أخبار عاجلة

الفكر التنويري والعقلاني الحديث بين ديكارت وباشلار في تلك الليلة الراجفة التي كاد أن يقضي فيها الفيلسوف نحبه

يضاف إلى ذلك أن ديكارت كان قد فصل من ذلك العهد بين المعرفة العفوية المباشرة التي نشكلها عن طريق الحواس/وبين المعرفة اليقينية الموثوقة التي نشكلها عن طريق الشك المنهجي بالحواس ذاتها. وبالتالي فقد أنجز القطيعة الإبستمولوجية قبل ظهور المصطلح بثلاثمائة سنة. وقد كلفه هذا الشك المنهجي غاليا  لأنه راح يشك في كل ما تعلمه في أوساط عائلته وبيئته ومدرسته. وقال إن الإنسان عندما يكون طفلا  أو تلميذا  صغيرا  فإنه يكون واقعا  تحت تأثير محيطه وأساتذته بشكل كامل. وبالتالي فهو يتلقى القناعات والأفكار بشكل سلبي لأنه منفعل لا فاعل. كل ما يلقنونه إياه يحفظه عن ظهر قلب أو يعتقد بصحته ولا يخطر على باله أن يشك فيه لحظة واحدة. »فالكبار«  لا يمكن أن يخطئوا. وهكذا تتراكم المعلومات الصحيحة والخاطئة في رأسه دون أن يستطيع التمييز بينها. وعندما يكبر يصبح من حقه, بل ومن واجبه, أن يقوم بعودة نقدية على ذاته لكي »يغربل«  أفكاره هذه فيبقي على بعضها إذا كان صالحا  ويطرح ما تبقى.(1) وفي بعض الأحيان -أي في لحظات القطيعات التاريخية الكبرى- يضطر إلى طرح معظمها إن لم يكن كلها من أجل تشكيل وعيه من جديد وهذا يشبه عملية غسل الدماغ. فعصور التحول والانعطافات الحاسمة تتطلب وعيا  جديدا  قادرا  على التأقلم مع المعطيات الجديدة, وبالتالي فهو مضطر إلى أن يقطع مع الوعي القديم السابق الذي لم يعد مناسبا . وعملية القطيعة هذه لا تمر دون حساب أو عقاب, أو دون نزيف داخلي حاد. فليس من السهل أن يقطع المرء مع ما ترب  ى عليه وألفه وعاشره طيلة سنوات وسنوات. وأكبر دليل على ذلك ما قاله شاعرنا المتنبي :

خلقت ألوفا  لو رجعت إلى الصبا

                لفارقت شي-بي موجع القلب باكيا

فإذا كانت القطيعة مع الكهولة تكلف كل هذا الثمن, فما بالك بالقطيعة مع الطفولة والشباب الأول? نقول ذلك ونحن نعلم أن الطفولة مغروسة في النفس كل الإنغراس, وبالتالي فمن الصعب جدا  أن يقطع المرء معها. ولذلك نقول بأن القطيعة الإبستمولوجية تكون دائما  مصحوبة بقطيعة نفسية أو عاطفية شديدة الهول. والدليل على ذلك ما حصل للشعوب الأوروبية عندما اضطرت إلى أن تقطع مع تقاليدها الجامدة في القرن السابع عشر. وقد تحدث عن هذه القطيعة الكبرى المفكر الفرنسي بول هازار في كتاب مشهور أصبح كلاسيكيا  فيما بعد وطبع عدة مرات هو: »أزمة الوعي الأوروبي«.(2) وقد تزامنت هذه القطيعة مع اللحظة الديكارتية واستغرقت القرنين السابع عشر والثامن عشر وتوجت بالثورة الفرنسية. وكانت الاكتشافات العلمية والجغرافية والتاريخية قد ساهمت في اندلاعها وفي القضاء على التصور القديم للعالم وولادة التصور الجديد على أنقاضه. ويمكن القول أن هذه القطيعة ابتدأت مع ديكارت وغاليليو في النصف الأول من القرن السابع عشر, ولكنها لم تكتمل ولم تأخذ كامل أبعادها إلا بعد مرور أكثر من قرن على ذلك التاريخ : أي مع لحظة نيوتن وكانط. هذا يعني أنها كانت قطيعة صعبة ومريرة تكاد تتقطع لها نياط القلوب… على هذا النحو تتجدد الشعوب وتنفض غبار القرون عن ذاتها وتدخل مصهر التحول الكيميائي حتى لكأنها تولد من جديد. وكثيرا  ما تتجسد هذه القطيعات الكبرى في شخصيات كبرى واستثنائية من نوع ديكارت مثلا . فالشخصية الكبرى تعيش القطيعة أولا  في داخلها وبشكل ذاتي أو فردي, قبل أن تعيشها شعوبها على المستوى الجماعي. وما أن تنجح الشخصية الإستثنائية في إحداث القطيعة على المستوى الداخلي, حتى يسهل عليها نقلها إلى المستوى الخارجي وترجمتها على أرض الواقع. وهكذا يحصل التمفصل بين الخاص والعام, أو بين الفردي والجماعي. وهكذا تنجح الشخصيات الكبرى في قدح الشرارة الأولى أو في الإنعطاف بشعوبها انعطافة جديدة داخل مجرى التاريخ العام للفكر. سوف أتوقف هنا قليلا  عند لحظة ديكارت لكي أصف ما عاناه من أزمات داخلية قبل أن ينجح في إحداث هذه القطيعة ويضرب ضربته الكبرى. من المعلوم أنه عاش ليلة ليلاء ورأى ثلاثة أحلام مرعبة كادت تودي بعقله لولا أنه اهتدى إلى اكتشافه الأكبر في آخر لحظة. وطالما توقف المعلقون والشارحون عند تلك الليلة الشهيرة : ليلة العاشر من نوفمبر 1619. ولولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة التي هزته هزا , وجعلته يستيقظ مذعورا  فيخرج عن طوره ويرتجف كريشة في مهب الرياح..(3) هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الأوروبية لم يكن عقلانيا  إلى الدرجة التي نتصورها, أو قل أنه اضطر إلى خوض معارك داخلية قاتلة قبل أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. ذلك أنه ليس من السهل على المرء أن يواجه نفسه, أو أن يخوض المعركة الفاصلة مع ذاته. وقد تحدث عن ذلك في كتابه الشهير ؛مقال في المنهج«, ولكن على سبيل التلميح لا التصريح. يقول بما معناه : كنت كمن يتقدم وحيدا  في بحر من الظلمات, أو كمن يمشي على خيط رفيع رفيع ويكاد يسقط في كل لحظة, يكاد يهوي إلى قاع لا قرار له… في تلك اللحظة قرر ديكارت أن يقطع مع كل أفكاره السابقة, وأن يصبح ديكارتيا  لأول مرة. في تلك اللحظة قرر ديكارت أن يكون هو هو, وأن يواجه العالم كما هو. في تلك اللحظة أحس ديكارت لأول مرة بأنه يقف على أرض صلبة بعد أن طال به التشتت ونهشه الشك حتى آخر رمق. وشبه هذه العملية, أي عملية القطع مع الماضي, بعملية بناء بيت جديد على أنقاض البيت القديم. فمن الواضح أنه لا يمكن أن نؤسس البيت الجديد إلا بعد هدم البيت القديم. وعلى الرغم من أنه يصعب علينا هدم البيت القديم الذي ولدنا فيه وترعرعنا في أنحائه وأمضينا أوقاتا  سعيدة -أي كل عمرنا الأول- في جنباته, إلا أنه يجيء وقت معين تصبح عملية الفراق معه مسألة لا مندوحة عنها. وذلك إما لأنه لم يعد صالحا  للسكن, وإما لأنه شاخ وبلى حتى ليكاد ينهار من تلقاء ذاته. وبالتالي فمن الأفضل أن نسارع إلى هدمه واستدراك الخطر قبل فوات الأوان. يقول ديكارت موضحا  ذلك بشكل أفضل في كتابه »التأملات الميتافيزيقية« : ؛كنت  قد اكتشفت  منذ زمن طويل أني كنت  قد تلقيت  مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماما  ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت  بعدئذ أن كل ما أسسته على هذه المبادئ المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوها  جدا  ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت بشكل جدي أن أنفصل عن تلك الأفكار وأتخلص منها, وأن أبتدئ التأسيس من جديد. وبدا لي أنه لا مندوحة عن هذا العمل إذا ما أردت أن أبني شيئا  راسخا  في مجال العلوم. ولكن هذه المهمة كانت تبدو لي آنذاك ضخمة جدا  ورهيبة جدا  إلى درجة أني لم أكن أجرؤ على مواجهتها أو الاضطلاع بها. ولذلك فقد انتظرت مرور زمن طويل قبل أن أنضج نفسيا  وفكريا . لقد انتظرت مرور وقت طويل لم يعد لي أمل بعده بنضج أكبر من أجل مواجهة هذه المهمة الكبرى. بل وبدا لي أن تأجيلها أكثر مما أ جلت يعني الوقوع في الخطأ لأن العمر يمر, والفرصة السانحة قد تفوت إذا لم أنتهزها أو إذا ما انتظرت وقتا  أطول مما يجب… وهكذا أشعر اليوم بالإستعداد الكامل لمواجهة هذه المهمة بعد أن فرغت نفسي من كل الهموم والمشاغل الأخرى, وبعد أن أصبح قلبي خاليا  من الأهواء المضطربة, وبعد أن أصبحت أنعم بوحدة هادئة وسعيدة تساعدني على الإنخراط في أكبر مشروع في حياتي. ولذلك قررت بكل جدية أن أدمر كل أفكاري السابقة«.(4)

ديكارت والقطيعة المعرفية الأولى

بالطبع فلا يمكن لمفكر في حجم ديكارت أن يدمر كل أفكاره السابقة حبا  في التدمير, فهو ليس عدميا  ولا مخربا  ولا كارها لنفسه أو للبشرية. على العكس تماما . إنه يريد تدمير هذه الأفكار لأنها خاطئة ولأنها تحول بينه وبين رؤية الواقع بشكل صحيح. ثم إنه لا يستطيع أن يبني شيئا  إيجابيا  في مجال الفكر قبل تدمير ما هو خاطئ ومسيطر بحكم العادة والعطالة الذاتية وتكريس القرون. وقد كانت هذه هي حالة الفلسفة السكولاستيكية, أي التكرارية والإجترارية التي سيطرت على أوروبا طيلة العصور الوسطى وحتى مجيء ديكارت. (سميت سكولاستيكية من »سكولا«, أي مدرسة في اللغة اللاتينية. وكانت هذه الفلسفة ت لق  ن للطلاب في كل مدارس أوروبا باللغة اللاتينية. وهي التي تعلمها الصغير ديكارت في مدرسة شهيرة بمنطقته). في الواقع إن التدمير لا يمكن أن يكون كليا  لأن الإنسان عندئذ يقف في الفراغ وتكاد تميد الأرض من تحته. وهذا الموقف لا يستطيع أن يتحمله أي شخص بشري. وهكذا, وعلى الرغم من راديكالية القطيعة إلا أن بعض العناصر السابقة قد استمرت في فلسفته, وإن يكن قد أصابها التحوير واتخذت منحى جديدا . كل ما يهمنا قوله هو أن البناء على تراكمات الماضي كما هي لا يمكن أن ينجح. البناء لا يكون إلا بعد التعزيل والتنظيف, أي بعد خوض الصراع مع الماضي, ومن خلال هذا الصراع بالذات تنبثق الحقيقة الجديدة. وهذا يتفق مع ما قاله باشلار, وإن بنضج أكبر ووضوح أكثر لدى هذا الأخير. ولا غرو في ذلك, فباشلار جاء بعد ثلاثمائة سنة من ديكارت, وبالتالي فإن العلم كان قد حقق تقدما  كبيرا  أثناء كل تلك الفترة الطويلة. وهكذا يستفيد الخلف من تجربة السلف عن طريق التأمل بالتجربة التاريخية المتراكمة واستخلاص الدروس والعبر. فمثلا  يتفق باشلار مع ديكارت على الفكرة الأساسية القائلة بضرورة الفصل بين المعرفة المباشرة المتشكلة عن طريق الحواس/والمعرفة العلمية المصنوعة صنعا  في المختبر. كلاهما يلح على ضرورة الشك بحواسنا التي قد تخدعنا في أي لحظة وتوهمنا بأننا نعرف الأشياء ونحن في الواقع نجهلها. ومن المعلوم أن مؤسس العقلانية الأوروبية, رينيه ديكارت, نص  ب الشك كغربال ينبغي أن تمر من خلاله كل الأفكار والآراء قبل أن نثبت صحتها. بل ودعانا إلى الشك في أقرب شيء إلينا وفي أعز ما لدينا لكي نمتحنه ونضعه على المحك ونخل  صه من الشوائب التي قد تكون علقت به. لا ينبغي أن نؤمن بأي فكرة قبل أن توضع على محك الشك والامتحان. وقد أراد ديكارت بذلك تحييد التراث الأرسطوطاليسي. فمن المعلوم أنه كان يكفي لأي إنسان في ذلك الوقت أن يستشهد بأرسطو لكي يصدق الناس كلامه دون أي امتحان. فهيبة التراث والأقدمين تفرض نفسها دون مناقشة وتستطيع أن تمرر حتى الأفكار الخاطئة والرديئة بمجرد أن تدمغها بطابعها. وهذا ما لم يعد ديكارت بقادر على قبوله. ولكن الفرق الأساسي بين باشلار وديكارت هو أن الأول لم يعد يستطيع أن يؤمن بوجود عقل أبدي أو خالد يتجاوز الزمان والمكان, كما كان يفعل ديكارت فالعقل أيضا  له تاريخ. وهو محكوم بظروف كل عصر وإمكانياته. كما أن باشلار لم يعد يستطيع أن يؤمن بوجود أفكار فطرية (أو أزلية) تسبق كل تجربة أو احتكاك مع الواقع, كما كان يفعل ديكارت أيضا . وربما لهذا السبب, ولأسباب أخرى أيضا , دعا باشلار إلى تشكيل إبستمولوجيا غير ديكارتية. وهذا لا يقلل من عظمة ديكارت, ولكنه يدل على أن هناك عناصر كثيرة من فلسفته قد ماتت, وأنه يستحسن بنا أن نقطع معها, ولكي ندفع بالعلم خطوة جديدة إلى الأمام. وهذه هي القطيعة بالمعنى الإيجابي للكلمة. فالقطيعة تصبح إجبارية عندما يتجم  د التراث السابق ويصبح مهيمنا  فقط عن طريق القوة والهيبة والعطالة الذاتية. وهذا هو قانون الأشياء, فلا يمكن أن يدوم الحال لأي فلسفة مهما كبرت وعظم شأن صاحبها. وهذا الكلام ينطبق على كبار الفلاسفة وفلسفاتهم: على أرسطو والأرسطوطاليسية, على ديكارت والديكارتية, على كانط والكانطية, على هيجل والهيجلية, على ماركس والماركسية, الخ…

هذا لا يعني بالطبع أن كل هذه الفلسفات قد ماتت ولم تعد تنفع في شيء. لا, أبدا  كل ما نريد قوله هو أن الأشياء الإيجابية فيها قد ه ض مت وأصبحت جزءا  لا يتجزأ من التراث الفكري للبشرية, بل وذابت إلى درجة أنها فقدت هويتها الأصلية, ولم يعد يستطيع التعرف عليها إلا المختصون الكبار. ونضيف أيضا  بأن الواقع يفاجئنا دائما  بعناصر جديدة لم يكتشفها الفلاسفة السابقون, وهذا ما يدفع إلى ظهور فلسفات جديدة باستمرار. ولذلك فإن الذين ينغلقون كليا  داخل نظام فلسفي معين يحكمون على أنفسهم بالجمود والانقطاع عن حركة الحياة والفكر. ولهذا السبب ثار باشلار على فلاسفة عصره واتهمهم بالمثالية والتجريدية المنقطعة عن حركة العلم ونبض الواقع. ودعا إلى تشكيل فلسفة »اللا« (فلسفة النفي), أي الفلسفة التي تقول »ل« للوضع الراهن باستمرار من أجل أن تكتشف شيئا  جديدا , أو تضيف شيئا  جديدا  إلى ما سبق. إنها فلسفة النفي الإيجابي لا السلبي. ذلك أن فلسفة »النعم« والإذعان والقبول لا تؤدي إلى تحريك الأشياء, ولا إلى التقدم. وحدهم »الفلاسفة المشاغبون« أو المزعجون الذين يعرفون كيف يقولون »لا« هم وحدهم الذين يؤدون إلى تقدم البشرية. كما دعا باشلار إلى تشكيل »عقلانية تطبيقية«, أي مستمدة من خلال البحث العلمي والتجريبي ذاته, لا مفروضة فرضا  من فوق بشكل مثالي وتجريدي كما كان يفعل فلاسفة عصرة (أو معظمهم). لهذا السبب نجح باشلار في أن يكون ديكارت العصر الحديث أو كانط العصر الحديث لأنه قدم له النظرية المتلائمة مع تطور العلم في عصره. ففي كل مرة يقفز فيها العلم قفزة جديدة نحتاج إلى فلسفة جديدة. وكل فيلسوف لا يراعي تطور العلم أو لا يأخذ ذلك بعين الاعتبار يحكم على نفسه بالانقطاع عن حركة العصر ويهم  ش نفسه بنفسه. وقد فهم باشلار ذلك أكثر من أي شخص آخر. لقد فهم أن التفلسف بعد ظهور نظرية النسبية لأنشتاين أو نظرية الميكانيك الكمي والموجي وسبر أدق دقائق المادة والنظرية الذرية لا يمكن أن يبقى كما كان عليه الحال سابقا . فهنا حصلت قطيعة في مسار العلم, وبالتالي فينبغي أن تحصل قطيعة موازية لها في مجال الفلسفة. وهذا ما فهمه كانط في وقته أيضا  عندما استنتج أهم النتائج المترتبة على أكبر حدث علمي في عصره : أي ظهور نظرية الجاذبية وميكانيك نيوتن.

باشلار والقطيعة المعرفية الثانية

سوف أترك الكلام هنا لكبير علماء الإبستمولوجيا في فرنسا وأستاذ جميع الفلاسفة من فوكو إلى بورديو لكي يلخص لنا نظرية باشلار وإنجازاته. سوف أترك الكلام لجورج كانغيلم, تلميذ باشلار المباشر, والذي كان قد حل محله عام 1995 كأستاذ لفلسفة العلوم في السوربون. فهذا الرجل محترم الآن من قبل كل علماء فرنسا, ليس فقط لسنه, فقد أوشك على التسعين عاما  بل ومات مؤخرا , وإنما لصرامته ورسوخه في العلم.(5) ماذا يقول عن إبستمولوجية غاستون باشلار, أي فلسفته للعلوم? إنه يلخصها في المبادئ المحورية الثلاثة التالية :

1. الأولوية النظرية للخطأ : في البداية كان الخطأ لا الصح, في البداية كان الخطأ لا الحقيقة. بمعنى أن الحقيقة لا تنبثق إلا في ختام صراعها مع الخطأ. الحقيقة ليست شيئا  مسبقا  أو معطى بشكل جاهز. بمعنى آخر أيضا  : عندما ننظر إلى الواقع الموضوعي نرى أن الحقيقة لا توجد بشكل منفصل عن الخطأ, وإنما هي مطموسة تحت ركام من الأخطاء, أو محاطة بنسيج من الأخطاء. وكل مهارتنا تكمن في كيفية مماحكة هذه الأخطاء أو مصارعتها وانتزاع الحقيقة من براثنها. وهذا يناقض التصور المثالي السائد الذي يعتقد بأن الحقيقة موجودة لوحدها في جهة/والأخطاء في الجهة الأخرى. ولهذا السبب يقول باشلار : لا يمكن تشكيل معرفة علمية صحيحة إلا على أنقاض المعرفة الخاطئة. وهذا أكبر دليل على مدى شراسة الصراع ضد الخطأ من أجل التوصل إلى الحقيقة. فالحقيقة تنتزع انتزاعا  من خلال الصراع مع الواقع ولا ت قد  م لنا كهدية على طبق من ذهب.

2. تبخيس المعرفة الناتجة عن طريق الحواس أو الحدس : هذه المعرفة تفيد في شيء واحد فقط : هو أنه ينبغي تدميرها. فالمعرفة العلمية ليست حدسية أو عفوية, وإنما هي مبلورة , ومصنوعة صنعا  من خلال التجربة والممارسة واستخدام آلات القياس العلمي. هذه هي المعرفة الوحيدة التي يمكن أن نثق بها. هذا لا يعني أن الحدس ليس مفيدا  في بعض الحالات, ولكن لا يمكن الركون إليه. إن الحدس لا يشكل إلا المرحلة الأولى التي ينبغي التخلي عنها لاحقا .

3. لا يمكن أن نفهم الواقع إلا من خلال الواقع ذاته : بمعنى أنه ينبغي أن نعطي حق الكلام للواقع أولا , لا أن نسقط عليه أحلامنا وأمانينا. وعندئذ نفهم الضرورة الكامنة في أحشاء الواقع. ولأن المغامرين والدجالين والدونكيشوتيين لا يفهمون ذلك أو لا يعبأون به فإنهم يخطئون في فهم الواقع وتتكس ر رؤوسهم على صخرته الصلبة. الواقع لا يعطي نفسه بسهولة, ولا يتحرك طبقا  لرغباتنا وأمانينا. الواقع يتحرك طبقا  لمنطقه الخاص وقوانينه الداخلية. وينبغي أن نتعامل معه على هذا الأساس لكيلا نصاب بخيبة أمل كبيرة فيما بعد. هذا لا يعني بالطبع أن تغيير الواقع أمر مستحيل, أو أننا عاجزون عن فعل أي شيء. لا. هذا يعني أن التغيير يتم بعد فهم بنية الواقع وإمكانياته. والمغي  رون الحقيقيون هم الذين يعرفون أن يتعاملوا مع الواقع ضمن إمكانياته, فلا يحاولون كسره أو القفز عليه أو استعجاله أو حتى إلغاءه. إنهم أولئك الذين يكتشفون قوانين الواقع ومدى ثقله وعطالته الذاتية قبل أن يحاولوا تغييره.

لكي نفسر هذه المبادئ الإبستمولوجية الثلاثة أو نتوسع فيها قليلا  سوف نقول ما يلي : إن هدف العلم هو طرد الخطأ والحلول محل الجهل. هذا شيء متفق عليه ويكاد يعتبر تحصيل حاصل. ولكن معظم الفلاسفة قبل باشلار كانوا يعتبرون الخطأ بمثابة حدث عارض يؤسف له, ليس إلا!… أما باشلار -وهنا تكمن خصوصيته- فيعتبر أن الخطأ شيء أساسي, وأن الروح البشرية هي مصدر ثري للأخطاء, وأن للخطأ وظيفة إيجابية وليس فقط سلبية كما كانت تتوهم النظرية المثالية والتجريدية. بمعنى أنه يلعب دورا  إيجابيا  في توليد المعرفة. وكذلك الجهل, فهو بحسب منظور باشلار, لا يعبر عن نقص أو انعدام للمعرفة بقدر ما يمثل الأرضية التي بدءا  منها تصبح المعرفة ممكنة. في البداية كانت الأخطاء, في البداية كان الجهل, ثم يجيء نور المعرفة لكي يبدد غياهب الجهل والأخطاء. ثم تتراكم الأخطاء والجهل في مرحلة لاحقة ونحتاج إلى تبديدها من جديد. وهكذا دواليك. بهذا المعنى يمكن التحدث عن جدلية الصح/والخطأ, الجهل/والعلم, النور/والظلام. فكلما تراكم الجهل في فترة ما وعربد إلى درجة كبيرة ولم يعد محتملا  ينبثق العلم كرد فعل ضد الجهل كما ينبثق النور من رحم الظلام. إن العلم يتمثل في إحداث القطيعة مع المفاهيم السابقة التي لم تعد صالحة أو التي علاها الغبار. إنه يحدث القطيعة معها عن طريق المماحكة الجدالية والصراع الداخلي والجدل الديالكتيكي. ولهذا السبب رك  ز باشلار أكثر من غيره على الرفض بصفته موقفا  أساسيا  يتسم به العلماء الحقيقيون. أقصد رفض الأخطاء الشائعة والنظريات الباطلة ولكن المسيطرة بحكم العطالة الذاتية وتكريس الزمن. ولهذا السبب ألف كتابا  كاملا  بعنوان : »فلسفة اللا« كما قلنا, أي فلسفة الرفض والاحتجاج والمماحكة الجدالية والنقاش الحاد الذي لا يساوم. فعن طريق هذه المنهجية الاحتجاجية والجدالية ضد ما هو سائد تنبثق الحقيقة بيضاء ناصعة. الحقيقة لا تجيئنا بشكل سهل أو مجاني, الحقيقة تتطلب منا دفع الثمن, وأحيانا  دفعه بشكل باهظ : »ولابد دون الشهد من إبر النحل«, كما يقول الشاعر العربي. هذا هو تصور باشلار للحقيقة والعلم. إنه تصور عملي وتجريبي, ملموس ومحسوس. إنه التصور الناتج عن ممارسة العلم فعليا , وليس عن طريق التنظير التجريدي في الفراغ كما يفعل الإيديولوجيون الذين يلقون الكلام على عواهنه. وقد كان باشلار يمارس العلم فعليا  وعمليا  في المختبر (علم الفيزياء والكيمياء), وبعدئذ يسمح لنفسه بأن ينظر ويبلور المبادئ الإبستمولوجية, ولكن ليس قبل ذلك. ولهذا السبب نجحت منهجيته ولاقت رواجا  في كافة المجالات العلمية الأخرى, ومن بينها العلوم الإنسانية.

ثم يقول باشلار بأن الواقع لا يوجد قبل العلم, ولا خارج العلم. فالواقع العادي المباشر الذي نراه أمام أعيننا ونلمسه بأيدينا ليس هو الواقع الحقيقي أو العلمي. الواقع الحقيقي هو ذلك الذي يشك  له العلم أو يصوغه العلم في المختبر ويستنتج قوانينه. ولا يمكن القبض على الواقع كليا  أو تفسيره بحذافيره, أي بشكل نهائي مرة واحدة وإلى الأبد. لا يمكن استنفاد الواقع أبدا . وإنما يمكن الاقتراب منه أو تشكيل معرفة تقريبية عنه. ولهذا السبب أل  ف باشلار كتابا  بعنوان : »مقالة حول المعرفة التقريبية«, أي من أجل معرفة تقريبية للواقع. فالواقع لا يمكن استنفاده كليا  عن طريق أي نظرية أو أي فلسفة مهما عظمت, ولهذا السبب تتوالى النظريات العلمية عن الواقع وراء بعضها البعض. وكل نظرية تقدم لنا فكرة جديدة عن الواقع, أو تدقق النظرية السابقة وتجعلها أقرب إلى الحقيقة العلمية. وهكذا يظل العلم مفتوحا  إلى ما لا نهاية, أي ما دامت البشرية على قيد الحياة. ولهذا السبب تتوالى الاختراعات والاكتشافات العلمية دون انقطاع. وفي كل مرة تقترب مسافة أكبر من حقيقة الواقع وتفسير الواقع (أو تفسير المادة والذرة وجوهر الكون). ولو كان استنفاد الواقع ممكنا  لاستنفدته فلسفة أرسطو من قبل, أو فلسفة ديكارت, أو كانط, أو هيجل… ولهذا السبب يقول باشلار بأن الحقيقة هي خطأ مصحح باستمرار!… ولهذا السبب ينص   على المبدأ الابستمولوجي الأساسي التالي : تنبغي العودة النقدية على الذات في كل مرة تقطع فيها الذات مسارا  معرفيا  معينا . وهنا يكمن الفرق بين الباحث العلمي/والخطيب الايديولوجي. فالباحث العلمي ما أن يقطع مسافة معينة في بحثه حتى يتوقف قليلا  ويفكر في العودة على أعقابه لكي يلقي نظرة استرجاعية على ما فعله فيصحح الخطأ إذا كان قد أخطأ أو يدقق بعض الصياغات والأفكار التي قد تكون بقيت عمومية غامضة. إنه لا يخجل من الاعتراف بنقصه أو بخطأه على عكس الايديولوجي الذي يكتفي بالنص على أحكامه القطعية دون أي مناقشة أو قبول بالأخذ والرد. وهذه العودة الابستمولوجية على الذات هي التي تؤدي إلى تقدم الفكر والبحث العلمي. إنها تعبر عن مرونة عقلية أو ذهنية ممتازة. لقد استغرب الكثيرون كيف يمكن لرجل عقلاني مثل باشلار أن يضع مشروعه العلمي والابستمولوجي تحت راية التحليل النفسي! ولكنهم لم يفهموا أن نظرة باشلار للعقلانية تختلف عن نظرة عصر التنوير والفلسفة الوضعية. فهذه النظرة التي شغلت القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت متفائلة أكثر من اللزوم, وكانت تعتقد أن العقل مفصول كليا  عن اللاعقل, أو أنه سيقضي كليا  على قوى الوهم والخيال والأخطاء عن طريق تقدمه المستمر. ولكن ميزة باشلار هو أنه اكتشف العلاقة الجدلية بين العقل/واللاعقل, بين الحقيقة/ والخطأ. وأدرك لأول مرة -ربما بعد نيتشه وفرويد- أن الخيال ليس ضارا  إلى مثل هذا الحد, وأن العقل الوضعي يخطئ إذ يريد القضاء عليه تماما . فتركيبتنا النفسية مشك  لة من العقل/والخيال, من الوعي/واللاوعي, وسوف يظل الخيال أو الحلم مصدرا  ثرا  للحدوس الكبرى والأخطاء الكبرى والاكتشافات العلمية أيضا . لقد فهم باشلار أن في أعماقنا نبعا  غزيرا  لا ينضب لتوليد الأخطاء والصور الخيالية الكبرى والوهم المجن  ح. وفهم أيضا  أن الخطأ ليس دليلا  على الضعف وإنما على القوة. وكذلك الأمر فيما يخص الأحلام والأوهام فهي ليست دخانا  وإنما نار. بمعنى آخر فإن باشلار لا يوافق على المشروع الوضعي الذي كان يريد أن يقضي على الخيال قضاء  مبرما , والذي ول  د حضارة الغرب التكنولوجية, ولكنه أدى أيضا  إلى توليد عقلانية أدواتية وحسابية باردة لا ترحم. إنه العقل المفر  غ من نبض الوجدان والخيال والهم الإنساني. إنه عقل الربح والخسارة, عقل الشركات الكبرى والرأسمالية الشرهة التي لا ترحم. وباشلار يريد أن يعيد للإنسان توازنه عن طريق الاعتراف ببعديه الأساسيين : بعد العقل/وبعد الخيال, بعد المادة/وبعد الروح. وأما الوضعية فتريد أن تختزل الإنسان إلى مجرد عقل ومادة وحسابات باردة وأرقام مصرفية ليس إلا. وقد اصبح يرى فيها خطرا  على حضارته ومستقبله. وهذه هي العقلانية الأدواتية والانتهازية التي أدانها نقاد الحداثة من مدرسة فرانكفورت إلى يورغن هابرماز مرورا  بميشيل فوكو (كل   على طريقته الخاصة بالطبع, ومع الأخذ بعين الاعتبار لذلك الخلاف الكبير بين هابرماز وفوكو فيما يخص تقييم الحداثة).(6) بل ويمكن القول بأن نقدها قد ابتدأ على يد ماركس ونيتشه وفرويد. فالحضارة التي لا تقيم التوافق بين العقل/والقلب, أو بين المادة/والروح تظل حضارة ناقصة وعرجاء…

الهوامش

1- كان كبير مؤرخي الفلسفة في فرنسا هنري غوهييه قد كرس كتابا  كاملا  لدراسة هذه المسألة لدى ديكارت. واعتقد أنه ألقى أضواء منيرة على شخصيته وكيفية تشك  ل العبقرية الفلسفية. انظر المرجع التالي : مقالات حول ديكارت, باريس, 1973.

– Henri GOUHIER : Essais dur Descartes, Paris, 1973.

2- انظر كتاب بول هازار : أزمة الوعي الأوروبي, باريس, 1935.

– Paul Hazard : La crise de la conscience européenne, Paris, 1935.

3- حول أحلام ديكارت الثلاثة الشهيرة نحيل القارئ إلى المرجع التالي لجاك ماريتان : حلم ديكارت, باريس, 1932.

– Jacques MARITAIN : Le songe de Descartes. Paris, 1932.

4- كان الشاعر بول فاليري قد اختار هذا المقطع وما تلاه باعتباره إحدى الصفحات الخالدة التي كتبها رينيه ديكارت. انظر :

Paul Valéry : Les pages immortelles de Descartes. Paris, 1941.

ص. 159 وما تلاها.

5- للمزيد من الإطلاع على رأي كانغيليم في فلسفة أستاذه باشلار نحيل القارئ إلى المرجع التالي لبيير يورديو : مهنة عالم الاجتماع, باريس, 8691, ص.911-421.

– P. Bourdieu : Le métier du sociologue, Paris 1968, p. 119-124.

6- فيما يخص المناقشة التي جرت بين الفيلسوف الألماني هابرماز والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول الحداثة والعقلانية الغربية نحيل القارئ إلى المرجع التالي لديدييه اريبون : ميشيل فوكو ومعاصروه, غاليمار, 1993.

– Didier Eribon : Michel Foucault et ses contemporains. Gallimard, 1993.

قد يبدو هذا العنوان مثيرا  للاستغراب. فما العلاقة بين فيلسوف عاش في النصف الأول من القرن السابع عشر, وفيلسوف عاش في النصف الأول من القرن العشرين? ما العلاقة بين فيلسوفين تفصل بينهما مسافة ثلاثة قرون? ثم إن ديكارت لم يتحدث أبدا  في حياته عن القطيعة الإبستمولوجية. فالمصطلح حديث العهد ولم يظهر إلا على يد باشلار في الثلاثينيات من هذا القرن. ومع ذلك فيمكن القول بأن ديكارت يمثل القطيعة الإبستمولوجية بكلا المعنيين : أي بالمعنى التاريخي الفاصل بين الأحقاب الزمنية, والمعنى العادي الذي يفصل بين المعرفة العمومية/والمعرفة العلمية الدقيقة. فديكارت يمثل قطيعة بالقياس إلى أرسطو والمدرسانية السكولاستيكية التي سيطرت على أوروبا طيلة العصور الوسطى. إنه أول فيلسوف يقوم بانقلاب على أرسطو وينجح في هذا الانقلاب. ودش  ن بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الأوروبي (والبشري بشكل عام). ولذا فإن المؤرخين اعتادوا على التأريخ للحداثة الفلسفية بدءا  منه. فما قبل ديكارت شيء, وما بعده شيء آخر. ما قبله سيطرت الفلسفة الأرسطوطاليسية, وما بعده
 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …