أخبار عاجلة

الســــر (مسرحية سيكولوجية)

المشهد الأول
(في بيت روزا حيث عيد ميلادها السابع والثلاثين. على احد الجدران صورة كبيرة لمجموعة من الأطفال. موسيقى راقصة صاخبة وغناء. مونيكا ترقص بحركات داعرة وهي تشرب النبيذ باستمرار بينما لندا تهتز وهي تحمل دبا بنيا لا يفارقها. روزا تنقل اطباق الطعام من المطبخ وهي ترقص مرتدية الزي السورينامي التقليدي. روزا ممتلئة قليلا وقصيرة ويبدو الحزن على ملامحها. هناك طاولة عليها هدايا وورود).
(تستمر الموسيقى والرقص عدة دقائق. روزا تتوقف وسط المسرح ثم تذهب وتوقف الموسيقى).
روزا – لحظة (تتنصت) هل تسمعن؟
مونيكا – ماذا؟
روزا – صراخ طفل..
لندا – لم اسمع شيئا.
مونيكا – طفل؟؟
روزا – اجل. طفل يصرخ..
لندا – ربما أطفال الجيران؟
روزا – جيراني ليس لديهم أطفال.
لندا – (تحتضن الدب كانما تحميه).
مونيكا – كيف سمعت الصراخ؟ لقد كان صوت الموسيقى مرتفعا؟!
روزا – لا اعرف.. خيل لي ان هناك طفلا رضيعا يصرخ.
مونيكا – ورضيع أيضا؟؟!!
روزا – اوه.. مونيكا.. أنا لا امزح.
مونيكا – أنا آسفة عزيزتي.. ولكن هذا مضحك.. (تتوجه الى الباب الخارجي وتعود بسرعة) كل شيء في الخارج هادئ. ثم ان جيرانك ليس لديهم أطفال؟
لندا – (بتردد) هذا صحيح.
روزا – حقا لا اعرف.. لا استطيع ان أفسر الأمر.
مونيكا – (تذهب لتجلس وتصب لنفسها كأسا من النبيذ. تدخن).
روزا – (تذهب إلى المطبخ).
لندا – (تحاول ان تجلس الدب ولكنه يسقط) دائما يسقط عل وجهه؟
مونيكا – ماذا قلت؟
لندا – (وهي تحمل الدب) دائما يسقط على وجهه.
(يرن هاتف مونيكا النقال)
مونيكا – (بانزعاج واضح) أهلا ريتشارد.. سأتصل بك بعد قليل.. ممكن؟ طيب، بعد قليل.. الى اللقاء.
روزا – (قادمة من المطبخ) عزيزتي مونيكا انا آسفة.. هل أنت غاضبة مني؟
مونيكا – لا أبدا.. ولكن ريتشارد ينتظر في الخارج.. يجب ان اذهب، لقد تأخرت.
لندا – (بسرعة) وأنا أيضا تأخرت انا آسفة.. ياه.. لقد مرً الوقت بسرعة. (تقبل روزا وتفعل مثلها مونيكا وتخرجان).
روزا – (تبقى وحيدة. تتحرك ببطء باتجاه الصورة المعلقة.. تحدق بها وتبدأ بالبكاء). (ظلام).
المشهد الثاني
 (بعد شهرين في بيت مونيكا. الوقت هو الواحدة ظهرا. مونيكا امرأة جميلة جدا وجذابة للغاية ولكنها مزاجية ولعوب ترتدي تي شيرت مع بيجاما
ويبدو عليها انها قد استيقظت توا تذهب الى المطبخ وتعد لنفسها قهوة. تعود من المطبخ وهي تحمل كوبا.. تنظر الى الساعة
.. تقوم بحركة دلالة على التذمر. تشاهد على جدران غرفة الاستقبال صور الخيول جامحة وأخرى ساكنة وصورة كبيرة لمارلين مونرو شبه عارية.
هناك قنينة نبيذ فارغة على الطاولة وعلبتا سجائر مارلبورو. تجلس مونيكا الى جوار الطاولة..
تتناول علبة السجائر فتجدها فارغة تدعسها وترميها على الأرض بغضب وتفتح العلبة الاخرى.
تدخن بعمق تتناول قنينة النبيذ وتحركها أمام ناظريها).
مونيكا (كأنها تحدث نفسها) قنينة نبيذ كاملة وعلبة مارلبورو كاملة..
والعادة الشهرية تأتي قبل موعدها (تضحك بطريقة مؤلمة) وغدا عيد ميلادي.. يالها من سعادة
.. وفوق ذلك علي ان أتسوق وان اطبخ وان انظف البيت (فجأة) مونيكا اخرسي.. كفى
صمت قصير
مونيكا.. اهدئي رجاء (صمت) اجل.. اهدئي كل شيء سيكون على ما يرام..
(تطفئ السيجارة وتذهب لتقف أمام المرآة تحرك شعرها عدة مرات.. تكلم صورتها)
مونيكا.. أنت امرأة لطيفة.. أليس كذلك؟!
حسنا.. ما هي المشكلة.. ها؟ قنينة نبيذ وعلبة مارلبورو؟ ثلاثة أيام سباحة. انتهى. العادة الشهرية؟ ما الغريب في الأمر؟
هذه ليست المرة الأولي التي تأتي فيها العادة الشهرية قبل موعدها؟
 أنت مضحكة مونيكا.. لا تصنعي من (الحبة قبة)
 اعرف.. اعرف.. لا تكملي.. اعرف انك لا تطبخين حينما تأتيك العادة الشهرية.. لأنك لا تطيقين رائحة الطبخ.. هذه بسيطة ايضا.. انظري..
(تذهب الى التلفون)
هلو روزا.. كيف حالك… انا متعبة قليلا… لا.. لا.. لست مريضة ولكن هذه اللعنة التي حلت علي قبل موعدها بأسبوع انت تعرفين… بالضبط…
هل تعنين ذلك حقا؟ عظيم جدا.. اذن في الساعة السادسة…؟ مناسب جدا.. ماذا ينبغي علي ان اهيء لك؟
ستشترين أنت كل شيء؟ يا الهي.. كم أنت رائعة وطيبة.. أنت امرأة حقيقية.        
(ظلام)
في اليوم التالي.. في بيت مونيكا نفسه.. الساعة السادسة الا خمس دقائق. مونيكا جالسة تشاهد التلفزيون وعلى الطاولة قنينة نبيذ.
يدق جرس الباب.
مونيكا تطفئ التلفزيون وتذهب لتفتح الباب. تدخل روزا لاهثة وهي تحمل كيسين كبيرين
مونيكا آه.. روزا العزيزة.. دعيني احمل عنك..
.. روزا (تقبلها) اتركيها.. سأنقلها الى المطبخ مباشرة
تذهبان الى المطبخ وتضعان الأشياء وتعودان الى الصالة
ىمونيكا تعالي.. استريحي…
.. روزا كيف تشعرين؟
.. مونيكا اوه.. أنت تعرفين ذلك.. المغص المزعج وآلام الظهر.. وعدم الشهية.. لا اعرف.. في مثل هذه الأوقات أصبح سيئة الطبع.. اوه.. انسي الموضوع أرجوك..  بكم تسوقتي؟
.. روزا (تبحث في جيبها عن وصل التسوق) آه.. هذا هو
تقدمه لها وقبل ان تأخذه مونيكا تسحبه
روزا – اللعنة ما أتعسني؟!
.. مونيكا ماذا؟
.. روزا لقد نسيت ان اشتري لك هدية !
.. مونيكا اوه.. لا تهتمي عزيزتي.. لقد فعلت الكثير من اجلي.. اعتبري التسوق هدية.. ثم انك ستطبخين بدلا عني
.. انني اجد ذلك حقا افضل هدية.
.. روزا حقا؟
.. مونيكا انني اعني ذلك بكل تأكيد
…روزا آه.. يا الهي.. استطيع ان اطبخ الان وضميري مرتاح. (تنهض باتجاه المطبخ)   
.. مونيكا هل اعد لك كأسا من النبيذ؟
.. روزا نعم.. بسرور (تتناول كأس النبيذ وتمضي الى المطبخ)
.. مونيكا  (بعد قليل) اذا احتجت اية مساعدة عليك ان تناديني..
.. روزا سأفعل…(تذهب مونيكا لتغيير ملابسها وتعود بعد قليل وهي ترتدي بنطلونا وقميصا اسود شفافا. تقف أمام المرآة وتدور حول نفسها. تنادي روزا)
.. مونيكا روزا؟
روزا (من المطبخ) نعم؟..
مونيكا  تعالي الى هنا رجاء..
.. روزا (قادمة من المطبخ) نعم.. ماذا هناك.
.. مونيكا (وهي ماتزال تدور حول نفسها) هل ترين شيئا هنا (تشير الى مؤخرتها)؟..
روزا نعم.. أري مؤخرتك !..
مونيكا انا لا امزح.. طبعا ترين مؤخرتي. اعني هل ان الضمادة واضحة؟؟
.. روزا انا ارى شيئا واحدا فقط هو ان مؤخرتك جميلة حقا.. وان هذا الديك الذي يسمى ريتشارد لا يستحق ان يلمسها.
.. مونيكا ما حكاية الديك هذا؟ لندا وأنت..
.. روزا (تقاطعها) لقد كانت فكرتي.. (تضحك وهي تعود الى المطبخ).
.. مونيكا (تعود الى المرآة مرة اخرى وهي تدور حول نفسها. اخيرا تجلس وتفتح التلفزيون.. تشعر انها غير مرتاحة.. تنهض.. تعدل الضمادة تحت البنطلون ثم تجلس.. تبحث في القنوات عن برنامج معين.. تسمع موسيقى راقصة سريعة.. تتناول كأس النبيذ وتشرب).
.. روزا (من المطبخ) مونيكا….
مونيكا نعم..
.. روزا هل لديك فلفل حار احمر؟..
مونيكا ماذا تقولين؟ احمر؟ أ..  اجل في غرفة النوم.
.. روزا (قادمة) هل لديك… اخفضي الصوت قليلا.. هل لديك فلفل حار احمر؟
.. مونيكا فلفل !!..
روزا (باستغراب) اجل فلفل..
.. مونيكا عذرا عزيزتي.. ظننته شيئا اخر.. أ.. أ.. لدي فلفل.. نعم ولكنني لا اعرف ان كان احمر او اصفر.. او…
.. روزا اصفر او احمر لا فرق.. ولكن اين هو؟..
مونيكا انه بالتأكيد في المطبخ..
.. روزا (بلطف) وأين تظنيني كنت؟
.. مونيكا روزا انا آسفة حقا (تذهبان الى المطبخ. ثم تعود مونيكا الى الصالة وهي تحاول تعديل الشاش. تجلس وترتشف من النبيذ وهي تقلب القنوات من جديد. ثم تقفز فجأة)
.. مونيكا روزا.. روزا.. روزا (قادمة من المطبخ) نعم..
.. مونيكا (بعجلة) روزا.. لقد نسيت ان اشتري الكعكة.. سأذهب الى السوق.. لن اتأخر.. خمس دقائق فقط.. حسنا؟ كم الساعة الان؟ ستفضحنا لندا اذا لم تجد كعكة.
.. روزا اهدئي حبيبتي.. لدينا ما يكفي من الوقت.
.. مونيكا (ترتدي سترتها امام المرآة) روزا.. انظري.. هل تبدو علي العادة الشهرية؟
.. روزا اذهبي بسرعة وإلا ضاع الوقت (تعود مسرعة الى المطبخ)
.. مونيكا (تغادر).
.. روزا ـ) قادمة من المطبخ وهي تغني حاملة صحنا من الكرزات.. تجلس وتبدأ بتقليب قنوات التلفزيون.. بعد دقيقة يرن التلفون.. تنهض روزا لترد ولكنها تغير رأيها. تعود للجلوس وتبدأ من جديد بتقليب القنوات.. بعد فترة قصيرة
.. روزا ما هذا؟ (تنهض.. تتشمم جو الغرفة) اللعنة..
.. روزا (عائدة من المطبخ وهي تتنفس بعمق) لحسن الحظ انني تذكرت في الوقت المناسب.. لولا ذلك لتحول عيد ميلاد مونيكا الى كارثة.. وقد تصاب بالجنون.. الحمد لله. هه.. هه.. يبقى الرز فقط.. عشر دقائق كافية لطبخه. (صمت قصير)
من الأفضل ان أهيئ كل شيء من الان لكي اطمئن شخصيا.. ستعود مونيكا من جديد لتسألني عن مؤخرتها (تتجه الى المطبخ)
.. مونيكا (تدخل حاملة كعكة) روزا.. روزا.. عزيزتي.. هل كل شيء على ما يرام؟
(تضع الكعكة على الطاولة وتخلع سترتها)
.. روزا (من المطبخ) نعم.. كل شيء جاهز.. هل جلبت الكعكة؟
مونيكا اشتريت نوعا اخر من الشاش (تضحك بفرح) هذا النوع الذي يدخل… لن يظهر اي شيء.. استطيع الان ان ارتدي تنورة (تذهب لتغير ملابسها)
.. روزا (تهز رأسها وتعود الى المطبخ)
.. مونيكا – (تعود من غرفة النوم وقد ارتدت تنورة ضيقة وقصيرة ووضعت مكياجا اكثر من العادة تصب لنفسها كأسا من النبيذ وتشرب جرعة كبيرة. يدق جرس الباب)
.. مونيكا (تفتح الباب. تدخل لندا وبيدها هدية)
هلو لندا (تقبلها)
.. لندا آه.. يالها من كعكة جميلة المنظر (تتشمم أجواء الغرفة) أشم رائحة طعام طيبة… ماذا طبخت لنا أيتها الجميلة؟
روزا (تظهر من المطبخ وتفاجئها) هري هيري !
.. لندا آه.. روزا.. لا اصدق (تهرع اليها وتقبلها)
.. روزا (الى مونيكا) كل شيء جاهز.. هل نحضر الطعام؟
.. لندا (سعيدة) نعم.. لنحضر الهري هيري.. هل لفظته صح؟ (الى روزا)..
مونيكا لنشرب قليلا.. (ال.. لندا) الا تفكرين بشيء آخر غير الطعام؟
لندا عزيزتي مونيكا.. انا آسفة لذلك.. انت تعرفين انني لا اطبخ..
 انني لا آكل غير الجبن والبيض والحلويات.. معدتي (جافت) من هذا الاكل… على كل حال استطيع ان انتظر.
.. روزا يالك من مسكينة.. اعدك انني سوف اعلمك الطبخ مهما كلف الامر.
.. مونيكا حسنا عزيزتي.. اجلبي كأسا من المطبخ.. سنشرب قليلا ثم نأكل.. روزا.. تعالي اجلسي.. انت حقا صديقة رائعة.. لا اعرف كيف اشكرك.. اجلبي كأسك انت ايضا.
.. روزا (ال.. لندا) انا سأحضر ذلك.. اذهبي واستريحي. (لندا تجلس).
.. مونيكا اراك هادئة؟ ماذا هناك؟
.. لندا ماذا؟
.. مونيكا اليوم لم تضحكي ابدا..
.. لندا انت لا تدعين احدا يضحك (بتبرم) ثم انني جائعة..
.. مونيكا (تضحك) سنأكل الكعكة اولا.. هل يناسبك ذلك؟
.. لندا (تكركر) نعم.. كوني لطيفة هكذا.. روزا.. روزا.. تعالي..
.. روزا (قادمة وهي تحمل عددا من الشموع. الى مونيكا) كم شمعة تريدين ان اضع في الكعكة؟..
مونيكا ثلاثة تكفي.. ما رأيك لندا؟
.. لندا انت بدأت الان بالثالثة والأربعين.. يعني انك مازلت في الثانية والأربعين صح؟ يعني ان عمرك الآن اثنان وأربعون عاما ويوم واحد.. اذن يمكن ان نضع شمعتين. ماذا تقولين روزا؟
.. روزا مونيكا.. اثنتان ام ثلاث؟
.. مونيكا حسنا.. لندا على حق.. لنضع شمعتين.
.. روزا شمعتين (تغرز شمعتين في الكعكة وتوقدهما) مونيكا.. صبي لنا النبيذ ولنحتفل بالمرأة التي لديها اجمل مؤخرة في العالم.
.. لندا (تكركر)
.. مونيكا (تصب لهن النبيذ وهي توشك على البكاء.. يرفعن الكؤوس ويبدأن بالأغنية التقليدية عن عيد الميلاد ثم ينهضن لإطفاء الشموع)
.. لندا (تخرج الهدية وتقدمها الى مونيكا) مبروك عزيزتي (تقبلها) تفضلي..
.. مونيكا شكرا.. (تفتح العلبة) اوه.. لا.. يا الهي.. (نشاهد أنواعا مختلفة من الشكولاتا الفاخرة)
.. لندا عزيزتي مونيكا.. الم تعجبك الهدية؟
.. مونيكا على العكس.. انها افضل هدية أتلقاها.. ولكنني كنت اتمنى ان يقدمها لي شخص اخر.
.. روزا ريتشارد؟
.. مونيكا (بحزن) لا..
.. لندا (باستغراب) من اذن؟
.. مونيكا شخص لن يستطيع ان يقدمها بعد الآن.. لانه مات (تشرب كأس النبيذ دفعة واحدة )
.. لندا مات؟ من؟..
مونيكا ابي..
.. روزا ابوك؟ هل تعنين ان أباك لم يشتر لك أبدا قطعة من الشكولاتا؟
مونيكا (بحزن شديد) ولا امي..
.. لندا ولكن اباك مات قبل اكثر من ثلاثين عاما؟
.. مونيكا كانا يتشاجران طيلة الوقت.. وكنت اصاب برعب شديد من جراء صراخهما..
بعد كل شجار كان ابي يخرج من البيت وامي تبدأ بتناول الكحول..
 ولكنني كنت ابقى مرعوبة ولا استطيع ان اتوقف عن البكاء مما يصيب امي بالجنون فتصرخ بي
(اذهبي الى غرفتك.. اذهبي الى الجحيم).. كنت اتكور في السرير وابكي بصمت طيلة الليل.
(صمت)
كم مرة حاولت ان الفت انتباههما الى وضعي.. ولكنهما لم يعيراني اي انتباه.. مرة قررت ان لا اذهب الى المدرسة وبقيت في الفراش.. لم يسألني اي منهما ماذا بك؟ هل انت مريضة؟ لماذا لا تريدين الذهاب الى المدرسة؟
كانا يتصرفان وكأنني غير موجودة.. كنت في العاشرة ولم اكن اعرف بأي طريقة استطيع ان اجعلهما يهتمان بي.. كنت ابكي فقط..
بمجرد ان يبدأ بالشجار ابدأ بالبكاء.. لم اكن اعرف ماذا افعل..
(صمت)
. ثم قررا ان يرسلاني الى مدرسة داخلية.. امي هي التي قررت ان اذهب الى المدرسة الداخلية.. (صمت طويل)
لم تكن مدرسة.. بل كانت سجنا.. كنت اشعر بوحدة شديدة
.. في كل عطلة من نهاية الاسبوع كان الكثير من الآباء والأمهات يأتون لأخذ أطفالهم لكي يقضوا العطلة في البيت
.. الا انا.. لم يكن أبي او أمي يأتيان لزيارتي..
احيانا تمر ثلاثة اشهر دون ان يأتي احد لزيارتي.. لذلك كنت ابقى في الغرفة وحيدة
.. وكنت في يوم الأحد احصل على قطعة شكولاتا صغيرة جدا من المشرفة في المدرسة
.. مرة واحدة في الاسبوع.. وفي يوم الأحد فقط.(صمت)
لم تكن مدرسة.. لقد كانت سجنا حقيقيا
.. ذات يوم جاءت امي لزيارتي وكان معها رجل غريب لم أره أبدا من قبل.. قالت انه صديقي.. قلت لها وأبي؟
قالت لقد تطلقنا قبل شهرين. ولم ار ابي بعد ذلك ابدا (تبكي)
.. قالت يمكنك بعد ان تنهي هذه السنة العودة الى البيت ولكنني رفضت بشدة..
(تبكي)
إنني أتساءل حتى هذه اللحظة ان كان لها قلب؟
(صمت)
بعد ذلك علمت عمتي انني أعيش في مدرسة داخلية فجاءت وأصرت ان اذهب للعيش معها
.. لقد كانت طيبة ولكنها لم تكن تملك الوقت الكافي لتمنحني ذلك الدفء الذي كنت احتاجه
.. تركتني افعل ما أشاء.. في الخامسة عشرة بدأت أدخن الحشيش واعبث مع الشبان..
( روزا تبدأ البكاء بصمت وهي تؤدي علامة الصليب وتحاول ان تغلق اذنيها.. بينما لندا تحاول ان تجلس الدب بشكل صحيح ولكنه يقع على وجهه)
كنت انتقل من شاب لأخر لأنني كنت لا اثق بأي واحد منهم.. وهذا ما جعلني لا اثق بأي رجل
… دائما كان لدي رجل ثان.. حتى عندما يكون لدي صديق..
كنت احتاج الى المزيد من الكلام اللطيف والاهتمام الذي يوليه الرجال الى النساء..
ذلك الكلام الذي يقوله الرجال عندما يشاهدون امرأة جميلة..
كنت استجيب بسرعة لمثل هذا الكلام وكنت على استعداد للذهاب الى الفراش مع اي شخص يقول لي كلاما دافئا وجميلا
(تبكي) ولكنني لم اكن اثق بأي رجل.. لذلك سرعان  ما يفقد هذا الكلام حرارته بالنسبة لي مما يضطرني للبحث عن أشخاص آخرين..
. لقد فكرت كثيرا ان اصبح عاهرة. (تبكي بشدة)
.. روزا (بصوت خفيض وهي تغلق أذنيها) يا الهي.. الرحمة.
لندا – (تحاول ان تجلس الدب)..
مونيكا كنت اعمل في منظمة المعاقين عقليا حينما قررت ان اصبح عاهرة ..
كنت اعمل مع رجال كالأطفال وانتهزت الفرصة ومارست الجنس معهم جميعا.
المشهد الثالث          .. 
.. روزا (تنهض..  بتردد وهي تغلق اذنيها بين فترة وأخرى) المسألة معقدة قليلا..
 لا.. لا المسألة ليست معقدة.. بل إنني انا المشوشة..
 إنني أتمني لو انني استطيع ان اختصر المسألة كلها بجملة واحدة… اعني… حسنا..
 عندما تكون الفتاة في السابعة عشرة تكون الأمور مختلفة تماما.. هذا ما كنت اشعر به على الاقل..
عندما جاءني الحيض لأول مرة اعتقدت انني سأموت.. لم تكن لدي اية فكرة عن الامر
.. لكن امي قالت : يجب ان تفرحي ايتها السيدة الصغيرة يجب ان تصلي للرب.. 
من الان فصاعدا سيكون لكل شيء مذاق العسل.. ستكونين أمرأة.. قالت.. امرأة..
 شيء عظيم ان تكوني امرأة.. ولكنني كنت صغيرة وضئيلة.. في الثالثة عشرة فقط..
 كيف لي ان اصبح امرأة وانا بهذا الحجم..
فعلت المستحيل من اجل ان اجعل اثدائي تبدو كبيرة.. ثم بدأت اضع احمر الشفاه..
ولكن الفتيات والأولاد كانوا يسخرون مني.. لم اكن اهتم لما يقولونه.. كنت اجيبهم.. (بغضب)
 اذهبوا الى الجحيم انني امرأة.. لقد أصبحت امرأة.. ولم اعد العب معهم او اكلمهم..
كنت اقضي معظم الوقت امام المرآة.. ارتدي هذا القميص واغيره.. وارتدي هذا الفستان واغيره
.. وهكذا… وكانت امي تلاحظ ذلك
وكانت في كل مرة تريد ان تقول شيئا.. ولكنها كانت تحرك رأسها في الهواء وتمضي منسحبة الى المطبخ.
اما الفتيات الاكبر مني سنا فقد كنّ (تضحك كأنها تبكي)
 لاادري.. هل بدافع الشفقة.. ام بدافع الفضول  يستمعن الي ويقدمن النصائح..
 واحدة تقول لا تتبعي الاولاد هكذا.. دعيهم هم يفعلون ذلك..
ولكن لم يكن هناك احد يتبعني.. واخرى تقول امسحي احمر الشفاه لأنك تبدين كالفزاعة البليدة.
اما الثالثة فقد كانت اكثرهن ذكاء.. لقد قالت لي كلاما كثيرا لم اسمع به من قبل.. كلاما جميلا وغير مفهوم
.. كانت تقول : لا تصبح الفتاة امرأة الا عندما تصبح اماً.. لقد اعجبني هذا الكلام كثيرا..
حتى انني ظللت اردده بيني وبين نفسي كثيرا دون ان اعيه تماما.
اشد ما كان يؤلمني هو انني كنت ضئيلة الحجم بينما كانت هناك فتيات صغيرات اصغر مني بالسن كنّ يتمتعن بقامات طويلة وبأرداف ممتلئة ومستديرة.
 (صمت)
. عندما اصبحت في السابعة عشرة صرت اكثر طولا وامتلاء وبدأ الشبان ينظرون الي نظرات لها مذاق العسل..
نظرات كانت تجعلني احلق الى السماء خصوصا انني لم اكن ارتدي السوتيان
.. اردت ان اثبت للجميع انني لا استخدم القطن لأجعل اثدائي كبيرة..
اردت ان اثبت للجميع انني املك اثداء كبيرة ككل النساء الكاملات
.. ذات يوم تعرفت على شاب يكبرني بخمس سنوات.. وبعد اقل من اسبوع قال انه يريد ان يتزوجني..
ولكن بعد شهر ونصف وحين علم انني حامل اختفى فجأة ولم اجد له اثرا.. قالوا انه يعيش في العاصمة في براماريبو
 فذهبت الى هناك ابحث عنه بلا طائل..
 نفد المال القليل الذي كنت املكه وبدأت بطني تكبر فقررت ان لا أعود الى أهلي مهما كلف الامر لان الفضيحة ستحطم حياة ابي وامي..
(تشعر بالاسف)
 لحسن الحظ انني وجدت عملا في احدى الشركات الهولندية..
قلت لمدير الشركة كم كان رجلا طيبا ان زوجي مريض جدا وينبغي ان يتعالج ولكننا لا نملك المال الكافي..
كم كنت كاذبة (تبكي) لقد كنت اكذب عليه طوال الوقت..
(تستمر بالبكاء)..
وبعد يومين من الولادة عدت الى العمل.. قال صاحب الشركة
.. لماذا جئت؟ اذهبي واعتني بالطفل.. فقلت له لقد تركته عند امي تعتني به..
(تبكي بحرقة) والحقيقة.. الحقيقة انني تركته امام باب احدى العمارات وهربت.
(ويبقى صوت بكاء روزا يسمع لعدة ثوان)… .. 
المشهد الرابع
 منذ خمسة وعشرين عاما وانا احتفظ بهذا الدب.. خمسة وعشرين عاما وأنا أحاول ان اجعله يجلس.. ولكنه يسقط دائما (تحاول ان تجلس الدب ولكنه يسقط على وجهه)
 دائما على وجهه
… (تحاول ان تحبس البكاء.. تتنفس بعمق)
 في القرية كان يسقط على الأرض الرطبة ويتلوث وجهه بالطين فأضطر الى تنظيفه..
كنت مجبرة طيلة الوقت على العناية به.. كثيرا ما كانت ملابسه تبتل..
 احيانا عندما يحاول ان يشرب الماء من النافورة.. وأحيانا بسبب التبول..
 لم اكن أفارقه ولا لحظة واحدة..
 كان اخوتي الخمسة مشغولين في المزرعة ولم يكن لديهم الوقت للعناية به.. كانوا يهتمون بالخنازير أكثر مما يهتمون بي او به..
كان الاولاد ينادونني لكي العب معهم.. ولكنني كنت لا استطيع اللعب معهم.. لأنهم يسخرون من بيتر.. كم مرة وبختني امي لانني تركتهم يسخرون منه … (صمت)
ثم بدأ الأولاد يسخرون مني انا ايضا.. بدأوا ينادونني (ام بيتر.. كيف حال بيتر.. امازال يتبول في حضنك)؟
(تبكي).. كنت الفتاة الوحيدة في العائلة.. وكانت امي تقول انني يجب ان أتعلم من ألان كيف اعتني بالاولاد..
 لقد تزوجت من ابي بوقت مبكر وأنجبت له سبعة ابناء..
 أرادت ان اكون مثلها.. كانت كل يوم تطبخ وتنظف البيت وتغسل الملابس وتساعد ايضا في المزرعة لم يكن لديها الوقت لتسألني ان كنت احتاج الى شيء.. لم تكن تسأل الا عن بيتر..
 لقد كنت في الرابعة عشرة..
 ولكن لم يكن احد ينظر الي كفتاة.. كان الشبان يسخرون مني.. لان ملابسي كانت تتلطخ بالطين بسبب بيتر..
 كان مظهري مريعا دائما.. (تبكي) كنت أبدو بنظرهم معوقة ايضا..
أردت ان أضع حدا للسخرية اليومية التي كنت اتعرض لها (تبكي)
 كنت عادة اخذ بيتر لكي يلعب قرب النافورة..
 كان يحب ان يشرب الماء من النافورة..
( تختنق)
 وكنت اضطر للامساك به من خصره لكي يستطيع ان يشرب دون ان يسقط في الماء
 لأنه اذا سقط لن يستطيع الحراك وسينغمر وجهه بالماء ولن يستطيع ان يتنفس.. في ذلك اليوم
 (تبدأ بالاهتزاز)
 اراد كعادته.. اراد ان يشرب الماء من.. من النافورة.. تركته..
 تركته يذهب لوحده.. وانشغلت بإزالة الطين عن ملابسي
 (تبدأ ببكاء هستيري)
 بعد قليل ناديته.. بيتر.. كفى لقد شربت كثيرا.. لكنه لم يتحرك..
 ظل منكفئا على وجهه.. لقد تركته يموت في النافورة. 

تأليف : صلاح حسن
كاتب وشاعر من العراق يقيم في هولندا

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …