أخبار عاجلة

القدس في أعمال رسامي الكاريكاتور العرب

احتلت القدس وقضيتها حيزا واسعا من انشغالات الرأي العام العربي بكل قطاعاته وتكويناته, وهو اهتمام يوازي أو يفوق اهتمام السياسيين العرب بالقدس وقضيتها، ذلك أن الرأي العام العربي بما تعظه القدس له من أهمية دينية تاريخية وثقافية وقومية, وما يربطه بها من أوامر وصلات, لم يجبر القضية على الدخول في ترتيبات وتكتيكات السياسة وبخاصة اليومية التي يقوم بها رجال السياسة, بل إن الرأي العام تعامل مع قضية القدس بصورة عفوية وبسيطة, لكن بمستوى ما تحتاج اليه القضية من اهتمام ومتابعة.

وبطبيعة الحال فإن الفنانين – وهم طائفة من الرأي العام – يعتبرون من أكثر الناس حساسية بمحيطهم وقضاياه, سواء بما لديهم من امكانيات ثقافية, وخبرات تقنية, وقدرات بصرية, اضافة الى ما عندهم من رؤى فكرية – سياسية, قد لا يكون من الممكن التعبير عنها قولا، لكن ذلك الأمر ممكن عن طريق الرسم والتشكيل, وفي هذا هناك كثير من الأعمال الفنية التي تناولت القدس وقضيتها من جوانب عدة, وكانت أعمالا جيدة ومميزة.

ورسامو الكاريكاتور العرب, لم يكونوا بعيدين عن التعامل مع القدس مدينة وقصية شأنهم في ذلك شأن بقية الفنانين, وقد أضافوا الى ذلك في تعاملهم مع الموضوع, قراءة اللوحة والمعطيات السياسية المحيطة بالقدس وقضيتها، حيث أحاطوا بالقضية بحيثياتها وتفاصيلها، وتعاملوا معها بصفة كلية وفي بعض الأحيان بتفاصيل جزئية, مما أدى أحيانا الى تقليب جانب على جانب, أو اختصار بعض جوانب القضية, لكن ذلك – في غالب الأحيان – لم يترك انعكاسات سلبية على أعمال رسامي الكاريكاتور العرب, بل على العكس جاءت النتائج: إضاءات قوية على القدس وقضيتها, واثارة متواصلة في جوانب الموضوع.

قدس تحت الاحتلال.

لقد جلب الاحتلال الاسرائيلي للقدس عام 1987 واقعا جديدا, مأساويا، إذ لم يضع المدينة بما فيها من بشر ومعالم تحت قبضة الاحتلال العسكري المباشر فحسب, بل أعلن ضم المدينة الى الكيان الصهيوني, وتم إخضاعها الى "قانون الدولة وقضاتها وادارتها" وذلك في خطوة واضحة ومعلنة لـ "تهويد المدينة "،وهي السياسة التي جرى متابعة فصولها على مدى ثلاثين عاما مضت على الاحتلال.

إن هذا التعبير عن عملية تهويد المدينة نواه في الكاريكاتور في لوحة رسمها الرسام المصري حامد نجيب عندما وضع القدس ممثلة برمزها الأقصى داخل نجمة سداسية مخططة على شكل أحجار بناء وقد كتب عليها "مستوطنات " حيث ان الاستيطان هو عملية ابتلاع وهضم, وهو الطريق الرئيسي باتجاه "التهويد".

غير أن في التفاصيل أشياء أخرى، عبرت عنها لوحة رسمها رسام الكاريكاتور السوري علي فرزات يصور فيها الأقصى رمز المدينة وبجانبه رسم آخر له نفس السمات, ولكن في أعلاه تم استبدال "الهلال الاسلامي" بـ "الشمعدان اليهودي" بمعنى تأكيد الاتجاه والجهد الاسرائيلي نحو تهويد المدينة ورمزها الأساسي المميز.

وقد عبر أحد رسوم طه عيسى رسام الكاريكاتور السوري عن عملية تهويد القدس معالم وسكانا، عندما رسم يهوديا وهو يحمل القدس برمزها ونباتها وبشرها وبناها، ويركض باتجاه مؤشر يقود الى التهويد، وتلك مختصرات حالة تهويد القدس, التي تتوالى فصولها بدعم من الولايات المتحدة كما يرى رسام الكاريكاتور العراقي هاني مظهر في لوحة يقدم فيها حصان طروادة الأمريكي، والذي من خلاله يتسلل اليهودي الى مدينة القدس, فيما يشير رسام الكاريكاتور الأردني جلال الرفاعي الى جانب من المساعدة الأمريكية لعملية التهويد في رسم يبين كيف يضع الكونجرس الأمريكي القدس أمام نظام الاستيطان المشهر سلاحه للاجهاز على المدينة في الوقت الذي يكون فيه العرب والمسلمون خارج أية فاعلية حقيقية وجدية تمنع عملية التهويد.

مدينة خارج تاريخها وتراثها:

لقد جعلت تلك الوقائع في عملية تهويد القدس المدينة من طبيعة أخرى، وهي المدينة التي طالما عرفت باسم "مدينة السلام " يظللها الحب والتوافق بين البشر بغض النظر عن دياناتهم وطوائفهم, وهي الصفة الأساسية للمدينة قبل الاستيلاء الصهيوني عليها عام 1967 والاتجاه الى «أسرلتها" أي تحويلها الى مدينة اسرائيلية – على نحو ما يقوله الاسرائيليون حاليا – وفي هذا يقدم حامد نجيب لوحة تبين سور القدس وبوابتها المغلقة المرفوع أعلاها لافتة "القدس مدينة السلام " لكن  لافتة أخرى موضوعة في أسفل السور جانب البوابة تعلن منع دخول حمامة السلام, مما يدفع الى ظهور التعجب والدهشة لدى حمامة السلام الراغبة في دخول المدينة.

وليس هذا هو الأمر الوحيد في وضعية القدس تحت الاحتلال, بل هناك متغير آخر, يتنافى مع طبيعتها التاريخية وصفتها كمدينة للسلام, وهو ظهور المدينة – برمزها – كشاهد يرى كيف يفرق جنود الاحتلال بدم الفلسطينيين من سكان المدينة, وهو ما تؤشر اليه لوحة الرسام السوري حميد قاروط حيث يختصر في رسمه هذه التفاصيل اليومية لعمليات القتل والجرح التي يقوم بها الجنود الاسرائيليون والمستوطنون اليهود كما في كل الأراضي العربية المحتلة.

إن وقائع كهذه تجعل النداءات تتلاحق من أجل القدس, ويقدم الرسام هاني مظهر لوحة في ذلك مصورا فتاة وقد ارتدت زيا اسلاميا وضعت يديها على رأسها وأخذت تصرخ بكل قوتها منادية «واقدساه »فيما يبدو في اسفل الصورة, عرب متشاغلون وكأنهم لم يسمعوا شيئا!

ويقدم ياسين الخليل رسام الكاريكاتور السوري عملا يتناول الموضوع عينه من زاوية أخرى،إذ يقدم القدس من خلال رمزها الأقصى، تصرخ بقوة تلك الصرخة المعروفة في التأريخ العربي الاسلامي "وامعتصماه " في  حين يقدم كل واحد من شخصيات العرب المرسومين في جانب الصورة اسمه المختلف عن اسم المنادى له, والأخير و في هؤلاء يتساءل "مين اسمه معتصم ". وفي ذلك تبدو المأساة وقد وصلت حد السخرية المرة.

العرب والمسلمون أيضا في تعاملهم مع القدس وقضيتها على نحو ما يراهم رسامو الكاريكاتور غير فاعلين – كما هو الواقع – وردة فعلهم بكائية – خطابية, بكائية: كما يقدمهم علي فرزات في لوحته , وعندما يصور رجلا وقد غلبه البكاء الشديد ليملأ وعاء من الدموع كتب عليه  " من أجل القدس " وردة الفعل العربية خطابية على نحو ما يقدمه حميد قاروط في لوحته الثلاثية الصور، حيث يظهر رمز القدس في الخطاب الأول, ثم يأخذ في  الاختفاء جزئيا في الرسم الثاني. بل يختفي كلية في اللوحة الثالثة, مما يشير الى تضاؤل الاهتمام بقضية القدس. حتى على مستوى الخطاب السياسي، واتجاه هذا الخطاب الى تجاهل القضية أو تغييبها.

 والواقع العربي – الاسلامي في تعامله مع القدس وقضيتها يقدم لنا نموذجا من حالة الارتباط والحيرة في بحث الفلسطيني تحت الاحتلال عن مصير القدس في الوقت الذي توالى على السلطة في اسرائيل حزبان كل منهما أكثر تطرفا وتشددا بصدد القدس إذ يدور في ذهن الفلسطيني هناك أن خيارات المدينة هي بين الطاعون "حزب العمل " أو الكوليرا "حزب الليكود" وذلك على نحو ما تضمنتك لوحة الرسام اللبناني حبيب حداد.

وبالتأكيد فإن الواقع يبدو اكثر مرارة وقسوة في الوقت الذي يحبس نهج المقاومة, وتترك القدس أسيرة وقائع الاحتلال  والأسرلة, وفي آن معا أسيرة لضعف وتردي ردة الفعل العربية – الاسلامية, ويقدم لنا ياسين الخليل مشهد مأساويا في هذا،اذ يصور في لوحته المقاومة وقد وضعت مه سلاحها في قارورة زجاجية بحيث أصبحت عاجزة عن القيام باي جهد، فيما رسم القدس في خلفية الصورة, رابطا بصورة خفية بين المقاومة المحبوسة والقدس الأسيرة.

وهذا الربط لا يقدمه ياسين الخليل وحده. فنجد رسام الكاريكاتور الأردني جمال عقل يقدم رسما لفتاة تلبس الكوفية الفلسطينية حاملة رمز القضية, ومن عينها الأولى يطل المسجد الأقصى رمز القدس، فيما هي تفكر من اتجاه عينها الثانية بصورة الفدائي المقاوم, الفدائي الذي يحمل سلاحا يرسم مستقبل المدينة, بل مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.

إن الطريق الى القدس معروفة واضحة لدى العرب جميعا وهي طريق واحدة كما تبدو في الذهن العربي، غير أن رسام الكاريكاتور المصري الراحل نبيل السلمي. يكشف لنا شيئا آخر غير الصورة الذهنية. إذ يكشف مواطن عربي طرف الخط المحدد لطريق القدس, فيتبين له ان تحت العطاء اسهم معاكسة في مسارها,وهذا يصور بعضا من الاشكاليات العربية في تعاملها مع قضية القدس بخاصة ومع القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي عموما.

والطريق الى القدس – كما يرده الرسامون العرب عموما – محتواه القوة, وهو ما تؤكده الوقائع السياسية التي يفرضها الاسرائيليون في القدس, وعليها،  خلاصتها اتمام عملية التهويد والأهم فيها بناء المستوطنات وجلب المستوطين واعلان القدس "عاصمة اسرائيل " إضافة الى الاعلانات المتكررة برفض الانسحاب من المدينة أو حتى الدخول في تفاصيل لبحث وضعها ومستقبلها، وهو أمر يكتسب وضعا خطيرا مع حقيقة أن الجهود الدولية المختلفة لم تنفع في تغيير السياسة الاسرائيلية إزاء القدس, الأمر الذي لايفتح خيارا أمام العرب و الفلسطينيين خاصة للتعامل مع قضية القدس, إلا من خلا ل القوة, وهو ما يلاحظه, ويشير اليه رسامو الكاريكاتور العرب.

ويقدم عبدالوهاب العوضي رسام الكاريكاتور الكويتي رسما فيه قبة المسجد الأقصي و في أعلاها الهلال, وقد انعكس ظل الهلال على القبة بشكل بندقية للدلالة على حالة المقاومة, بل على طريقها ايضا، وفي أسفل القبة, وضع الرسام أحجارا ومن قبل هذا الاحجار نبتت زهرة, وربما كان التفصيل الأخير وجها آخر للمقاومة مقاومة الحجارة والأطفال التي ابتدعها الفلسطينيون في القدس وغيرها من انحاء فلسطين, بعد أن افتقدت المقاومة السلاح المعروف والتقليدي في ظل ظروف غاية في التعقيد والتداخل.

إن الطريق  الواضح والصريح الى القدس يرسمه ياسين الخليل، إذ هو يضع البندقية جسرا بين مسافتين, تبدو الأولى وقد حملت أفواج العائدين الفلسطينيين – كما هو مفترض – وحملت الثانية اسم القدس,وقد اتجه رأس البندقية نحو القدس كرأس سهم وفيما بين المسافتين كتب الخليل بخطه "الطريق الوحيد", ورغم أن اللوحة تؤشر الى طريق الفلسطينيين للقدس – للوهلة الأولى – فإن التدقيق فيها ربما يقودنا للقول إن الرسام يرى: أن القوة والبندقية هما الطريق الى كل فلسطين وليس القدس فحسب.

وبالتأكيد فإن. طريق الفلسطينيين والعرب والمسلمين للقدس ليست ميسرة ولا سهلة سواء كانت عن طريق المفاوضات – كما هو واضح فيما يحدث – ولا عن طريق القوة والعمل المسلح – بحسب التجربة التاريخية المعروفة – مما

يجعل مستقبل المدينة غامضا, بل هو اقرب الى أن يكون كما تراه اسرائيل في أن تصبح القدس مدينة يهودية. لقد لاحظ واستشف رسام الكاريكاتو. السوري علي فرزات احتمالا كهذا في ظل استمرار حال  القدس على ما هو عليه الآن وقدم لوحة,يبين فيها كيف يتقاطر العرب أمام كوة تذاكر إسرائيلية, يجلس فيها جندي, ياخذ رسوما مالية للراغبين من العرب في التطلع الى القدس وقبة الصخرة من خلال منظار قوي وكبير. إذ أن القدس بعيدة عن أيدي العرب وعن أنظارهم أيضا وهذا بعض حالهم الآن.

تنك هي ملامح  لوحة عامة لما قدمه رسامو ألكايكاتور العرب في تعاملهم مع القدس وقضيتها وبالتأكيد فان في التفاصيل أشياء كثيرة, تكشف مدى التزام الرسامين بهذه القضية وحرصهم الشديد على مستقبل القدس مدينة عربية فلسطينية, كما كان على مدى آلاف السنين.
 
فايز سارة (كاتب وصحفي ومشرف على تحرير موسوعة الكاريكاتور العربي)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …