أخبار عاجلة

العزف بريشة الضوء

تعد ممارسة التصوير في سلطنة عمان – على بكارتها – تجربة جديرة بالاهتمام وتتواصل المعارض والمشاركات والجوائز ويتواصل النشر لما تقدمه عدسة الكاميرا من صور الحياة العمانية. و(نزوى) التي احتفت بالفن العماني، بمختلف طرائق تعبيره، بالريشة أو الضوء، استطلعت آراء عدد من ممارسي هذا الفن. اجابات عن أسئلة الاحتراف والهواية، البكارة والممارسة، الأحلام والواقع.
الفن والصدفة

يتحدث ابراهيم بن سعيد بن ابراهيم البوسعيدي عن تجربته فيقول:

بدأت التصوير الضوئي عن طريق الصدفة وذلك في عام 1994 حيث أعطيت في إحدى الرحلات الميدانية للدراسة الجامعية كاميرا والتي اعتبرتها في ذاك الوقت أداة احترافية وذلك لتوثيق العمل وبعد فترة حمضت الفيلم حيث جاءت إحدى الصور لافتة للانتباه وأثنى عليها صاحب الكاميرا وأعجبت أنا أيضا بالصورة وكذلك كل من رآها، وهي عبارة عن مجموعة من الأسماك في سلة من النوع القديم. ومنذ الحين اهتممت بالأمر فسارعت بشراء كاميرا مماثلة وبدأت أصور كل ما تقع عيني عليه في الشواطيء من كائنات بحرية وأصداف وأشجار، وكل ما تشكله الطبيعة وغيرها. ثم سارعت بالانضمام الى نادي التصوير الذي تعلمت فيه الكثير عن أساسيات التصوير الضوئي، وبفضل الأعضاء النشطين فيه وعندما لم أجد كفايتي في الموجود بالنادي بدأت بالتعلم الذاتي عن طريق المجلات والكتب حتى وجدت أن لي مكتبة شخصية منها. وقمت بشراء معدات التصوير التي تتناسب والمواضيع التي أفضل تصويرها.

وبعد احتكاك سنة كاملة مع المصورين في النادي وجدت أن الكثير منهم متجه لتصوير الوجوه (Portrait) وبدأت أصور مثلهم ولكني لم أجد نفسي في هذا المجال، وبعدها اتجهت الى تصوير الطبيعة بكل أبعادها من مساحات واسعة ولم أبدع إلا القليل مستخدما الأفلام الملونة وبعد سنة أخرى أي في 1996 بدأت في مراجعة الكتب القديمة في التصوير الضوئي، والذي بدوره نقلني الى عالم الأسود والأبيض، وانهلت على كتب التحميض والطباعة والمؤثرات المستخدمة فيه، حتى وجدت نفسي أصور في الاستوديو، اجمع الأشياء وأصور، حيث أخيرا وجدت مسكني ونافذتي ومتنفسي في التصوير معتبرا الصور كلوحة فنية لا يميز بينها وبين باقي الفنون التشكيلية سوى التقنية المستخدمة، الا وهي الرسم بالضوء، وبعدها اصبحت لا أرى الصور إلا بالأسود والأبيض والرمادي بدرجاته المتعددة، ونظرا لعدم وجود طباعة احترافية للاسود والأبيض في السلطنة او لقلة معرفتي بأماكنها بدأت أحمض وأطبع بنفسي وأخيرا بدأت أحس بأنني شيء من مصور، اي التقط الصورة وأحمض الفيلم واطبع الصورة وهذا ما كان ينقصني حيث إنني التقط الصورة بطريقة كي يحمض الفيلم بطريقة معينة لانتاج صورة مطبوعا حسبما خطط لها فاكتملت إحدى دوائر التصوير الضوئي عندي والحمد لله.

الفن والتصوير

الفن هي كلمة شاملة تحمل بين طياتها انسجاما بين الفنان والمتلقي، وقدرة كليهما لتسيير العمل الفني الى أداة الاحساس للمتلقي، وقدرة الفنان على إظهار تخيلاته وموهبته المستقاة من المجال أو المعدات التي يتعامل معها ويستخدمها لتخدمه في نقل رسالته بأفضل ما يكون مثل الأذن والموسيقى والأدوات الموسيقية، العين والرقص والأضواء والموسيقى أيضا وكذلك العين والتصوير والكاميرا أو الرسم والفرشاة. إذ ينقسم التصوير الضوئي الى عدة اتجاهات كغيره من الفنون وهو فن يخاطب العقل عن طريق العين لذلك يتقاطع في الكثير من المزايا في إظهار العمل الفني الملموس كصورة أو لوحة تعلق على الحائط مع الرسم، ويخاطب التصوير الضوئي والرسم مجتمعا من المشاهدين القادرين على تقييم العمل الفني كل حسب ثقافته وقدراته على الاستنتاج والتحليل سواء في التصوير الضوئي أو الرسم. وعندما نتحدث عن التصوير فهو يشمل الرسم والتصوير الضوئي، حيث يقودنا هذا الى المعدات المستخدمة في كل منهما، فالفرشاة وورق الرسم والألوان المستخدمة والكاميرا والعدسة والفيلم وورق الطباعة في التصوير الضوئي، حيث إن كليهما يصور الأجسام والخطوط والقياسات والأبعاد داخل اللوحة النهائية. وتزداد المسافة بينهما في تصنيفات المواضيع الدارجة في كل منهما، فالرسم ينقسم الى مدارس ومذاهب مثل الواقعية والسريالية والتجريبية أو مزيجها في لوحة واحدة اما بالنسبة للتصوير الضوئي والذي اخذ يتطور بشكل سريع في الخمسين سنة الماضية حيث اعتمد في بداياته على قدرة المصور على انتاج صورة تنقل الواقع بشكل واضح والذي بدوره أثرى وطور المواد المستخدمة في التصوير الضوئي، حتى اتقنت العملية وبدأت مسيرة منافسة التصوير للرسم حيث بدأت تضيق المسافة التي ازدادت من قبل. ويمكن تصنيف بعض المواضيع في التصوير الضوئي الى تصوير الوجه والأراضي الواسعة والمستقطعات من الطبيعة وتصوير الحيوانات والتصوير تحت الماء وتصوير المنتجات.وقد يستخدم المصور بعض المواضيع السابقة مثل التصوير الصحفي والتصوير التجاري، حيث يكون أكثر تخصصية ويشمل معظمها عندما يكون المصور في مصاف الهواة المتقدمين. أما بالنسبة لتقييم التصوير الضوئي كجزء صغير في شمولية الفن فهو فن محدود والذي يحده هو المعدات والتقنية المستخدمة والتي تمكن المصور من خلق الموضوع برمته في مساحة صغيرة لا تزيد على 6، 8 سنتيمترات مربعة في الفيلم المستخدم لتظهر الى الجمهور بصورتها النهائية، تضم محدودية التصوير الضوئي وجود الضوء وجودته والعوامل الطبيعية ووجود الطاقة والتي تسير معظم المعدات المستخدمة والموهبة والفكر المتعلم والتخيلات المقننة، لذلك يجب على المصور أن يستغل جميع العوامل التي تبرز لوحته الرسالة التي تنقلها الى المشاهد سواء كانت مباشرة كالصور التوثيقية أو غير مباشرة، وهو استغلال الأشكال والخطوط والألوان أو تدرجاتها المختلفة، الصورة هي الوسط الفيزيائي بجميع معطياته التي ينقل بها الفنان والذي يرتدي هيئة المصور، للجمهور أو المجتمع ما يدور في رأسه وذلك للقدرة على استغلال معدات التصوير الضوئي ولتسخيرها لهذا الفرض. فلا أستطيع أن أفرق بين الفنون الأخرى والتصوير الضوئي إلا في التقنية والمعدات المستخدمة والمنظور الذي يرى المصور الطبيعة من حوله والتي تعتبر المعلم الأول لجميع الفنون.

المصور العماني كمحترف:

الصورة لا تزال في الطريق الى قلوب الجمهور العماني ولكنها لم تصل بعد، وخصوصا الصورة التي لا تحمل المواصفات القياسية التي هيمنت على تقديرات الجمهور، ومنها أن تكون الصورة عن القلاع العمانية أو البدو أو الصحراء والوديان والتي تعتمد على التصوير بتقنيته المباشرة والمتقنة من الكثير من المصورين إن لم تكن من الجميع، الأمر الذي يضع الصورة في مصاف السلع الرخيصة وغير المرغوبة سواء بجودة عالية أم غيرها إلا نادرا، لذلك احتراف التصوير كقطاع خاص من وجهة نظري ليسر استثمارا مربحا ويمكن أن يكون كحرفة إضافية يتابع عن طريقها المصور التطورات في المجال الاحترافي ويدرب عقله وفكره على الابتكار، ولكن الحاجة أم الاختراع ونظرا لظهور المنافسة الدعائية والترويجية يجد بعض المصورين عن طريق الصدفة صفقة من هنا أو هناك والتي أتوقع أن توقد نار البحث والتطوير للصورة بعين المصور العماني.

وشارك ابراهيم البوسعيدي في جميع معارض نادى التصوير داخل وخارج السلطنة منذ نهاية عام 1994 والذي كان آخرها العالم بعيون عمانية. ومن بين الحوافز التي حصل عليها:

* جائزة تقديرية للجنة الحكام لمسابقة التصوير الضوئي لدول مجلس التعاون بقطر لعام 1995م.

* المركز الأول في مجال الطبيعة في مهرجان الفنون التشكيلية والتصوير الضوئي لعام 1996.

* المركز الثالث لمسابقة التصوير الضوئي لدول مجلس التعاون الخليجي بالكويت لعام 1997م.
مخاطبة الوجدان.. لا الاستثارة البصرية

ويحدثنا سيف بن ناصر الهنائي، رئيس نادي التصوير الضوئي بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية فيقول:

في طفولتي مارست التصوير كوسيلة للابقاء على الأشخاص وتوثيق الأماكن المحببة والأحداث العائلية السعيدة وبعد التبلور الشخصي اكتشفت رحابة آفاق التصوير فجذبني سحره الى أعماق لا حدود لها وبدخولي الجامعة توثقت هذه العلاقة، حيث اشتركت في معارض التصوير بالجامعة ومنها استمر التواصل.

انني أتعامل مع التصوير كأداة لتوثيق انفعالاتي وأحاسيسي التي أصل اليها من خلال غوصي وبحثي للأشياء.. لاظهار ما هو مخفي.. وأسعى من خلال ذلك الى مخاطبة الوجدان وليس لمجرد الاستثارة البصرية… "قد يبدو سهلا أن يضع المرء على الورقة أو القماش ما يراه أمامه لكن تسجيل الانفعالات المدركة يتوقف على حسية الفنان الذاتية لامحالة "انني أؤمن بهذا المفهوم".

إن التصوير الفوتوغرافي هو أحد أشكال التعبير الفنية الخلاقة ويعرف الفن بشكل عام «بأنه عملية وجدانية تنبثق منه الأعمال الفنية التي تبلورها الخبرة والثقافة والاحساس وبعد الرؤية، ويدفعها الى النور من خلال أشكال التعبير المختلفة سواء كان ذلك ومضة ضوء أو كلمة أو لونا على مسطح أو حركة أو سلوكا».

تزامنت بداية التصوير الفوتوغرافي الفعلية مع فترة الاكتشافات العلمية والانعطافات الثقافية والفكرية والفنية التي سادت في القرن التاسع عشر، قال عنه أحد الفنانين التشكيليين الفرنسيين عند اطلاعه على صورة التقطت بالاسلوب الدايجري، وهو أسلوب أحدث ثورة في مجال التصوير آنذاك بالرغم من بساطته "مات فن الرسم اعتبارا من اليوم" هذه العبارة كانت دقيقة الى حد بعيد في ذلك الوقت تجاه التصوير الفوتوغرافي لدرجة أن الكثير من الرسامين تخلوا عن مهنة الرسم واتجهوا الى التصوير الفوتوغرافي الا أنه من فضائل التصوير أن ذلك الخوف دفع الرسامين الى البحث عن أساليب جديدة ابتعادا عن منافسة التصوير، وقد أدى ذلك الى البحث.. بالاضافة الى العوامل الفكرية السائدة آنذاك بالرسامين الى التحرر من محاكاة الواقع الى سموات أرحب من الابداع أي من عالم المحاكاة الى عوالم ما بعد الواقعية، فما عاد النقل الحرفي يتصدر اهتمامات الرسام وهمومه التعبيرية مادامت آلة التصوير كفيلة بنقل أوجه التفاصيل الواقعية البصرية وبذلك انتقل الرسام من رهان الرؤية الى رهان الرؤيا، حيث أصبحت تحركه المخيلة الجامحة والبصيرة الداخلية وبذلك انحسرت رسوم البورتريه الشخصية، الا أن هذا لا يعني بأن الرسام تخل عن معالجة هذا النوع من الموضوعات الفنية، فالنمط الاستهلاكي في فن البورتريه الذي كان يركز على الحاجة التوثيقية لا الحاجة الفنية الخالصة هو الذي في الانحسار، ففي الوقت الذي كان الناس يتزاحمون على مراسم الفنانين للحصول على صور شخصية لهم لفرض تعليقها على جدران منازلهم أو إرسالها الى الاقارب البعيدين أخذت هذه الأعداد بالانسحاب من مراسم الفنانين الى استوديوهات المصورين الذين شرعوا في تلبية طموحاتهم البسيطة بشكل أدق واسرع وأرخص، وبذلك انتقل الرسام الى مستوى ابداعي اخر حيث ينتقي شخصياته بنفسه ليتحول البورتريه من موضوع خاص الى موضوع عام وبدلا من أن تستمد قيمة اللوحة من مكانة الشخصية المرسومة أصبحت هذه الأهمية مرهونة بموضوع الصورة ومكانة الرسام وأسلوبه الخاص.

لم يقف التصوير الفوتوغرافي عند ذلك الحد أي النمط الوظيفي، فالتغيرات الجوهرية في مسار الفن التشكيلي والفكري بشكل عام التي أعقبت اكتشاف التصوير الفوتوغرافي المتمثلة في أفكار المجددين من أمثال الفنانين كلود مونيه ومانيه وسيزان والشاعر مالارميه وغيرهم… والتي قادت الى مراحل ما بعد الواقعية كان لها الأثر أيضا على التصوير الفوتوغرافي فتخل التصوير أيضا عن الوظيفة الاستهلاكية وخرج من الموضوعات الخاصة الى العامة ومن محاكاة الواقع الى آفاق أرحب وبدأ يسير بخط متوازن ضمن التحولات الأسلوبية التي رافقت الفنون التشكيلية حيث أصبحت له مدارسه واتجاهاته الفنية المتعددة وأصبحت العلاقة بين الفوتوغرافي والرسم علاقة عضوية تتحرك بدافع التعايش الابداعي لا بدافع التنافس الوظيفي.

إن المتتبع لأعمال المصورين بيل براندة وهنري كارتير برسن وارنست هس وغيرهم من المبدعين الفوتوغرافيين يجد بأن أعمالهم تخاطب صميم الوجدان وتحلق بالمتلقي في عالم من الأحاسيس الجياشة لها أثبتت بأن التصوير الفوتوغرافي قد تجاوز الرؤية الفوتوغرافية للأشياء الى أفاق أرحب من الابداع وأصبح وسيلة تعبيرية رمزية عن جوهر الأشياء، فنجد أن ما قاله كلود مونيه عام 1890 «ثمة حاجة تسوقني بحماس مسعور لأسبر أغوار ما أختبره» لا يقتصر على الرسام وانما يشمل المصورين أيضا حيث أنهم مطالبون بسبر الأغرار المجهولة والبحث المضني للوصول الى الحقيقة.. وهذه مهمة صعبة لا تتأتى بالبداهة حيث تتطلب الشفافية والكثير من المعاناة، والوعي الشامل، والمقدرة على اختزال التراكمات البصرية لذلك بقدر ما يكون الفنان قريبا من تراثه ومجتمعه ومنغمسا في مسرح الحياة، يكون أكثر صدقا ومقدرة على التعبير عن طروحاته.

من ناحية ثانية حتى يستطيع المتلقي فهم مكنونات العمل الفني، أي عمل فني، عليه أن يكون قد تربى فنيا على هذا الفهم بحيث يستطيع أن يتعامل وينسجم مع العمل وهذا بالطبع لا يتأتى الا بالوعي الفني وتوافر البيئة البصرية التي يجب أن ترتفع بمستوى الذائقة من خلال التوجيه الصحيح في المؤسسة التعليمية والثقافية والجهات المعنية بالفن، وكذلك تشجيع اقامة المعارض المتميزة والناضجة فكريا وابداعيا، وتوافر بيئة نقدية واعية تفرز الغث من السمين ليأخذ كل مجتهد حجما الطبيعي.

بالاضافة الى ذلك من وجهة نظري ان إحدى أهم الاشكاليات المتعلقة بالتصوير على المستوى العربي بالأخص هي عدم الوعي بامكانياته كوسيلة فنية للابداع حيث أن تعدد مجالاته اضافة الى سهولة استخدامه بسبب التطور التكنولوجي قد ساهم بشكل كبير في التشويش على مقدرته الابداعية، لذا على المعنيين بالفوتوغراف ازالة هذا اللبس.

وبرجوعي الى السلطنة بعد التخرج في الجامعة أقمت معرضا مشتركا مع أحد الأخوة المصورين عام 988 ام استقطب هذا المعرض المتمين بالتصوير في السلطنة الذين ألحوا على أهمية تكوين جماعة للتصوير وهكذا بدأ ظهور أول كيان للمصورين العمانيين من خلال النادي الجامعي (آنذاك) واستمرت الحركة في النمو الى أن تشكلت الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عام 1993م حيث تم تأسيس ناد للتصوير وبذلك أخذت حركة التصوير تكبر وتنضج بشكل واضح وبانضمام النادي الى الاتحاد الدولي للتصوير الفوتوغرافي (الفياب) عام 1993م انطلق النادي الى آفاق أرحب حيث أمكن للمصورين العمانيين المشاركة والاطلاع والاحتكاك بالمصورين الأخرين من مختلف دول العالم من خلال المسابقات والصالونات والبيناليات التي تنظم برعاية الاتحاد الدولي، وعلى الرغم من أننا في بداية الطريق الا أنني أتوقع مستقبلا زاهرا للحركة الفوتوغرافية في السلطنة سيكون لها حضور ودور ريادي ان شاء الله.

التصوير الفوتوغرافي بين الحلم والواقع:

تجربة عبدالمنعم الحسني يبدأها قائلا:

عندما نتحدث عن تجربة السلطنة في مجال التصوير الفوتوغرافي نجد أن واقع هذه التجربة. وهي وجهة نظر شخصية – لا تزال في المهد.

وذلك بالرغم من جهود نادي التصوير بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، ورغم النتائج الطيبة التي يحققها النادي في بعض المسابقات وكان آخرها مسابقة الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي (FIAP). أقول، رغم كل ذلك، أن هذا الفن لا يزال في المهد. وهنا أنا لا أقارن فن التصوير الفوتوغرافي في عمان بأي دولة من الدول عربية أو اجنبية، وانما اتحدث عن التصوير كما أراه كونه اتجاها فكريا.. مشاعر صادقة ووجدانا يشتعل.. مدارس مختلفة.. ابداعا وابتكارا.. تعبيرا وانفعالا.. مناقشات مستمرة.

كل هذه الكلمات تلخص حلم التصوير الفوتوغرافي من وجهة نظري، ولو جئنا الى واقع التصوير الفوتوغرافي بالسلطنة نجد أن هناك عددا محدودا ممن يمارس هذه الهواية.. (وقصدت الكلمة الأخيرة ذلك أن الاحتراف لا يزال حلما كذلك).. وهو المشارك سواء في المسابقات المحلية أو الدولية.. رغم ان هناك من يعشقون التصوير ويمارسونه خلسة.. بعيدا عن بريق الأندية.. ويظل التساؤل لماذا؟! ولا أدري حقيقة لأي الفئتين أوجه التساؤل ؟!

هناك نقطة أخرى وهي أن أندية التصوير الفوتوغرافي موجودة – حسب علمي – في مسقط.. مما يعني ابتعاد أصحاب المناطق الأخرى عن فعاليات هذا النادي الا إذا تحملوا مشقة المجيء أو أنهم يعملون في مسقط.

ولو تتبعنا مسار فن التصوير الفوتوغرافي بالسلطنة من منتصف الثمانينات الى هذه الفترة (وحددتها بمنتصف الثمانينات لاعتقادي انها بداية تأسيس مؤسسات للتصوير الفوتوغرافي كالنادي الثقافي وجمعية الفنون التشكيلية).. ومن خلال متابعتي للمعارض التي أقيمت بين الفترتين – وهي قليلة – نجد أن هناك تطورا ملحوظا في المعروضات وامكانات المصورين والتقنيات المستخدمة حيث غلب على البدايات الانبهار بالطبيعة والتقليد والمحاكاة.. وهذا ليس خطأ ولكن الخطأ أن نكون مأسورين في هذا النطاق دون محاولة الابداع فيه.. فـ(فان جوخ) على سبيل المثال غلبت على رسوماته الطبيعة ولكن تأمل ذلك التجديد والابداع الذي أضفاه على ملامح هذه الطبيعة. المقصود هنا هو الابداع والخلق من الفنان سواء كان رساما أو مصورا فوتوغرافيا. وجدنا ذلك في بعض الصور من المعارض الأخيرة وهي مرحلة تبشر بالخير رغم السطحية وعدم الاتقان في بعض الأحيان سواء من ناحية التقنية أو عمق الفكرة.

هناك حلم جميل آخر يبشر بمواهب واعدة في هذا المجال وهم طلبة وطالبات جماعة التصوير بجامعة السلطان قابوس.. فمن خلال تجربتي الاشرافية على هذه الجماعة في العام الماضي (96/1997) وجدت استعدادا نفسيا كبيرا لممارسة فن التصوير الفوتوغرافي، وهذا أهم وأول مطلب في سلم تكوين الفنان. بالاضافة الى أن تجاربهم كانت جيدة – الى حد ما – سواء في مجال التصوير بالأبيض والأسود أو الملون أو حتى التحميض والطبع وذلك بشهادة عدد من المتخصصين في هذا المجال. ما أريد قوله أن الجامعة بإمكانها أن تكون معملا لتكوين عدد من المصورين الفوتوغرافيين على مستوى السلطنة ليشاركوا اخوانهم في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية. ولكن السؤال المطروح هنا هو امكانية المواصلة بعد التخرج في الجامعة. وأتركه للطلبة والطالبات يجيبون عليه.

الفن التشكيلي بين التصوير الفوتوغرافي والرسم:

المصور سيف الهنائي يسجل تجربته منذ البدايات الأولى، يقول:

بداية أوضح نقطة أجدها هامة عند المقارنة.. حيث إن البعض – وكنت منهم – يقارن خطأ بين التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي.. في حين أن المقارنة الحقيقية هي بين التصوير الفوتوغرافي والرسم.. ذلك أن هذين الأخيرين – من وجهة نظري – يندرجان تحت لواء الفن التشكيلي.

وهذه هي نقطة البداية والخلاف بين بعض الباحثين والممارسين، فهل نعتبر التصوير الفوتوغرافي جزءا من الفنون التشكيلية كالرسم والنحت بمدارسه المختلفة وأساليبه المتعددة

لنرجع الى البداية..

عندما خرجت الصورة الفوتوغرافية الى الوجود.. صرخ أحد الرسامين "اليوم مات فن الرسم".. وهذا يعني أن آلة التصوير دخلت منذ البدء منافسا قويا للرسم.. بل إن بعض الرسامين – مثل ليوناردو دا فنشي قد ساهم في اكتشاف آلة التصوير. سهلت هذه الآلة السحرية على رسامي الطبيعة في ذلك الحين الكثير من الوقت والجهد. إذ بضغطة على زر الآلة يعطيك المشهد كما هو في الطبيعة.

فكان تحديا صارخا لأصحاب المدرسة الطبيعية (naturalism). وقد يكون اختراع هذه الآلة سببا من أسباب انتقال الرسامين الى مراحل أخرى ومدارس فنية جديدة فيكونون بعيدين عن منافسة آلة التصوير الفوتوغرافي التي كانت لا تملك سوى نقل اللقطة التي أمامها دون تحريف. وربما يؤكد ذلك قول الفنان هنري ماتيس "ان كشف الكاميرا أعفى الفنانين من التورط في نقل الطبيعة".

ولكن لم يمكث فن التصوير – رغم حداثة عهده – أن ساير فن الرسم في كل مدارسه حتى السوريالية (Surrealism) وهي -كما يقول د. محمود البسيوني في كتابه أسرار الفن التشكيلي – أكثر المدارس الفنية عناية بالخيال.

نجد اليوم أن فن التصوير الفوتوغرافي بامكاناته وتقنياته الحديثة يجاري الرسم في التعبير عن الطبيعة الصامتة أو الطبيعة الحية أو التصوير الحر أو التأثيرات الخاصة.

ولو جئنا من جهة أخرى – للمدارس والمذاهب الفنية نجد أن التصوير الفوتوغرافي بعوامل الخط واللون والشكل والمضمون وهي العوامل المشكلة للعمل الفني بشكل عام يستطيع المصور الفوتوغرافي التلاعب بها والسيطرة عليها، ويحدث ما يريد بها من ايقاع واتزان وعمق واتساع وتوافق وتضاد وتباين.. فيضم بذلك صورته الى المدرسة الرومانسية الحالمة أو يرجع بها الى الواقعية أو الكلاسيكية. فضلا عن المدارس الفنية الحديثة كالتأثيرية (الانطباعية) والوحشية والتعبيرية والتكعيبية والتجريدية والدادائية والسوريالية.

بل إن بعض هذه المدارس الحديثة قد استفادت سواء من الصور الفوتوغرافية في تنفيذ أعمالها كما يحدث في فن الكولاج. أومن تقنية التصوير، الفوتوغرافي. فلو تأملنا لوحة «فتاة تنزل السلالم» لأحد رواد السوريالية وهو الفنان مارسيل ديشامب نجدها اعتمدت أسلوبا مستعارا من تقنية التصوير الفوتوغرافي والمعروف باللقطات المتعددة.

لكن السؤال الذي يتبادر للأذهان هنا هو هل سيطغى فن التصوير الفوتوغرافي على فن الرسم في المستقبل ؟

لا أعتقد ذلك.. لأنني أرى أن المسألة تدرج طبيعي في الفن عموما. لنأخذ الكتابة مثلا توضيحيا. فهل انتهى عصر الكتابة بالقلم بعد اختراع الكتابة بالآلة الكاتبة أو بالحاسب الآلي (computer).. أو هل، تتخيلون يوما اننا سنستغي عن قراءة الكتاب وتطغى عليه القراءة الاليكترونية ؟!

أنا لا أتصور ذلك.. وانما سيكون المصور الفوتوغرافي وسيكون بجواره الرسام.. المهم في النهاية الابداع الفني.

كل يوم أتعلم شيئا جديدا

يسجل لنا محمد المعولي تجربته منذ البداية، قائلا:

بعد الدراسة الثانوية حصلت على بعثة من قبل جامعة السلطان قابوس ودرست كفني عام في مجالات التصوير الفوتوغرافي والفيديو في بريطانيا لمدة سنتين.

وعندما عدت للعمل في الجامعة في مركز تقنيات التعليم، بدأت أمارس عملي كمصور فوتوغرافي ومع الأيام ومع ممارسة العمل أحببت هذه المهنة وهذا الفن، واستفدت كثيرا من عملي مع خبراء في نفس المجال، وأصبحت كل يوم أتعلم شيئا جديدا وأتمرس أكثر.

وفي عام 1992م حصلت على فرصة للذهاب للتصوير في أولمبياد برشلونة حيث اكتسبت الكثير من الخبرة وتعرفت على كثير من المحترفين في مجال التصوير الرياضي، الذين تخصصوا علميا في مجال التصوير الفوتوغرافي ومن هنا جاءت رغبتي أن أكمل دراستي في مجال التصوير الضوئي. وحصلت على بعثة لدراسة الدبلوم العالي في التصوير الضوئي في بريطانيا عدت بعدها كمتخصص فوتوغرافي.

بالنسبة لحلمي.. هناك كثير من الأحلام ولكن أهم حلم لدي كمصور أن تتاح لي الفرصة لكي أعمل مع مصورين محترفين في بريطانيا -لندن – الذين يعرف عنهم الاحتراف في هذا المجال بصورة كبيرة جدا حيث إنني أعتقد بأنني سأستفيد بصورة عملية وفي مجال بالدرجة التي أريدها.

ومن الصعوبات التي واجهتني عندما كنت في برشلونة لم تكن لدي خلفية كبيرة في التصوير الرياضي حيث إنني كنت أحيانا أحمل أجهزة لا تساعدني في الحصول على الصور المطلوبة، ولكن مع وجودي هناك ومشاهدتي للمصورين المحترفين وسؤالي إياهم عن الأجهزة المستخدمة أعانوني في الحصول على الكثير من الأفكار التي ساعدتني في الحصول على الصور المطلوبة، واستئجار أجهزة ساعدتني في ذلك خاصة بالتصوير الرياضي.

أعتقد أن العلاقة بين الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي أن الفنان التشكيلي يمارس عمله من خلال الريشة والألوان ليخرج لوحة جميلة ومعبرة.. ولكن المصور الفوتوغرافي فريشته هي الاضاءة وألوانه هي الكاميرا والعدسة التي يستخدمها معا لتخرج لنا أيضا صورة جميلة ومعبرة.

في مجال التصوير الفوتوغرافي يوجد الكثير من المجالات التي يمكن أن يحترف فيها المصور دون غيرها، تظل الكاميرا واحدة ولكن الشيء الذي تصوره هو الذي يختلف فهناك من يحب مجال الاعلانات فقط وهناك المجال العلمي والطبي والرياضي والتصوير الصامت والتصوير الصناعي والجوي وحتى التصوير الصحفي، فهؤلاء كلهم مصورون ولكن كل في مجال

تخصصه.

الاحتراف التصويري

أن تكون مصورا محترفا لا يعني أن تعرف كيف تمسك الكاميرا وتأخذ لقطة جميلة فقط. المصور المحترف هو الذي يعرف أو يحاول أن يعرف كل شيء عن الكاميرا والفيلم والاضاءة وكل ما هو مطلوب، وهو يصور ثم بعد ذلك يعرف كيف يظهر ويحمض الفيلم بنفسه وبالطريقة التي يريدها وباستخدام الكيماويات الصحيحة ثم يطبع هذه الصور، ويستطيع أثناء الطباعة تعديل أية أشياء أو أخطاء خارج التحكم أثناء التصوير الذي يعرف القيام بجميع هذه المراحل المختلفة من تصوير وتحميض وطباعة هو المصور المحترف والذي يبدع في الصور ويتلاعب بها خاصة أثناء الطباعة لتخرج الصورة حقيقة معبرة عما يريده فها هو المصور المحترف.

عملي في الجامعة كمصور فوتوغرافي يكمل هوايتي ويكونان خطا واحدا فهما وجهان لعملة واحدة، أن أعمل كمصور فوتوغرافي وأن أهوى هذا العمل يعني أن أستفيد من عملي من أجل هوايتي وأيضا الاستفادة أثناء ممارسة هذه الهواية من أجل العمل فكل منهما يكمل الآخر ويومي كلا يصبح تصويرا في تصوير لأن العمل نفسه هو الهواية !!

والمصور المحترف لابد له من أن يشارك في المعارض الدولية الخاصة للتصوير الفوتوغرافي وأن يكون له حضور في الندوات والمحاضرات وأن يكون مطلعا على الكتب وأيضا على كل ما يستحدث في هذا المجال سواء في المجلات أو الدوريات التي تصدر بصفة شهرية أو سنوية وأن يمارس التصوير بصفة دائمة، ويطلع على كل ما هو جديد وحديث سواء على الكاميرات الجديدة أو الأفلام والأحماض وكل ما له علاقة بهذا المجال.
 

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …