الظروف التي جعلت المصريين يغيرون ديانتهم مرتين خلال خمسة قرون، مع ما رافق ذلك من تعاقب الهيمنة الأجنبية على البلاد خلال الحقبة التي سبقت ورافقت الفتوحات العربية. لكن المشرف الذي تبوأ مكانة وظيفية مهمة في الكلية، كان متخوّفا من أن «يحقق أحد من زملائه أو طلبته اختراقا في البحث» فوقف دون ذلك، وتراجع«رشدي» ولم يجسر على المضي بمطالبه، الأمر الذي جعله ينتهي باختيار مخطوط «المردفات من قريش» لـ«أبي الحسن علي بن محمد المدائني» ويقوم بتحقيقه على الرغم من وجود تحقيق سابق له. وبصعوبة بالغة انتهى من دراسته، حالما بالتوظيف في الجامعة، فإذا بنكسة عام1967 تبدّد كل أحلامه، إذ يجنّد خلال حرب الاستنزاف حتى حرب أكتوبر عام1973. وبعد ذلك، وحينما تعصف بمصر سياسات الانفتاح الاقتصادي، وتبرز الأصولية الدينية، وتنهار المقومات الاجتماعية التي أرستها الحقبة الناصرية، يحاول استئناف دراسته للدكتوراه، وبتأثير من منهجية «طه حسين» يروم تخصيص بحثه لحركة القرامطة، وهي حركة محل اختلاف المؤرخين، وتمكّن بصعوبة من تمرير بحثه، فانتهى منه في أواخر عهد السادات عام 1981بعد أن تعثر طويلا. وأفلح في الالتحاق أستاذا في الجامعة، لكنه قوبل بصعاب التآلف مع المدّ الديني الذي اكتسح الجامعة المصرية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، فاعتكف معتزلا يحاول تفسير حال مجتمع انزلق إلى هاوية مجهولة، وشرع بتأليف كتاب بعنوان«نظرية في الاكتئاب الجمعي» يريد به تشريح حس الانهزامية، والامتثالية للشعب المصري.

 ترافق كل ذلك بتعثر متواصل لحياته العاطفية، فآل به الأمر أن أصبح وحيدا تلفّه نظرة سوداوية لحياة مجتمعه، فـهو كائن مفارق مشغول بتحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية التي تدفع به إلى الهامش، إذ كان شاهدا على صعود كافة مظاهر الرياء، والولاء الأعمى، والنفاق، وتراجع حرية التفكير، والتعبير، وغياب العقلانية، وسيادة التفكير السلفي، وسقوط المجتمع بأكمله في منطقة الحيرة الكاملة. ويمثل كل ذلك رحلة اكتشاف لمجتمعه تمّتْ على أرض غريبة، فقد مكنته ظروف إعارته القصيرة إلى أميركا ليس فقط من البوح  بسيرته الذاتية الملتبسة، إنما حررته من الخوف، فأتاحت له، عبر المقارنة، والحوار، عرض رؤيته للتاريخين المصري والأميركي . إن التعثر العاطفي والبحثي دفعا به إلى منطقة التردّد والشك، فهو محكوم بقوى أكبر، ورغبات أوسع، وأيدلوجيا شمولية تريد صوغ اختياراته، فيخالجه قلق داخلي، ويعيش حالة متواصلة من الإحساس بالإخفاق، والقهر، والظلم، وبما أنه عاجز عن تصحيح الخطأ الخاص برغبات الأفراد على المستوى العاطفي أو الفكري، فتنشط لديه رؤية نقدية لكل ما يحيط به.

تعرض سيرة «رشدي» الأكاديمية على خلفية أرشيف متنوع من الوقائع اليومية الكثيرة الخاصة بالمجتمع الأمريكي خلال الأشهر الأخيرة من عام 1998 مما تنشره الصحف ووسائل الإعلام عن البطالة، والاستهلاك، والفضائح، والجرائم، والجنس، ومنها علاقة الرئيس الأمريكي «كلنتون» بالمتدربة في البيت الأبيض «مونيكا لوينسكي» وتداعياتها، بما في ذلك التحقيقات القضائية، واعتراف الرئيس بتلك العلاقة، وكل ذلك يستأثر باهتمام كبير من الراوي، والحامل لأيديولوجيا المؤلف إلى درجة المطابقة الكاملة. وتتوزع المادة الروائية على هذه المحاور المتداخلة فيما بينها على نحو شديد التلازم، فلا ينفرط عقدها الناظم لأن الإطار السردي يدرجها بالتتابع بحيث تكشف بوضوح عن الرؤية السردية المهيمنة في النص، وهي رؤية نقدية للمجتمع الأميركي، تفضح التمييز العنصري، وتكشف العيوب بلا مواربة بعيني رجل مترحّل، وطارئ، مولع بثقافة البورنو، لكن طاقته الجنسية تبقى شبه مشلولة، وحبيسة، ولا تعبر عن نفسها بالأسلوب الصحيح إلا ما تستثيره فيه الأفلام الإباحية ليلا. على أن بحث «رشدي» في أعماق المجتمع الأميركي يظهره مجتمعا مأزوما تتناهبه أزمات المال، والنفوذ السياسي، والعنصرية، والجنس، والخوف.

 ولا يمكن أن نغفل دلالة العنوان، إذ يفلح المؤلف في نحت كلمة جديدة من عبارة، والكلمة هي «أمريكانلي» أما العبارة فهي «أمري كان لي» وهو العنوان الثانوي الشارح المثبّت على غلاف الكتاب، والصلة بين الكلمة المنحوتة والعبارة تبدو قوية بدليل ترابطهما وظهورهما معا كعنوان للرواية، لكن ربما يكون من الصعب إقامة صلة دلالية مباشرة بينهما بما يضفي معنى خاصا على هذا الاقتران، فالمؤلف يقدّم تفسيرا في متن الرواية يختلف عن هذا الاقتران الظاهر، فيقول «إنني ألفتُ في طفولتي أن أسمع تعبير «أمريكاني» يطلق على أية سلعة ذات مظهر براق، وسريعة التلف. فقد خلّفت الحرب العالمية الثانية طلبا على سلع واحتياجات لم تعد الصناعات الإنجليزية أو الألمانية قادرة على تلبيتها، وغُمرت الأسواق بمنتجات سعى صناعها الأمريكيون وراء ربح سريع فلم يعتنوا بجودتها، ولم أتصور أن الأمر شمل البشر أنفسهم»(٢٢). وهذا التناقض سيضع أمامنا الاحتمالات الدلالية الآتية: يحيل العنوان والعبارة الشارحة إلى تعارض لا يخفى، فالعبارة تقرر الاستقلالية، فيما العنوان يوحي بالتبعية، فأن تكون «أمريكانليا» هو أن تكون تابعا، وهو معنى يتعارض مع الدلالة الظاهرة للعبارة، ويدعم التفسير الذي يقدمه النص هذا التناقض، فاللفظة تطلق على السلع البراقة سريعة التلف، إلى ذلك أنها تدل على الناس المنشغلين بالمظاهر الخادعة. باختصار أنها تحيل على المزيفين، المتقلبين، والمسطّحين، والطارئين. كيف إذا يمكن التوفيق بين «أمريكانلي» و«أمري كان لي»؟.

إن التنازع حول المعنى قائم في صلب العنوان، وفي داخل النص. وليس من تخريج لهذا التنازع غير استعادة حياة «شكري» في أمريكا، فلا يمكن التأكيد بأنه أصبح مزيفا، وسطحيا، فرؤيته السردية لا تكشف سوى الأخطاء، ولا يستأثر باهتمامه غير السلبيات التي تبدأ من الدائرة الضيقة التي تحكم حياته، وصولا إلى علاقته بطلبته، وجولاته في أحياء الشاذين، والمهجّنين، والمشردين، وكشف الجانب الأسود من تاريخ المدينة، وعنايته المفرطة بحكايات المثليين، ومراقبتهم في الحانات والمقاهي والشوارع. فهو باختصار لم يمتثل لسطوة الدعاية الأمريكية، ولم يصبح مزيفا، ولا مسطحا، وبذلك ظل أمره بيده، ولكن هل من الصحيح أن تقود عدم الامتثالية إلى الاختزال، والرؤية القاتمة؟. من الواضح أن «رشدي» انصرف إلى جانب واحد من الوقائع التي تطابق منظوره فلم يرَ سواها، ولم يورد إلا ما رغب فيه. فهل يكون امتلك أمره لأنه عدّ نفسه مستقلا، ولم ينخرط في التزييف الأمريكي الذي يراه قد شمل العالم؟. من الصعب أيضا الأخذ بهذا التخريج، فالرؤية السردية كانت منحازة لا تتوقف إلا على التناقضات. ومن المستحيل كذلك تفسير هذه الاستقلالية اعتمادا على رؤية تلتقط المفارقات. ولهذا يكاد العنوانان العام والشارح يقوضان الدلالة المنتظرة من التسمية، فقد ارتسم التناقض على الرغم مما يحتمله من تورية.

رحلة البحث التي قام بها «رشدي» إلى أميركا تضعنا أمام أكاديمي مقتلع من تاريخه الاجتماعي والوطني، وهو لا ينتمي إلا إلى أفكاره، ونفسه، هو مملوءة بالفضول، والشكوك، والرغبة الجامحة بالتلصّص، ويسكنه الفضول، وذو تاريخ شخصي ملتبس، ويكاد يمضي حياته اليومية بلا هدف واضح، لكن رؤيته المادية للتاريخ شديدة الأهمية، وتتميز بسجل نقدي لا يعرف الامتثال، إلا في حالات اضطرارية عابرة. وهي تكشف أمرين على غاية من الأهمية، فمن جهة أولى تسلّط الضوء على البطانة الداخلية للمجتمع الأميركي حيث انهيار نظام القيم العام، وهيمنة المصالح، والولاءات، وتسرّب البرود إلى العلاقات الإنسانية، فكأننا بإزاء عالم من الدمى وليس من بني البشر، فالسرد لا يستبطن العمق الإنساني للشخصيات، فحسب، إنما يرصد علاقاتها الخارجية القائمة على المنافع. ويخيم الجمود العام على المدينة، فمنظور الراوي يركّز على الشوارع الفارغة، ويجسّم الخوف في أحياء الشاذين، والمثليين، ومتعاطي المخدرات، ومن جهة ثانية تكشف تلك الرؤيةُ السيرةَ الاستعادية للشخصية الرئيسة في الرواية على خلفية التاريخ المصري الحديث، حيث لا أمل إذ ثمة فساد يتفاقم في مجالات الحياة كافة، وفي مقدمتها الوسط الجامعي، فالدوائر السردية الثلاث المكونة للعالم التخيلي للرواية: الدائرة الخاصة برشدي، ثم الدائرة الخاصة بمجتمعه المصري، وأخيرا الدائرة الخاصة بالمجتمع الأميركي، تتداخل فيما بينها فتُظهر عالما يزحف إلى حتفه الأخير بمزيد من السرعة بعد أن تخلّى عن القيم الكبرى الناظمة له. رحلة«رشدي»البحثية إلى خارج مصر كانت مناسبة للعودة إلى كشف تاريخها، ومناسبة لاستعادة تاريخ مطموس لشخص ظل دائما عائما على هامش الحراك العام لمجتمعه.

٭ وغير بعيد عمّا أفضت إليه رحلة «رشدي» في رواية «أمريكانلي» القائمة على فكرة الارتحال، والبحث، والاكتشاف، تتنزل رواية رواية «شيكاجو» لـ«علاء الأسواني» في صلب الموضوع نفسه، فقوامها السردي يتشكّل من علاقات متشابكة لمجموعة من الشخصيات المصرية أو الأميركية، في مدينة شيكاجو، ومع أنها تلقي بعض الأضواء على ماضي تلك الشخصيات لكنها تعرض لحاضرها في ظل المتغيرات الحاصلة في المجتمعين المصري والأميركي، وترتسم ملامح الشخصيات وطبائعها بالتدريج، عبر بناء سردي متواز للأحداث، لا يتيح لمعظم الشخصيات أن تلتقي بعضها ببعض، إنما  تقتصر معظم اللقاءات على شخصيتين، من بين عدد يزيد على عشر في الرواية، وعلى الرغم من أن معظم الشخصيات مصرية أو من خلفيات مصرية، فإن المادة السردية الأساسية للرواية هي مزيج من وقائع أميركية ومصرية، كما رأينا في «أمريكانلي». وتحمل رواية «شيكاجو» الهموم المحلية لشخصياتها، وتدرجها في سياق الحياة الأميركية، ولا تكاد تتفاعل مع العالم الجديد الذي وجدت نفسها فيه لأسباب خاصة بمواصلة الدراسة، أو الهجرة، أو العمل، فالموضوع الوطني المصري يستأثر باهتمام الجماعة المبتعثة للدراسة في أميركا، أو تلك الشخصيات التي دفعت، لأسباب متعدّدة، إلى مغادرة مصر في وقت سابق لأسباب سياسية أو دينية. وقد مرّ بنا تصميم«رشدي»وطلابه على البحث في تاريخ«سان فرانسيسكو»وهو ما نجد نظيراً له في رواية «شيكاجو» التي تبدأ بالفكرة نفسها، وبالرؤية ذاتها تقريبا، وبالتركيز نفسه، فتاريخ المدن الأميركية يعوم على مذابح دموية لاستئصال السكان الأصليين من الهنود الحمر، والتنكيل بهم.

تبدأ الرواية بالتوضيح الآتي «قد لا يعرف الكثيرون أن «شيكاجو» ليست كلمة انجليزية، وإنما تنتمي إلى لغة الألجنوكي، وهي إحدى لغات عديدة كان الهنود الحمر يتحدّثون بها.. معنى شيكاجو في تلك اللغة «الرائحة القوية» والسبب في هذه التسمية أن المكان الذي تشغله المدينة اليوم، كان في الأصل حقولا شاسعة خصصها الهنود الحمر لزراعة البصل، الذي تسببت رائحته النفاذة في هذا الاسم»(23). بعد هذه المقدمة حول التسمية، يأتي الشرح«ظل الهنود الحمر لعشرات السنين يعيشون في شيكاجو، على ضفاف بحيرة ميتشجن، يزرعون البصل ويرعون الماشية ويمارسون حياتهم بسلام..حتى عام 1673عندما وصل إلى المنطقة رحّالة وصانع خرائط يدعى لويس جولييه، يرافقه راهب فرنسي من طائفة الجزويت اسمه جاك ماركت..اكتشف الرجلان شيكاجو، وسرعان ما توافد عليها آلاف المستعمرين كما يتدافع النمل على إناء من العسل..وخلال المائة عام التالية: شنّ المستعمرون البيض حروب إبادة مروّعة، قتلوا خلالها ما بين ٥و12 مليون نفس من الهنود الحمر في كل أنحاء أمريكا..وكل من يقرأ التاريخ الأمريكي لابد أن يتوقف أمام هذه المفارقة: فالمستعمرون البيض، الذي قتلوا ملايين الهنود واستولوا على أراضيهم ونهبوا ثرواتهم من الذهب..كانوا- في نفس الوقت- مسيحيين متدينين للغاية..على أن هذا التناقض سينجلي عندما نعرف الآراء الشائعة في تلك الفترة؛ فقد ذهب كثير من المستعمرين البيض إلى أن «الهنود الحمر، بالرغم من كونهم ضمن مخلوقات الله على نحو ما، فإنهم لم يخلقوا بروح المسيح، وإنما خلقوا بروح أخرى ناقصة وشريرة». وأكد آخرون بثقة «أن الهنود الحمر مثل الحيوانات، مخلوقات بلا روح ولا ضمير، وبالتالي فهم لا يحملون القيمة الإنسانية التي يحملها الرجل الأبيض» وبفضل هذه النظريات الحكيمة، أصبح بمقدور المستعمرين أن يقتلوا ما شاءوا من الهنود بلا أدنى ظل من ندم أو شعور بالذنب، ومهما بلغت بشاعة المذابح التي يرتكبونها طوال النهار، لم يكن ذلك ليفسد نقاء القداس الذي يقيمونه كل ليلة قبل النوم!»(24).

 هذا التماثل في الرؤيتين السرديتين مهم جدا، فهو يكشف أن المدن الأميركية الكبرى إنما هي مستوطنات بيضاء جرى التنكيل بساكنيها الأصليين، أكثر مما هي مدن وطنية جامعة للأمريكيين، فالأهالي الأصليون إما أبيدوا عن بكرة أبيهم جراء المذابح التي تعرضوا لها، أو استبعدوا إلى الهامش دون أي دور في عالم يتدافع فيه البيض حول الهيمنة على كل مفاصل الحياة الرئيسة في أمريكا، وسواها من المستعمرات. هذه الرؤى الجديدة تنتمي إلى حقبة ما بعد الكولونيالية، وهي تتطلع إلى زحزحة التصورات السائدة، ونقضها، واقتراح منظورات بديلة تقوم على كشوفات جديدة للتاريخ الأميركي، والتاريخ العالمي برمته في العصر الحديث، ولها أهمية بالغة في استئناف النظر مجددا بالمسلمات الشائعة، فبالسرد تعاد كتابة التاريخ الوطني والقومي والعالمي، وتزاح إلى الخلف التواريخ الزائفة التي رسختها إما الثقافة الاستعمارية أو التفسيرات المحاكاتية لها. وإذا كنا لاحظنا توازيا بين المادة التخيلية والمادة الوثائقية في رواية «أمريكانلي» فإننا نلمس توازيا مختلفا لبنية الأحداث في رواية «شيكاجو». وهذه التقنية السردية تتيح للمتلقّي متابعة الأحوال الفردية للشخصيات دون الاهتمام بالعلاقات التفصيلية التي تربطها فيما بينها، كما ويتيح هذا النوع من البناء إمكانية أن يملأ المتلقّي الفراغات بين الأحداث على سبيل التوقع. ولهذا غالبا ما تنتهي الأحداث عند واقعة جديدة، وتفتح أفق انتظار أمام الأحداث الآتية. وذلك يخلق تشويقا سرديا بالغ الأهمية.

تُفتح الرواية بتقديم وصف لمدينة «شيكاجو، وثم تنتقل إلى التفصيل في قسم «الهستولوجي» وهو قسم علمي خاص بتحليل الأنسجة، في كلية الطب في جامعة «إلينوي». يعدّ هذا المكان البؤرة الحاضنة لأحداث الرواية، كون الشخصيات الأساسية في الراوية لها صلة به أساتذة أو طلبة، لكن كثيرا من الأحداث تجري بعيداً عنه. وأول ما يفصّله السرد هو الصراعات الثقافية والعلمية بين أساتذة القسم، فهم من خلفيات أميركية أو مصرية، ومنهم: بيل فريدمان، رأفت ثابت، محمد صلاح، جون جراهام، جورج مايكل، دنيس بيكر، ثم ينتقل إلى الطلبة المبتعثين من مصر للدكتوراه: طارق حسيب، وشيماء محمدي، وأحمد دنانه، وأخيرا يلتحق الطالب «ناجي عبد الصمد»وهو شاعر، وناشط في العمل السياسي، ويريد الحصول على الماجستير لتدعيم موقفه في قضية رفعها على جامعة القاهرة؛ لأنها رفضت تعيينه «لأسباب سياسية»وسيظل وعيه الناقد للأوضاع السياسية في مصر قائما إلى نهاية الرواية، كما ظهر عند نظيره «رشدي» في رواية «أمريكانلي». وينتهي الأمر باعتقاله من طرف مكتب التحقيقات الفدرالي بتهمة الإرهاب، ورؤية «ناجي» الكلية للتاريخ والمجتمع تكاد تطابق رؤية «رشدي» فكلاهما مشتبك بالحالة السياسية لبلده، ولا يتردّد كل منهما في الإفصاح عن موقفه النقدي الخاص لكل ضروب الفساد والاستبداد التي تعصف بمصر الحديثة.

لكي تتضح وظيفة الارتحال، وتتبيّن أهمية الاكتشاف، ينبغي الوقوف على الشخصيات الأساسية في الرواية، ومعظمها يرتحل من مصر إلى أميركا، في محاولة للبحث عن أماكن بديلة أو لتحسين أوضاعها، وأول ما يلفت الانتباه هو أمر التناقضات فيما بينها، وهو تناقض ينتهي إلى تخريب مصائرها الذاتية، فـ«رأفت ثابت» فرّ من مصر في أول الستينيات إثر التأميمات الناصرية لمصانع الزجاج التي كانت لأبيه، وهرّب أموالا، وتمكّن من إكمال دراسته، وتزوج ممرضة أميركية ليحصل على الجنسية، ودرّس في نيويورك وبوسطن، ثم استوطن شيكاجو منذ ثلاثين سنة، وجمع ثروة، ولا يشغله إلا السعي الدائب لقطع الصلة بكل ما يذكّره بمصر، فبعد صدمة الهروب، اكتنز كمّاً هائلا من الكراهية لمصر والمصريين إلى درجة لا يدّخر فيها أية فرصة دون الإعلان عن تلك الكراهية، فقد لازمته نقمة عميقة ما انفك يعبر عنها باستمرار حتى في الاجتماعات الرسمية، حيث يبدي رفضا مبدئيا لقبول أي مصري في قسم «الهستولوجي» اعتقادا منه إلا فائدة من تعليم المصريين، ورعايتهم. وحجته «باعتباري كنت مصريا في يوم من الأيام، فأنا أعرف جيدا كيف يفكر المصريون.. إنهم لا يتعلّمون من أجل العلم..وهم يحصلون على الماجستير والدكتوراه ليس من أجل البحث العلمي، وإنما من أجل الحصول على ترقية أو عقد مجز في بلاد الخليج»(25).

 وبعد أحداث١١سبتمبر 2001 شرع رأفت «يجاهر بآراء ضد العرب والمسلمين قد يتحرّج منها أكثر الأمريكيين تعصبا، كأن يقول مثلا: من حقّ الولايات المتحدة أن تمنع أي شخص عربي من دخول أراضيها حتى تتأكد من أنه شخص متحضّر..لا يعتبر القتل فرضا دينيا»(26). لكن كرهه الظاهر لخلفيته الثقافية، والتنكّر لها، يستبطن أخلاقا شرقية لم يتمكّن من التخلص منها، فالمبالغة في ادعاء الاندماج تخفي إحساسا مرضيا بالإبعاد والنفي، ومع ثرائه، وحبه الاستعراضي للتمتع بالحياة، وطمس ماضيه الذي يراه عارا لاصقا به، فإنه يعيش حياة أسرية متوتّرة مع زوجته الأميركية «ميتشل» وابنته «سارة» التي تتعلّق بفنان مدمن على المخدرات، فتصبح مدمنة، وتهجر الأسرة، وينتهي الأمر بوفاتها، فترتسم معالم انهيار في حياته.

أما محمد صلاح- وهو شأن رأفت أستاذ في قسم الهستولوجي- فعاجز جنسياً، وقد انهارت حياته الخاصة، فلجأ إلى الخمر، وهو ينطوي على ماض يسبب له كثيرا من القلق، والشعور بالإخفاق والعجز، وتأنيب الضمير، فقد ارتبط بـ«زينب رضوان» التي كانت إحدى الناشطات في الحركة الطلابية أول سبعينيات القرن العشرين، ثم تخلّى عنها، بعد أن اتهمته بالجبن لأنه متخاذل في شعوره الوطني، فهرب إلى أميركا، وخدع عاملة مطلقة في حانة، هي«كريس» وأخضعها لنزواته الجنسية، ثم تزوجها ليحصل على الوثائق الرسمية، وكان عقيما، وبعد ثلاثين عاما من الحياة المشتركة انتهت حياته بالفشل، وقد شلّ الحياة الجنسية لزوجته فلاذت بالأدوات الخاصة بالمتعة، وينتهي هو منتحرا بمسدسه الذي كان يحتمي به في«شيكاجو». ومن بين الشخصيات المهمة يظهر جراح القلب«كرم دوس» الذي اضطر مجبرا إلى الهجرة؛ لأن رئيس قسم الجراحة في كلية طب جامعة «عين شمس» كان «مسلما متشدّدا ويجاهر بكراهيته للأقباط، وكان يؤمن بأن تعليم الأقباط الجراحة لا يجوز في الإسلام لأنه يمكّن الكفار من التحكّم في حياة المسلمين!»(27) فيرفض كل محاولات كرم دوس للاستمرار في الجراحة التي يحلم أن يتخصّص بها، ويضطر للتوجّه إلى أميركا. ومن الطريف أن يصاب أستاذه الذي حال دون دراسته الجراحة، بأزمة قلبية، بعد ثلاثين سنة، ولا يكون شفاؤه إلا  بيدي دوس نفسه. وكل ما يشغل هذا الجرّاح هو إسداء الخدمة إلى مصر، ومحاولة تطوير جراحة القلب فيها، لكنّ كل محاولاته تبوء بالفشل؛ فالنظام التعليمي الفاسد القائم على التمييز والتحيز والاستبعاد لا يتيح لأحد التقدم بأية مبادرة مفيدة للمجتمع. ولا غرابة أن يكون كرم دوس أحد الناشطين ضد سياسات النظام الحاكم اعتقادا منه أن ذلك يسهم في تنظيف البلاد من الفساد.

 ويبرز«أحمد دنانه» عميل المباحث المصرية في القاهرة وفي شيكاجو، وهو مبتعث لدراسة الطب، ورئيس «اتحاد الدارسين المصريين في أميركا» وشخصية مداهنة، ومخادعة، ويكتب تقارير أمنية عن زملائه، ولا يتردد في التنكيل بهم إن لاحظ عليهم ما لا يرغب فيه. وهو بخيل يستغل زوجته الشابة«مروة نوفل» أبشع استغلال، ويتطوّع ليكون قوادا عليها لضابط المباحث في السفارة«صفوت شاكر» ولا ينفك يخادع الآخرين بتديّنه بإبراز ندبة الصلاة في جبهته دلالة الإيمان، لكنه منافق، ووصولي، ويرى في أمريكا أرض حرب، ويجوز له شرعا ما يريد فعله في أرض الكفار بما في ذلك الخداع والسرقة، وسرعان ما يزوّر نتائج بحثه  للدكتوراه، فيحال على التحقيق، ثم يطرد من الجامعة، لكن «صفوت شاكر» يتستر عليه لخدماته في مراقبة أقرانه من المبتعثين، ورغبته في النيل من زوجته. ولعل «صفوت شاكر» هو أهم الشخصيات التي تثير الذعر في الرواية بين المصريين، فقد تدرّب على تطوير أساليب البطش بالمعارضين للنظام، وأصبح ماهراً في إذلالهم، وهو من ابتكر هتك أعراض النساء أمام ذويهن من السجناء ليدلوا باعترافاتهم، أو اختلاق اعترافات كاذبة، فرقّي إلى أعلى المناصب في جهاز المباحث، وكوفئ على نجاحه في الوصول السريع إلى النتائج المرجوّة مع المناهضين للنظام، وانتهي به الأمر ليكون المسؤول الأمني في السفارة المصرية في واشنطن، والعين الرقيبة على تحركات كل المصريين في سائر أمريكا، ويتطّلع لأن يكون وزيرا للداخلية.

وثمة شخصيات أخرى مثل «شيماء محمدي» القادمة لدراسة الطب من«طنطا» وهي امرأة تقليدية، مشبعة بالثقافة الدينية، و«طارق حسيب» المتحدّر من أسرة ثرية، والذي يمضي حياته اليومية في الدراسة نهارا، والاستمناء ليلا. وبسبب العزلة والغربة تنشأ بينهما علاقة جسدية، تنتهي بحمل شيماء، وإجهاضها في أحد المراكز المتخصصة لذلك، وطوال علاقتهما يشغلان بتخريج النصوص الدينية المحرمة للزنا بحيث لا تتعارض مع رغبتهما الجسدية. ولكن الرواية لا تقتصر على الشخصيات المصرية، إنما حتى الشخصيات الأميركية تتباين في مواقفها، فهنالك من يؤيد السياسات الأميركية العنصرية مثل «جورج مايكل» وهنالك من يرفضها ويقاومها مثل «جون جراهام» الذي يمثل جانبا من الأيدلوجيا النقضية في المجتمع الأميركي، وهو معارض بصورة كلية لسياسات بلاده منذ حرب فيتنام، وسوف يصبح مشرفا على ناجي عبد الصمد، فيتوافقا في الرؤية الأيدلوجية في كل شيء تقريبا.

منذ لحظة وصوله يبدأ «ناجي عبد الصمد»- هو الشخصية المركزية في الرواية- بتسجيل وقائع رحلته بمذكرات صريحة تكشف رؤيته لنفسه وللعالم المحيط به، وتلك الوقائع تتوازى مع المتن السردي الخاص بالشخصيات الأخرى، وأول ما يفاجأ به هو التباين بين السياسات الأميركية السيئة الصيت في العالم، وبخاصة في الشرق الأوسط،  وطيبة الشعب الأميركي «أنا الآن في أمريكا التي طالما هاجمتها وهتفت بسقوطها وأحرقت علمها في المظاهرات.. أمريكا المسؤولة عن إفقار  وشقاء ملايين البشر في العالم.. أمريكا التي ساندت إسرائيل وسلّحتها ومكّنتها من قتل الفلسطينيين وانتزاع أرضهم.. أمريكا التي دعمت كل الحكام الفاسدين والمستبدين في العالم العربي من أجل مصالحها.. أمريكا الشريرة هذه أراها الآن من الداخل فتنتابني حيرة.. ويلحّ عليّ سؤال: هؤلاء الأمريكيون الطيبون الذين يتعاملون مع الغرباء بلطف، الذين يبتسمون في وجهك ويحيّونك بمجرد أن تلقاهم، الذين يساعدونك ويفسحون لك الطريق أمام الأبواب ويشكرونك بحرارة لأقل سبب، هل يدركون مدى بشاعة الجرائم التي تقترفها حكوماتهم في حق الإنسانية؟»(28).

هذا التقرير الشخصي المباشر القائم على مبدأ حكم القيمة هو ما يبدأ به «ناجي عبد الصمد» مذكراته حالما تطأ قدماه الأرض الأميركية، وهو يكشف عن موقفه الأول، قبل الوصول إلى أميركا، لكنه سرعان ما يحذف كل ذلك، وكأنه يشرع بتغيير وجهة نظره التي انشطرت إلى ثنائية حكومة شريرة وشعب طيّب، وبكل ذلك يستبدل مذكرات شخصية عمّا يجري له، وحول ما يخوض من تجارب «قرّرت أن أكتب ببساطة ما أشعر به. لن أنشر هذه الأوراق ولن يقرأها أحد سواي، أنا أكتب لنفسي، أكتب حتى أسجل نقطة التحول في حياتي، انتقل الآن من عالمي القديم الذي لم أعرف سواه، إلى عالم جديد مثير مفعم بالإمكانات والاحتمالات»(29). تضعنا هذه البداية أمام شخص تتشابك رؤاه ورغباته، فهو يعي أهمية البحث في نفسه أولا، ليكتشف العالم المحيط به، فقد جاء بحمولة أيدلوجية تقول بأن أمريكا هي أرض الشر المطلق، فإذا به يجد شعبا طيبا لا صلة له بالسياسات الخارجية لحكومته. ينبغي عليه إذا اختبار الصورة النمطية التي كوّنها عن الآخرين، وذلك لا يتأتّى إلا إذا قرّر إعادة اكتشاف نفسه بمنظور آخر للمكان الجديد الذي وصل إليه، فلمعرفة أميركا ينبغي أولا التخلّص من العمى الأيدلوجي الذي يحول دون معرفته بها. وأول ما أراد اختباره هو التعبير عن رغبته الجنسية المؤجّلة في مجتمع يكفل حريته الشخصية، فشأنه شأن أي شاب خرج من قمقم الخوف اجتاحته إثارة جنسية مفاجئة حالما وصل إلى شقته الجديدة في السكن الطلابي، ففكر في كيفية إشباع تلك الحاجة بعيدا عن المخاوف التربوية التي ورثها «أخذت حماما ساخنا وصنعت لنفسي قهوة ثم تمدّدت على الفراش وأشعلت سيجارة.. وهنا حدث شيء غريب.. اجتاحتني فجأة خيالات جنسية فاحشة، تملّكتني رغبة عارمة كادت تؤلمني من فرط قوتها وإلحاحها!… فقد استبد بي هياج جنسي عارم لا أعرف له سببا.. ربما نتيجة إحساسي بالانطلاق وأنا أبدأ حياتي الجديدة في أمريكا»(30)

يغامر «ناجي عبد الصمد» فيهاتف امرأة طلبا للمتعة، متخيلا شبابها وجمالها، وهو أسير هياجه، فيقع ضحية عاهرة قبيحة مسنّة يكتشف أنها الأخرى ضحية مجتمع دفعها إلى اختيار البغاء «جاوزت الأربعين وربما الخمسين، سوداء، بدينة، تعاني من حول ظاهر في عينها اليسرى، كانت ترتدي فستانا أزرق قديما مهترئا عند الكوع، وضيقا يبرز ثنايا جسدها المكتنز بالشحم»(31). وتحاول عبثا استثارته، ثم ابتزازه لحاجتها إلى المال، فيتخلّص منها بعد أن دفع الثمن الذي تريده، ثم يتضح أنها زنجية مُعدمة لا تجد مصدرا للعيش وأطفالها غير هذه المهنة في مجتمع ظاهره الثراء وباطنه العوز. وهذه أول الصدمات التي يتعرض لها في يومه الأول، وفيما بعد يفسر له أستاذه المشرف «جون جراهام» الأسباب التي تقف وراء هذه الممارسات حينما يخبره بذلك «هذه المرأة البائسة في رأيي أشرف من كثير من الساسة الأمريكيين..إنها تبيع جسدها لتطعم أولادها، في حين أنهم يوجهون السياسة الأمريكية من أجل افتعال حروب للسيطرة على منابع النفط، ويبيعون خلالها أسلحة تقتل عشرات الألوف من الأبرياء حتى تنهمر عليهم الأرباح بالملايين»(32).

ويمر«ناجي عبد الصمد» بتجربة حب مثيرة مع الشابة اليهودية «ويندي» فتلهمه قصائد جديدة بعد أن أبعدته الصعاب عن الشعر، فيستعيد معها أجواء المتعة الأندلسية بوهم أنهما ينتسبان إلى أصل أندلسي مشترك، ويتعرض لمضايقات جراء علاقته بفتاة يهودية، فتختفي من حياته تاركة أجمل ذكرى، ويكتشف أن السلطات قد صورته عاريا معها، وسلّمت الأشرطة إلى السفارة المصرية التي تحاول ابتزازه حينما ينشط في العمل ضد سياسات النظام، إذ كان دائما تحت نظر المباحث المصرية، والأميركية، فمع وصوله إلى«شيكاجو» ترسل مباحث أمن الدولة في القاهرة ملفه إلى السفارة المصرية في واشنطن، مع التأكد على أنه «عنصر مشاغب»(٣٣) ومغضوب عليه، وبسبب نشاطه السياسي المعارض للنظام المصري، وسعيه لقراءة بيان يطالب بالحقوق السياسية إبان زيارة الرئيس المصري لشيكاجو، تلفّق له تهمة من طرف الأمن المصري في السفارة، ويلقى القبض عليه من قبل مكتب التحقيق الفدرالي بتهمة التخطيط لعمل إرهابي يطال المواطنين الأمريكيين. يقول له ضابط التحقيق بعد اعتقاله «لدينا معلومات مؤكدة أنك ضالع في خلية تخطط لعمل إرهابي في الولايات المتحدة…لقد أعطتنا المخابرات المصرية كل شيء عن التنظيم الذي تنتمي إليه، لا فائدة من الإنكار… تكلم  يا ابن القحبة.. لماذا تريد أن تدمر بلادنا؟ فتحنا لك أبواب أمريكا.. رحبنا بك لتتعلم وتصبح إنسانا محترما.. وأنت بالمقابل تتآمر لتقتل الأمريكيين الأبرياء!.. إذا لم تعترف سأفعل بك كما يفعلون في بلادك.. سنجلدك ونصعقك بالكهرباء  ونغتصبك»(34). وتشكل مذكرات ناجي اللب الأكثر إثارة في الرواية.

تبحث رواية «شيكاجو» في قضية المنفى باعتباره ملاذا أخيرا للشخصيات الواعية جراء فساد الأنظمة السياسية، ولكن الرواية، تفضح أيضا، العجز عن التكيف، والتعلق بوهم الانتماء إلى الوطن على الرغم من تغير الظروف والأحوال، فشخصيات الجيل الأول من المصريين في الرواية يسكنهم حنين عميق لبلادهم، وجميعهم يعيشون حياة مضطربة بسبب عدم التكيف مع المجتمع الأمريكي، أما شخصيات الجيل الجديد، جيل المبتعثين، فهي ضائعة بين رغبات شخصية وجنسية، وبين ضغوط  من الأجهزة الأمنية التي تتحكم في مصائرها. ومصائر الجيلين قاتمة، ولم يحقّق أي منهم هدفه الأخير في اكتساب المعرفة التي ينبغي أن يعود بها إلى بلاده، فإما أنه اضطر للهروب من وطن ينخره الفساد، أو أنه قرّر المكوث حيث هو كيلا يكون شاهدا على حياة تنزلق إلى الانهيار يوما بعد يوم. وتتنوع المواقف الأيدلوجية للشخصيات بين متزلفة، ومداهنة، كأحمد دنانه، أو ناقدة، ورافضة كناجي عبد الصمد، وكرم دوس، أو عائمة شغلت بدراستها ورغباتها كشيماء محمدي، وطارق حسيب، ومنها مَن يجتر ماضيه  مثل محمد صلاح، أو يحاول قطع الصلة معه مثل رأفت ثابت. ولكن الدلالة الأخيرة للرواية ترسم نجاة للمداهنين المدعومين من النظام السياسي كصفوت شاكر وأحمد دنانه، فقد انتهت الرواية دون أن يطرأ تغيير على أوضاعهم سوى احتمال أن تدفع بهم الأحداث إلى مناصب أعلى، وآمال أكبر. أما الآخرون مثل ناجي، ومحمد صلاح، ورأفت ثابت، وشيماء محمدي، وطارق حسيب، فقد ارتسمت مصائر قاتمة لهم.

وتلتقي رواية «شيكاجو» في الدلالة العامة برواية «علاء الأسواني» التي سبقتها، وهي «عمارة يعقوبيان»(35) حيث تعرض الروايتان رثاء مريرا للنخب العلمية، والسياسية، والثقافية في ظل نظام سياسي واجتماعي وتعليمي يتفاقم فساده، فيدفع بأفراده نحو تغيير أفكارهم، ومواقفهم، بل وتغيير انتماءاتهم، واختياراتهم، فالأحداث السردية في الروايتين تعوم على شبكة متلازمة من الأحداث العامة التي تعطّل أي فعل ايجابي بسبب انهيار القيم الأصيلة، فتنخرط الشخصيات في سلسلة لانهائية من أعمال النفاق والاحتيال والتواطؤ لتواصل حياتها، وتقف جميع الشخصيات، في الروايتين، أمام حالة عجز عن أي تغيير بعد أن ضرب الفساد أطنابه في عمق المؤسسة الاجتماعية والسياسية، وبدل أن تنبثق فكرة الإصلاح، تنجرف الشخصيات نحو فساد، أو تتواطأ مع الفاسدين للتمكن من العثور على فرص ضئيلة جدا لمواصلة الحياة في شروط دنيا، ولا تلوح إلا أصوات مفردة تمثل النقيض، فالعالم السردي يمور بالسلبية، وعبر السرد الشفاف تحضر صورة المجتمع المصري بكامل تفاصيلها، وهو يزحف إلى نهاية ينفرط فيها العقد الناظم لحياته ومصيره.

في«عمارة يعقوبيان» تعوم حالة العقم، والانغلاق، والشذوذ، في مجتمع اختزن، طوال أكثر من نصف قرن، صراعا محتدما بين أرستقراطية تقليدية انهزمت إثر انهيار مقوماتها بسبب ثورة 1952، وجماعات متنفذة احتكرت السلطة على أعقابها، فجعلت من السلطة وسيلة للثروة، فيما كانت الثروة هي الطريق إلى السلطة عند الطبقة القديمة، وإلى جانب هذا وقع صراع دموي بين سلطة استبدادية ذات خلفية عسكرية وبين جماعات دينية وجدت في تلك السلطة أنموذجا لممارسة العنف، والاستئصال، والاجتثاث، وهذه الجماعات رأت أن السلطة السياسية الفاسدة حالت دون تطوير المؤسسات المدنية التي تكفل للمجتمع سلامته وحريته. ومن الطبيعي أن يتمزق نسيج المجتمع بين هذه الاستقطابات المتضادة، فيبدو كل ما يتصل بالماضي جميلا، وشفافا، وكل ما له صلة بالحاضر سيئا ومربكا، والأكثر من ذلك فشخصيات الطبقة القديمة هي المنتمية، فيما الشخصيات المعاصرة عدمية، ولا منتمية، وغاضبة، وشرهة، ولاتني تعرض هجاء متواصلا ضد بلدها؛ لأنها سلبت كل القيم الإنسانية التي تجعل من المرء ينتمي إلى مجتمع ووطن بإرادته ورغبته، وهو ما يتجسد بكامله في رواية «شيكاجو» أيضا، ذلك أن البحث الدقيق في البطانة الداخلية للمجتمع المصري، كما قدمته الروايتان، لن يفضي إلا إلى هذه النتيجة،.

هذه الخلفية الحاضنة لرواية «عمارة يعقوبيان» أضفت على كل الإشارات الواردة فيها قيمة مضاعفة، فالمتلقّي يتخطّى النص إلى المرجعية الواقعية؛ لأن الرواية تبحث بأسلوب تسجيلي جوانب من حياة مجموعة من الشخصيات، ثم تتعقب مصائرها، برؤية تعتمد على مبدأ التناقض بين الخير والشر، فكل شرير ينبغي أن ينال العقاب الفعلي أو الرمزي، والأخيار- وهم نادرون- ينبغي مكافأتهم رمزيا بالتغاضي عن أخطائهم، كما وقع لـ«زكي الدسوقي» و«طه الشاذلي». وحيثما نجول النظر في الاحتمالات الممكنة نجد أن المرجعية الواقعية التي تستند إليها الرواية في موضوعها هي التي أضفت معنى عميقا على النص، وليست المهارات السردية فيها؛ فتوازي الحكايات الأربع «حكاية زكي الدسوقي، وحكاية محمد عزام، وحكاية حاتم رشيد، وحكاية طه الشاذلي»يؤشر إلى مرجعيات أكثر مما يفتح الأفق على احتمالات تأويلية جديدة، فقد جرى ضبط علاقات التوازي لتتبع المصائر، فكأن النهاية هي المكافئ لمسار حياة المصريين، وليس الحياة ذاتها، وهذه نظرة أخلاقية- قيمية تسعى إلى تحويل الشخصيات- وهي مكونات سردية- إلى أيقونات واقعية بغرض تحديد مصيرها بناء على أفعالها، ليقع قبولها أو رفضها من قبل المتلقّي، ثم عقابها أو مكافأتها في ضوء علاقتها بنظام القيم الذي تعيش فيه، ولعل هذا المنحى في المعالجة السردية هو الذي قلّل من أهمية المكان الذي لم يعد إطار جامعا تتفاعل فيه الشخصيات، إنما مجرد عتبة تمر بها للولوج إلى عوالم أخرى، وحتى الزمان بدا مرتبكا، فكل طموح له تفسير جاهز، وهذا خرق للميثاق السردي الذي يؤكد ضرورة ترك الشخصيات تتطور بفعل الأحداث.

    تبدو حكاية «زكي الدسوقي» حكاية رثاء قاسية لطبقة آفلة، فحيرته تعبير عن احتضار طبقة وأفولها، والتفسير الذي تعرضه الرواية يتمثل بثورة الضباط في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، وهم جماعة عنيفة كرست نفسها لفكرة الانتقام من طبقة حاكمة لها جذر عميق في الذوق والثقافة والتعليم، وبتفكيك الأواصر الخاصة بالطبقة القديمة تفككت عرى المجتمع بكامله، وفقد البوصلة الأخلاقية، وكان أن هيمن المنتفعون والانتهازيون على المجتمع، وهذا ما تجسده حكاية «محمد عزام» الذي ارتقى سلّم الثروة عبر المتاجرة بالممنوعات، ومن الطبيعي أن يقع تهميش في إطار هذا المارثون لعدد هائل من الناس الذين لم يتمكنوا من الانخراط فيه، وتفسر ذلك بوضوح حكاية«طه الشاذلي» الذي حال الفساد العام دون تحقيق رغبته في أن يكون ضابطا في الشرطة، وبذلك استبدل اختيارا دينيا دفعه لممارسة عنف ضد سلطة انتهكت كرامته الإنسانية، وحالت دون تطلعاته في الحياة. وبين هذه الحكايات تربض حكاية «حاتم رشيد» وهي حكاية فردية تنأى بنفسها عن الصراع العام، وتحتكم إلى مبدأ اللذة الجسدية المحرّمة، ثم تكافأ بنهاية معتمة، فكل متعة ينبغي أن ترتبط بتفسير أخلاقي لكي يتقرر أمرها، وثم يقع قبولها أو رفضها، ويكون مصير حاتم قاتما؛ لأنه مضى في لذة تعارض نظام القيم العامة، فيما جرى قبول كل آثام الدسوقي لأنه أنهى مسار حياته بالارتباط الشرعي ببثينة. والحكايات بأجمعها عقيمة كالمرجعيات الحاضنة لها، فهي مرجعيات مقفلة في نوع الصراع الذي تخوضه، فالدسوقي العاجز يتزوج وهو على حافة القبر، وعزام لا يريد أن ينجب إنما يكتفي بالمتعة التي تقترب إلى أن تكون نوعا من البغاء المقنع، وطه الشاذلي لا يعنيه غير الانتقام من السلطة التي عبثت به إذلالا حدّ اغتصابه، أما حكاية حاتم رشيد، فبطبيعتها حكاية عقم مطلق.

نحن بإزاء أفق مغلق تحتضر رموزه أمامنا، وتدور صراعاته في دائرة مبهمة من العجز، والمتعة الشاذة، والمنفعة، والفساد، والعنف، وانهيار تلك الرموز إنما هو انهيار نظام شامل من القيم والتصورات. وحتى المقاومة الانفعالية التي تتغطّى بمسوح الدين التي ينخرط فيها طه الشاذلي، إنما هي مقاومة انتقام بسبب أذى لحق بفرد أو جماعة تستعير تصوراتها اللاهوتية من الماضي، لكن تناقضات الحاضر هي التي تمنحها شرعية المقاومة. إنها حكايات عقم معظمها يغلق الطريق على نفسه، ويضع إشارة الختام أمام الزمن والتاريخ. والشخصيات الأربع الأساسية غير مجهزة بالديمومة والاستمرارية، فهي تعيش إما لتستمتع فقط (الدسوقي، وحاتم) أو لتثري بصورة غير مشروعة (عزام) أو لتنتقم (الشاذلي). وبين هذا وذاك يترنح مجتمع بكامله تحت طائلة الفساد، والتذمر، واللامبالاة، والعوز، والرغبة بالهجرة. وكل الشخصيات الثانوية الأخرى أدرجت لتعطي هذه الحالات معناها، وبخاصة النساء اللواتي جرى التلاعب بهن ليكن موضوعا للمتعة المباحة أو المحرمة.

 لاحظنا من قبل كيف أن «رشدي» في رواية «صنع الله ابراهيم» كان يخطّط لتأليف كتاب يبحث فيه نظرية عن «الاكتئاب الاجتماعي» في ضوء ما انتهى إليه المجتمع المصري من خنوع ضربه في الصميم، ولم تكن أغلب شخصيات «علاء الأسواني» بعيدة عن نغمة الرثاء لمجتمع تتلاشى مقاومته بسبب الفساد، والاستبداد. وفكرة الاكتئاب الجماعي تأتي في رواية «شيكاجو» على لسان «زينب رضوان» إحدى الناشطات في الحركة الطلابية في أول السبعينيات، كما رأينا الأمر مع رشدي الذي ينتمي إلى نفس الجيل تقريبا. تنتهي زينب رضوان إلى نفس النتيجة بعد أن تتخلّى عن أحلام التغيير، وتنخرط في مؤسسة الدولة التي كانت تقاوم نظامها السياسي، تقول مخاطبة «محمد صلاح» بالهاتف بعد ثلاثين عاما «مصر في أسوأ حالاتها يا صلاح..كأن كل ما ناضلنا من أجله، أنا وزملائي، كان سرابا..لم تتحقّق الديمقراطية، ولم نتحرّر من التخلّف، والجهل، والفساد..كل شيء تغير إلى الأسوأ..الأفكار الرجعية تنتشر في مصر كالوباء. تصور أنني المسلمة الوحيدة في إدارة التخطيط، من بين خمسين موظفة، التي لا ترتدي الحجاب..القمع، الفقر، الظلم، اليأس من المستقبل، غياب أي هدف قومي، المصريون يئسوا من العدل في هذه الدنيا فصاروا ينتظرونه في الحياة الأخرى!..ما ينتشر في مصر الآن ليس تدينا حقيقيا، وإنما اكتئاب نفسي جماعي مصحوب بأعراض دينية»(36).

يقترح كل من «صنع الله إبراهيم» و«علاء الأسواني» فكرة البطل المرتحل، والباحث، ليستكشفا بالسرد ملابسات التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر، فالوطن والشعب هما موضوع يجعل منه السرد قضية بحث، والشخصيات مشغولة إما بكشف الحقائق، أو بتمثيل الأدوار السردية التي تحيل على رموز لها صلة بالتاريخ والواقع.

٤. الارتحال والمغامرة السردية.

وقد يفضي الارتحال إلى خوض مغامرة، كما يظهر ذلك في رواية «الطريق إلى تل المطران» لـ«علي بدر» إذ يرتحل الراوي-البطل إلى مكان غريب عليه، فيستكشفه، ويعود منه بتجربة اعتبارية. وإذا ما أخذنا بالحسبان أن روايات الارتحال غايتها استخلاص فكرة من طيات المغامرة، فقد نجحت الرواية في تمثيل سردي عميق لفكرة الشر والخير، والمتعة، والجمال، والتحولات الفكرية للشخصيات، لكنها تحولات تدفع بها الشخصيات الثانوية، وتقوم بها، وتتلقاها الشخصية الرئيسة بنوع من القدرية والتسليم، وكأنها منقادة لرغبة غامضة في خوض مغامرة يرسمها الآخرون، مثل: صافيناز، وشيميران، والقاشا. ومع أن تغييراً وقع للشخصية الرئيسة في نهاية الأحداث، لكنه لم يكن تغييراً جذريا يكافئ نوع المغامرة، ولهذا يستعين النص بما يمكن الاصطلاح عليه بـ«الوهم المضاعف» أي أن يستفيق الراوي-البطل من«الوهم» الأول، ثم يقوم مرة ثانية صحبة صديقته الكلدانية «ليليان» برحلة للتحقّق مما حصل له في المرة الأولى. وفي الحالين نحن بإزاء أوهام سردية مضاعفة غايتها تعميق البنية الدلالية للمغامرة من خلال اختلاق حكاية على خلفية مكان تاريخي يرتحل إليه البطل من بغداد إلى شمال العراق.

تُقدّم الشخصيات بعينيْ الراوي على خلفية مفصلة الأوصاف، وهي ترتبط بالحركة، والبحث، والاكتشاف. والتصريح بمواقفها، ورغباتها، وتقلّباتها بين فكرة الخير والشر، وكل ذلك جعل الرواية نصا حاملا لأطروحة اكتشاف جماعة بشرية خاصة، فالرواية تعتمد تقنية السرد الإطاري الذي تندفع المغامرة السردية من عمقه، ثم البحث في قضية أخلاقية على خلفية جماعة دينية لها طقوسها وتقاليدها الخاصة، دون نسيان علاقاتها بالجماعات الأخرى المجاورة لها. يقترح السرد الإطاري فكرة المغامرة، ولهذا يظهر مستويان، المستوى الحاضن للمغامرة، ومستوى المغامرة نفسها. يذهب الراوي- وهو قارئ نهم لكتب التنجيم، والأبراج، والروحانيات، والتصوف- إلى المكتبة البريطانية في بغداد لاستعارة كتاب للسير «كارما» عن أسرار الكف، ومعرفة الطالع، فيلتقي سيدة غامضة من أصول تركية تدعى «صافين يناز عبد الرحمن أوغلو» فتقترح عليه أن يذهب إلى مدينة«تل المطران» في شمال غرب الموصل، ليتولى تعليم أطفال بيعة الكلدان الكاثوليك اللغة العربية. وتكتب له توصية موجهة إلى راعي الكنيسة الأب «عيسى اليسوعي». كان الراوي جنديا سابقا، تقلّب في أعمال كثيرة بعد تسريحه من الجيش، وأخيرا وجد نفسه عاطلا، ومفلسا، فاستغرقته كتب الروحانيات. لقد انزلق إلى الأوهام، ولهذا لا يبدي أية ممانعة، إذ اكتسحه الحضور الجارف للسيدة الغامضة، فأخذ بمقترحها، ومضى عبر التخيل إلى تحقيق مضمونه.

هذا الإطار السردي يرسم احتمال مغامرة تعيد بها الشخصية توازنها المفقود، فتقع تحت التأثير السحري المشع لتلك السيدة الغامضة «لم أستطع الكلام، لقد صمتُّ.. بينما أخذت هي تدقق في تعبيرات وجهي التي تقلّصت في نظرة حول مقدمة أنفي. أخذت تحدّق بعينيّ مباشرة وبنظرة ثابتة عنيدة وبتركيز عميق، فشعرت بها وقد اقتحمت مراصدي ومصداتي، وانتهت أية حماية ومن أي نوع، إذ إن التشويش كان استحوذ على ذهني كليا، وأصبحت أعوم بفعل تأثيراتها، وهي تتحدر صوبي مثل زئبق بنعومة وسرعة مذهلتين، تستغورني فأحس بجسدها ينفذ مخترقا عيني وينتشر في جسدي انتشار شعاع. لقد كان في صوتها المتغلغل نغمة اليقظة بعد سبات طويل، وبنظرتها التي أدركتها رغما عني نظرة شرسة تربك بقوتها الحيوانية وسلطانها الوحشي أعنف المخلوقات…وما كان لي سوى أن أذعن، فأذعنت لها إذعان من يغمض عينيه منتظرا الموت برقة»(37). ينقاد الراوي لتأثير السيدة، ويستجيب لها بدون وعي. لقد شُوّش عليه، وفقد تماسكه، فاخترقه سحرها، وسرعان ما تختفي السيدة بعد أن ترشده إلى كيفية الوصول إلى تل المطران.

ينتهي السرد الإطاري بأن تتدخل أمينة المكتبة «إيفون نادر» فتضبط للراوي زمن السرد حينما تقترح أن يكون تاريخ إرجاع كتاب السير «كارما» بعد عودته من تل المطران. لكن الراوي لا يعود إلى المكتبة بعد ذلك، ولا يعيد الكتاب، فمغامرة البحث تُقترح لها بداية ولا يمكن رسم طبيعة النهاية،. يعيش الراوي تجربة ذهنية متوهجة«شعرت كأني عبرت الطريق الشاق للنهر السحري الذي لا يتجاوز عرضه قيد أنملة. كان وجهي في المرآة أصفر مريضا مثل قيء متجمد، وروحي مثقلة بأبخرة أرجوانية شبيهة بأبخرة تتصاعد من معدن ذائب، فسمعت صوتا خفيضا غائرا من بعيد، وكلمات غير مفهومة هادرة مدمدمة خلف الستائر المخملية المتموجة التي مرّ بها تيار بارد. لقد شعرت بروحي تتدلى بسكون عميق دون اختلاجة، ومشاعري مزدوجة: الرعب بجماله العاصف، وفيض سعادة روحية كانت تغمرني بمسرات شبيهة بتلك التي نحصل عليها من المركبات المرعبة والخطرة في مدن الملاهي، حيث يساهم الجو شبه الهستيري بخلق ذلك الوهم الدائم ومؤداه أن الذي يحدث هو تحقيق للخيال»(38).

وفي النهاية ينقاد لتنفيذ مضمون الإيحاء «لم أكن قادرا على مواجهة هذه الإرادة التي تدفعني بقوة نحو شيء مرسوم في يدي، وملتصق بها مثل خط التيزاب»(39). يتحقق مضمون المغامرة في جو من الحركة الكابوسية، وهي مغامرة لا يمكن البرهنة عليها«عجزت رغم البلاغة المهيبة التي رويت بها هذه الأحداث عن وضع إطار محكم لتصوراتي، كنت أشعر بأنني افتقر إلى المضمون، وأن ما عشته هو مشروع خداع رهيب، بل هو نهاية لتذبذباتي العميقة»(40). لم تنجح الشخصية الرئيسة في إعادة التوازن بكامله، كما هو معروف في الآداب السردية، فالذبذبات العميقة تمضي بالشخصية إلى منطقة التوهم والقلق على الرغم من إصرارها البرهنة على المغامرة الوهمية. نجح السرد الإطاري في رسم صورة شخصية قلقة، هشّة، فيها ملمح من جنون الثقافة، وفضول المجازفة، وتنتهي وظيفة ذلك السرد لتظهر الأطروحة الكامنة في قلب المغامرة، وهي  البحث والاكتشاف، فالشخصية الرئيسة تضيء عتمة اجتماعية وثقافية، وتتفاعل مع ذلك، وتكشف عن تحولات قيمية وجمالية، إذ تنخرط بالمجتمع الذي وصلت إليه، ولكنها لا تندمج فيه كما هو الأمر في سائر شخصيات الارتحال.

 من الصحيح إن الشخصية الرئيسة لا تحقق أيا مما جاءت من أجله، لكنها بإزاء ذلك تستبدل بالمال رغبة الاكتشاف. وهذه الرغبة تجري درجة من التحوّل لديها، فكلما انزاح حجب الأسرار أمامها انخرطت في أفعال متلاحقة تجعل منها شاهداً ومشاركاً في الأحداث. وعرض الأحداث من منظورها أسبغ عليها رؤى جمالية وثقافية لا صلة لها بمجتمع الرواية إنما بالذوق الجمالي للراوي-المؤلف. وتتخلل الرواية أفكار كثيرة، فالشخصية الرئيسة مرآة تنعكس عليها أفعال الشخصيات الأخرى، ولهذا شُغلت بوصف كل ما تمر به مع أن علاقتها العابرة بالأمكنة لا تؤهلها لملاحظته كل تلك التفاصيل وتفسيرها، وهو ما حال، فيما نرى، دون مساعدتها على تمثّل فكرة التحول بصورة كاملة، فانشغالها بوصف الأشياء عطّل عملية كشف الحالات، وباستثناء «القاشا»ارتسم التحول بأقل مما تحتاجه شخصيات شديدة الأهمية مثل«شميران، وفريدة، وتيمور، وجولي، ودانيال، وريزان، وبياتريس».

٥. البحث، والإغواء

وإذا كانت بعض الروايات التي وقفنا عليها اهتمت بالارتحال عبر المكان، فرواية«سمر كلمات»لـ«طالب الرفاعي»(41) هي رحلة عبر الزمان، لأن أحداثها كافة تقع قبيل منتصف إحدى الليالي في قلب مدينة الكويت، حيث تتقاطع مسارات شخصياتها في شوارع المدينة دون أن تلتقي، ودون أن تنتهي إلى الأماكن التي قصدتها، فلقد غادرت أماكنها في الحادية عشرة ليلا، وانطلقت في اتجاهات مختلفة، وانتهت أحداث الرواية في الحادية عشرة وسبع وعشرين دقيقة دون أن تصل إلى ما تريد من أهداف، ودون أن تلتقي، فقد التهم ليل المدينة الشخصيات وحكاياتها، وليس من ضابط لإيقاع الأحداث سوى عقارب الساعة، والإشارات الضوئية عند تقاطعات الطرق. وينبغي أن نسأل لماذا تقع أحداث هذه الرواية ليلا بعيدا عن الأنظار حيث المدينة شبه خالية، والناس نيام؟ ولماذا ظلت معظم الوقائع حبيسة في أذهان الشخصيات، والرغبات أسيرة في صدورها، وأعيد استذكارها في أثناء التجوال ليلا في المدينة بواسطة التداعي الحر، أو الاستذكار؟.

من المفيد الإشارة إلى أن كتاب«ألف ليلة وليلة»رويت حكاياته جميعها ليلا، لتبقى سرّاً لا يباح لأحد سوى الملك. فشهرزاد تعلم أن حكاياتها غير مباحة كونها تتعلق بالمنطقة الاجتماعية المحظورة، والمسكوت عنها، فتصمت قبيل شروق الشمس، وتعلّق الحديث إلى الليلة الموالية؛ لأن المجتمع سيرى في تلك الحكايات سلسلة من الفضائح لا فائدة منها سوى إثارة الغرائز، وإيقاد الشهوات، فهي حكايات«سمر ليلي»للتسلية والترفيه. لم تكن حكايات شهرزاد بريئة، ولا شفافة، إنما هي حكايات نفسية هادفة تمكّنت بها شهرزاد من شفاء الملك شهريار من عصابيته المرضية القائلة بخيانة جنس النساء، ثم قتلهن قبيل بزوغ الشمس، لئلا يتاح لهن مخالطة أحد، فالعذرية دليل الإخلاص، وبافتراعها تنزلق المرأة إلى الخيانة، وعليه ينبغي حمايتها بقتلها قبيل الشروق، فلا ضامن للحفاظ على طهارتها غير الإجهاز عليها عند الفجر.

لم تفلح شهرزاد- وهي تقايض الحياة بالسرد- في شفاء الملك من عصابيته الهوسية، فحسب، إنما حبّبتْ إليه جنس النساء، وعاشت معه ألف ليلة، وأنجبا ثلاثة أبناء، وفي النهاية شُفي المريض من علته، واعترف بخطئه، وقَبِل شهرزاد زوجة له وأما لأطفاله، وبقيا معا إلى أن جاء هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وفي كل ليلة كانت شهرزاد تلازم حكاياتها ملازمة تامة، وتتابع مصائر شخصياتها، كما لازم مؤلف«سمر كلمات»شخصياته وأحداث روايته. وقبيل منتصف الليل تواروا جميعا: المؤلف والشخصيات، وتُرك المتلقون في شوارع الكويت يبحثون عن الهدف من ظهور تلك الشخصيات ومؤلفها ليلا دون أن يحسم أي مما انتدبوا أنفسهم له. فقد بقيت رغباتهم معلّقة في فضاء الليل باعتبارها مجرد رغبات وآمال؛ إذ لا سبيل إلى تحقيقها في ضوء النهار حيث تهيمن الثقافة الأبوية على العلاقات والمصائر.

 بحث كتاب«ألف ليلة وليلة»في المنطقة السرية للمجتمع الإسلامي التقليدي في القرون الوسطى، وبالأخص بحث في العلاقة بين الجنسين، وفي ثقافة الإكراه الأبوية إذ تتحول المرأة إلى موضوع للمتعة العابرة، واللذة الجسدية السريعة، وليس المشاركة في الحياة، وهذه موضوعات يستبعدها المجتمع من وعيه، ويستعيدها بتفاصيلها في لاوعيه. يتنكر لها نهارا، ويلتذّ بسماعها ليلا كأسمار خاصة. ولو رويت تلك الأحداث الحميمة تحت الشمس لانفضح أمر من يصغي إليها. لا يقبل المجتمع التقليدي أن يفضح نفسه، فهو يتوهم الصلاح والكمال، وتقاليده هي  الرشيدة. وبالإجمال فلا يمكن عرض أسرار المجتمع التقليدي تحت الضوء، ولهذا اختارت شهرزاد الليل لتكاشف مريضها شهريار بعلله، فكانت تسقيه الترياق الشافي ليلة بعد أخرى، بحكايات اعتبارية، إلى أن أنقذته من نفسه، وحمتْ عذارى المملكة من الفناء. لم تحتمل الثقافة الرسمية حكايات ألف ليلة وليلة، وعدّتها غثة، وباردة، ومخجلة، وفاحشة، وغير لائقة، وبسرعة وتبرّم مرّ على ذكرها فقط المسعودي وابن النديم، فقد طوتها الثقافة العالمة في زوايا النسيان كيلا تفتضح أسرارها، وتنتهك عيوبها، إذ ينبغي الترفع عمّا هو لصيق بالأبعاد السرية للعلاقة بين الجنسين فذلك أمر وقته الليل، ولا يجوز أن يعرض تحت الضوء.

    هذه الفكرة الأساسية هي الحاضنة لأحداث رواية«سمر كلمات»فالرواية تتضمن تشريحا قاسيا لبنية المجتمع الكويتي، وبخاصة العلاقة بين المرأة والرجل، إذ تضع تحت الضوء العلاقات القهرية في المجتمع الذي عصفت به الروح الاستهلاكية، وخدع نفسه على أنه مجتمع سعيد في علاقاته، لكنه متآكل من الداخل بعلاقات قسرية، مهزوزة، لا يفصح أحد عنها، ولا يمكن التصريح بها، لأنها تلطّخ الصورة الخارجية البراقة له، ولهذا فالفضاء الليلي هو الخلفية المناسبة لطرح هذه القضية. تقترح الرواية علاقات موازية غير علاقات الزواج، فقد كشف متن الرواية بكامله أن علاقات الزواج التي قررتها التقاليد الاجتماعية أفضت إلى سوء تفاهم، وسوء شراكة، ونزاع متواصل، وهدر للقيمة الإنسانية. تبدأ العلاقات بصورة طبيعية، وسرعان ما تنتهي نهايات سيئة، كل علاقة شرعية لا تلبث أن تنزلق إلى هاوية خصام، أو قرف، فتصبح قيداً بدل أن تكون شراكة. هذا ما وقع لكل الشخصيات الأساسية في الرواية«سمر، سليمان، عبير، جاسم، طالب، وريم»فكلها شخصيات تهرب من علاقات شرعية، أو تعاني منها، وترنو بأبصارها إلى علاقات موازية تشبع النقص النفسي والجسدي والذهني حيث أخفقت العلاقات الزوجية من تلبيتها، لأنها حولت تلك الذوات الإنسانية إلى رموز وظيفية غايتها الإنجاب والعمل فقط، دون أن يقع اهتمام بالقيم الجوانية للشخصيات التي هدرت رغباتها بذريعة الامتثال للتقاليد والقيم الاجتماعية.

    موضوع نقد القيم الأبوية الداعمة للمجتمع التقليدي لم يسمح به بعدُ بصورة علنية في مجتمع الرواية، ولهذا ينبغي أن يقع عرضه ليلا وفي نفوس حبيسة تنخرط في مغامرات فردية لوضع حلول شخصية لمشكلة يتعذّر حلّها أو مناقشتها أو طرحها أمام العموم. وفكرة العلاقات الموازية تستفزّ المجتمع التقليدي الذي يريد أن يطمئن إلى أن أفراده امتثاليون أكثر مما هم فاعلون، فهو يتوهّم دائما إمكانية انفراط العقد المقدس الناظم لأفراده، ولهذا فالنزاع المستشري في صفحات الرواية هو نزاع بين«الفاعلية» و«الامتثالية». وهذا النزاع الذي يستحيل وضع حلّ له ينتهي بالشخصيات إلى إعلان رغبتها في الاستقلال عن ذلك المجتمع الذي يعيد صوغ خيارات أفراده طبقا لتصورات لا تتصف بالكفاءة، ولا توفر الحرية. وفي حال مضت الشخصيات في اختياراتها ينبغي أن تُستبعد، وتُنبذ، وتُعدّ مارقة عن نظام القيم العامة، ولهذا لا تنتهي الرواية إلى تحقيق الفاعلية، إنما تكتفي بتعرية الامتثالية.

لقد رسمت حركة الشخصيات الأساسية- وهي التي تمثل المحّرك السردي في الرواية: سمر، سليمان، طالب، وريم، وجاسم- صورة فعل مؤجل، وقرار مرجّأ، وتنتهي الرواية، والشخصيات تتحرك للقاءات خاصة، لكنها لا تلتقي. تُدفع الشخصيات لاتخاذ قراراتها دفعا بسبب إحساسها بعدم الراحة والأمان، وفقدان التوازن في علاقاتها مع الآخرين، وبخاصة العلاقات الزوجية. لم تختر أي من الشخصيات قراراً بحرية كاملة، إنما كان ذلك بسبب آخر، ففي الرواية نجد أنفسنا داخل شبكة معقّدة من الزواجات التي لم تعد تفي بحاجات الشخصيات، والتجارب المريرة، أو الرغبة في التغيير إثر شيوع الملل، تدفع بها إلى مصائر ترجّح أفضلية العلاقات الموازية على العلاقات الرسمية، فالبيوت الزوجية ارتسمت في فضاء الرواية كأنها مصحّات للمرضى مشحونة بالنزاعات اليومية، والمشاكل، والتناحرات، وكل ذلك يحتاج إلى علاج لا يفلح أحد في العثور عليه، ولا يجرؤ أحد على أن يقترحه، ولهذا تلوذ الشخصيات بحلول خارج المؤسسة الزوجية. تهرب من تلك المصحات لتطوف ليلا وحيدة في شوارع المدينة، وتعيد رواية الأحداث لنفسها دون أن يكون هنالك مشارك لها، إلا المتلقّي الذي يقبع خارج أحداث الرواية يتفرج، ويتفاعل، لكنه غير قادر على الانخراط في عالم النص إلا على سبيل استخلاص العبرة من كل ذلك. والبحث عن علاقات موازية يصطدم ببنية اجتماعية رافضة، ولذلك تبقى الرغبة معلّقة في فضاء منتصف الليل حيث لم تزل تلك الشخصيات تجدّ في الوصول إلى أهدافها، ولن تصل في المستقبل القريب.

  يظهر المؤلف في سياق الرواية وهو يمثل دور الباحث، والرابط بين الأحداث. يظهر باسمه الصريح في الفصل الأول في ثنايا تداعيات«سمر»لحياتها، وقد طُردت لتوّها من بين أبيها؛ لأنها أعلنت رغبتها بالزواج من طليق أختها، ثم يستأثر بالفصلين الثاني والسادس كاملين، ويُقدمان بصوته ورؤيته السردية، ويتردّد ذكره في الفصل الثالث حيث يحوم طيفه حول الشخصيات في الحديقة، ثم في الفصل التاسع حيث تستعيد«ريم»معرفتها به كاتبا وشخصية في الرواية، فضلا عن حضوره في مشاهد أخرى كثيرة مع«سمر»و«سليمان»بوصفه صديقا لهما. وفي كل ذلك يقوم المؤلف بالأدوار التي تعدّ من خصائص السرد الكثيف، دوره مؤلفا، وراويا مشاركا، وباحثا، وشخصية من شخصية العالم المتخيل في الرواية التي يكتبها. فحينما يؤلف يفصل نفسه عن الأحداث، ويقوم بوصف كيفية تركيب الرواية، وكيفية خلق الشخصيات، ورسم مسار الأحداث، وحينما يروي يتماهى مع صوت الراوي المشارك في الأحداث، ويعرضها عرضا ذاتيا، وحينما يكون شخصية ينخرط مع الشخصيات الأخرى في علاقات صداقة وعمل وينجذب إلى«سمر»في علاقة عاطفية مشبوبة بالوله، وينتهي بأن يترك أسرته ليلا، مدعيا قضاء أمسية مع أصدقائه، لكنه يسارع للقاء«ريم»إحدى شخصياته لقضاء ليلة خاصة منفردين. وفي ثنايا السرد، وعبر تلك الأدوار الثلاثة يقوم المؤلف-الراوي-الشخصية، بكل ما يستطيع لتركيب أحداث الرواية، وتقرير مصائر الشخصيات، وينتهي بأن ينزلق مع شخصياته إلى مصائرها الأخيرة، فيعشق، ويتألم، ويسهر، ويكذب، ويتعايش مع الشخصيات كأنه إحداها، وينفصل عنها ليحدّد علاقاتها، ومن خلال ذلك ينشط في تركيب الرسالة الخاصة بالرواية، أي كشف مأزق الشخصيات ليُدين من خلالها البنية الاجتماعية المغلقة، أو شبه المغلقة، التي تحول دون إقامة علاقات سليمة فيما بينها.

لا تحمل الرواية عظة أخلاقية، إنما تبحث في أعماق شخصياتها عمّا هو مخفيّ ومطمور. والخيط الرابط بين الشخصيات الرئيسة في الرواية هو المؤلف الذي تتعدّد أدواره. ومع أن شخصية«سمر»تبدو وكأنها الرئيسة، وتُخصّص لها ثلاثة فصول، فإن المؤلف والراوي المشارك والباحث هو المستأثر الأول بالعالم التخيلي للرواية، والمتحكّم بالأحداث ومساراتها، فهو ينبثق دون سابق إنذار ليضايق بعض الشخصيات في خلواتها، ويقيم علاقات مع أخرى، ويعشقها، ويكشف ماضيها، وعلاقاتها، كما أنه يتحدّث عن عمله، ونفسه، وأسرته، وكتبه، وتجاربه، وتعوم صورته في فضاء السرد؛ إذ لا يستطيع أن ينفصل عن عالم يقوم بخلقه، إنما يريد أن يعيش فيه مشاركا شخصياته في حياتها. ولهذه الرغبة في الحضور مخاطر كثيرة ظهرت في الرواية، إذ هيمن المؤلف على الشخصيات، فطغى صوته على أصواتها، ومع أن نغمة السرد كانت ذاتية، ولكل شخصية صوتها الخاص، وهي تروي بضمير المتكلم، لكن هيمنة«الراوي العليم»على أفكار الشخصيات وتداعياتها كانت شبه مطلقة، فلم تتمايز شخصيات الرواية بوعيها، ولا بمنظورها لنفسها وللعالم الذي تعيش فيه، وكلها تتحدّث بصوت واحد، فلا تمايز في الوعي، وفي المنظور، وفي اللغة، فخلف الرؤى السردية للشخصيات يقبع الراوي الذي يمثله المؤلف الضمني وهو يدفع بالشخصيات في العالم الافتراضي للرواية وكأنها قطع جامدة تستعيد أحداث كثيرة في زمن قصير متقطع دون أن يظهر اختلاف واضح فيما بينها.

يبدو أن تكثيف زمن السرد إلى سبع وعشرين دقيقة تتوزع على عشرة فصول وكأنه مهارة سردية لم تتوفر من قبل في الرواية العربية، في حدود علمنا، إذ يقع ضغط متن الأحداث وهي تزيد على أربعين سنة من تجارب الشخصيات، وتنوع الأحداث، في زمن قصير جدا، وهذا يكون مفيدا إذا ما أتيح للشخصيات الفرصة لكي تفضي بما تخفيه في دواخلها، فالتداعي الحر، والاستذكار، واستعادة الماضي، والحوار الداخلي، لابد أن يقدّم في سياق يتيح للشخصيات التعبير عن نفسها بصورة كاملة، إذ ليس العبرة في ضغط زمن السرد إنما العبرة بما يتيحه ذلك الزمن للشخصيات من فرص للبوح والاستذكار، وقد ظهر تماسك سردي متقن في الرواية، لكنه حال دون تمكّن الشخصيات من التعبير عن حالها، فالزمن الذي استأثرت به«سمر»في ثلاثة فصول من الرواية هو ثلاث وعشرون دقيقة، وفيها تستعيد، وهي مطرودة من بيت أبيها، وحائرة في شوارع الكويت بين الاتجاه إلى بيت«جاسم»طليق أختها للزواج منه أو الاتجاه إلى شقة صديقها «سليمان»حيث كانت تتردد لمدة تزيد على عشر سنوات. أقول تستعيد نحو خمس وثلاثين سنة من عمرها خلال تلك الدقائق، فالزمن الضاغط لن يمكّن الشخصية من التعبير عن الجوانب الأساسية في تجربتها، وقل ذلك بالنسبة لـ«طالب»الخارج للقاء«ريم»فقد ضغطت أحداث فصلين في ثماني عشرة دقيقة، فيما لم تستأثر«ريم»بغير سبع دقائق، ويتراوح الزمن الممنوح للشخصيات بين هذين الحدّين، ولكن توازي الأحداث يجعل معظمها يقع في آن واحد.

هذا الضغط المقصود للزمن- الذي قد يكون مفيدا في التعبير عن الشدّ النفسي للشخصيات، والبحث في ذلك- يجعل القارئ يتساءل إن كان من الممكن، في ظروف طارئة بالنسبة للجميع، أن يهتموا باستعادة ما ظهر في النص من أحداث وذكريات كثيرة ومتنوعة!، فانسياب الزمن وإيقاعاته السريعة تشعرنا به الإشارات الضوئية في شوارع المدينة، وتضبطه عقارب الساعة في السيارات. ولهذا ظهر تماثل في رؤى الشخصيات، وتشابه في أفكارها، إذ لم يتح لها ضيق الوقت الإفضاء بتجاربها ومواقفها بما يجعل رؤاها متباينة ومتفردة، ولكن هذه القضية بذاتها ربما تكون من أهم ما ميز الرواية، فسرعة الزمن جعلت الأحداث مترابطة، ومتوازية.

 تهيمن رؤية المؤلف الضمني الذي يتجسّد حضوره المباشر بوصفه كاتبا للنص، وحضوره غير المباشر بوصفه شخصية مشاركة في العالم التخيلي للنص، وقد امتثلت الشخصيات، والوقائع، وترتيب الزمان، ووصف المكان، لرؤيته الشاملة التي تغلغلت في رؤى الشخصيات، وصاغتها صوغا يناسب منظور الراوي الذي يمثله المؤلف الضمني، فتحدثت بلغة واحدة، ونطقت بصيغ شبه متماثلة، ولكن الأهم أنها امتثلت لأطروحة المؤلف الكبرى، وهي نقد بنية المجتمع التقليدي، ولهذا ظهر تنوع محدود جدا في وجهت النظر، فالشخصيات تدور في أفق مغلق، وهي مربوطة بأطروحة المؤلف، وجاءت للتدليل عليها، فكأنها شهود على أزمة اجتماعية محتدمة. ومع أن المؤلف استغرق في استخدام الصيغ الحوارية قياسا بالوسائل السردية الأخرى، لكن البنية الحوارية-الفكرية للشخصيات كانت غائبة، وكل هذا مفهوم ومسوّغ في سياق حاضنة اجتماعية لا تقر بالحوارية، ولا تقبل بها. فالرواية من هذه الناحية مدونة رمزية معبرة عن هيمنة صوت أبوي واحد يحول دون ظهور الأصوات الذاتية المتمايزة والمتنوعة، هو صوت المجتمع الذي يعيد صوغ وعي أفراده صوغا يناسب النسق الثقافي المهيمن فيه.

الإحالات والهوامش

١.في طفولتي، تأليف: تيتز رووكي، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة،المجلس الأعلى للثقافة ٢٠٠٢،ص 215

٢. جورج ماي، السيرة الذاتية، تعريب: محمد القاضي- عبدالله صولة، بيت الحكمة قرطاج1992،ص 149

٣. إريك إيمانويل شميت، مسيو إبراهيم وزهور القرآن، ترجمة محمد سلماوي، القاهرة دار الشروق،2005

٤.م.ن.ص 15

٥. م.ن.ص 19

٦.م.ن.ص 23

٧. م.ن.ص 29

٨.م.ن.ص 46

٩.م.ن.ص٥٥

10.م.ن.ص69

١١. دان براون، شيفرة دافنتشي، ترجمة سمة محمد عبد ربه، بيروت، الدار العربية للعلوم،2004

12. م.ن.ص ١١

13. أمبرتو إيكو، اسم الوردة، ترجمة أحمد الصمعي، تونس، دار التركي، ١٩٩١، ص498-499

14. صنع الله إبراهيم، أمريكانلي، القاهرة، دار المستقبل العربية، 2004 ط٢،ص٣٣-34

15.م.ن.ص277

16.م.ن. ص167

17. م.ن.ص ٢٦٢

18.م.ن.ص 337-338

19. م.ن.ص٢٦٢

20.م.ن.ص185

21.م.ن.ص 187-188

22.م.ن. ص 180-١٨١

23. علاء الأسواني، شيكاجو، القاهرة، دار الشروق،ط٤، 2007،ص٧

24.م.ن.ص٧-٨

25.م.ن.ص27

26.م.ن.ص 45

27.م.ن.ص163

28.م.ن.ص54-٥٥

29.م.ن.ص٥٥

30.م.ن.ص60

31.م.ن.ص ٨٨

32.م.ن.ص160

٣٣.م.ن.ص109

34.م.ن.ص ٤٣٤-435

35.علاء الأسواني، عمارة يعقوبيان، القاهرة، مكتبة مدبولي،2006

36. شيكاجو، ص381

37.علي بدر، الطريق إلى تل المطران، بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر، 2005، ص16

38.م.ن.ص -23

39.م.ن.ص -29

40. م.ن.ص368

41. طالب الرفاعي، سمر كلمات، دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، 2006
 
عبدالله إبراهيم ناقد و اكاديمي من العراق

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …