أخبار عاجلة

الشعر الفلسطيني من المقاومة الى الهزيمة تجربة الشاعر محمد لافي نموذجا

بصدور المجموعة الشعرية السادسة للشاعر الفلسطيني محمد لافي، يمكن لمن تابع تجربة هذا الشاعر أن يميز ملامح تجربة تشكل حضورا بارزا في سياق ما يمكن تسميته بالشعر الفلسطيني، بعد أن هدأت أمواج وسيول ما ظل يسمى "شعر المقاومة"، فراح يصعد في فضاء الشعر العربي عامة شعر عن الهزيمة والانكسار والانهيارات بعد بيروت 1982 تحديدا، التي تشكل حصارها و" انهزام" المقاومة فيها ومنها الضربة الأقسى لحركة التحرر العربي الحالمة – والتي أمدت الشعر العربي – آنذاك، ومنذ الخمسينات -بالرؤى والتصورات الثورية.

تجربة محمد لافي، ضمن سياق الشعر الفلسطيني، ليست فريدة تماما، فهي تنتمي الى تجربة أوسع عبر عنها جيل كامل من الذين ولدوا مع النكبة الأولى وترعرعوا في أجواء حركة التحرر المذكورة، وجابوا أصقاع الشتات وخنادق المقاومة المخذولة -المقاومة الناقصة. إلا أن تجربة لافي فريدة إذا ما نظرنا من زاوية السمات والملامح التي تمتلكها.

تأتي مجموعة "أفتح بابا للغزالة" في سياق تتويج دائرة ثالثة -إذا جاز أن نقسم عمل محمد لافي الى دوائر. ففي الدائرة الأولى التي ارتسمت خطوطها في مناخ المقاومة، جاءت المجموعتان الأولى والثانية ("مواويل على دروب الغربة " و"الانحدار من كهف الرقيم ") الصادرتان في العامين 1973، 1975 علامتين من أهم علامات الشعر المقاوم في الشتات (الأردن) أما الدائرة الثانية، فقد كانت بمثابة محطة تمثلت في مجموعة شعرية هي قصيدة واحدة جاءت بعد صمت دام قرابة ثماني سنوات، وهي قصيدة "الخروج " (1983)، التي شكلت جسرا للعبور الى الدائرة الثالثة التي اشتملت على مجموعتين شعريتين قبل أن يتوجها الشاعر بالمجموعة الثالثة -الجديدة.. وكانت هذه الدائرة قد بدأت في العام 1989 بقصائد المجموعة "نقوش الولد الضال" (الصادرة في دمشق حيث كان الشاعر يقيم) وامتدت الى مجموعة "مقفى بالرماة " الصادرة في عمان 1993.

ولعله مما ليس في حاجة الى توضيح القول: أنه رغم تقسيم هذه التجربة الى دوائر – حلقات ثلاث في سلسلة فإنها تتصل وتتشابك وتفضي كل منها الى الأخرى، ضمن نسيج تتعدد ألوانه ورسوماته ولكنها لا تتنافر ليست الدوائر مغلقة إذن، ولكن لكل دائرة فلكها الذي تسبح فيه..الدائرة الأول تسبح في فضاء الرموز والعناصر التي تعكس تجربة المقاومة في حالتي الجزر والمد، عبر استلهام لأساطير الانبعاث والموت، والحب، والمنفى والعودة. ففي "مواويل على دروب الغربة "، وكما يمكن أن نستشف من مدلولات وظلال اـ" مواويل" بخاصة – والعنوان كله بعامة – ثمة رحلة رومانسية، شفافية وحزن، تهيم قصائدها بين الأمل بالعودة بعد أن "جبنا البحر مع يوليسيس -.. حتى عاد ثانية "، وبين وقفة اليأس، حيث." اليأس بالمجان.. يا عمري يباع ". وما بين الأمل واليأس، طرفي الرحلة التي تعكس أحوال المقاومة ومقاماتها، وتستعيد أحوال الشعب: أحلامه وآماله وعذاباته. تسترجع، بشيء من القهر الذين "عبروا صحاري التيه وابتلعتهم العتمة " وتحمل عليهم برقة "أحبتنا لو انتظروا قليلا.. أزهر الغضب ".

مفردات هذه المجموعة – إذن – هي، كما هو حال قصائد تلك المرحلة السبعينية، نابعة من صميم تجربة كانت ما تزال تحمل دهاء وجراحات المقاومة من جهة، وآمالها العريضة من جهة ثانية – وهي مفردات تستمد سمتها وتجلياتها من مناخ الأساطير الذي أشاعه شعر الرواد منذ السياب والبياتي اللذين يبدو تأثيرهما جليا في الـ "مواويل ".

والسمة الأولى التي يمكن الالتفات اليها في المواويل هي بمثابة واحدة من السمات التي ستغدو ملمحا من ملامح تجربة محمد لافي مع مجموعاته التالية، هي هذا الحضور العفوي للموال المندغم في نسيج القصيدة ومن هذه المواويل نقرأ:

"يقول محمل العابد يا جيران

هواكم شله قلبي يا جيران

متى بعد الفراق نصير جيران

ويجمع شملنا رب السماء"

وكذلك، الموال الشهير "غريب الدار ع الخلان أدور" ولكن السمة الثانية التي ستتطور مع قصائد لافي هي ما تجسده قصائده – منذ البداية – من وعي للشقاء المكثف، يضعه في مصاف الشعراء الملعونين. فإذا كان المشردون كلهم ينتمون الى فئة اللاجئين أو النازحين في "بريد النازحين"، إلا أن الشاعر "يمتاز" عنهم بأن بطاقته "حملت إشارة لاجيء تربيع"  فهو لاجيء ونازح، معا، وهي سمة الكثيرين، إلا أنها معه، سوف تتصاعد، كما سنرى في مجموعات لاحقة، في اتجاه اللعنة الحقيقية التي ستجعله يصرخ في مرحلة ما مستنكرا "أي مدى يتسع الآن لخطوك.. يا ملعون الأبوين ؟!" هذا الصراخ المتبوع بعلامتي التساؤل والتعجب معا، العلامتين اللتين ستلتقيان كثيرا في قصائد المرحلة الثالثة تحديدا، من صراخ ملعون ومتعب بعد هذه الرحلة السوداء – كما يصفها – في مجاهل الشتات، وعلى ظهر مركب حيران، واحساس بأن "رحلة الفجر الى الفجر بعيدة.. " وأنه يعشق المستحيل.. فالحلقة الأولى، أقرب تمثيلا لرومانسية الثورة في مراوحتها بين الرجاء واليأس، بين الحزن والغضب، وكل هذه الأزواج المتناقضة: الموت / الحياة، الجدب / المطر،/النفي/الرجوع، القيد/الانعتاق..الخ. "فالبطل" في القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها يبدأ منذ الصباح بوجه الحبيبة / الوطن (هذا الثنائي المتلاحم في شعر المقاومة) الذي مر "غريب السمات " و" يجمع حزن الفصول " و" يأخذ شكل الحقائب../ يصبح سربا من الأمنيات البعيدة " ما يقود البطل بعد رحلة انتظار طويلة "نطرتك عشرين عاما بكهف الرقيم / تقلبني الشمس ذات الشمال وذات اليمين" الى أن يهبط من حال الانتظار، والتقلب في الشوق والعذاب – مع الافادة من الموروث، الى أرض الواقع، الى أرض تغيير الواقع، هذا الهبوط /الانحدار (من – الى) سيجعله غريبا، نافرا عن هذا الواقع الهابط، ويجد نفسه يصرخ "عيون القبائل تلفحني بالسياط (…) والمخبرون جراد يسد جميع نقاط العبور" ويقرأ الناس

"عناوين كل الجرائد هذا الصباح.

تقول: يجوب المدائن الآن مخلوق غريب

انحدر من أحد الكهوف صباح أمس،

على كل من راه أن يبلغ أقرب مخفر للشرطة

وله مكافأة.."

وعلى الرغم من انتماء الاعلان الى نثرية الصحافة، فالشاعر يقدمه في سطور على طريقة الشعر، لأنه رغم نثريته – يكثف رؤية العالم العربي لهذا الثائر الجديد، الغريب، القادم من كهف الانتظار – كهف إعداد الخارجين على الواقع الذي تمثله القبيلة والجنود وتحتله خيول الهكسوس، وتزحف عليا الرمال… " وفي لحظة تبدو الحبيبة / الأرض، الوطن، البلاد، وتغدو "كل الصدور كفن ". ولكن الرحلة.رحلة الانحدار من كهف الرقيم، كما في هذه القصيدة تنتهي بصور سوداوية النبوءات. أما رحلة الديوان نفسه فهي تحمل معاني ودلالات الانحدار وبخاصة في قصيدة "خرطشات" غارقة بالمداد الأحمر، حيث لا يكف بطل القصيدة الجوال عن توليد العناصر من نقائضها، وعن الطلب الى حبيبته في صيغة "علميني" التي تشكل لازمة في نهاية المقاطع الخمسة عشر والتي تتكون منها القصيدة:

"ثم ألقاني الهوى المجنون – يا عمري

على الدرب موات

علميني كيف يغدو الموت في عينيك

عنوان حياة"

وفي المقطع الثاني ".. كيف تغدو/ صبوات العشق نيرانا ونورا" وفي الرابع ".. كيف يغدو اليأس (…) مصباح رجاء" ثم "أن هذا الليل ميلاد النهار" و "نوح البعد وعد بالإياب " و "موت النبت بشرى بالربيع " أو "كيف يغدو الجدب في عينيك وعدا بالمطر". وترتبط هذه اللازمة مع جسد المقطع ارتباطا عضويا يجعل منها اختتاما – تتويجا احتفاليا ذا طبيعة طقسية تحيل الى طقوس ورموز، وحضارات ذات خصوصية في توليد عناصر الخصب والحب، كما تحيل الى رحلات سندبادية بأبعاد إنسانية ووطنية جديدة ومعاصرة.

يمكن أن نلاحظ على الحلقة الأولى، بخطيها الممثلين في الديوانين الأول والثاني، خلو القصيدة من أي تمجيد للمقاومة، ثمة تحريض باطني، ودعوة ورجاء، حيث المقاومة فعل مهزوم لكنه ليس الحلم الذي يدعو اليه الشاعر. وهكذا وجد الشاعر نفسه مثل الكثيرين في حال انهيار. وبعد أن كان درويش قد كتب قصيدته "بيروت "، بكل ما فيها من التحام بهذه المدينة – بوصفها "خيمتنا الأخيرة " و" قلعتنا الأخيرة "، جاءت قصيدته "مديح الظل العالي" داعية لبيروت ورموزها. وجاء انتحار خليل حاوي، واستشهاد علي قعده مع الفارق بين الحالين، تعبيرا عن عمق الهزيمة.

أما محمد لافي والذي كان صامتا – شعريا – قبل حصار بيروت، فقد حركت فيه الهزيمة مشاعر الرفض لها، وجاء ذلك في إعلانه رفض "الخروج " ولو شعريا، لأن الخروج من بيروت كان يعني، للشاعر آخر منبر للمقاومة، وآخر منبر للحرية.

وعليه جاءت المرحلة الثالثة من مراحل تجربة الشاعر محمد لافي معبأة بالمرارة والمراثي، لكنها تواصل الرفض.. واذا كان لافي لم يمجد المقاومة في مرحلته الاولى، فانه هنا يرثيها حينا، وينبش سوءاتها حينا آخر. ولعل عنوان المجموعة الشعرية الأولى في الدائرة التالية، خير دليل على ما وصل اليه الشاعر من ضلال. ان "نقوش الولد الضال " الصادر في دمشق عام 1989، ليستعيد تجربة ما بعد الخروج -المنفى المكرر والمكثف ولكن في ضوء – ظل الحلم المهزوم. فهنا تبدو الهزيمة أكبر، لأن ثمة حلما يتهشم، لتكون الهزيمة المزدوجة.

عن هذه المجموعة كتب الناقد الكبير الأستاذ إحسان عباس دراسة ربط فيها بين "النقوش " هنا وبين "نشأة الأفوغرام حين كان في مبدأ أمره نقشا على قبر"، كما ربط بعض القصائد بشعر الهايكو. ولكن قصائد محمد لافي "ترفع شواهد من نوع حديث، فهو قد يرثي فيها أفرادا ذوي قامات خاصة، ويتجاوز الأفراد ليرثي ما هو أعرض وجودا حين يبكي آمالا عريضة، وشتاتا أعرض واندحارات متوالية، وخيبات متلاحقة، كلها يومىء الى أن "الأخير" هو المنظر المتكرر في حياتنا: الكمين الأخير، المغنى الأخير، العواء الأخير".. ويخلص الأستاذ عباس الى أن لافي يعرف كيف يوزع (المرارة) المكثفة بقسمة عادلة، وربما لم يكن من المبالغة أن يقال إنه يحمل (بحرا) في زجاجة، ويستدعي القارئ الى التأمل العميق. وهو حين يسخر بقسوة، يظل رغم قسوته ومبرراته شاعرا عذبا، كما يظل بديوانه هذا احد فرسان القصيدة القصيرة ".

في ديوان الـ " نقوش.." تصعيد لحال الرثاء وتعبيراته المتفاوتة، حيث الفتى يستحضر قائمة خسارات العمر ويختصر الأمر عن هذا النحو "لا هو يحيا في جوف الحوت / ولا في جوف الحوت يموت ". وما بين هذين الحالين مسافة تنطوي على مرارات ولاءات وصعلكات تجعل من هذا الولد "ملك الأرصفة ".

إنه الديوان الذي يشكل مركز الدائرة الثالثة، والمحور الذي تدور حوله قصائد الديوانين التاليين، وجميعها تكرس ملامح اللعنة الفردية والجماعية، ملامح الانسان الفلسطيني بخصوصياته الوطنية وروحه الانسانية.

أما قصائد "مقفى بالرماة " فهي تكريس وتعميق وتنويع توقفنا على منهجية شعرية آخذة في التبلور عبر التكرار واعادة الحفر في النقطة المركزية ببعديها الرثائي والهجائي. وفي مواجهة هذين البعدين وما يشيران اليه من موات وفساد، تبرز صور الطفولة المشاكسة التي تحتل حيزا يجعل من هذه الطفولة معادلا -بديلا مقترحا عن الواقع. والى جانب الطفولة تبرز حال الرفض التي يؤسسها وينطلق منها ويتكىء عليها جنون الشاعر وهامشيته ووعيه الشعري للعالم. ونحن هنا، في المقفى، أمام نقوش أقل صراخا وأشد تجوهرا واقترابا من الشعر. فالشاعر يصنع، على مهل أكثر، نماذج إنسانية بسيطة وشعبية دونما غرق في التبسيط أو اعلاء قصدي للشعبي. نماذج تصنعها اللغة الطالقة من طين الحواري والأرصفة وتساهم في صنعها – بصورة أساسية روح غاصت طويلا في الهامش وامتلأت به. واللغة هنا هي تلك النماذج في صورة من صورها. اللغة هي الشعر بايقاعاته وتوتراته، بمفارقاته ورؤاه وتصوراته، بأسئلته الجارحة التنويرية، وبحكمته البسيطة – العميقة والسوداء مثل "حكمة الأغربة "، الرد الفجائعي والحاد على الواقع الأسود المزدهي بانتصارات الخراب. في قصائد هذه المجموعة تتجلى أمامنا تجربة انسانية يمتزج فيها الخاص بالعام وينصهران في نموذج بملامح هامة وأساسية منذ كان ذلك "الولد المقصوف الرقبة.. قريد العش " الذي كان منذ طفولته يحاول "الرقص بعيدا.. خارج هذه الحلبة"  حتى الصبي الذي أخذ "في البيت الطيني.. والغرفة أم الشباك الأزرق (..) يرقص مفتاح المخزن في آخرة الليل.. " فيصرخ والده "قد جن ابنك يا زينب… " وهو لا يدري أن بيته يشهد ميلاد شاعر.. وصولا الى إحساسه المفجع بأنه "خسر البندقية../ ولم يربح العائلة " لذلك فهو يتساءل بقلق يدوي "من أول الدنيا لآخرها / أن مع مين "، قبل أن يعود ليشعر بقيمة ذاته في السؤال "كيف ستمضي غدا، دونه، يا صديقي الحياة ".

في هذه التداعيات القلقة المحتشدة بأسئلة الانسان والوطن يضع محمد لافي زبدة التجربة المأسوية لجيل عبأ نفسه بالاحلام التي سرعان ما تكشفت عن أوهام هذا الخطاب الذي لا ينفصل الفني فيه عن المضموني، حيث الأدوات (اللغة، الايقاع، الصورة،) تولد من رحم التجربة حتى أن من الصعب على القاريء إدراك أسرار التمايز في هذه التجربة الشعرية عن تجارب شعراء آخرين: أهي اللغة البسيطة -السهلة، أم الصورة الصادقة في عكسها للواقع وتذكرها للماضي، ام أنها المفارقات التي تبرز لدى عرض الواقع واسترجاع الطفولة.. أم هي ذلك كله ؟

هذه هي أبرز ملامح تجربة محمد لافي، فماذا في مجموعته الشعرية الجديدة "أفتح بابا للغزالة" ؟

في هذه المجموعة والى ما نجده من تكريس وترسيخ للمنهجية الشعرية التي يعمل محمد لافي ضمن نطاقها، ثمة محاولة للاشتغال على الجانب الفني وتطويره كي يصل الى أعتاب مرحلة جديدة في تجربته المفتوحة عن مشروع يتطلب جهدا خارقا ليرسخ اللون والنكهة الخاصين به هذا من جانب ومن جانب آخر يمكن أن نلمح في العنوان "افتح.. "، وفي بعض القصائد، ملامح تفاؤل يرسل إشارات أمل جديد يتولد في حياة الشاعر وتعكسه فلتات ومقاطع خارجة على سرب التشاؤم السائد في فضاء التجربة.
 
 
عمر شبانة ( كاتب من الاردن)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …