أخبار عاجلة

الطريق إلى بوابة فاطمة

نحن الجيل الذي ولد مع زمن الهزائم والانتكاسات العربية، كان حلمنا دائما أكبر من الواقع، بل كان الحلم هو حياتنا كلها، تعلمنا ونحن صغار أن هزيمة 1948 هي بمثابة الدرس الأول للفرقة والتباعد العربي، قرأنا في مقررات التربية الوطنية أن العرب قادرون على سحق اسرائيل ولكنهم ينتظرون الفرصة المناصبة. وتوالت الانتصارات والانكسارات، كنا نحلم بوطن كبير من المحيط الى الخليج، كانت آمالنا كبيرة وطموحاتنا تملأ الأرض والكون وبينما كانت بريطانيا تلعق جراحها وتتوارى من الأرض العربية كان الحلم يكبر والوطن تتقارب أطرافه كنا نترقب الانسحاب البريطاني من الخليج ونستمع الى أخبار المظاهرات في المشرق العربي كان صداها في كل مكان من المغرب العربي.

وفي زحمة كل هذه الانتصارات كانت فلسطين في القلب والعقل، وكانت هزيمة 1967 نقطة تحول في تاريخنا القومي والعربي كانت مرارتها أكبر من مجرد كونها هزيمة عسكرية ساحقة كانت الصدمة أكبر بكثير من كل هزيمة.. توارى الحلم، تبدد الأمل انكسرت النفس وكان الخروج من هول الهزيمة بمثابة سراب في صحراء قاحلة.

وكانت حرب 1973 والتي لا نختلف على نتائجها العسكرية، حيث أحيت الروح التي أوشكت على الموت وعاودنا الأمل والحلم، لكن اذا كانت هزيمة 1948 بمثابة الدرس الأول في الفرقة والتباعد فقد كانت انتصارات 1973 بمثابة الدرس الثاني، حيث تفاقم صراع الأخوة الأعداء ولم يلتفت أحد للدماء الطاهرة التي أريقت وانما كان صراع الكبار في محاولة للحصول على ثمن النصر في غيبة من التنسيق العربي واتاحة الفرصة للدبلوماسية العربية لكي تؤدي دورها المنوط بها. وجاء السيناريو بكل تداعياته التي يعلمها الجميع فلم تحترم اسرائيل أية اتفاقات أو معاهدات وانما راحت في محاولة للانفراد بكل كيان عربي على حدة وما لم تحصل عليه بالاتفاق حصلت عليه بالحرب والقوة. لقد كان احتلال جنوب لبنان نتاجا طبيعيا لاتفاقات كامب ديفيد، حيث وجدت مصر نفسها مكبلة بقيود، يصعب الانفكاك منها وفي نزهة عسكرية وقعت لبنان تحت الاحتلال الصهيوني. لا أدري لماذا كانت لبنان دائما في القلب ولها في الوجدان العربي مكانة خاصة. هل لأنها أول بلد عربي يأخذ بفكرة الديمقراطية وسيلة للحكم؟ هل لأن إعجابنا بها ناجم عن حجم التحديات التي كانت دوما تواجهها وكانت قادرة في كل مرة على أن تخرج منها قوية مرفوعة الرأس؟ هل لأنها كانت من أهم العوامل التي ضاعفت من العناية بالثقافة والفكر بحكم الإصدارات الفكرية والثقافية التي أحدثت حالة ثقافية لا نظير لها في تاريخنا العربي؟ هل لأن فيروز بصوتها الجميل كانت تذكرنا بلبنان واحة الجمال والحرية؟

لعل كل هذه العوامل قد جعلت للبنان مكانا متميزا في الوجدان العربي، وإذا كانت إسرائيل قد تسرت في غزوها للبنان إنها في نزهة تضمن لها تأمين حدودها من جانب لبنان بأقل خسائر ممكنة الا أن ما حدث من المقاومة اللبنانية لم يكن متوقعا فبقدر عنف الاحتلال وقسوته بقدر ما كانت المقاومة اللبنانية على مستوى المسؤولية.. لقد أرهقت المقاومة اللبنانية العدو وجعلته يعيد حساباته، اعترف أنني كنت أتمنى زيارة لبنان، منذ أن وقع الاحتلال وكنت أتطلع الى المقاومة اللبنانية الباسلة بفخر وزهو شديدين وكانت العمليات الوطنية في الجنوب اللبناني مبعث فخر لكل عربي. 25/5/ 2000م يوم مشهود في تاريخ لبنان، حيث قرر العدو الانسحاب من طرف واحد دون قيد أو شرط وتولدت لدي الرغبة في زيارة جنوب لبنان لأسباب كثيرة، أردت أن أعبر عن فرحتي بمشاركة أهل الجنوب وودت لو تمكنت من أن أشد على يد كل مقاتل رفع رأسنا إلى عنان السماء أشعر أن ثمة دينا في رقبة كل عربي لهؤلاء الأبطال الذين تحملوا مرارة الاحتلال وقاتلوا ببسالة وأقبلوا على الاستشهاد بطريقة أعادت حسابات إسرائيل. كيف أن إسرائيل بجيشها النظامي ويدعم الولايات المتحدة لها تعترف بهزيمتها النقية والعسكرية أمام شعب لا يملك من وسائل الدفاع إلا الارادة الصلبة والرغبة في الاستشهاد. اعترف بأنني كنت مشدودا الى جنوب لبنان، كنت أستمع وأشاهد عبر وسائل الاعلام هذه الملحمة البطولية الجبارة التي سجلها اللبنانيون بكل شرف وإباء. كان الشوق يشدني الى رحلة تمنيت أن تتحقق أن أرى هؤلاء الناس، أن أصافحهم، أن أرى بعيني الضياع وأماكن الملاحم البطولية.

الساعة التاسعة من صباح يوم السبت 27/6/… السائق "خير الله " ينتظرني أمام أحد فنادق بيروت جلست بجواره، بينما صوت فيروز ينبعث من مذياع السيارة بأغنية "لو تعلمين بما أجن من الهوى لعذرتني أو لظلمتني ان لم تعذري" تخترق السيارة شوارع بيروت الى أن اتخذت طريقها على الشاطئ نحو صيدا.. البحر بزرقته وهدوئه وصوت فيروز ما يزال ينبعث يتملكني إحساس بالسعادة، سألت "خيرالله " كم تتفوق رحلتنا؟ أجاب: قد تستغرق اليوم كله حتى الساعة العاشرة مساء وعموما هذا يتوقف على البرنامج. الطريق نحو جنوب صيدا النبطية عبر الساحل غاية في الجمال والروعة، حيث البحر يبدو بمنظره البديع على اليمين والبنايات على اليسار وسط الخضرة التي تمتد الى ما لا نهاية.. على طول الطريق علقت صور بعض شهداء الجنوب على أعمدة الكهرباء، بطول الطريق أقرأ بصعوبة، جعفر المولي، حسام جلال، حسن شكر، عبدالله العاشق، شباب صغار في ربيع العمر، من أين لهؤلاء الشباب بهذه الشجاعة الجبارة؟ وعلى نفس الطريق علقت صور المرشحين لمجلس النواب المقرر إجراء انتخاباته في أغسطس، يبدو من الصور أن الجميع من أصحاب الياقات اللامعة بالغ بعضهم في تقديم نفسه من خلال صور اتسمت بالمبالغة والتزيد.. منظر البحر ونعومة الطريق والخضرة التي تبعث على الحياة، رحت أحدث نفسي: شباب في عمر الزهور يموتون دفاعا عن الوطن وأصحاب ياقات بيضاء لامعة من محترفي الانتخابات يحصدون ثمرة النصر.. إنها القضية القديمة الجديدة في عالمنا العربي. وعلى مشارف بيروت نحو صيدا قال خير الله: هل تسمح يا أستاذ بالتوقف للحظات لشراء المنقوشة، حتى لا أبدو جاهلا أمام خير الله قلت له أتفضل. بينما كنت أود معرفة ماذا يقصد بالمنقوشة.. توقف خير الله أمام أحد المحلات واختفى لمدة خمس دقائق، عاد حاملا لفافة من الورق وبعد أن استقر "خير الله" على مقعده. مديده قائلا: أتفضل يا أستاذ انه خبز لبناني بالجبن والزعتر، أكلة شعبية لبنانية يأكلها الفقراء والأغنياء بمثابة فطور يعيننا على الرحلة الطويلة.

أخذت قطعة من المنقوشة، حقا شهية المذاق لذيذة الطعم. على مقربة من صيدا استوقفنا أحد الكمائن العسكرية، لاحظت صورا لحافظ وبشار الأسد وقد علقت بعرض الطريق. سألنا الجندي عن رحلتنا والغرض منها، التزمت الصمت حيث تذكرت إنني نسيت جواز سفري في الفندق بينما خير الله يقوم بمهمة التعريف بمهمتنا والغرض منها.. نظر إلي الجندي وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة شعرت بالطمأنينة ووجه كلامه إلي: أهلا بمصر العرب وأشار بيده قائلا: مع السلامة، انطلقت السيارة بينما خير الله راح يحدثني عن مهمة الجيش السوري، والعلاقة الحميمة بين سوريا ولبنان. لاحظ أنني لم أكترث لكلامه، حاول أن يغير مجرى الحديث مشيرا إلى أن هذه المنطقة إلى يسار الطريق قد زرعها الاسرائيليون بالألغام قبل رحيلهم تعبيرا عن رغبتهم الشريرة في قتل اللبنانيين. يافطة على الطريق كتب عليها "معبر بيت ياحون " طريق مسفلت جميل رغم إنحناءاته الكثيرة، المنظر رائع، حيث الجبال تكسوها الخضرة في منظر مهيب يعجز أي فنان عن تصويره، والقرى تتناثر متباعدة عن بعضها أحيانا ومتقاربة في أحيان أخرى "خير الله" راح يحدثني، بلا مناسبة عن الغناء بينما كانت يده قد امتدت إلى كاسيت السيارة، حيث وضع شريطا لأم كلثوم وبصوتها القوي، الذي يبدو وكأنه ينبعث من خلف الجبال المترامية، راحت تغني واحدة من أجمل أغانيها "انت عمري" بينما خير الله يتمايل طربا مرددا "الله.. الله " حتى أنت يا خير الله مستك أم كلثوم بسحر صوتها، بينما كان خير الله قد راح في عالم أم كلثوم كنت أنظر من نافذة السيارة نحو مياه تتدفق باندفاع شديد من سفوح الجبال الخضراء مستقرة في نهر الليطاني، يافطة تحمل " كوبري الخردلي" طلبت من خير الله أن يتوقف بعد أن عبرنا الكوبري بمسافة عدة أمتار أخذت السيارة يمين الطريق، أعرف أن كوبري الخردلي كان واحدا من أهم المواقع التي شهدت أعنف العمليات العسكرية، نزلت من السيارة وعدت إلى أن وقفت فوق الكوبري روعة المكان ومهابته تبعث على التأمل، الجبال الخضراء يمينا ويسارا والنهر يخترق هذه الطبيعة البديعة والمياه تندفع عبر الليطاني وكوبري الخردلي هو المعبر الوحيد للربط بين الجبال الممتدة يمينا ويسارا بل هو الطريق الوحيد الذي يتحكم في الجنوب كله.

رحت أحدث نفسي في صمت الآن عرفت لماذا أصر اللبنانيون على الانتصار، لماذا أصر الشباب على الاستشهاد، ان الطبيعة بعبقريتها لا تلد إلا عباقرة، بحق تستحق هذه الأرض الجميلة ان تراق من أجلها الدماء الزكية، الأرض قادرة على أن تلد دائما لكن الأرض لا تعوض. عاودنا السمير نحو طريق الخيام حيث ضيعة الخيام والسجن الذي أقامه الإسرائيليون تعبيرا عن سجن الوطن كله، السيارة تتلوى كالثعبان عبر طريق ضيق مخترقا هذه الجبال البديعة، تبدو القرى اللبنانية وقد استقرت على سفوح الجبال في منظر مهيب وبديع. خير الله لا يتحدث كثيرا، لكن حينما يتكلم أشعر بأهمية ما يود أن يقوله.. يا أستاذ اللبنانيون اختاروا أن يموتوا في قراهم، لذا فقد انتصروا.. الطريق الى مرج عيون هكذا أشارت اللافتة، بينما السيارة ما تزال تأخذ طريقها نحو الارتفاع، لافتة كتب عليها "القليعة " خير الله، بصوت مرتفع لم أعهده فيه منذ بداية الرحلة يا أستاذ إنها ضيعة العميل سعد حداد، حيث كانت سندا لليهود، عمل الكثير من سكانها كجواسيس وأدلاء لليهود، لذا فهي كما ترى لم تتعرض لأي قصف.. لفت نظري أن بناياتها أكثر جمالا وحدائقها أكثر عناية مما يؤكد أن أهلها يعيشون في بحبوحة من العيش.

كيف يقبل الانسان أن يكون عميلا؟ خائنا لأهله وأرضه.. وودت لو سألت واحدا منهم، وكيف قبلت؟ ولماذا قبلت؟ هل لديك أغلي من أرضك وأهلك؟ تداعت في مخيلتي أشهر قصص العمالة في التاريخ البشري.. وكيف كان مصيرهم؟ لماذا لا يقرأ الناس التاريخ.. واذا قرأوه لا يستوعبونه؟ أناس يقبلون العمالة وآخرون يقبلون على الموت حبا في الاستشهاد، دفاعا عن الأرض. السيارة وقد تجاوزت ضيعة "القليعة " التي شممنا فيها رائحة العمالة والخيانة.. قرية "مرج عيون " كغيرها من القرى اللبنانية، لفت نظري أكوام مكدسة من اللقافات الكبيرة وقد وضعت أمام المنازل على الأسطح، سألت خير الله قال: إنها محصول الدخان فهو المصدر المهم لسكان الجنوب، تقصد التبغ يا خير الله. نعم. لافتة تشير الى سجن الخيام بينما أشجار الزيتون والفاكهة تحتضن الطريق وخير الله وقد سيطرت عليه رغبة في مزيد من الكلام، شعرت وكأن درجة حرارته قد ارتفعت وازدادت انفعالاته، أنبهه بين لحظة وأخرى الى ان يلتفت الى الطريق، الطريق وعر وفي حاجة الى مهارة عالية يطمئنني خير الله: يا أستاذ الأعمار بيد الله، كان من المفترض أن أكون شهيدا دخلت عمليات فدائية كثيرة وفي أحدى المرات استشهد كل رفاقي، نجوت من موت محقق لا أعرف كيف؟

تظهر على الطريق سيارات، ذات أحجام كبيرة عليها شارات الأمم المتحدة تذكرت أنني استمعت في النشرة الصباحية اليوم إن قوات الأمم المتحدة تأخذ طريقها نحو الجنوب أعمالا لترتيبات الأمن في الجنوب. يافطة كتب عليها "هنا شهداء مرج عيون". خير الله راح يحدثني عن معركة مرج عيون وأسماء شهداء قاموا بعمليات فدائية، في طريقنا نحو سجن مرج عيون تبدو صور حسن نصر الله زعيم حزب الله. خير الله وقد ازدادت انفعالاته قائلا: حسن نصر الله في قلب كل لبناني، لقد أصبح رمزا للوطن كله.. شارات، علقت على طول الطريق، شعار لموسى الصدر (الامام السابق)، "لتعاون الاسلامي المسيحي طريقنا الى النصر" صور الامام الخميني وقد رفعت على البنايات والمحلات شعارات كثيرة "المقاومة الإسلامية تصنع النصر"، صور الشهداء بسام عدنان، محمود يوسف، مرعي نايف، حسن سمور، نزار عودة، محمد عواضة، محمد هاشم، محسن أبو عياش، ثم صور بشار وحافظ الأسد؟ صورة سناء محيدلي كرمز للفتاة اللبنانية، بل للوطن كله. وعلى مدخل السجن الإعلان عن معرض منتجات ايرانية، أغنية تنبعث من شريط "قاوم.. قاوم..لا تنهزم.." أشعر بقدر من الزهو والفخار، اللبنانيون وقد جاءوا من كل الضياع في رحلات عائلية لزيارة السجن الذي ضم الأبناء والآباء، بل حتى الأمهات والفتيات، صور حسن نصر الله والامام الصدر والخميني وقد علقت على مدخل السجن.

قائمة بأسماء العملاء من بينهم أطباء وممرضات قبلوا التعامل مع الاحتلال.. أسماء السجانات من النسوة.. "تريزة الحمصي، عايدة الحمصي"، يافطة كتب عليها (معتقل الخيام هو الانموذج الحضاري للنازية والصهيونية، لذا نرجو المحافظة على معالمه لكيلا تنسى). اللبنانيون يتزاحمون للتعرف على معالم السجن غرف السجن الانفرادي لا تتجاوز مترا ونصف المتر في متر ونصف المتر عرف لسجن النساء، غرف للتعذيب والصعق بالكهرباء، قيود حديدية علقت على الجدران أشار أحد اللبنانيين الى أنهم كانوا يعلقون المجاهدين من أقدامهم. شعارات كتبها المعتقلون.. الموت من أجل الوطن، الشهادة أملنا.. والله أكبر ويحيا الوطن.. أسماء بعض المعتقلين وقد حفرت على الجدران داخل الغرف.. بلال الملا "رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه" رحت أتعرف أكثر على ملامح هذا السجن الذي أقامه الاسرائيليون على الأرض اللبنانية لاعتقال وتعذيب وارعاب أمل الجنوب ولأول مرة في تاريخ اسرائيل تضطر الى الانسحاب مخلفة وراءها جرائم وقد حفرت على كل شبر من أرض الجنوب اللبناني وكان الخوف والهلع لدرجة انها تركت المساجين داخل غرفهم وكان هجوم الشعب اللبناني على السجن وكسر السلاسل والأبواب الحديدية في مشهد مؤثر امتزج فيه الفرح بالبكاء. في أحد الممرات الضيقة، التي تؤدي الى مجموعة ممرات فرعية تصل في نهايتها الى مجموعة من الغرف المظلمة استرعى انتباهي منظر شيخ طاعن في السن وقد استند على شاب راح يشرح للشيخ، فهمت من حديثهما ان هذا الشاب كان من بين المعتقلين داخل السجن.. اقتربت منهما وقطعت حديثهما وعرفتهما بنفسي تهلل وجه الشيخ "الذي راح يشد على يدي وقدم نفسه قائلا: أحمد بلوط من ضيعة كفار 80 سنة وأخذ يواصل كلامه ونحن نتلمس طريقنا الى خارج الممرات المظلمة، ابني ابراهيم كان مسجونا تسع سنوات داخل هذا السجن وكانت ابنتي نور داخل سجن النساء سبع سنوات، دخلت السجن وكان عمرها 18 سنة وخرجت 25 سنة وبعد ان خرجنا من السراديب المظلمة كشف ابراهيم عن ظهره، حيث بدا التعذيب واضحا كان الصعق بالكهرباء وسيلة شائعة ومات مئات الشباب والفتيات بهذه الوسيلة القذرة. داخل غرف سجن النساء، على جدران الغرف كتبت أسماء المعتقلات وتاريخ دخولهن السجن قرأت اسم سها بشارة على أحد الجدران، كم يشعر الانسان بالفخر، لقد كانت سها بشارة تجسيدا للوطن برموزه وشموخه. يطل سجن الخيام على ضيعة "الخيام " وهي من أجمل قرى جنوب لبنان، السائق "خير الله " وقد شعر بأن زيارة السجن قد استغرقت وقتا طويلا ومن جانبي فقد انشغلت في معرفة المزيد من خلال تفاصيل لخيرة، بأدب شديد تحدث خير الله: يا أستاذ أمامنا رحلة طويلة.. والمطلوب يا خير الله.. هيا بنا.. خرجت من السجن والتفت خلفي، حيث الموقع الذي اختاره الاسرائيليون مكانا لقتل حرية الوطن.. قلت في نفسي: رحل الاسرائيليون وبقى السجن، بمثابة دليل على نازية المحتل وقسوته اضافة الى القيمة الوطنية الكبيرة والدلالات الكثيرة التي ارتبطت بالمبنى. من سجن الجنوب أخذت السيارة طريقها الى ضيعة "فركلة " التي تعد آخر القرى المجاورة للحدود الاسرائيلية.. دلني السائق "خير الله " الى ما يعرف باسم "بوابة فاطمة ".

"ما هي حكاية بوابة فاطمة_3

طريق أقيم على مدخله بوابة حديدية كبيرة خلفها يمتد طريق عرضه لا يتجاوز عشرة أمتار، على يساره نصبت أسلاك هي الحد الفاصل بين الحدود اللبنانية والحدود الاسرائيلية تملكتني قشعريرة واحساس بالضيق ممزوج بكراهية لمجرد ذكر كلمة اسرائيل.. سألت أحد الجنود اللبنانيين ما هي حكاية بوابة فاطمة. أجاب: أنا ممنوع من الكلام.. لدي أوامر، لم أكرر سؤالي عليه، استوقفت رجلا كان يهرول نحو بوابة فاطمة. ابتسم قائلا: هي حكاية نسمعها من الأهل وقصتها ان فتاة لبنانية من ضيعة "فركلة " كان عمرها عشر سنوات قبض عليها الاسرائيليون وهي تصرخ وتستنجد بأمها بينما كانت الأم تجري خلف السيارة.. ارجعي يا فاطمة.. يا فاطمة.. ولم تعد فاطمة الى أمها منذ أن أخذها الاسرائيليون.. ومن ساعتها سميت هذه البوابة ببوابة فاطمة. اللافت للنظر ان الدولة اللبنانية غير موجودة في الجنوب لا يوجد رموز للدولة ممثلة في الجيش أو الشرطة، الناس يرتبون حياتهم بطريقتهم الخاصة وفق قواعد يحكمها العرف الاجتماعي أحيانا ونظام الطوائف في معظم الأحيان. عبر القرى اللبنانية صور الخميني والإمام الصدر وشعارات اسلامية تدر كلها حول فكرة الشهادة والجهاد.

صلاح غندور، صورة لشاب في مقتبل العمر طلبت من خير الله أن يتوقف، نزلت من السيارة، قرأنا اسم صلاح غندور أسفل الصورة هو نفسه الشاب الذي اقتحم بسيارته أحد المواقع العسكرية الاسرائيلية مفجرا نفسه حيث قتل عشرين يهوديا وأصاب خمسين، هو نفسه الموقع الذي حدثت فيه عمليات التفجير.. كم تصبح الشهادة في سبيل كرامة الوطن مطلبا يتطلع اليه صلاح غندور وزملاؤه آه يا صلاح.. لقد كبرت في عين الوطن بقدر ضآلة الجبناء والخونة الذين فضلوا العمالة والخيانة.. ضيعة "حولة " أتذكرها جيدا تحتضن الجبال الخضراء هي نفسها التي قتلت اسرائيل كل شبابها عام 1948 حيث جمعتهم وعصبت أعينهم وأطلقت عليهم النيران ولم يتبق منهم الا شاب اعتقد اليهود انه فارق الحياة الا انه قدر له أن يعيش شاهدا على المجزرة التاريخية.

طريق العودة

لقد اختار خير الله طريقا للعودة بحيث يطل على كل الأرض العربية التي جعلها اليهود دولة لهم، دبابات وسيارات مدمرة رفعت عليها صور للشهداء واعلام النصر وصور الخميني، اسمع اغاني تنبعث من البيوت، المحلات الصغيرة، جميعها تتغنى بالشهادة ويحس نصر الله.. توقفنا أمام محل صغير للتزود بالمياه حيث شعرنا بالعطش الشديد، سيدة لبنانية في الستينات من العمر استقبلتنا بابتسامة رقيقة وبدون أن أنطق عرفت جنسيتي.. مصري في الجنوب وقبل أن أتكلم فتحت ثلاجة صغيرة وأخرجت زجاجتين من السفن أب وفتحتهما ومدت يدها بأمومة وواصلت كلامها أقل واجب لكما. رحت أحدثها عن الحياة بعد التحرير والمشاكل، تغير وجهها ازدادت صرامته قائلة: نحن نرتب حياتنا بطريقتنا لكن عندنا مشاكل كثيرة أهمها البطالة نسمع عن مشاريع ستقام، نحن منتظرون لكن يبدو اننا سننتظر كثيرا لقد استشهد حسام وبسام وأشارت بيدها الى الحائط، صورتهما معلقة (شابان لم يتجاوزا العشرين) وأبو بسام مريض في البيت لم استطع مواصلة الكلام مددت يدي لأصافحها، يا أم بسام شهداء الوطن لا يموتون.. ولاحظت ان خيرالله قد التزم الصمت، بعد أن عدنا الى السيارة، بينما أرقب ملامح وجهه الذي اتسم بقدر من الحزن. انطلقت بنا السيارة في طريق ضيعة "حنين "، التي شهدت أشد العمليات العسكرية عنفا، حيث أبادها الاسرائيليون بعد أن تملكهم اليأس بسبب عنف المقاومة لم يتبق من هذه الضيعة إلا بقايا منازل وأخشاب متناثرة وبقايا عمليات انتحارية، بقايا سيارات بقايا دبابات مفخخة خرج خير الله من صمته قائلا: حنين أكبر ضيعة أنبتت شهداء، لاحظت أن خياما قد أقيمت على أنقاض الضيعة، أطفال يلعبون الكرة وآخرون فوق بقايا الدبابات والسيارات المبعثرة.

تحتل حنين موقعا استراتيجيا فوق أعلى قمة في الجنوب، شعر اليهود بأهميتها فهي تطل من موقعها على عشرات الضياع المتناثرة متحكمة في شبكة من الطرق التي تشكل حالة خاصة، لذا كانت بمثابة قاعدة عسكرية تتحكم في معظم قرى الجنوب، المتاريس والابراج والدشم العسكرية في كل مكان، لبنانيون يفترشون الأرض تحت أشجار الزيتون والفاكهة.

الطريق الى الناقورة أكوام التبغ فوق أسطح المنازل والأشجار الكثيفة تظلل الأرض بأكملها، الطريق يتلوى كالثعبان، الناقورة واحدة من أجمل الضياع اللبنانية أهلها يزرعون التفاح والعنب والدخان والحرية، تطل على البحر من جانب وتحتضن الجبل من الجانب الآخر في منظر بديع ينم عن عبقرية هذه الأرض التي تجود فيها زراعة الفواكه بقدر أجادتها لصنع الرجال.

لافتة "الطريق الى صور"  ما بين الجبل والبحر يتلوى الطريق مبتعدا عن البحر أحيانا ومحتضنا الماء في غالب الأحيان في منظر فريد لا مثيل له تبدو سيارات الأمم المتحدة تجوب الطريق وعلى شاطئ البحر ما بين اليابس والماء راحت قوات الأمم المتحدة تتخذ من هذا المكان موقعا لقيادتها. رائحة البحر والنسمة الجميلة راحت تبدد معاناة الرحلة.. صوت فيروز ينبعث في دفء "بتمرق علي كثير بتقولوا حلو.. معقول فيه أكثر، أنا ما عندي أكثر".

السيارة تقترب من صور الساعة تشير الى السابعة، تبدو البنايات الجميلة، يا خير الله علينا أن نستريح في صور نأكل شيئا ثم نواصل رحلتنا إلى بيروت، خير الله: أوامرك يا أستاذ. اللافت للنظر ان خيرالله يعرف كل الضياع والطرق لدرجة إنني أشعر وكأنه يعرف كل الناس وأسماء الشهداء وأماكن استشهادهم.. وعلى مقربة من مدخل صور، أمام إحدى البنايات الجميلة توقف خير الله قائلا: استراحة صور انسب مكان. وعلى مدخلها استقبلنا أحد الشباب بابتسامة عريضة قائلا: أهلا حمدالله على السلامة.. وكأنه يعرف تفاصيل رحلتنا، تناولنا طعام الغداء وشربنا الشاي وتزودنا بقدر من الماء ثم انطلقت بنا السيارة نحو صيدا في اتجاه العاصمة بيروت.

كان يغلبني النوم إلا أن حكايات "خير الله " كثيرة وممتعة وبينما كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء كنا قد وصلنا بيروت لكن ماتزال تفاصيل الرحلة وحكايات اللبنانيين في الجنوب وصور الشهداء والدبابات المتناثرة ومنظر الأطفال وهم يلعبون ببراءة وحرية كل ذلك يسيطر على تفكيري.. حكايات كثيرة تضاعف من قناعتي بأن الأرض اللبنانية ولادة فبقدر قدرتها على أن تنبت الزيتون والفاكهة، قادرة على أن تلد الرجال القادرين على أن يتخذوا قرار الاستشهاد..
 
محمد صابر عرب (باحث وأكاديمي من مصر)

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …