أخبار عاجلة

السعادة فكرة جديدة في أوروبا تراجيديا معاكسة

هل تتصور – كان جدي يقول لي. وهو راو شعبي ذائع الصيت في قريتنا، وكان يضع الفعل قبل الفاعل دائما- أن كل شيء يبدأ في مقدونيا، البلد الذي عرف منذ ألفين وثلاثمائة سنة؟

لقد ولدت في نفس القرية، على ارض البلقان وفي حقول التبغ، وعند نهاية الستينات اكتشف فريق من علماء الحفريات هناك انقاض مدرجات مسرح برياتيون العتيق، وفي هذا المسرح بالذات قدمت التراجيديا، ذلك الابتكار الاوروبي الصرف: أن هذا كله، بالنسبة إلي، ذكرى طفولة تملأ، في ازمنة ما بعد الحداثة، خواء روحيا، متوزعا بين اسخيلوس وبيكت.

يرغمني هذا المسرح على تعلم التراجيديا، وادركت منذ وقت مبكر، وانا اجهد نفسي على ذلك بشكل مثير كي اتعلم الكتابة من اجل اتقان الموت، أن تاريخ الوجود التراجيدي في الماضي لا يمكن أن، (يعمي أبصارنا) ويخفي دياجير جرائم قادمة، لذلك عمدت في الكتابة الى التواري، اولا باعتباري مقدونيا، منذ مجيئي، سنة 1988 الى باريس، باعتباري مبعدا يكتب للمسرح باللغة الفرنسية.

هكذا اذن تعلمت فن التواري هذا، وفي مقر اقامتي المتواضع في باريس، أعلى العمارة، ألاحظ أن وضعي يشبه الصفر- فلغتي وبلدي ومثلي وتراجيديا كتابتي وافكاري وردودي وملحوظاتي وابطالي، كل هذا يرسم ببساطة (صفرا كبيرا): ألج داخل هذا المصفر، اخلع جلدي، أتدثر، أنام ثم احلم، أرى نفسي أيضا في رفقة ستريندبرج وويلا وسانتيانا وكافكا وجويس، بورجس ونابوكوف، وكلهم كانوا يكتبون بلغة غريبة عنهم، يعبرون، مع نينا بيريروفا، دون أن يشرحوا لي لماذا (فقدت اللغة الأم المعني الوطني الذي كانت تحمله في ثناياها (، الصقر يبكي بعيني، ودموعه تسيل على جلدي الورق، ويريد أن يطير بلا اجنحة لكنه لا قوة له وحول.

أماه، ماذا أفعل؟ هل اكتب بالفرنسية؟! أم اختفي!

                                                باريس 21 مارس 1997

جوردان بلفنش

 

 شخوص:

إيريبا: مرممة تمايل ومنحوتات.

نيزفستيني: زوجها وقالبها الذي تتخذه نموذجا لها.

أوروبا: ابنة متبناة، أصلها مجهول.

كانتور: مهرب الأشخاص على الحدود وممثل الصليب الاحمر الدولي.

أربعة ممثلين ما بعد تراجديديين يقومون – بالتتابع – بأداء أدواء وشخوص.

موزار: متسول بيرلين، أول عازف على الكمان من فرقة القوى العظمى.

دانتي: الأثري المختص في جميع الأعضاء الحية، والامبراطور المخلوع.

غوغول: حليق الرأس الموسكوفي، البنكي والمستثمر الحر.

نيتشه: الجينرال، دكتاتور أوروبا الجديد.

بالاضافة الى بيكيت واسخيلوس وشكسبير و(أنا).

* تجري الاحداث في متابعة ذات سمة بشرية.

 

استهلال

أوروبا وحدها تجوس في شوارع العواصم. خلف باب غامض ومريب تسمع أصداء حفل صاخب.

يفتح الباب بطريقة آلية ويظهر مهرب الأشخاص. على العتبة. المهرب: هل أنت مستعدة؟

أوروبا: عفوا! أتحدثني أنا

المهرب: إننا ننتظرك للاحتفال.

أوروبا: لا أفهم ماذا تعني! أي احتفال تقصد

المهرب: لا تتظاهري بالبراءة، أنت، تعلمين جيدا أي احتفال أعني.

أوروبا: رجاء أنت مخطئ، لا أدري عن أي شيء تتحدث !

المهرب: ماذا؟ ماذا يا آنستي! إننا لا ننتظر غيرك، نفس القامة، نفس الوجه، نفس السن: كل الصفات تنطبق عليك، أنت هي التي ننتظر قطعا ولا أحد سواك (ترتفع الأصوات وتقوى). ؛Please أسرعي. سنتأخر بسببك.

أوروبا: عماذا تتحدث؟ ماذا دهاك في النهاية؟

المهرب: هل تسمعين ؟ كل المدعوين حضروا، الفرق الموسيقية، الأجانب، الأهالي، المحاضرون ورجال الدين، رجال الأعمال، التكنوقراط، الجنود، العلماء، الصحفيون، الضحايا، المنقذون، أطباء بلا حدود، علماء اللغة، المتخصصون في كل شيء.

أوروبا: آسفة لست أنا من ينتظر هؤلاء.

المهرب: (ينظر إلى ساعته اليدوية): هيا، أسرعي، ستبدأ ذكرى عيد الميلاد السنوية.

أوروبا: أية ذكرى؟ أي عيد؟

المهرب: عيد ميلادك طبعا.

أوروبا: أنت مخطئ ما في ذلك شك.

المهرب: إذا شئت سأقدم لك وصفا دقيقا للمكان الذي ينتظرك فيه الجميع، أنها قاعة كبيرة فسيحة، معطرة بمائة وثلاثة وعشرين عطرا، سقفها مزدان بنجوم تقبل اليك ما أن تناديها، قبة القاعة تستند إلى أعمدة لا تنتهي، تغطيها تفاصيل تمثل تاريخ البشرية ووجوه الخالدين تنظر إليك.

أوروبا: أنا؟ كيف تريدون أن…؟ مستحيل؟

المهرب: لقد قضي الأمر ولا رجعة في هذا، أؤكد لك، في هذه القاعة لا يوجد إلا ما ترغبين فيه، الأشجار تنمو مقلوبة والموتى يعودون إلى الحياة، هناك أيضا جوق عمال قدامي يفنون (يا عمال العالم أجمع اصفحوا عنا) في عمق قامة الحفل.

أوروبا (ضاحكة): صحيح؟

المهرب: هيا بنا، الا تسمعين؟ لقد بدأ العزف، أسرعي.

أوروبا: وتريدني أن أصدقك وأثق في تلك كلامك؟!

المهرب: هيا تفضلي، بليز، برفافور، بيت شون مولام (يترجاها مقرفصا على ركبته)

(يقودها إلى مجموعة أشخاص، هم ممثلين تراجيديون في نفس الوقت)

المهرب: سادتي، ها قد وصلت العذراء، أوروبا.
المشهد الأول: الدخول الى المتاهة

يتوقف الأشخاص الممثلون التراجيديون عن الحديث. يقتربون من أوروبا.

الأول: آنستي، لي الشرف الأثيل في اللقاء بكم، أقدم اليكم نفسي، كازمير فولو دينسكي، دكتاتور أوروبا الجديد، سأستلم مقاليد السلطة في نهاية هذه السنة عند منتصف الليل، وفي انتظار أن أحكم أوروبا أشعر بالرتابة والضجر بشدة لا توصف، ما رأيك في حصة تعذيب صغيرة؟! اللهم إلا إذا كنت تفضلين أن، تكوني ضحية مستديمة؟

الثاني: اخرس، لست أهلا لأن تمتلك هذه الدرة الغالية، لا تهتمي بما يقوله يا آنستي، إنه رجعي متهالك حقير، اسمحي لي أن أقدم إليك نفسي، خادمك إغناثيو بيذرودوس ساتنوس بنكي، مستثمر حر. أمثل مجموعة مساهمين تهتم بمصير وحماية طبقة الأوزون. شركة إسبانية – إيطاليو- جيرمانو- سلافية. عبر أوروبية إن أودت، ابقي معي، سيأتي مساعدي بعد لحظة، تأخروا قليلا، لكنهم يتحرقون شوقا للقاء بك.

الثالث: آنستي، هل تسمحين لي بكلمة لبعض الوقت؟ أنا عازف الكمان الأول في (فرقة القوى العظمى)، اسمحي لي أن أعزف قليلا على جسدك، لك وحدك، سأعزف لأجلك لحنا جنائزيا منفردا، ثم أتذوقك مع بعض الكافيار الروسي، فأنا أحن إلى الشيوعية (يبدأ في خلع ثيابها، تتخلص منه في عنف).

أوروبا: أحمق، أتركني.

الرابع: أحييك أيتها العذراء، أوروبا، أحييك أيتها المفعمة بالأمل والمستقبل واللطف، اسمي أومبيرتود يلاسكالا، إمبراطور بلا إمبراطورية، ضيعت الإمبراطورية الرومانية عندما كان نيرون على العرش، تعالي معي سأحرق المدينة الخالدة مرة أخرى.

أوروبا: يا لها من رفقة تثير الضحك ! عجبا! أي مارستان هذا؟!!

اخبروني!

المهرب: سادتي، رفاء للتقاليد، سيكون لنا السعد في اقتسام جسد عذراء مجهولة أقبلت لتقدم نفسها عن طواعية، بلا قسم ولا إكراه، وقبل أن نقدمها قربانا سنبرهن لها أن الأمر لا يتعلق بمارستان كما يخيل إليها، سنخترع الزمن ونغير أثوابنا ولغاتنا، وسنعود إلى الماضي بالتدرج.

يتحول الأشخاص -الممثلون التراجيديون الأربعة إلى أبناء إله الزمن كرونوس، وقد ارتدوا أسمال جثث الحيوانات – القرابين ويغنون جماعيا:

متا- متا- متا- متاهة

غزل الصبايا – نبتون قارة أسيا.

ليبيا – نيريديا – هيفايستوس.

كيرس – زيوس – هيرا بالذات – الالهة.

متا – متا – متا- متاهة.

مسح الكائنات في جزيرة كريت.

هيرودوت وأم الحوريات التائهات.

متا – متا – متاهة – متاهة – متاهة – متا…

أوروبا: تمهلوا – ماذا تفعلون؟ إنه سوء تفاهم، أنتم تنتظرون. غيري، لست أنا، اتركوني، دعوني أنصرف (يحيطون بها ويشكلون حولها دائرة ويبدأ ون في الحديث بلغة لا تفهمها)، لماذا جئتم بي إلى هذا المكان؟ ماذا تقولون؟ من أنتم؟ ماذا تريدون مني؟ أرجوكم، دعوني. أذهب.

الأول: لا وقت للموت ليهتم بالمسافرين القادمين على حين غرة.

الثالث: هل تتكلمين الإغريقية القديمة؟

الثاني: اللاتينية ربما؟

أوروبا: لا، لا هذا ولا تلك، قطعا لا.

الثاني: ستيندوم بيكاتي مورس سي إيست سي بكاص نيكاموس فاليمور إيت نولا إبست إن نوبيس فرتاس.

الأول: هل تجيدين الفينيقية؟

أوروبا: لا أعرفها هي أيضا.

الرابع: السنسكريتية إذن؟!

أوروبا: لا، لماذا تريدون أن أتكلم بلغات ميتة؟

الثاني: ليست ميتة، الوحش غلوطافاكوص هو الذي قضمها وابتلعها وأكلها، كم لغة تتحدثين؟

أوروبا: واحدة.

(يضحك أبناء الاله كرونوس)

الأول: أنت أيضا سيلتهمك الوحش غلوطافاكوص.

أوروبا: سأستفيق من سباتي وأصرخ.

الثالث: سندون كل هذا ونخطه على جسدك وسنعرضك في كل مكان مثل دمية تميمة.

أوروبا: كفى. اتركوني، سأستغيث بمن سيخلصني منكم، لماذا تلقون بي إلى الحضيض؟ أوقفوا مهزلتكم الرعناء هاته، كفاكم التهاما للصبايا المشردات.

المهرب: (وقد انفجر ضاحكا): ها أنت تقعين في متاهة توجد قبل ميلادك بأربعة وعشرين قرنا، ولا منفعة لنا في تلميع عذاباتك النفسية الجسدية المزعومة، كل هذه القصص المأساوية لم تعد تهمنا أبدأ، نحن أبعد عن التراجيديا، نحن ممثلان ما بعد التراجيديا، جئنا بعد زمن التراجيديا، تعالي معنا إذن، اللهم إلا إذا كنت تريدين التيه إلى الأبد، وفي هذه الحالة دونك أبواب المتاهة، اختاري منها ما تشائين.

أولى محاولات أوروبا للخروج من الزمن.

أوروبا تبحث عن أبيها وتصادف اسخيلوس الذي يبدو منشغلا بأبحاثه هو الأخر، فتتصور أنه أبوها.

أوروبا: أبتاه!

يستمر اسخيلوس في البحث.

تقترب منه أكثر.

أوروبا: أبي!

اسخيلوس: نعم.

أوروبا: عفوا- كنت أعتقد انكم.. لكن لا، لستم، للأسف.

اسخيلوس: ورغم ذلك، أنت ابنتي.

أوروبا: لماذا تقولون هذا؟

اسخيلوس: لأن كل، الفتيات المشردات هن بناتي، كل الأطفال المفقودين هم أبنائي، أنا أب التراجيديا.

أوروبا: أرجوكم، أنصت إلي، لقد تهت للحظة فقط و…

اسخيلوس: ماذا اللحظة فقط ! وأنا؟! أبحث عن تراجيدياتي منذ أربعة وعشرين قرنا ولم أعثر عليها إلى حد الآن؟! أين هي؟ من يخبرني عنها؟

أوروبا: أربعة وعشرون قرنا! أربعمائة سنة قبل يسوع المسيح ؟! إنها حقيقة إذن..

اسخيلوس: ماذا تقولين؟ من هذا الشخص الذي ألقى بي خلفه بأربعمائة سنة؟ من هو هذا الرجل؟!

أوروبا: يظهر انه كان ابن…

اسخيلوس: أي إله؟ لقد عرفت آلهة كثيرين وكتبت مآسيهم. هل تعرفين ماذا فعلوا بي؟ لقد أقصوني وتخلصوا مني وأجهزوا علي، لأنهم لم يطيقوا دفاعي عن بروميثيوس الذي حكموا عليه بتهمة جريمة الحب في حق البشرية.

أوروبا: سيدي اسخيلوس. لقد كنت أحفظ تراجيدياتكم عن ظهر قلب.

اسخيلوس: كم عددها؟! قولي لي. كم هي تراجيدياتي؟

أوروبا: لم أعد أتذكر. ستا أو سبعا.

اسخيلوس: كتبت تسعين تراجيديا ولا تعرفين منها سوى سبع ؟

أوروبا: تعلمون أن التراجيديات ليست هي ما ينقصنا في الوقت الراهن.

اسخيلاس: معك حق إنها تراجيديات الحياة. الحروب أعني. آلاف وملايين من الضحايا التي تسقط كل يوم. هذا أعرفه. أعرف أنكم لستم في خصاصة، لكن التراجيديات التي يمكن أن تشخص على المسرح قليلة. كم عندكم منها؟!

أوروبا: لماذا تكتبون تراجيديا لتضعوا حدا للتراجيديا؟

اسخيلوس: أسف يا ابنتي. الزمن يمضي سريعا، لكن الماضي لا يغيب أبدا. سأرحل الآن. علي أن أعود إلى أثينا. إنني أحس أنني مهدد. ثلاث وتسعون بالمائة من تراجيدياتي اختفت، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه سيجردونني من خلودي. أجل، ففي هذا الزمن الذي نحياه، ينبغي أن نحتاط من كل شيء. وإذا ما حدث أن تعرضت لأي مس بخلودي، فحينئذ لن أغفر، لن أرحم. سأقتل.
المشهد الثاني: قلق الانتظار

إيريبا: أين هي؟ لم تعد إلى البيت؟ ينبغي البحث عنها، أينما كانت، وبكل وسيلة، ينبغي العثور عليها، أو الموت، هذه الليلة حلمت أنهم عثروا على جسد صبية ممزقة في الغابة، وكان علي أن أحضر بنفسي للتحقق من هويتها والتعرف عليها، جسدي أنا هو الذي كان ممددا أمامي، كنت أتقيأ كل أحشائي وأمعائي وأفر نحو روسيا، وهناك أجدك يا حبيبي وقرة عيني، يا رفيقي نيزفستني، بفضلك كنت سألد مرة ثانية ابنتي الصغيرة، أروبتي الصغيرة (نيزفستني يتابعها بعينه لكنه يظل ساهما لا يتحرك) أفتح فمك يا حبي نيزفستفي، مضت الآن عشر سنوات لم تنبس ببنت شفة، افتح فمك وتزوجني للمرة الثانية، سنحلق نحو الكنائس الروسية، وسنجد هناك في استقبالنا المرددين الأرثوذوكس ليغنوا من أجلنا، من أجل زواجنا مرة ثانية، هل تتذكر عندما قفلت راجعة للبحث عنك؟ هل تتذكر الرسائل التي كتبتها لي؟ هل تتذكر الحجر الذي أرسلته إلي هز مدينتك التي ولدت فيها؟ كنت أضاجع ذلك الحجر، وأعرضه أينما حللت وأقول: (إذا لم تسمح له السلطات وتمنحه رخصة الخروج، سأتزوجه، سأتزوج الحجر)، جئت إلى فرئسا ولم تفتح فمك بكلمة منذ ذلك الحين، لقد ولدت ابنتنا أوروبا في صمت، وكنت تضاجعني صامتا، ولهذا السبب، ربما تختفي هي الآن في ظلمات العالم الآخر حيث لا نسمة ولا نأمة تتحركان، الصمت في كل مكان، صوت واحد هو الذي يصرخ، ينبغي ذبح الظلمات بالسكين ! ربما تكون الآن محاطة بالذئاب الخرساء، وهي تكشف عن أنيابها، مستعدة للفتك بها وافتراسها.

(يضع نيزفستفي يدي إيريبا على جبهته، يقبل ممثل الصليب الأحمر الدولي مرفوقا بصندوق منحوتات للترميم).

ممثل المربع الأحمر (يخرج إيصالا ويقرأ): إيريبا نيزفستني، مرممة منحوتات؟

إيريبا: نعم!

الممثل: لقد أحضرت طردكم البريدي.

إيريبا: أي طرد تقصد؟!

الممثل: طرد المنحوتات الجريحة التي ينبغي أن تعرض في متحف اللوفر بمبادرة من هيئة الصليب الأحمر الدولي.

إيريبا: أية منحوتات جريحة؟

الممثل: ألم توقعي عقد هذا المعرض؟ اقتربي، أرجوك، ها هي ذي: دانتي اليجييري، بدون يدين، عثر عليه في ليتوانيا، ضحية استقلال دول البلطيق، وولفجانج أماديوس موزارت، بلا ذكر، عثر عليه في قبر، حصيلة حرب الصرب والكروات، فريديريك نيتشه، بلا عينين، عثر عليه في برلين، تحت جثة شيوعي، غوغول، بلا أنف، عثر عليه في موسكو، تحت جثة أحد أعضاء حركة الرؤوس الحليقة، مهلا! هناك تمثال ناقص، لا يوجد، أين هو؟ ( يقرأ): "القرن الرابع قبل يسوع المسيح، داخل تابوت، تمثال امرأة مجهولة"، تبا! يضيع مني بهذه السهولة! وقعي هذا الإيصال، وسأجده حالا (يمد يده بقلم، تريد أن تمسكه، لكن نيزستني يخططه ويكسره)، سأعود بعد لحظة. (يخرج ثم يعود فورا) أتمنى أن تكوني واعية بقيمة المهمة الموكولة إليك (يخرج).
المشهد الثالث

أوروبا تلتقي متصوفة القرن العاشر ومنشدين عميانا في جنبات المتاهة.

المتصوف 1: سعداء أولئك الذين ينصتون إلى كلمات نبوءتي، لقد أزفت الساعة، ستأتي النهاية مع الأنواء، ستراها العين المجردة، كل القبائل على الأرض ستضرب على صدورها روعا، من العدم يبدأ الآن.

أوروبا: ساعدوني، أيها السادة: على الخروج من هنا.

المتصوف: توبي إلى الله يا بنيتي، ها قد حانت نهاية العالمين.

أوروبا: ماذا تقول؟! نهاية العالمين؟

المتصوف 3: نحن المبشرون بخواتم صور الكون، الجراد، الأعاصير، الدموع، الأبواق السبعة، الملائكة السبعة، نحن خدام يوم القيامة، هيا سريعا إلى طواف الغفران الأخير.

المتصوف 4: يا إخوتي، هاتوا المرايا (لأوروبا): أتمنى أن تتسلحي بالشجاعة والجلد.

أوروبا: لا صلة لي بحكايتكم، أنا لا أعلم أين أنا أصلا.

المتصوف 1: أنت تائهة في ثنايا فكر القرون الوسطى، تأملي وجهك في المرايا لتري الموت يسيل من عينيك، انظري إلى الموت وتوبي إلى الله ليغفر لك ما تقدم وما تأخر.

أوروبا (تنظر في كل المرايا): أجل، أجل، هو ذاك، كل ما تريدون سمعا وطاعة، لكن ساعدوني على الخلاص والخروج من هنا.

المتصوف 4: توبي إلى الله يا بنيتي، وستكونين من الناجين ربما.

أوروبا: لماذا تحاصرونني بهذه الكيفية؟ شجاعتي الوحيدة التي كنت أملكها هي النية.

المتصوف 1: اعترفي بآثامك، اطلبي الصفح، هيا، اركعي.

أوروبا: لكنني لم أقترف ذنبا، أقسم لكم بهذا.

المتصوف 3: إذا ادعى المرء نقاءه فلا حقيقة تبقى له.

أوروبا: إنكم غافلون لا تعلمون شيئا: لقد هربت من بيتي لأنني لم أكن أطيق الصمت، أنا لا أؤمن بإلهكم وبأي إله أخر. أريد فقط أن أخرج من هنا وأعيش كأي امرأة أخرى، لا أقل ولا أكثر. المتصوف 1: هرطقة، هرطقة يا إخوتي في الله، هذه الفتاة لا أمل لها في النجاة.

أوروبا: متى ستنتهي هذه المؤامرة؟

المقصوف 3: جزاء الإثم هو الموت.

المتصوف 1: اشربي من هذا الماء وسنحولك إلى ملاك بلا جسد لأجل خلاص روحك.

أوروبا: اطلقوني.

المتصوف 2: افتحي فمك.

(يرغمها على الشرب، بينما الأخرون يعرضون عليها المرايا).

المتصوف 3: أنظري، سألقي لسانك على بيزنطة ليتلو آيات أوروبا الألفية (يلقي مرآته).

المتصرف 4: تأملي أسنانك، سألقي بها في مياه المحيط، وستتحول إلى مكاره لليالي القادمة (يلقي مرآته).

المتصوف 1: أنظري إلى شعرك، سألقي به فوق البلقان ليتحول إلى شرك لا مفر منه، أريد قلبك الآن يا صغيرتي. انتهت الألفية، وأنت أيضا ستنتهين، هذا أخر يوم في حياتك.

أوروبا: توقفوا، لا تقربوني، سأمزق أجسادكم بأظافري هاته، وسأرفس بقدمي هاتين نفايات دياناتكم، سأمحو وجوهكم وسأثقب عيونكم بالنور الذي يرافقني، اخرجوني من هذه البئر الداعرة، أو أعميكم بآهاتي.

(تنفخ بكل قوتها، فيتحول المتصوفة إلى منشدين عميان وقد ارتدوا أسمال حجاج يتكأون على عصي).

المنشد 1: إيو، أوي، وا، أول حكيم من أكاديمية المنشدين العميان، أنا راوية الدانوب الأسود، اخترقت الأجساد بقدمي العاريتين، ومد الموت يدا إلي، عانقته بحنان، تعالي إلي يا صغيرتي- سأقودك في الطريق الذي سينقلك بعيدا.

أوروبا: آسفة، أنا أثق فيك.

المنشد 2: (يحفر في الأرض): أنت لست من هذا العالم، ولست من هناك، حسك وجسدك كلمات ستضيع، أنا منشد سهل البقاع، تعالي، سأقودك إلى مجزرة قانا، حيث مدافن آلاف الأطفال، تعالي لتشربي كل دموعهم، أي صمت هذا يعبر المكان حولي مثل اللقالق؟!

من أين جئت ؟! ومن أين جئت أيها الصمت الذي لا أراه؟!

أوروبا: جئت من أوروبا.

المنشد 3: فرنسا، انجلترا وألمانيا، لا أثر لها، أنت أرض يباب، نومانس لاند، يوجد ألف باب للخروج، لكنك لن تستحقي رؤيتها مدي يدك وسأبين لك طريق النجاة، تعالي عصاي في خدمتك، سأهديك…

المنشد 1: هيا، اقتربي مني يا صغيرتي ودعيني أداعب شعرك، أوروبا، أوروبتي، أوروباي، هيا، تعالي إلى فنن روحي.

أوروبا: أماه، من هؤلاء العميان الذين ينزعون شعري؟

المنشد 2 (يبحث عنها بعصاه ولا يتوصل إلى الإمساك بها): اسمعي، انصتي الى نصيحتي، (الراشد من لا أب له ولا أم. ومن يعتبر الموت أخا للحياة، افرق بينهما.

أوروبا: دعوني، إنكم تؤلمونني، اطلقوني، اتركوا شعري.

المهرب: أين اختفيت يا آنستي؟  لقد بحثت عنك في. كل مكان، سيبدأ المؤتمر بعد قليل، وأنت لم تتزيني بعد، هيا، أسرعي. السكرتير الأول سيفقد اتزانه ويغضب.
المشهد الرابع: حوارية مع المنحوتات

إيريبا: نوبليسيما باتريا أورذينا سيواد أونود دي مونا رشيا برينسبس زونيكس دانتي أليجييري بونتفكاسيو بنفنوتو (يصمت دانتي)، لست لطيفا بما فيه الكفاية يا دانتي، لست لطيفا بما فيه الكفاية يا دانتي، أنت لا تسمعني ولا ترد علي، هل ستخلد إلى الصمت مثل زوجي؟! لقد سئمت الصمت، دانتي! كلمني! أنا في حاجة ماسة إلى صوتك،، كلمني، كلمني عن الحب، اهمس في أذني بكلمات حلوه، دانتي: هل صادفت ابنتي في الطريق بين تالين وباريس؟! سيهتم بك خبراء الصليب الأحمر الدولي الآن، لقد سقطت راحتك المجيدة ستة قرون بعد موتك من أجل تحرر دول البلطيق، سيدي نيزفستني، تعال أرجوك، أنت ملزم بالقيام بأي شيء في هذه الحياة، تعال. ستكون لي نموذجا يحتذي، اعطني يدك (نيزفستني يده لها)، عليك أن تساهم في هذا المجهود الإنساني، اطلق سراح هذه المنحوتات إذن وخلصها من قيودها (يحاول أن يقول شيئا، لكنه يعجز، تخاطب إيريبا تمثال دانتي)، ماذا قلت؟! ألف وثلاثمائة وواحد؟! أجل، لقد قرأت ما كتبته وأنا صغيرة، وأتذكر ما قلته: (ما أفيد وما أجمل أن يعيش المرء مع أخوته ويذوب فيهم ..) أجل، لقد التهمت كلماتك، وحلمت بجنس بشري وسط الطمأنينة والانشراح، كيف تصرف العالم؟ لا أدري، كيف مزقت أظافر الجشع الرداء لا أدري، العالم الآن يحيا بك شفقة غلى أحد، دانتي، أنت الذي علمتني، ولن تستطيع شيئا من أجلي الآن، أنت لا تعلم حتى أين توجد ابنتي أوروبا (تتجه نحو رزمة موزارت)، وأنت يا موزارت هل تسمعني: أنت أيضا ستلجأ الى الصمت، كل شيء تحول إلي قرار لتأجيل الكلام، الصمت من كل جانب، هل كنت تتصور أن تمثالك سيتحطم في زغرب في الصراع بين الصرب والكروات: لقد انقذك الصليب الأحمر الدولي، وأنت الآن عاجز، هل انت مستعد لمضاجعتي متى رممتك يا أماديوس؟ هل أنت مستعد اذا وضعت لك قضيبا تقاوم به الحرب؟ اتفقنا (يفتح نيزفستني عينيه) العام ليس بخير، وعجيزتي تؤلمني: طرف له بورصة القيم وطرف له قيم البورصة، القليل قليل، والكثير لم يعد كثيرا، أين الجمال؟ أين الجمال في كل هذا؟ وأنا؟ لم أعد جميلة، لا أحد تعجبه مؤخرتي، أنت أيضا يا موارزارت عجيزتي وأردافي ليست من فيينا! أليس كذلك؟! ممثل الصليب الأحمر الدولي: سيدتي، أعتقد أنك توصلت بالتمثال الذي كان ينقصك عن طريق البريد؟

إيريبا: عفوا ؟!

الممثل: توصلت به أم لا؟

إيريبا: أرجوك، لا أعرف، ابنتي..

الممثل: لا شأن لي بحكاياتك الشخصية، ولا شيء في الكون يساوي قيمة التمثال الذي ضاع، ينبغي أن نعثر عليه عاجلا أو آجلا، (بصوت هامس): من هذا الغريب الذي يقيم معك ربما يكون هو الذي اختلسه وأحفاه.

إيريبا: نيزفستني، من هذا المخلوق القذر؟

(يقترب نيزفستني من ممثل الصليب مهددا)

الممثل (فزعا): سأرجع (يخرج ثم يعود فورا): أسرعي، الوقت يمضي بسرعة، لم يبق لديك سوى أربع وعشرين ساعة لانجاز ما تقومين به (يخرج).

المحاولة الثانية لأوروبا للخروج من الزمن.

الوقت متأخر ليلا، تبصر أوروبا شكسبير وهو يكتب.

جالسا إلي مكتبه على ضوء شمعة.

أوروبا: عمت مساء.

وليام: وأنت من أهله يا سوزانا.

أوروبا: لست سوزانا.

وليام: عمت مساء جوديث.

أوروبا: لست جوديث.

وليام: لي ابنتان فتط: سوزانا ولدت سنة 1583، وجوديث سنة 1585.

أوروبا: أعتذر على الارعاج، لقد أردت فقط…

وليام: عفوا آنستي، شكرا على الزيارة، إنني مشغول جدا، شكرا، في المساء أقوم بدور في مسرحية لجونسون، يعني أمثل، وفي الليل أراجع وأصحح مسودات هاملت لأضع حدا لاتهامات السرقة الموصوفة لتراجيديا كيد، أستطيع أن أضع تحت تصرفك ألف موضوع، اكتبي لي فقط تراجيديا واحدة.

أوروبا: شكسبير، إنني أحس نفسي ابنة شرعية لك، بل قل لقد مضت أربعة قرون وأنا أشعر في قرارة نفسي أنني ابنتك.

وليام: عفوا، شكرا على زيارتك، لكن لا وقت لدي، في الصباح، كل صباح، أكون منشغلا، أكتب، لا أكاد أنام إلا نادرا، هذا الصباح مثلا كنت أفكر في أن أكتب، غير أنني ملزم بحضور مراسم دفن.

أوروبا: من مات؟

وليام: ماذا؟ ألا تعلمين؟ الملكة اليزابيث، شكرا على الزيارة، وفيما يتعلق بمسألة كونك ابنتي، فأنني أخبرك أنك لست كذلك، هذا أمر لا جدال فيه، ربما قد يكمن التبس عليك الأمر واعتقدت أنني مارلوف أو جونسون أو وبستر الذين كانوا معاصرين لي، إنك ظريفة جدا، لكنني لا أملك حلا لك، علي الآن أن أستعد من أجل حضور عملية دفن الملكة، قدمي اعتذاراتي إلى أمك، أنا لم تكن لي علاقات خارج زواجي.

أوروبا: تبدو متلهفا لحضور هذا الدفن وكأنك لم تشف غليلك من الموت.

وليام: آنستي، لا تحاولي اختزال سيرتي في تعريف مختصر، فأنا لا أصنف، أو إذا شئت أنا لا حدود لي، لا نهائي، ماذا تريدين مني؟ أخرج من جيبي سبع امبراطورات وأمنحها لك، أخرج سبه عشرة أميرة وأمنحها لك، أخرج واحدا وسبعين قاتلا، أخرج مدنا وملاعب ومسارح ومعابد وهياكل وسجونا وزنارين وأوهاما وطبيعة ميتة وأحلاما حية، كلها أمنحها لك، اتنازل عنها لك، أنت بيضاء، شديدة البياض بشكل غريب، ماذا دهاك؟ كل شيء هنا أبيض: الجدران، وجهك، صدرك فمك، شعرك، جمالك، نظرتك الملائكية، بياض، بياض.

أوروبا: أنا سليلة خيالك، ومخطوطاتك هي التي حبلت بي ووضعتني.

وليام: آنستي، ليكن الأمر واضحا بيننا، من أنت؟ هل أنت صفحة بيضاء أتت في كلماتي الميتة؟ في تلك الليلة الحالكة من سنة 1603؟ هل أنت ابنة الشيطان الأبيض؟ بالفعل: إن أبطالي ضحايا الشيطان ولقد رأيت، وأنا أصحح نسخة هاملت، مجموعة شياطين بيض بملامح شخوصي المسرحية، أمسكوا يدي وحيوني قائلين: ماذا قالوا؟ لا أتذكر، نسيت، إنني أراهم واستحضرهم، ها هو، أمامي، آنستي، معذرة علي أن أنصرف الآن لأحضر مراسم الجنازة، معذرة.

(يقترب الشياطين الأربعة من أوروبا)

أوروبا: will not, speak then to me say wich grain will grow and wich can look into the seeds of tine and if you

وليام: gone and live or stay and die. I schall be

(يتجه نحو الكواليس)

أوروبا: لا تذهب، ابق معي.

(يصب الشياطين على ثوبها سطل ماء).

وليام: معذرة على ما حصل.

(ينصرف)

المشهد الخامس:

محكمة التفتيش السياسية الجديدة والشعوب المهجرة بعد الشيوعية عام ألفينن.

الشيطان 1: وأخيرا، ها أنت، كنت على وشك أن تجعلينا لا نبدأ في الوقت المحدد.

الشيطان 2: لقد جعلتنا نقلق عليك.

الشيطان 3: وأخيرا يمكن أن تبدأ محكمة التفتيش السياسية الجديدة.

أوروبا: سأقوم بكل ما تبطلبون، وأتمنى أن يكون لديكم من الجهد لتفهموا ما حصل، فهناك سوء تفاهم، هل تسمعون؟

الشيطان 3: صه السكرتير الأول للمحكمة الجديدة في أمس الحاجة اليك، لما كانت كل صور أوروبا عبارة عن نساء عاريات، فانه سيستعمل جسدك، إخلعي ثيابك.

أوروبا: هنا، أمام الجميع؟

الشيطان 3: صه! ها هو قادم.

الشيطان 4: أقدم نفسي، أنا المحقق الجديد، لقد كلفوني بمسؤولية ضخمة، علي أن أشيد المعتقلات في كل بلدان أوروبا برا وإحسانا، أنا في أمس الحاجة إلى خريطة لأشرح لك، هيا يا مساعدي الأقربين (يمسك شيطانان بأوروبا ويقودانها إلى المحقق): امسكوا بها جيدا (يبدأ في خلع ثيابها ويخرج إبرة ليشمها): إننا نفكر في بناء ثلاثمائة وخمسين معتقلا للناخبين المنحرفين ابتداء من العشرية الأولى للقرن الواحد والعشرين (يبدأ في الكتابة على كتفي أوروبا): في اليونان ثلاثة، اثنان في ألبانيا، معتقل واحد في مقدونيا (يكتب فوق عنقها) أربعة في إيطاليا، النمسا وألمانيا الموحدة أحد عشر (على يديها): النرويج اثنان، بلجيكا واحد، هولندا اثنان، اللوكسمبورج واحد (على بطنها): فرنسا سبعة، انجلترا ثمانية، اسبانيا ستة، البرتغال أربعة ما رأيكم في كل هذا أيها المساعدون؟

الشيطان 2: لا يكفي، نحتاج إلى معتقلات أكثر إلى أسفل، بل علينا أن نجعل القارة أكثر عنصرية ونحول الناخبين المنحرفين إلى ناخبين مصممين، بل علينا أن نقيم مزارع لتربية الأعراق.

رجل: في المجر، في بولونيا، في سلوفينيا بل حتى في البلدان الصغيرة مثل موناكو واندورة.

أوروبا: كفى أيها الأنذال الحقراء، أية متعة تحسون بها تهينونني بهذا الشكل؟ ابتعدوا عني، لا تلمسوني، أنا مصابة بأمراض مزمنة لا شفاء لها، أنا هي التي حملت الطاعون إلى مارسيليا، أنا التي نقلت الكوليرا إلى باليرمو والسعار إلى لندن، أنا التي نشرت التيفوس في بلجراد، جنوبا أنا مصابة باسخيلوس، شمالا بموزار، أما غربا فشكسبير حاضر في بغزارة، الشرق غوغولي، عيناي مريضتان بسيزان، عقلي مصاب بنيتشه، أما روحي يا سادتي فهي مصابة بدانتي، هل أنا ملزمة بأن أبقر بطني بسكين لأحشوه بالفرح. (يبتعد المحققون عنها كما لو كانت مصابة، يعبر جيش من المهجرين).

الجنرال: من يا ترى سيقبل الشعوب غير المعترف بها؟! من يقبل اللاجئين المنفيين المرابطين أمام القنصليات، على المراكب، وفي مراكز العبور المؤقتة من سيؤسس دولة جديدة للاجئين الذين لا حق لهم في العيش الكريم؟ أخبروني.

المتسول: (وقد أبصر أوروبا) امرأة في عرض البحر.

(يقتربون منها ويساعدونها على الصعود إلى السفينة).

الأثري: مرحب بك يا آنستي، إنها سفينة عتيقة خربة ولا نملك شيئا ذا قيمة نقدمه لك، فنحن فقراء معوزون ولا مؤونة لنا.

أوروبا: إلى أين أنتم ذاهبون؟ ما وجهتكم؟

رجل: إلى أي مكان، ولا وجهة لنا.

رجل من جماعة حليقي الرؤوس: لا حق لنا في اللجوء السياسي، لقد أقبلنا توا من سراديب الكرملين بأسرار سياسية نووية، ولا أحد يقبلنا في أي مكان ذهبنا إليه، كل ما نستطيع أن نقوم به هو أن نموت في انتظار ما سيحدث.

الجنرال: كنت جنرالا، تقدمت إلى كل القنصليات لطلب اللجوء السياسي، وكنا في ميناء دوريس آلافا ننتظر تأشيرة العبور، في الحقيقة أن هنا خطأ معذرة، أنا أحسن النطق جيدا بلغتكم ولهجتي سيئة، ربما تعرفون نحاتا روسيا يقيم في باريس؟ لا تعرفونه؟ معذرة يا آنستي، لقد نحت بدون توقف في السجن العسكري وكنت مكلفا بحراسته، كان كل حجر يصير على يديه تمثالا، نحت بكل أظفاره، وفي كل جنبات زنزانته كانت هناك رؤوس منحوته، أرواح مخلدة لن تموت، ذات ليلة كنت نائما في غرفتي عندما دخل علي جندي وهو يصرخ: (النحات نيزفستني اختفى من زنزانته، رأيته طائرا نحو أوروبا الغربية ويحمل كل ما نحت).

يا للعنة ! ينبغي أن أقبض عليه، هكذا قلت، ينبغي أن أجهز عليه وهو طائر في السماء محلقا.

أوروبا: كيف؟! هل كنت تعرف أبي؟

الجنرال: عرفت عن طريق المخابرات السرية فيما بعد أنه رجل رحل إلى باريس بفضل مومس لها شأن كانت تمقت الشيوعية، ولهذا السبب أفتش عنه، أريد أن أخبره أن الشيوعية انهارت ولم يعد هناك سبب لفراره.

أوروبا: لماذا كان في السجن؟!

المتسول: اسمعي يا صغيرتي، أنا متسول من برلين الشرقية، بدأت أتسول بعد سقوط الشيوعية، ماذا صنعت من أجلي اليوم؟! ماذا ستصنعين غدا؟

الأثري: تعالي يا آنستي، تعالي لتري بضاعتي، جئت مباشرة من فوكوفا، ولدي مجموعة منتقاة من الأعضاء البشرية جاهزة للاستعمال، هل يهمك هذا؟ أنظري: قلب بألف وخمسمائة دولار، كبد بثمانمائة، رئتان بخمسمائة.

أوروبا: كفى، سأتقيأ.

الأثري: من سيشتري بضاعتنا المسكينة؟ من سينقذ شعبنا؟ من؟

الجنرال: تعالي معنا يا آنسة، سنؤسس جيشا من الفقراء المجدد تكونين في طليعته، وسنبدأ نشيدا جديدا للثورة، السلام على اكتف، إلى الأمام تحركوا.

جماعيا: أمنحونا ثلاثمائة وثمانين من لا شيء، امنحونا قليلا من الهباء، أمنحونا عواصم بلا ايديولوجيا، نريد حبا جميلا، نريد حصة بسيطة من استبداد أموالكم، امنحونا جرحنا وتمزقنا، امنحونا قليلا من مال اليسار الدولي، امنحونا سعادة نيئة طازجة لا تساوي شيئا، شيئا، شيئا.

محاولة أوروبا الثالثة للخروج من الزمن.

أوروبا تدق باب بيكيت، يبدو هذا الأخير واقفا وقد وضع إحدى قدميه على كرسي، يتأمل ساهما ما حوله ويلهو بنظارته.

أوروبا (تدق الباب): سيدي بيكيت! (لا يجيب)، رد علي (بيكيت ينظر إلى ساعته): هل يوجد منفذ للخروج من سرداب التراجيديا الكونية هاته؟! (بيكيت غير مبال): هل أنتم أخر التراجيديين وبكم تختتم التراجيديا؟ (بيكيت يولي بعض الاهتمام): هل يمكن أن يعرف أي امرئ بعض الخلاص! ما نسبة حظه في ذلك؟ ثمانون في المائة ! سبعة؟ واحد في المائة! كم ؟ (لا جواب): أخبرني سيدي صامويل، قل، أخبرني بذلك بأي لغة تشاء، بالفرنسية مثلا، أنتم تكتبون بالفرنسية ! أليس كذلك؟! قولوا لي ذلك باللغة الانجليزية التي تلتهم الكرة الأرضية، أخبروني بلغتكم الأم، أنت ايرلندي فيما أظن، لماذا لم تكتبوا بهذه اللغة المنسية؟!

(بيكيت يوشوش قليلا ثم يغني أغنية ايرلندية قديمة)

بيكيت: لن يوجد ثلج في أي مكان، ولن تهب ريح الشمال الشتوية الآن، سيغنى جحيم الأرض وينعتق الإنسان، لن يتعذب الإنسان بعد الآن، وسينتهي عصر القتل والنسيان، أنا لست من أو عز بالطغيان.

المشهد السادس: عيون نيتشه، روح غوغول، دموع نيزفستني

نيزفستني يصغي إلى وصايا الجنرال ويشرع في البكاء

إيريبا: هل ستصمت أنت أيضا يا نيتشه، أم تتصنع ذلك؟! نيتشه بلا عينين! لا يرى! مستحيل! هل تعلم أنك جئتني في الحلم وداعبت أذني بكلامك الساحر؟! خذ عيني بأصابعك، اقتلعهما وخذهما (ينظر نيزفستني بعينين دامعتين): اخبرني بأنباء حقيقتنا لنرقص، صف لي الأشباح المخيفة، صف لي غضبك التراجيدي، كركر على مسامعي مثاليتك، صف لي مطاردتنا للحقيقة، هل الحقيقة في نظرك، مطاردة للفرح؟! نيزفستني، ماذا بك؟ لماذا تبكي؟! لا تكن سخيفا (نيزفستني لا يتحرك وقد داهمته علامات الأسى): تعقل، إنها لعبة، هذا كل ما في الأمر، مجرد لعبة لأجعلك تحس بما يجري حولنا، كلمني، أنا ضائعة، تكلم، تكلم، تكلم، لا تهرب، أنت رفيقي الوحيد، أنت أكبر أعدائي، وأنت الغريب الذي أدعيه، أنت إلهي الجلاد، تكلم، معي، عد بكل اوجاعك، بكل دموعك تسيل مدرارا مثل سيل هادر، كلمني، لقد سئمت كل هذا الصمت، عد، عد يا إلهي الغريب، يا وجعي، يا فرحي الوحيد! عد يا نيزفستني، سأعود بك إلى موسكو وأسلمك إلى السلطات الروسية (يفرك نيزفستني يديه).

إيريبا (تخاطب تمثال غوغول): قل لي يا نيكولاي فاسيليفتش غوغول، هل يمكنك أن تقرضني كلماتك كي أفهم؟!. ماذا يعني هذا النداء الذي يتبلس روحك؟! ماذا تعني هذه الدموع التي توسوس لي بلا توقف؟! أية نبوءة هاته؟! يا روسيا! يا بلد الأفاق المشعة السامية التي لا يعلمها أحد من سكان الأرض! نيزفستني! إذا كنت لا تزال تحبني فخذ هذا المسدس وأطلق رصاصة في رأسك، (يدخل ممثل الصليب الأحمر الدولي، فتخاطبه): ماذا تفعل أنت هنا؟! كان عليك أن تذهب قبل الآن!

الممثل: معذرة، علي أن أجري بحثا دقيقا وأفتش شقتك، تحت السرير، تحت أرضية الشقة، تحت الجدران، والمخدات والتماثيل وتحت الموائد والكراسي، من يخفي التمثال الثمين الذي كان ينبغي أن يعرض غدا في متحف اللوفر؟! علي أن أجده فورا.

إيريبا (تخطو نحوه): يا سيد…

الممثل: اسمحي لي سيدتي بأن أخبرك… لا تقولي شيئا، أرجوك، كلماتك تجرحني عميقا.
المشهد السابع: رقصة الفالص الأخيرة لأوروبا

المهرب: وأخيرا، هل أنت على استعداد؟! أيها الراقصون، إلى الحلبة! ليس لدينا وقت لنضيعه.

أوروبا: راقصون؟! لا رغبة لي في الرقص.

الجينرال: آنستي، لا تناقشي، سترقصين معي، ليبدأ العزف، سنرقص رقصة شعبية ألبانية.

(يجذب أوروبا إليه بالقوة ليراقصها).

أوروبا: أتركني أيها الوحش القذر.

المتسول: هكذا هو، وحش، يجهل كل شيء عن حسية رقصات ستراوس الفالصية، أيها العازفون!

أوروبا: مهلا سيدي، فسروا لي ما يجري.

الأثري: إنه لا يهتم بالسياسة، وهو هنا لأسباب مالية صرفة، هكذا هو وهذا كل ما في الأمر، الحرية باهظة الثمن، وأنا نفسي بعت قبل لحظات آلاف الجثث اليوغوسلافية، ولا أملك ما أستطيع به أن أدعوك لشرب كأس من الخمر، أيها الموسيقيون، اعزفوا لنا لحنا صربيا (يجرها إلى الحلبة).

أوروبا: دعني.

رأس حليقة: ميلايا، داراغايا، دييفوشكاميا، أنا مكلف بأصعب مهمة على وجه الأرض: إنقاذ شعبي، عليك أن ترقصي معي وحدي ولا أحد سواي.

أوروبا: دعوني، ستعرضونني للموت.

المتسول: من أجل الموت لا شيء يفوق الحنين الطافح إلى رقصة تانجو! مايسترو، بليز، تانجو!

الجنرال (للمتسول): هيا، اغرب عن وجهي، لا أريد أن أراك مرة ثانية تلمس هذه الفتاة، رائحتك كريهة.

المتسول: أرفض الحديث مع عسكري لأسباب صحية.

الجنرال: اغرب عن وجهي وإلا ذبحتك مثل خروف.

الرأس الحليقة: أنا من يصدر الأوامر هنا، لقد أحضرت في حقائبي رؤوسا نووية من غواصات ومركبات فضائية، وأنا من سيرقص الرقصة الأخيرة مع هذه الفتاة؟

الأثري: اسمح يا حليق الرأس، لن تخيفنا برؤوسك النووية، إنني أضع اللمسات الأخيرة لحرب أهلية عالمية.

المتسول: كفى يا سادة، تثيرون الضحك، أنا ألماني، انهزمت، هل تتذكرونني؟ هل تتذكرون حريق الرايخستاج؟ أبواب براندبورج. نورنبرج؟ عذراء الفولاذ؟

حليق الرأس: أجل، أتذكر لينينجراد، أتذكر ثلج سيبيريا الأحمر وثمانية ملايين من الروس القتلى.

المتسول: وأنت يا رفيق، ماذا فعلت؟ أفنيت شعبك عن أخره من أجل الشيوعية، والآن أصبحت بلا شعب ولا شيوعية.

الجنرال: أما أنت فقد نسيت أمر معركتك الدموية (لأوروبا): تعالي يا آنسة، سأفضي اليك بسر: إننا سنرقص مرة ثائية نفس الفالص.

الأثري: وأنا؟ ماذا سأفعل كل هذا الوقت؟ هل أرقص مع ظلي

حليق الرأس: لا ظل لك، تذكر انك مصاص دماء.

الجنرال: كفى، ستموت، يا للفتاة المسكينة !

الأثري: انها أبدية، لا تموت ولن تموت بعد الآن: (يلقي بها إلى حليق الرأس).

حليق الرأس: أي والله، أبدية، إنها أبدية مطلقا! (يلقي بها بين يدي المتسول).

المتسول: تستطيع أن ترقص مدى الدهر! (يلقي بها إلى الأثري).

الأثري: لم تبدأ رقصتها إلا حديثا! (يقدمها إلى الجنرال).

الجنرال: إنها لذيذة إلى حد أنها تغري بأكلها.

(يراقصها وهو يعضها ويفترسها، لحظات وتتخلص منه بحثا عن منفذ، كل الراقصين يطاردونها، وتنتقل من هذا إلى ذاك، في ارتباك موسيقي للعديد من الرقصات المتناوبة، ثم تسقط على الحلبة عارية، متعبة، موشومة، يحيط بها الراقصون الذين لم يتعبوا).

المحاولة الرابعة لأوروبا للخروج من الزمن.

أوروبا: أماه؟ (صمت): أماه (صمت): ماذري! موذر: مايكا! ماتكا!

أمي الصغيرة !

(تظهر عدة رؤوس أمهات مختلفات ينتمين إلى حقب مختلفة)

الرأس الاول: هأنذا، قولي! يا ابنتي!

أوروبا: لا، أبدا، ليت أمي!

الرأس الأول: أنا أم جدتك التي كانت حفيدة أخت أم التي كانت قبل أن تكون أم..

أوروبا: كوني أم من تشائين، لكن أخبريني كيف أتخلص من هذه المأساة؟!

الرأس الاول: عليك أن تبحثي عن أمك الأول، لأن كل التراجيديات لها أمها، أنا رأس الاسكندر الأكبر التي تخاطبك. أعتذر إليك، كان ابني يريد أن يكتسح العالم، لكن لماذا اكتساح العالم؟! ما الجدوى؟!

الرأس الثاني: أنا رأس أم الامبراطور الروماني الأخير! قدمي اعتذاراتي رجاء إلى كل الشعوب التي قتلت بالجملة في إطار الامبراطورية !

الرأس الثالث: أنا رأس أم الامبراطور البيزنطي، أقدم التعازي إلى كل الضحايا والموتى!

الرأس الثاني: رأس أم شاركان، معذرة !

الرأس الأول: رأس أم إلامبراطور الهنغاري، معذرة !

الرأس الثاني: راس أم قيصر كل روس، معذرة !

الرأس الثالث: رأس أم نابليون، معذرة !

الرأس الرابع: رأس أم دراكولا، في الضفة الأخرى لنهر الدانوب.

الرأس الأول: رأس أم البابا، أنا التي وضعت قداسته صفحا!

الرأس الثاني: ديفوشكاميا، أرفع اليكم طلب الصفح أمام البشرية لميلاد ستالين، لعمليات التطهير والمعتقلات والكولاج معذرة !

الرأس الثالث: أي مصير كانت ستعرفه أوروبا لو لم الد أكبر وحش خرج من رحم امرأة: أدولف هتلر، أرجو المعذرة !

أوروبا: أماه، أين سأتجه لأطلب التخلص من هذا الزمن الذي يقبع في داخلي؟ هذا الزمن الذي يوجد خارج نفسي؟! من هذا الهباء الذي اسمه التاريخ؟! وسقطت فيه مرغمة، من سيدلني: الرهبان؟أ علماء الفلك؟ الأنبياء؟ الثوار؟ الرجعيون؟ الوطنيون؟. القابعون في الوحل؟ الجياع؟ المحسنون؟ رجال المافيا؟ المنظمات الانسانية؟ المعطلون الذين يكتسحون العالم بالملايين؟ من سيوقظ الأمل مجددا؟!

الرأس الرابع: يبدو لي هذا ضربا من ضروب التراضي!

الرأس الأول: التاريخ الكوني يشبه قاعة مستشفى كبيرة تحتوي واحدا وعشرين سريرا.

الرأس الثاني: أغلب النزلاء ماتوا قبل الأوان.

الرأس الثالث: بعضهم في حالة رمق بطيء بين الموت والحيان، أبرز النزلاء، أعني أوروبا، ضحية مرض تقاومه طبيعتها بشجاعة.

الرأس الرابع: لكن بلا جدوى للأسف! الأطباء يعلمون أن أيامها معدودة.

الرأس الأول: يتعلق الأمر فعلا بكائن منذور للموت، وهذا الموت يقودها إلى ضعف قوتها الجسدية التي يبدو أن السياسة تقف عاجزة.

الرأس الثاني: كل ما يمكن أن نقوم به هو أن نحتسب الأيام المتبقية لها ونعرف كيف،تستغل، تجنبا للتسرع مع قبول مصيرها المحتوم.

أوروبا: لا، لا اقبل هذا المصير: أين هي السرة التي تتحدثون عنها؟! سأوقظ الموتى وأقسم ثروات هذه المقبرة الأغلي في المعالم، سأنظم ثروة جديدة ضد استبداد المال، أحضروا لي الأسرة الأخرى، أريد أن أراها، يا أملي الأخير! تختبئ إنني أراك من بعيد، أحس الدم الذي لم يسل بعد، أجلس على صخرة الشك وأندب ما سيأتي من الماسي!

الرأس الثالث: إنني من بلد ينفق فيه بعض الأشخاص في عطلة الأسبوع الواحدة ما يفوق نفقة مليون شخص في السنة، أعتذر لكم.

الرأس الرابع: وأنتم تشاهدون هذا الحفل وتتفرجون هناك ألفان وخمسمائة شخص سيموتون في جهة ما من العالم، إنها رأس أم متفرج هي التي تحدثكم.

الرأس الأول: يا للجبن، عزاؤنا الوحيد! إنها رأسنا جميعا تتحدث رأس أمنا!

الرأس الثاني: إنها رأس أم دائرة ثوار هي التي تخاطبك، ثورة جديدة ستنبثق غدا من أوعية القلق الكوني، تجمع بين الضباط الروس وبطالة فرنسا وموتي البوسنة ومنجمي انجلترا، والاثنى عشر مليونا من العمال السريين في أوروبا الغربية والستين مليونا من العمال المقنعين في أوروبا الشرقية،غدا أو فيما بعد، بعد غد، هذا أكيد!

أوروبا: أماه: أين؟! أين أنت يا أمي الصغيرة؟!
المشهد الثامن: كانتور يقود إيريبا في المتاهة

يخرج كاتنور من طرد بريدي في شكل رزمة وقد ارتدى بذلته وقبعته السوداء المغبرة. كاتنور: مساء الخير سيدتي، هل يمكنك، أن تشرحي لي ماذا أفعل هنا؟ حضوري هنا غلط فظيع سأصححه الآن فورا ء اسمحي لي أن أسلم عليك، لا وقت لدي، تركت روحي في فلورنسا في غلاف بلون السماء الزرقاء.

إيريبا: كاتنور، هل تستطيع مساعدتي على العثور على ابنتي؟

كاتنور: بدون شك أكيد أنني سأساعدك، لكن دعيني أشرم لك أولا:

إن اكتشافي فضاء، جديد يوجد خارج الزمن، ولكي يسري مفعول هذا الأكتشاف ينبغي إعادة خلق الموتى من قبل أشخاص أحياء، يرزقون، وأن يتسرب الزمن الماضي إلى الحاضر، هل تتبعينني؟

إيريبا: انتظرني، يا كاتنور، اصبر علي قليلا لأجمع بعض أغراضي ولرافقك.

كانتور: الأشخاص الذين سنلتقي بهم فارقوا الحياة هم أيضا، لكنهم قادرون على الحركة والكلام، سنرحل من هذه التجمعات المفتعلة ومن مظاهر الاحتفال التي لا علاقة لها بأي مسرح.

إيريبا: نيزفستني، يانيزفستني، سأذهب يا حبيبي، تعال، اركض ورائي، سأنتظرك هناك معذرة، أنا مرغمة على الذهاب، علي أن أعثر عليها.

ممثل الصليب الأحمر الدولي: إلى أين أنت ذاهبة يا سيدتي؟! لا يمكنك الذهاب الآن! أنت لا تمتلكين سوى خمس وخمسين دقيقة لانهاء الترميم! سيدتي! الرئيس هو الذي سيدشن المعرض بنفسه ! إيريبا: ابتعد من طريقي ودعني أمر، كاتنور، أين أنت؟ كاتنور: انتظرني.

المشهد التاسع: الوجه الحقيقي للتماثيل

نيزفستني تعبره كل تعاسات أوروبا،،صمت نيزفستني طويلا. ثم يحاول بكلتا يدية أن يفتح فمه كما لو كان يفتح بابا للجحيم، وفي نهاية الأمر يتمكن من التفوه بكلمات ويردد نغمة اسطورية. نيزفستني: ماذا يجري هنا؟ تبكين مرة أخرى؟! تصرخين من جديد؟! تسقطين؟! تبحثين عن السعادة مرة ثانية؟! سألقي بكل هذه التماثيل، وبكل زخارف ونياشين تفاؤلي السمج، وسأكنس أرضية هذه الحلبة، أريد أن نبقى وحدنا، وحدنا، وحدنا أريد أن أرى كيف يتصاعد الغبار في الخواء، أريد أن أراك مثل لوحة في لون سماء روسيا وقد سقطت على الأرض جريحة، ممزقة، حبيبتي، حبيبتي وحدي، تعالي يا ربتي، لقد أرديت الصمت ميتا، قتلته، تعالي إلى جريحة عارية وذوبي صخرة غيابي، إيريبا: زوجتي الحبيبة ! أريد أن تعودي ويتراجع الزمن إلى الوراء، أريد أن تظلم كل الأشياء يا شمسي السوداء، أنت الخلاص، انت ثورتي في حال الحزن، أنت مرممتي، سعادتي القادمة مع رياح سمرقند، أريد أن أجهز على كل الأساطير الخفية وأثقي بها في هاوية، حيث سأحبك ثانية.

(يتجه لإلقاء كل أكياس المنحوتات لكن هذه الأخيرة تتحول إلى وجوه تهدده).

حليق الرأس: رأيت ابنتك بجوار كنيسة ماريا مات بوجيا في موسكو، لان هناك حشد من الجياع يصرخون: ( سينتهي بنا المآل إلى بطالة تنتظر قطار الجحيم؟) الحكومة نزلت بدباباتها إلى الشارع، لكن ابنتك لم تتحرك من مكانها، فمرت الدبابات على جسدها، وكان وجهها تغطيه الدماء، حاولت إنقاذها، لكنها كانت قد تمزقت إلى ألف شلو: الروس أناس لا وقت لهم.

المتسول: امنحوني ثلاثمائة وأربعا وعشرين من لا شيء، امنحوني قطعة من هباء، امنحوني عواصم بلا ايديولوجيا، امنحوني نسبة مئوية من استبدادكم المالي، امنحوني تمزقي، امنحوني بورصة صوت يسار العالم، امنحوني كل ما تملكون، امنحوني لا شيء،لا شيء، امنحوني فرحا نيئا، لا يساوي شيئا، شيئا، شيئا.

الأثري: أعطيك قلبا ثمنه ألف وخمسمائة دولار، كبد بثمانمائة إذا شئت، أو رئتان بثلاثة آلاف وخمسمائة دولار أعطيك..

الجنرال: انجلترا، أيه انجلترا؟ سأدمرها وأدمر ايرلندا وسكوتلاندا معها، فرنسا! أيه فرنسا! سأفجر فرنسا وأفجر مستعمراتها التابعة لها، البنلوكس، أيه بنلوكس؟ سأذهب لأتبول هناك، ألمانيا: سأنظم مذبحة كبيرة في البندستاج وأجند ملايين من جياع كلكوتا لبناء جدار كبير حول كل ألمانيا الموحدة وأضع في أسفله كل المتفجرات النووية الروسية، وبعد ذلك سأذهب لأبصق على إيطاليا، وأقاتل الى أخر جندي! أنا من يصدر الأوامر هنا: انتباه !

المتسول: تريد أن تغير على وطني! يا لك من جنرال تثير الشفقة ! هل تحسن الغناء؟

الجنرال: لا.

المتسول: يريد أن يخوض الحرب ولا يحرف الغناء!

الجنرال: أنا أمقت الناس الذين يغنون، صربيا تحتضر وأنا ملزم بالغناء:

المتسول: لقد غنى جوته الأغاني الصربية، أيها الجنرال المغفل، أنت لا تعرف حتى أغاني شعبك !! انظر الي، أنا من ألمانيا، أتسول في أي مكان وألملايين من الناس الذين قتلتهم الجيوش الألمانية تضطهدني دائما، يا لك من جنرال تعس، عليك أن تجد علاجا لنفسك، عليك أن تغني.

الجنرال: لن أغني أبدا!

حليق الرأس: غن، بسرعة، لا وقت لدينا علي أن أجد قروضا دولية لانقاذ شعبي، يا له من جنرال عجيب:

المتسول: اسمع: يا ملائكة الكنائس. كسري جبص تصاويرك.

واخرجي جماعيا لأخذي روح هن يريد خراب أوروبا. ادخلي سراديب هذا القرن

ألأثري: هاك يا جنرال أعضاء حية، خذ هذه الرئات، خذ هذا القلب، خذ هذا الكبد، خذ كل ما تشاء، أبيع أعضاء فوكوفار، المدينة التي نزعت البارحة هن الأرض غرنيكا الجديدة.

حليق الرأس: كل شيء ينسى، لكن لا ينسى الشيء كله، كيف يمكن أن تصدقنا المنظمات المالية الدولية، ومن أين لها القدرة على ذلك؟! ماذا عساني أقول لحكومتي؟! ماذا سأقول في الساحة الحمراء؟! من سيقطع رأسي الحليقة؟! أسألكم أنتم يا أهلي الروس، يا إخوتي وأخواتي؟ من هو من؟! وماذا ينبغي أن أفعل لأنقذكم؟!

الجنرال: لم تنته الحرب بعد، بل لم تنته بما فيه الكفاية، لم تقبر وتظل غير مكتملة، هذا ما ينبغي أن تقوم به: عليك أن تحارب!

المتسول: (يخرج من جيوبه قصاصات أوراق): هذا كل ما أملك لأقاتل به: أشعار نيبلونج، كلمات هولدرلين وهيرمان هيس، موسيقى بيتهوفن ومحسنات توماس مان البديعية هيا.

غنوا حتى لا تتقاتلوا فيما بينكم.

يا طائر العطش،

من غياب هب فكرنا، أحضر لنا قطرة ماء واحدة.

قطرة واحدة من البحر الميت

وحدنا في الحب.

الجنرال: لو أن السيد نيزفستني يتذكر من أين جاء، فلن يستطيع أن يجهل ما يحدث هناك الآن!

نيزفستني: أماه! أخبريني، أخبريني يا أم…، ماذا اقترفت لأجد نفسي في هذه العزلة والأشباح تجوس في ذاكرتي الموحشة!!

أصبحت معبرا تتسكع فوقه كل عذابات أوروبا، عزلتي الهجينة ستنفجر، وستتناثر عيناي، أصبح قلبي مخزن التزامات جديدة، قولي يا أمي، مايكا، موذر، ماتكا، من سيدلني على تحفي وأثاري المجهولة التي ضاعت؟! من سيجد مأثرتي العسكرية من أجل السلم؟! خلصيني، دليني في تباريحي! هأنذا أموت وحيدا، مجهولا، ضحية ما صنعت بيدي وأبدعته، ضحية دائي المزمن الذي لا يشفى.

ممثل الصليب الأحمر: أنت هو الذي سرقت التمثال! أليس كذلك؟!

أنت أيها الغريب المسكين الذي لا أوراق ولا وثائق تدل على هويتك، سأتابعك في المحاكم الدولية، أنا هو راعي الفن، وينبغي أن تعاقب بشدة، سألتزم بذلك، أعدك أنني سأتكفل بذلك.

نيزفستني: بما أن الإنسان أقل قيمة لديك من تمثال، سأتحول إلى تمثال، أنحت تمثالا لي بنفسي وأقدمه اليك هدية.
المشهد العاشر: يا امرأة وضعت فيها كل أملي ورجائي

إيريبا: كاتنور، أين أنت يا كاتنور؟!

ممثل الصليب الأحمر، سيدتي، أرجوك، أين التمثال؟

إيريبا: أي تمثال؟!

الممثل: التمثال الذي ضاع!

إيريبا: التمثال الوحيد الذي يمكن أن تشاهده هو أنا!

الممثل (حائرا): سيدتي. أنت. التمثال المفقود كانت له قدمان جميلتان، كانت له أرداف رائعة، كان له نهدان مكتملان.

إيريبا: (ممزق فستانها كاشفة من جسدها): هل هذا يناسبك؟!

الممثل: سيدتي، أنا يتيم، لم يسبق لم أن مسست نهدي امرأة، نشأت وترعرعت في ملجأ أطفال ضائعين، وفي الردهة كانت هناك تماثيل تعودت على محبتها، كنت أهيم بها كما لو كانت أسرة لي، أحد هذه التماثيل كان امرأة، وكان آية في الجمال ! وكنت أعتقد أن تلك المرأة هي أمي، مسخها ساحر في صورة تمثال، مساء كان ذلك حلما، وفي الصباح يعذبني الجحيم، كانت أمي تكشف نهديها للجميع، للغر باء، للسريين من اللاجئين أنفسهم، ولغيي الأسوياء، هكذا كنت أتصور، وكنت أحس نفسي مبعدا، إحساس لاحقني عدة سنوات وتحول إلى ألم عميق، أرجوك سيدتي، تدثري، فقد يردك أحدهم.

إيريبا: لكن.. ماذا تريد في نهاية الأمر؟!

الممثل (بلهجة جافة): احضري لي التماثيل!

إيريبا: أية تماثيل؟!

الممثل: التماثيل التي أحضرتها إلى بيتكم.

إيريبا: لا تماثيل لدي.

الممثل: مجرمة ! سأقتلك.

إيريبا: أنا لست مجرمة ! أنا رومانية !

الممثل: أنت عاهرة لا قيمة لك!

إيريبا: لماذا؟

الممثل: أريد التماثيل فورا!

إيريبا: لا أعرف أين هي، ولا أريد أن أعرف!

الممثل: كانت في بيتك ووقعت وصل استلامها بنفسك: لا تقولي
بأن…

إيريبيا: أنا لم أوقع على أي شيء!

(يظهر دانتي وقد ارتدى ثياب عصره).

Odonna in cui la mia speranza vige.

E che soffrosti per la mia salute.

In infermp ;e tie vertoge.

إيريبا: (فزعة): دانتي! دانتي حي يرزق !

لم يقترب دانتي من إيريبا ويضممها إلى صدره)

إيريبا: جئت لمساعدتي؟! دانتي: أية أخبار لديك؟

دانتي (وهو يتكلم يقدم إليها ثوب ابنتيها):

Se nuova legge non ti togile

Memoria o uso alla morsoso canto

Che mi solea quetar tutti mur voglie

إيريبا: ثوبها! دانتي! يشبه الق الشمس! دعني المسه! أين هي! أين  تختفي! أجبني!

دانتي: ابنتك هناك بعيدا في السماء: في الدرجة الثالثة من مواقع النجم !

إيريبا: تريد أن تقول بأنها.. لا، ابنتي الصغيرة، وردتي التي انزعجت وهي في أتم يناعتها، لا، أكره حياتي وأحس أنني شخت ألفي سنة!

موزار (يدخل ضاحكا): لا شيء يثير الضحك مثل المأساة لدى البشر! سيدتي! كفاك بكاء، ماذا كان عساني أقول يوم دفعني عندما رميت في المقبرة العامة؟! لم يكن هناك سوى ثلاثة أشخاص رديئين وثانويين، ولم أكن بعد قد توقفت عن قيادة معزوفة صلاة لراحة الموتى، هيا! استبشري، ابنتك ستعود ثانية!

إيريبا: موزار، لا تكن قاسيا!

موزار: لكن سيدتي، أنت لا تستسلمين، والموت أمامك تافه لا قيمة له، أتذكر ليلة موتي عندما جاء وقال: (أنا لو تجيب، مدير دير فالصيج ستوباخ، أطلب منك قداس صلاة لراحة الموتى في صيغة ري ماجور (يضحك وهو يفني) وقعوا هنا!.

(سيدتي، لا يهمني، عقدك، اذهب ولا تعد، لا أخاف الموت اللعين، ما الذي يستطيعه الموت أمام موهبتي؟ قلت له، (يضحك): ها أنت ترين! أنا لا أموت: (يضحك)، ابنتك هي موهبتك (يخرج قبعته): انظري! إيريبا: قبعتها!؟ موزار، أين عثرت عليها؟!

موزار: في الجنة !

إيريبا: احملني إلى الجنة التي تتحدث عنها.

موزار (ضاحكا): ما رأيك يا عزيزي دانتي؟!

دانتي: لا تتسرع يا عزيزي موزار، لنعد بعد خمسة قرون!

إيريبا: هو الوقت الذي يكفي لممارسة بعض الجنس، رمشة عين.

(ينسحبان مباشرة).

ممثل الصليب الأحمر الدولي: الثروة العالمية تهرب، ماذا سأقول لرئيس الصليب الأحمر الدولي): ولرعاة الفن وللأمم المتحدة ولوزير الداخلية؟! (يتجه صوب إيريبا): أنا المسؤول، عليك أن تجدي التماثيل، بما في ذلك التمثال الضائع وإلا افترسوني نيئا (تنظر اليه): سيدتي. لا تقولي شيئا، كلماتك تجرحني عميقا.
المشهد الحادي عشر: تقسيم أوروبا

أوروبا مستلقية، فاقدة الوعي، على الأرض، تحيط بها طيور ضخمة تفترس أحشاءها، يدخل جامع الأعضاء البشرية الأثري وقد أمسك بثلاجة صغيرة، يطرد الطيور ويقفز لينتزع قلب وكبد ورئتي أوروبا، ويضع ذلك في الثلاجة ثم ينصرف، يدخل عالمان مختصان، في الجماجم، يقتربان من أوروبا ويبدأن في فحص جمجمتها.

العالم المختص الأول: يمكنني أن أدلي، بناء على شكل الجمجمة، بفرضية اننا إزاء كائن بشري أنثوي، يعود تاريخه إلى الألفية الثانية.

العالم المختص الثاني: اسمحوا لي أن أعبر عن بعض شكوكي بصدد فرضيتكم، فهذه الجمجمة يعود تاريخها نوعيا إلى عصر ما قبل المسيحية.

العالم الأول: أجل، لكم الحق في هذا، أيها الزميل العزيز، غير أنه يغبني أن تتأهلوا طريقه تمفصل الفكين.

العالم الثاني: غريب، فعلا هذا غريب، ينبغي أن نحلق لها الجمجمة لنرى كيف تتصل العظام وتلتحم: عظام جبهتها، وعظمة الجدار، وعظمة الصدغ والقفا ما رأيكم؟

العادم الأول: إنها حالة مثيرة للاهتمام، إنني أتحرق شوقا للكشف عن الأعضاء الداخلية وعن المخ.

العالم الثاني: سيدي، أقترح أن نحمل هذا الاكتشاف العجيب إلى مختبرنا بهدف أن نتمكن من القيام، في حرية تامة، ببعض التجارب.

العالم الأول: نعم، نعم: لدينا الآن موضوع دراسة يغري بشكل لا مثيل له.

العالم الثاني: إن الجمجمة أو علم الجماجم سيقوم بقفزة كبيرة إلى الأمام.

العالم الأول: سنرسل هذا الكشف الغريب إلى متحف الإنسان.

العالم الثاني: سنحتفظ بها في شكل مومياء ونكتب تحتها العبارة التالية: أموترانز إيستوريكوس، وجد في نهاية القرن العشرين في متاهة ولها وجه إنسان.

(ينسحبان ضاحكين وهما يحملان جسد أوروبا).

المحاولة الخامسة لخروج أوروبا من الزمن.

تنهض أوروبا وينهض ظلها، تتحدث ويتحدث معها الظل: إنه حوار ذاتي وأخير قبل النهاية.

أوروبا: (لأن ما أطلبه منك هو هل شاهدت العالم؟).

أنا: (لأن ما نقوله حين نرى.. هو أننا لا نستطيع أن نجده).

أوروبا: من هي الفتاة التي تحدثني هكذا..

أنا: إنه ظلك هو الذي يحدثك هكذا..

أوروبا: هذا يعني أن أنا هو الذي يحدثني أنا؟

أنا: نعم.

أوروبا: إذن، قل لي من أنا التي تحررت من جسدي وحرمت من روحي، قل لي هل سبق لي أن تصورت لأحد في ذهنه وولدني؟ أين ولدت؟ هل كبرت ووجدت؟

هل شخت؟

أنا: لم تولدي قط، كنت طيرا خفيا لا يرى، يطير خارج الزمن خاصة في دماغي، خاصة في دماغي؟

أوروبا: لدي ماض إذن ! هل أستطيع بيع الماضي وشراء جزء من المستقبل؟

أنا: ماضيك لا أحد سيشتريه، والمستقبل باهظ الثمن، لا يقوى أحد على شرائه، غال عليك، وخاصة، على أناي المسكين!
المشهد الثاني عشر: فاتورة كشف حساب لأعضاء أوروبا الداخلية في السوق السوداء

نيزفستني: من؟

جامع التحف الأثري: أنا.

نيزفستني: هل من جديد لديك تريد أن تقوله لي:

الأثري: لا

نيزفستني: لماذا جئت إذن؟

الأثري: جئت لأسلمك شيئا.

نيزفستني: ما هو؟

الأثري: ابنتك.

نيزفستني: تسخر مني؟

الأثري: ليس ضرورة.

نيزفستني: أرني إياها فورا، أريد أن أراها:

الأثري: عليك أن تدفع.

نيزفستني: أنت تعلم أن لا مال لدي.

الأثري (صارخا): والشعب الصربي؟ كيف سيسير نحو التقدم بلا مال؟ ملايين من الناس ينتظرون على أحر من الجمر نتائج عملياتي التجارية.

نيزفستني: أين هي؟

الأثري (كاشفا عن داخل ثلاجته اليدوية وفيها أعضاء أوروبا): هنا.

نيزفستني: (مخاطبا الثلاجة) أوروبا، حبيبتي، يا بلد دمي، هل أنا أحلم أم أراك بالفعل؟

كيف جئت إلى منفاي؟ من الذي حكم علي بمثل هذه الأحلام؟

الأثري: إذا لم تدفع فلن تأخذ أبدا أعضاء ابنتك الحية.

نيزفستني: أوروبا، حبيبتي، دمك يصرخ في عروقي (يبصق في وجه الأثري).

الأثري: الثمن هو مائة وخمسة وثلاثون دولارا في السوق السوداء، ثلاثة آلاف بالعملة الألمانية، مليون ومائتان وثمانون ألف روبل، سباسيبا، من سيؤدي الثمن؟!

نيزفستني: اخرج، اذهب أيها القذر!

الأثري: وماذا سأفعل أنا بهذا؟

نيزفستني: تستطيع أن تقوم بعمل خيري، أو تقدم هبة إلى مستشفيات الأطفال الذين يعانون، أو ترسل ذلك إلى أطفال العراق والأكراد ورومانيا أو ألبانيا، جيورجيا، صربيا، أو إلى أطفال كرواتيا، ليتوانيا، أوكرانيا، روسيا، الشيلي، الأرجنتين، حيثما تشاء، أجل ابعث، افعل ذلك، سجله، ازرع في، في أي مكان من جسدي، كل أحلامي- تماثيلي- لغاتي- أطفالي- انهاري- ثقافتي- بلادي اللا بلادي، انسني واسمع كلماتي: لقد دفنت، خلال عشرة أعوام، الجمل الأيقونات لأفكاري، دفنت صور صمتي المعلقة على الجدارات وأرى اليوم ما ضاع مني، ابنتي! زوجتي: أعمالي الفنية !

ذاكرتي! لم تعد لي ذاكرة ! لا أعرف إن كنت حيا أي ميت. لا أعرف هل أحدثك أنت أم أحدث نفسي؟! لا أعرف أي لسان يلتهمني وبأية لغة؟! هذا الالهام العاهر ألقى بي في الوحل، وأريد أن أتخلص منه، أريد أن أقيم محفلا للروح وأكتسح العالم بكتائب متعددة اللغات، بأمر مني، وبأرتال من داخلي، يا الهي: سأهزمك بكل فصائلك الملائكية، وأعطيك أمري الروحي.

(يدخل في جدبة عدة لغات ممكنة، وبجسده بشكل ما يفكر فيه) هأنذا، هأنذا أنحت نفسي بنفسي، حرا، مغرقا في السرمد، حاميا نفسي من كل قيمة جمالية عابرة، أنا نموذج حي وطبيعة ميتة، أحلق فوق الهباء، أناد واقفا وأترك فمي مفتوحا، وعوض أن أصرخ، أنظم ثورة غرباء الجبص!

ممثل الصليب (جائرا): سيدي الغريب، أين هي زوجتك! أين المنحوتات!

نيزفستني: لقد أنهيت نحت نفسي بنفسي، وأقدم اليكم تمثالي هدية! (ويخرج الممثل مسدسه ويطق النار على التمثال، الجبص يلطخ بالدم)
المشهد الثالث عشر: روح اوروبا بين الخفة والضجر

نيتشه: ألا تعرفون أين مضت تلك السيدة؟

غوغول: أية سيدة؟

نيتشه: السيدة التي كانت ترمم التماثيل وكانت تريد أن تمنحني عينيها!

غوغول: لا أعرف!

نيتشه: لقد أثرت في رغبتها البريئة بخصوص السعادة.

غوغول: لا أعلم ما الذي يجمع بين تلك السيدة وبينكم، أما فيما يخصني أنا، فأنا سعيد، ويخيل الي أنني في روسيا: أمام عيني الآن موظفونا، ملاكنا، ضباطنا، فلاحونا، مساكنهم الخشبية السوداء، باختصار: إنني أرى بأم عيني روسيانا الأرثوذوكسية برمتها، وأضحك عندما أتذكر أنني أكتب (الأرواح الميتة) في باريس، لدي روح ميتة لهذه السيدة، وأنا في انتظارها.

نيتشه: الأمور الكبيرة ترفض أن نسكت أي نتحدث عنها بعظمة تعني الاستخفاف والبراءة.

غرغول: هل تعلمون أن رئيس لجنة الرقابة في موسكو يعترض بشدة على صدور (الأرواح- الميتة)؟، لقد كان يصرخ:(كيف؟! لن أجيز هذا، الروح لا تموت، والأرواح الميتة لا وجود لها، إن المؤلف يهاجم عقيدة خلود الروح).

نيتشه: رغم ذلك، فتلك حقيقة، وقد اتخذت كل الاحتياطات في مواجهة ضيق الأفق الألماني كي أتحمل هذا التشاؤم الأقصى وأتجنب وخيم العواقب، هل كان علي أن أجد رأيا مخالفا؟ ربما أعرف أفضل من غيري أن الإنسان هو المخلوق الوحيد المنذور للضحك، فهو الوحيد الذي يتعذب إلى حد أنه كان ملزما بابتكار الضحك، والحيوان الأكثر حزنا وكآبة هو الأكثر جذلا، كما ينبغي له أن يكون، مثلا: إن الحيطة هي السبب في إذكاء الحروب!

غوغول: يبدو أنكم على معرفة بكل شيء، هل هناك حروب أخرى ستحدث في أوروبا؟

نيتشه: إذا كنا سنتحمل مشقة ألا نتنبأ بشيء، فالكل سيكون مطمئن البال، ولا أعتقد أن أحدا سيكون أكثر تعاسة لأننا لا نقوم بحرب.

غوغول: إذا كانت (الأرواح الميتة) قد هزت روسيا، فذلك ليس لأنها كشفت عن بعض جرائمها أو ادواتها الداخلية، ولا انها أبانت عن الرذيلة الظافرة أو البراءة المضطرة، لا شيء من هذا قط، وإنما، ببساطة لأن الرقابة منعت الكتاب (يضحك).

روسيا يا بلد الآفلاق المتلألئة السامية التي لا تعرفها بقية الأرض!

إيريبا (تائهة): سادتي، أعود من ألجحيم محرومة من الحداد، محرومة منها ولا أحد معي، أتسكع في الطرقات، عاهرة شقية، ولا أريد أحدا يبكي. ما حدث لي، لا أريد أن يبكي أحد لأنني فقدت ابنتي أنا.

نيتشه: Guten Abend، سيدتي، كانت ابنتك، قبل ثلاثة أيام، في شقتي، ونسيت حذاءها فوق سريري، خذيه، انني أهبه لك.

إيرينا (وهي تحمل ثوب وقبعة وحذاء ابنتها): حذاءها! كفاكم سخرية مني! أين هي؟ لقد تخلى عني الجميع مثل كلبة، أجيبوني وإلا نبحت!

نيتشه: اسمعي، إذا نبحت فسأنهشك! انسي هذه التراجيديا الدائمة وارقصي على إيقاع قصيدتي: ذئب أشهدني على هذا: إنك ~ي أفضل منا نحن الذئاب.

قال لي ومضى،

ورأيت بأم عينك لم يره أحد من الويلات.

غير أن لذة الجحيم لم يعبرها أحد من الحكماء. أنت تتوشح بليال جديدات.

وجرحك أبدع صحارى بليلات.

والى سحر هذا الحجر.

يركن قلبي الملتهب الملتاع.

تعذبه سعادة لا تطاع.

بعيدا عني وأمامي، في بحر الظلمات،

فوق هامتي، ألقي قصبة وأصطاد،

وأنا من يقسم بين يديه العابرون.

إيريبا: لا رغبة لي في القسم، أنا كلبة ميئوس منها، تلاحقني أحزاني.

نيتشه: جيد. ارقصي إذن ابعد من المآسي الحقيرة، ابنتك تحلق عبر الزمر، وهي أسعد منك، خذي هذا الحذاء، وارقصي ابنتك، قادمة،أؤكد لك ذلك.

(تبدأ إيريبا في الرقص وهي تردد كلام ني نيتشه)

غوغول: لي الشرف، سيدتي الغالية، معي شيء لك، أحتفظ به في كيس نقود صفير!

(يخرج قصاصة ورقة من الكيس ويسلمها لها).

غوغول: خذي، هذا لك!

إيريبا: أي شيء هذا؟!

غوغول: روح ابنتك الميتة أوروبا!

إيريبا: نيزفستني، ساعدني، لقد ضعت في متاهتنا، تعال يا نيزفستني! ابحث عني مرة أخري، لا شيء هنا، لم يفضل ولو جزء يسير من حلم سعادتنا، نيزفستني، أين أنت؟! قل لي أي شيء، انبس بكلمة! أوروبا، وليدتي من رياح أيديولوجية تريد إنقاذ حرية العالم، ابنتي، دمي، يا فناني وقدوتي، ماذا صنعتم بي؟ أوروبا، ابنتي، ابنتي المسكينة، أنا أتعهد لأنقذك !

ممثل الصليب الأحمر الدولي (يفلق أزرار معطفه): سيدتي، لم يعد لديك من الوقت سوى خمس وثلاثين دقيقة لتكملي ترميمك، وأنا الآن منشغل بإتمام خطبة افتتاح المعرض للسيد الرئيس، نسيت أن أعبر لك عن تعازي لموت زوجك.

إيريبا: تعازي؟ لكنه حي؟!

الممثل: إنه خلط كبير في حياتك، فزوجك ميت منذ سنوات، وانت تعاملينه كما لو كان حيا! أؤكد لك أنه ميت ونسيه الجميع!

المشهد الرابع عشر: موت الفن، الحياة بالفعل

إيريبا: أصبح في قصور مينوس التي ضاعت فيها ابنتي، أصبح في مدرجات دلف وابدور، في مسارح ستوبي وليهنيدوس، إيثاكيا وطروادة، عودي يا ابنتي الصغيرة، عودي يا أوروبا، عودي يا طائري، عودي الي…

كانتور: سيدتي، تطير العصافير مسافات لا تنتهي لتعود إلى أوكارها، الناس يعودون أيضا من أسفار قصية،من نجا من الحرب أيضا يعود إلى أهله وذويه، تتعالى صيحة المنتظرين! ~ قد عادوا، كل مرة نتهجى لفظة (عودة) تصاحبها عاطفة جياشة، لهذا تقبل فكرة المسرح فورا، لكن ليس مسرح المشهد على الركع، وإنما أمر أخر غير ذلك: من ينتظر هو الجمهور والذين يعودون هم الممثلون، علينا أن نبدع فرجة تجمع وجهي هذا المسرح في هذا الانتظار وهذه العودة، هناك في كلمة (عودة) السحرية سر من أسرار الحياة الكبرى هو سر الحنين البشري إلى العودة، والحياة في الزمن الحاضر فرار في الحياة، صحو لا يحد يريد استعبادنا كلية، النصف الآخر من الحياة يجري في الجزء الأخر كن الغرفة الصغيرة لخيالنا، لا أحد يقتحمه، لا السلطة العليا ولا العسس ولا القضاة، هناك في العزلة،تفعل الذاكرة فعلها بكثافة، ولا يكون هناك اختلاف بين الزمن الحاضر والزمن الماضي، يلتحمان، يتداخلان، ولفظة (عودة) ترتسم بمعنى الحياة العميق، وحينئذ فقط نبدأ في الحياة

كلية: إنه زمن الفن، انظري، سأبين لك ذلك.

(يختفي كانتور، صمت تام، يدخل نيتشه، غوغول، دانتي، موزار، ويجلسون حول إيريبا).

نيتشه: أخيرا جاء الوقت.

غوغول: قليلا من الغذاء للأجيال الجديدة!

دانتي: معذرة، سيدي، هل بدأ الاحتفال؟

موزار: أخيرا، بعض التسلية!

ممثل الصليب الأحمر: سيدتي، المعرض سيبدأ بعد دقيقتين ولم تبدئي حتى…

الجميع: صه (للجميع): هل أنتم مستعدون؟! (لإيريبا): هل أنت على استعداد؟!

خاتمة: طائر ما بعد تراجيدي

تابوت يقبل من عمق الركح، وداخله تمثال سرعان ما يتكشف لتظهر أوروبا وقد تزينت بحلي ومجوهرات وتماثيل صغيرة ومغطاة بالطين، تمسك بقنينة صغيرة تحتوي دموعها، تفتح فمها ببطء وتترنم بمناجاة أشبه ما تكون بالترتيل الجنائزي.

أوروبا: أنا من ضعت في المتاهة، أنا أميرة مقدونيا التي عثر عليها علماء الحفريات وعلى دموعها سبعة عشر قرنا بعد موتها أنا التي بكيت على قبر هيوليت، أنا التي أحمل بين راحتي رماد بمبي، أنا ابنة غولغوتا التي بكت بين يدي آخر امبراطور روماني، أنا الفتاة التي بيعت في أقبية قصر السينور، أنا الفتاة التي بكت من قيودها زمن محاكم التفتيش، أنا ابنة يهود السلام، وأنا من صلبت وسقط رأسها تحت المقصلة على جسر نهر السين، أنا الفتاة التي اغتيلت في ثورة أكتوبر، وأنا فتاة احتفالات أوشفيتز، أنا الفتاة التي لعقت دم بودابست، ابنة يان بالاش، نزيلة مأتم بوخاريست، أنا ابنة غرنيكا الجديدة، أنا الايرلندية التي اقتضت بكارتها واغتصبت ولا حق لها أن تجهض، أنا ابنة الباسك الذين فأرقوا الحياة في سجن مدريد العسكري، أنا الفتاة المحرومة من الخبز والطحين والشمس في الجزائر، واليوم، في المدن الجائعة أقرر ألا أبكي بعد اليوم. انتهت تراجيديتي كل الويلات استهلكت، وما كان لا يحتمل في هذا العالم فعلتموه، اضحكوا إذن، أضحكوا ما دمتم كلكم قد أذنبتم وصدر القرار في حقكم، إنكم آثمون، اضحكوا أيها الايديولوجيون، المتنبئون – الأميون المحدثون. اضحكوا فالتاريخ قد انتهى، ماتت الايديولوجيا، ولم يفضل لكم سوى الفرح – ماذا تنتظرون إذن!

حاشية:

لا مركزية المسرح البوليفوني

هل يمكن الحديث – في حالة تجربة الكاتب المسرحي المقدوني جوردان بلفنش عامة، ومن خلال نص (السعادة فكرة جديدة…)-

عن مسرح بوليفوني عن المسرح البوليفوني؟

يحتاج الأمر، هذا الأمر بالذات، إلى تأمل نظري دقيق وبعيد الغور، لأنه يستدعي نقيضه المسرح ألمونولاجي، الكلاسيكي كله أو جله، ربما، في التراث الدرامي الإنساني الكوني، من أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس إلى الآن، ويستدعي، في الوقت نفسه، البحث في/عن خصوصية المسرح البوليفوني كما قد نتصور عامة، وكما يمكن أن يكشف عنه ويستجيب له مشروع مثل هذا الذي يقترحه ج.بلفنش، وسواء تعلق الأمر بهذا المنحى أو ذاك، فإن النص الذي بين يدينا يكسر أهم  مكون مركزي ومفترض في المسرح المونولوجي، وهو مكون المركزية أصلا بكل تمظهراتها ومظاهرها في التخيل وبناء الحكاية (الميتوس) واللغة والكتابة والخطاب والنص والملفوظ (Lenonce) والرؤية للعالم والمتخيل، وبقية المكونات النسخية المعتادة والكامنة في ثقل (Magmet) أي نص مسرحي، أي مكون الشخصية ومكون الفضاء ومكون الحدث، ثم مكون ألزمن: لم لا؟، أي (البناء) لا الشكل وحده كما قد يفهم في التنظير المجرد، بهذا نفترض أن المسرح ألبوليفوني يراهن، تبعا لكل هذا التكسير، على قارئ ومتلق يؤمنان بالتفجير والتعددية والانصات الى الأصوات المتوارية خلف نظام الحكاية وسيرورة الملفوظ المسرحي،اعتباره كلاما، نعم، لكنه (قول، أو يظل (قولا) قابلا للتنسيب والنسبية دون أن يفقد نسبه وسلالته المهاجرة في نظام اللغة الذي يقوضه المسرح البوليفوني ويدعوه إلى التواري والزوال بشفافية كثيفة تجعل هذا القول ذاكرة متحفزة، وبذلك يموت الخطاب بالمعنى الراجح والمتصلب الذي تبايعه البلاغة وحدها وتنصبه ملكا على عرش الحقيقة.

بعبارة أخرى: المسرح البوليفوني- في حده الأول ورهانه الأساس – مسرح بعدة ألسنة وهويات وسلالات وجنيالوجيا نصية – جمالية – إبداعية – انجازية ممعنة في اللانهائي الأدبي، خاصة على مستوى المرجع الذي نفترض أنه وارد ومشترك، أو على مستوى المعاني الرسوبية التي نفترض أنها دلالات قصرية، لكنها سرعان ما تنطفئ وتختفي وتشيخ، وإن كانت قد تظل مشتعلة في تفاصيل فعل القراءة والتلقي، تفاصيل نلتقطها ونحن نقرأ أو نشاهد ثم نمضي وقد سحبت منا حقيقتنا وحقيقة المسرح: إن الأمر يتعلق باغراء التاريخ والفيلولوجيا اللذين يلحان ويدفعان بنا إلى نسيان تاريخ الكتابة، التاريخ الأعلى، والفعلي، على حساب تاريخ النص وحده من أجل تحيينه وحده، المسرح بهذا كتابتان، تاريخان، ويأتي المسرح البوليفوني للمحو والتشييد، محو وتشييد البقايا العالقة، محو وتشييد الاحتراقات والشذرات، المسرح البوليفوني، إذن، مسرح انفجاري، يدمر ثبوت المعنى ورسوخ اللفظ، ويقترح الانفلات من لغة البلاغة إلى بلاغة اللغة المحتملة، البلاغة التي تجهز على الرؤية الأحادية للكون.

هكذا نهاجر، من خلال نصوص وكتابة المسرح البوليفوني، خلف أشباح وظلال ورمزيات متمردة، تكمن منسية ثم تقبل الينا مقنعة محتشمة وتقتحم مجرات يقيننا الملتبس الذي نحتمي به مرغمين وقد تخلينا عن قدرتنا في قتل الاستعارة أو الكناية المفروضتين، تدعونا إلى ممارسة غواية تدارك الدليل وتأسيس المدلول وإلى نبذ الدلالة المتخشبة بحثا عن تدال، عن التدال (La siqnifiance) بدون توقف وملاحقته أينما كان قبل أن نسبح في خضم الأليغوريا وحدها، الأليغوريا القاتلة والكاسحة باستمرار، ويكفي- لهذا الغرض – أن نقرأ نص (السعادة فكرة جديدة في أوروبا) لندرك مجمل ما ذهبنا إليه وسعينا إلى طرحه وافتراضه، فهو يلوي عنق التراجيديا المطلقة ريبحث عن / في (التراجيدي) (Le tragique) لكن بدون تكريس للبطولة المحكمة أو الإيماء بالتنفيس والتطهير كما عبرت عن ذلك جل نصوص المسرح الكلاسيكي على يد أمثال راسين وكورناي، كما أن نص (السعادة)… يحاكم التاريخ النصي لهذه التراجيديا لتأسيس تراجيديا بلا نص أو تاريخ شذري حفري لما هو أكبر منها في حدودها المعمارية، ويستدعي شخوصا من داخلها، من داخل حومتها ودوامتها، ليجعلها حية ترزق وتمشي في أي مكان. ومحتدمين بالفجيعة والفقدان والتلاشي كما ينبغي ان تكون لا كما شاءت أن ننظر إليها في صفاقتها مرجعيا وثقافيا. ولأن الأمر بهذا القصد والنية المضاعفين، فإن بناء النص التراجيدي، كما يعبر عن ذلك مشروع ج. بلفنش، في مسرحه البوليفوني الخاص، يمتزج فيه عنصر التأشير الركحي مع عنصر الكتابة إلى حد أن عناوين النص الفرعية في كل لوحة – باعتبارها مناصات – اقترح للرؤية البصرية حين حدوث فعل المشاهدة وقبله فعل القراءة المنتج للفعل الأول استحضاريا بشكل فردي، وبذلك تشيد فضاءات الحدث الهندسية بهندسة متداخلة بين البصري والترميزي، أما الحوارات فهي منذورة لمنح الشخوص رغبتها وقناعتها في التعري والانتماء إلى عالم التراجيديا المقلوب، فهي (قائمة)، ممددة الملامح والسمات، لكنها متوارية تخترق غيرها وتشده إلى زمن آخذ في التصاعد والتعالي وممدد، في نفس الوقت، بالموت وتحلل المكان والذاكرة.

كل شيء محتمل إذن في المسرح البوليفوني: "الحفلة" لا الاحتفال لقتل (الاحتفالية)، السخرية (العقلية) ضدا على السخرية "اللفظية" العنف المركب مقابل عنف الحركة، سؤال الهوية، التيه، البكاء والتفجع، وعبر هذه السمات المتداخلة تتشيد الحكاية – الأمثولة بشكل هرمي في كل لحظة، ومرة أخرى يتهاوى إلى الحضيض كل "منطق"، محتمل للوا قع: هل المسرح البوليفوني، بهذا الزخم من المقاصد والأهواء والنوازع، مسرح مفارقة؟ مسرح لممارسة المفارقة؟ أجل: إنه مسرح المفارقة بامتياز وتكمن هذه المفارقة في كل مظهر نصي، كما يتضح عبر فعل القراءة الخطي في انتظار أن يتحقق على الركح عن طريق المعجبة أو الفرجة وعبر نسيج وتحولات الشخوص.

لا يقدم هذا النص وصفة جاهزة للقراءة والتحليل والتأويل، ويكتفي بالتشكل والتكون والتنامي، ومن بدايته إلى نهايته المفترضتين يتحدى قارئه كما يتحدى عمليات إخراجه وترجمته على الركح، خاصة سيرورة مسرح غامض مثل المسرح العربي الذي بدأ منذ فترة طويلة يدور في حلقة مفرغة هي حلقة المسرح اللفظي الشعاري الأيديولوجي وأحيانا: المسرح الشعبوي الذي لا نص له ولا قواعد، وهما مسرحان يطبعان المرحلة بالنسبة إلى العالم العربي، وأعتقد أن مشروع بوردان بلفنش بامكانه أن يفتح عيوننا برحابة لتأمل كينونتنا وتأميم متخيلنا الباذخين ثم تأمين فرجتنا المسرحية التي مهد/ يمهد لها أمثال فاضل الجعايبي ووليد عوفي. ولعل هذا وحده كاف لتبرير مغامرتي في ترجمة نص "السعادة فكرة جديدة…" النص الذي التقيت بصاحبه في صيف القاهرة، 1998، ورحب باقتراحي أن "أنقله" إلى العربية، وله مني جزيل الشكر لأنه منحني مساحة القراءة الممتعة التي لا تنتهي إلا لتبدأ.

المؤلف:

جوردان بلفنش (Jordan Plenes) من مواليد سنة 1953 (مقدونيا)، يقيم في باريس منذ 1988، كاتب مسرحي وشاعر، صدر له من المسرحيات "جلد الآخرين" (1993)، "السعادة فكرة جديدة في أوروبا" و"قاتلي الأعز" (1997)، "زوجتي الباريسية" (1998)، وله أيضا "آخر رجل، آخر امرأة"  (تحت الطبع)، قدمت له أغلب هذا المسرحيات في فرنسا وأمريكا وفي بلدان أخرى، ترجم الى المقدونية نصوصا مسرحية لكامو وسارتر وجان جنيه (J. Genet)، كما ترجم لآرتو.
 
الكاتب: جوردان بلفنش
المترجم: بشير القمري (ناقد واكاديمي من المغرب) 

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …