الفراهيدي.. المعلِّم الأول

بيان الصفدي*
لم تمتلئ نفسي بمحبة أحد علماء العربية كما امتلأت بمحبة الفراهيدي (100-175هـ) والأسباب كثيرة جداً، من أهمها أنه عالم عربي من أزد عُمَان، أبيُّ النفس، متواضع، باحث نهم، رائد موسوعيٌّ، منفتح على الآخر المختلف، وهو المؤسس الأكبر لعلوم العربية في النحو والصرف والعروض والمعاجم والخط.
وهو مع جمعه كل هذه العلوم فقد امتاز بسلوك مثالي، جعل منه قدوة في العلم والصداقة والأخلاق، حيث جاهد النفس الطمَّاعة، فضرب مثلاً لا يُجارى في الابتعاد عن كل ما يخدش الكرامة والنُّبل، فأمضى حياته بعيداً عن الرفاه والتزلُّف، منقطعاً للمعرفة والتعليم والتأليف.
واضع علم العروض
كان الشعر العربي قبل الخليل يعتمد على رهافة الأذن الموسيقية في تحديد الوزن، فسلامته محكومة بالسَّماع، وقد عرف العرب عدة طرق بسيطة لتعلم موسيقى الشعر، منها ما سُمِّيَ بـ”التنعيم” أي استخدام صوت مقابل للبيت الشعري مثل:
يا حبذا ريح الولدْ
لا لا نعمْ لا لا نعمْ
وصحيح أنّ الشعر كان سليم الوزن غالباً قبله، لكنه هو الذي وضع الميزان الذي يضبط قواعد هذه السلامة مع تطور الحياة، وينقل المعرفة العروضية من السليقة والعلم البدائي إلى النضج والأصول العلمية، وعندها لن نكون مع الشاعر القديم الذي قال متهكِّماً:
قد كان شعر الورى صحيحاً
من قبل أن يُخلَقَ الخليلُ
فالخليل وضع أسساً علمية مفصَّلة، استطاع من خلالها أن يترك لنا علماً فيه تفاصيل ما يحتاجه الدارس والباحث، ففي هذا العلم تفاصيل عن البحور الشعرية، ودوائرها، وعلم القافية، واحتمالات التطور الإيقاعي مستقبلاً، وهو الذي وضع مصطلحات هذا العلم، وكان منفتحاً على أي تطوير، ولهذا قال ابن عبد ربه معترضاً بغير حق على الخليل في أرجوزته العروضية في كتابه المشهور “العقد الفريد”:
وإنه لو جـــاز في الأبياتِ
خلافـــها لجاز في اللغاتِ
وقد أجــــاز ذلك الخليـــل
ُ ولا أقـــول فيـــه ما يقولُ
وقد يزلُّ العالم النــِّحْـريرُ
والحَبْــر قد يخـونه التحبيرُ
والحقيقة أن الخليل كان عالماً واسع الأفق، فله موقف مشابه في اللغة نقلته المصادر، حيث يرى أن تعليلاته النحوية اجتهاد، لا يمنع من أن يأتي اجتهاد أكثر صواباً من اجتهاده، فقد أورد الزجاجي للخليل في كتابه “الإيضاح”:
“إن العرب نطقت على سجيّتها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له فمثلي كمثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها.”
هذا التواضع الكبير، قلَّما يمرُّ معنا، مما جعل كثيرين يجترئون على الخليل، خاصة بعد موته، فقد ادَّعى الأخفش أنه أدخل بحراً جديداً لم يعرفه الخليل، هو “المتدارك” القائم على “فاعلن” ومتحوِّلاتها: “فَعِلن” و”فَعْلن”،وسرت هذه الكذبة التاريخية، حتى سادت في جميع المحافل الأدبية، وغطَّت حقيقتين ساطعتين: الأولى أن الخليل بنى رؤيته في البحور على شيوع البحر، لا على نماذج شديدة النُّدرة، والثانية الأطرف أن للخليل نفسه شعراً منظوماً على ما ادعى الأخفش أنه غاب عن أستاذه!
فقد وصلنا أن الخليل قد قال:
ليس المرءُ الحامي أنفاً
مثل المرءِ الضيم الراضي
وقال:
أَبكيتَ على طللٍ طرباً
فشجاك وأحزنك الطللُ
نتاج موزع في الصدور والكتب
ومما يؤسف له أن نتاج الخليل موزَّع في صدور تلاميذه، وعرفناه من خلالهم، حيث لم يصلنا من كتبه إلا معجم “العين” الذي طبع مراراً، وهو أول معجم في العربية، مرتَّب بحسب مخارج الأصوات، مبتدئاً بأعمق صوت في الحلق وهو حرف العين، ومن هنا جاءت التسمية، إضافة إلى منظومة نحوية منسوبة إليه طُبعت في عُمان (فالفراهيدي عربي من أزد عمان)، ومن طرائفها أن فيها إشارتين إلى قصتين مشهورتين سنقرؤهما فيما بعد عند الفرنسي “لافونتين” حيث قال:
عجزوا وقالوا لو أردنا مثل ما
قد قلت قلنـا إذ تقول وتطلبُ
كالثعلب النــــازي إلى عنقوده
ليناله فصغــى وأعيا الثعلبُ
فزرى عليه وقال: هذا حامض
ولَحبةٌ منــــــــه ألذ وأعذبُ
أو كالعجوز وقد أريق طبيخها
قالت لهم: خبز وملح أطيبُ
أما نتاجه الآخر فلم نعرفه إلا من خلال رسائل تلاميذه وكتبهم، على الرغم من أن المصادر تخبرنا أن له كتباً من أهمها: “العروض” و”النقط والشكل” و”الإيقاع والنغم” لكنها لم تصلنا.
وعلى الرغم من ذلك فعلم الخليل وصل أكثره، فما كتاب سيبويه في الحقيقة إلا علمُ الخليل في النحو منقولاً بقلم تلميذه غالباً، وكثيراً ما يشير المؤلف الأمين إلى ذلك، فقد كان سيبويه من أعز تلاميذ الفراهيدي، وأكثرهم التصاقاً به، وأخذاً عنه.
وجُلُّ علم الخليل في العروض منقول في كتب العروض مفصَّلاً، ومثل ذلك الكثير مما له في الموسيقى والإملاء وعلامات الترقيم، بل تذكر المصادر أن كتابه “الإيقاع والنغم” كان مرجعاً أساساً للفنان الكبير إسحق الموصلي.
المعلم الأمين
ولا معلمَ كالخليل، فسيرته في التعليم خالدة، حيث كان يمنح علمه لتلاميذه بلا مقابل، مكتفياً بما له كغيره من عطاء يمنح للمواطنين في ذلك الوقت، وكان تلاميذه يحملون له حباً كبيراً، لصدقه ونبله وتفانيه وسعة معرفته، وكان “سيبويه” ملازماً له، وكثيراً ما جاءه في غير وقت الدرس، أو مبكّراً ليزداد من علمه، إلى حد أن زوجة الخليل كانت تنفر من ذلك، بينما كان يقول له عندما يأتي: “أهلاً بزائر لا يُمَلُّ”
وكانت للفراهيدي أخلاق عالية، في الزهد والحكمة ينقلها إلى طلابه، حيث يعلمهم مبادئ البحث وأخلاقه، ومن دروسه الأخلاقية قوله لهم:
“الناس أربعة، رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فخذوا عنه، ورجل يدري وهو لا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكِّروه، ورجل لا يدري وهو يدري أنه لا يدري، فذاك طالب فعلِّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك أحمق فارفضوه.”
وعلمهم الصبر على الصعوبات، وتذليل العقبات، واحتمال الأذى في سبيل الدرس، فقال: “لا تصل إلى ما تحتاجُ إليه إلا بالوقوف على ما لا تحتاجُ إليه”
ومن أقواله الخالدة في العلم “إذا أردت أن تكون رأساً في العلم فعليك بطريق واحد.” و”لا يعلَم الإنسان خطأَ معلمه حتى يجالس غيره”
وأبى الخليل أن يترك تعليم الفقراء وأطفال العامة ليلتحق بتعليم أبناء الأغنياء والحكام، مع أن هذه الطريق في أيامه كانت حلمَ كل عالم، وسلَّماً سريعاً لامتلاك المال والمكاسب والحُظوة، وعنه قال النَّضْر بن شميل: “أُكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه وهو فِي خُصّ لا يُشعَر بِهِ”.
فقد كان عفَّ النفس إلى درجة عالية، وجاءه رسول والي الأهواز ذات يوم يطلب منه القدوم لتعليم أبنائه، فماذا كان الرد؟ دخل الفراهيدي إلى شق في بيته المتواضع، وأخرج كسرات خبز يابسة، وقال للرسول:
“قل للوالي ما دمت أجد هذا في بيتي فلا حاجة لي به” مما أدى إلى قطع نصيب الخليل من العطاء، فقال أبياته الخالدة:
أبلغ سليمــــان أنـــي عنه فـــي سعةٍ
وفي غنــى غير أني لست ذا مالِ
شُحــِّي بنفسي أنـــــــي لا أرى أحداً
يمــوت هُزْلاً ولا يبقـى على حالِ
والرزق عــــــن قدرٍ لا العجز ينقصـه
ولا يزيدك فيــه حَـــوْل محتالِ
والفقر في النفس لا في المال تعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ
وذُكِر أنه “كان الملوك يقصدونه ويبذلون له الأموال فلا يقبل منها شيئاً” وبلغ من تواضع الخليل وهو مَن هو علماً وشهرة أنه امتحن “النظَّام” وقد جاءه تلميذاً، فلما أحسن وأبدع في الإجابة، لم يخجل الخليل من أن قال له: “يا بنيَّ نحن إلى التعلُّم منك أحوج.”
الصديق الصدوق
ومن أخلاق الفراهيدي أنه كان ذا نفس مرهفة، وفيَّاً لصحبه، يواسيهم ويخفض الجناح لهم، ففي حادثة شديدة الدلالة نقلها الشاعر ابن مناذر قال: “كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شِسْع نعلي، فخلع نعله. فقلت: ما تصنع؟ فقال: أواسيك في الحَفاء.” . كذلك قال الأصمعي: “دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير، فقال لي: تعال اجلس، فقلت: أضيَّقُ عليك، فقال: مَه! الدنيا بأسرها ما تسع متباغضين، وإن شبراً في شبر ليسع متحابين.”
ولم يتوانَ عن مصاحبة الناس بغض النظر عن دينهم أو قوميتهم أو اختلافهم الفكري معهم، فمثَّلَ الأخلاق الإسلامية الإنسانية في أبهى صورها، إذ نقلت الأخبار أنه “كان يجتمع بالبصرة عشرة في مجلس، لا يعرف مثلهم في تضادِّ أديانهم ومذاهبهم ومشاربهم: فقد ضم مجلسه السيِّد الحميريّ، وصالح بن عبد القدُّوس، وسفيان بن مجاشع، وبشَّار بن برد، وحمَّاد عجرد، وابن رأس الجالوت، وابن نظيرا، وعمرو ابن أخت المؤيد، وروح بن سنانٍ الحرَّانيّ.
ومن صور أخلاقه السامية، أنه حضر مجلس أبي عمرو بن العلاء وكان أشهر علماء العربية قبله، فظلّ صامتاً، ولم يحاول أن يعقِّب أو يصحِّح لهذا العالم، ولم ينطق، فقيل له: ما منعك من ذلك؟ قال: “نظرت فإذا هو رأسٌ من خمسين سنة، فخفت أن ينقطع، فيفتضح في البلد”.
الخليل الشاعر
لم يكن الفراهيدي من الشعراء، على الرغم من الشعر الذي قاله، وكله في الحكمة والتأمل والحنين، فقد صرَّح أن ما يريده من الشعر لا يأتيه، وما يأتيه لا يريده، ومع ذلك فله أبيات كثيرة تدل على شاعرية جميلة، وأن علمه وتواضعه جعلاه لا يرى في نفسه شاعراً، ومما قاله:
يقولونَ لي دارُ الأَحِبَّةِ قَد دَنَت
وأَنتَ كئيبٌ إِنَّ ذا لَعَجيـــــبُ
فقلتُ وما تُغني الديارُ وقُربُها
إِذا لم يَكُن بينَ القلوبِ قريبُ
* * *
وما شيءٌ أَحَبَّ إِلى لَئيمٍ
إِذا سَبَّ الكِرامَ من الجَوابِ
مُتارَكةُ اللَئيمِ بِلا جوابٍ
أَشدُّ على اللَئيمِ مِنَ السِبابِ
* * *
يَعيشُ المَرءُ في أَمَلٍ
يُرَدِّدُهُ إِلـــى الأَبَدِ
* * *
اِعمَل بِعِلمي وإِن قَصَّرتُ في عملي
يَنفَعْكَ عِلمي ولا يَضرُرْكَ تَقصيري
* * *
تَكَثَّرْ من الإِخوانِ ما اِسطَعتَ إِنَّهُم
بُطونٌ إِذا اِستَنجَدْتَهُم وظُهورُ
وما بِكثيرٍ أَلـــــــفُ خِلٍّ لِعـــاقِلٍ
وإِنَّ عدُوَّاً واحــداً لَكثيرُ
* * *
سأُلزِمُ نفسي الصفحَ عن كُلِّ مُذنبٍ
وإِن كَثُرَت منهُ علـيَّ الجرائِمُ
فأَمَّـــــــــــا الَّذي فوقـــــــي فأَعرفُ فضلَهُ
وأُتبِعُ فيـــــــهِ الحقَّ والحقُّ لازِمُ
وأَمّا الَّذي دوني فإِن قالَ صُنتُ عن
إِجابَتَهِ عِرضـــي وإِن لامَ لائِمُ

المصادر والمراجع:
أخبار النحويين البصريين. السيرافي. المطبعة الكاثوليكية. بيروت 1936.
الخليل بن أحمد الفراهيدي أعماله ومنهجه. د. مهدي المخزومي. مطبعة الزهراء بغداد 1960.
شعر الخليل بن أحمد الفراهيدي. جمع: حاتم صالح الضامن وضياء الدين الحيدري. مطبعة المعارف بغداد 1973.
طبقات النحويين واللغويين. الزبيدي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة 1954.
نور القبس. المرزباني. اختصار اليغموري. تحقيق: رودلف زلهايم. دار فرانتس شتاينر. فيسبادن. ألمانيا. 1964.

شاهد أيضاً

رواية «مرافئ الجنون» للمحسن بن هنية :الجنون قناعاً لقول الحقيقة

إبراهيم أزوغ «الجنون بالنسبة للعقل ليس سوى قوّته الحيّة السريّة»(1) عرفت الإنسانية أشكالًا مختلفة من …