اللعبة مسرحية «مونو دراما» فـي فصل واحد

مطلوب منك أن تدوس على شيء وسط الزحام. ناس كثيرون يمشون في الشارع، وأنت تمشي معهم. أنت في الطريق إلى عملك في الصحيفة، في الطريق إلى دار النشر، في الطريق إلى البيت، في الطريق إلى المسرح، في الطريق إلى صالة السينما، في الطريق إلى المطار، في الطريق إلى السوق، في الطريق إلى .. تمشي مع الناس، وتدوس على شيء صغير غير مرئي اسمه «الضمير»  تدوس عليه وكأنك لا تدري، أو كأنك تدري .. لا يهم.

المسرحية
مسرح خال سوى من منضدة فوقها حاسوب موجودة في نهاية المسرح من جهة اليسار، من وجهة نظر المشاهد، يجلس خلفها مدير جهاز الأمن.
من جهة اليمين، ومن وجهة نظر المشاهد أيضا، مواطن يجلس على كرسي وظهره للجمهور، ويبدو كما التمثال. وفي يده عكازة. إلإضاءة عليه قليلة أقرب إلى الظلام.
في الجدار المواجه للجمهور يوجد باب، وبجانبه شباك عليه ستارة بيضاء خفيفة. وفي جدار المسرح من جهة اليمين يوجد باب أيضا يؤدي إلى مكاتب مديرية الأمن والزنزانات.
على جدار المسرح المواجه للجمهور في ثلثه الأعلى شاشات تلفزيونية معلقة وتتوسطها شاشة كبيرة.
مدير الأمن ينهض ويبدأ الحديث مع المواطن.
مدير الأمن.
– نعم أيها المواطن، فلقد مات السيد الرئيس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. مات قبل عام وأنت لا تعرف ذلك. وكيف لك أن تعرف ذلك وأنت في زنزانة  انفرادية منقطع فيها عن العالم تماما. أنا سأقول لك الآن كلاما هاما ومسؤولا بحكم مسؤوليتي كمدير لجهاز الأمن.
لقد كانت فضائل السيد الرئيس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته لا تحصى.
صحيح أنه لم يكن ديمقراطيا بالمعنى الكامل للكلمة، لكن ذلك حصل بسبب الظروف الاستثنائية للمرحلة.
أنت تعرف جيدا أيها المواطن، أننا دولة محاطة بالأعداء الذين يتربصون بنا منذ عهود طويلة. منذ الحضارات الأولى لفجر السلالات وحتى الآن. وكلما حاولنا أن ننهض وجهوا   لنا ضربة، كنا نحتاج بعدها إلى قرون لكي نبرأ منها، ولذلك فإن السيد الرئيس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته اتخذ سياسة الحزم داخل البلاد حتى يفوت الفرصة على المتربصين بنا لزعزعة الاستقرار خدمة للعدو الخارجي. وقد وصفت سياسة الحزم هذه بالدكتاتورية ظلما وعدوانا.
لقد كان اعتقالك في زنزانة انفرادية لا تدخلها الشمس ولا تدخلها الصحف ولا يدخلها الراديو جزءا من أخطاء الرئيس الراحل رحمه الله وأدخله فسيح جناته.
 التعليمات كانت صارمة لا تقبل النقاش.
كان بإمكان الرئيس الراحل رحمه الله وأدخله فسيح جناته أن يكون أكثر مرونة، وحينها كان بإمكاننا التصرف بطريقة أفضل.
 التعليمات كانت تقضي بمنع السجناء من استخدام الراديو وقراءة الصحف، حتى لا يستخدم السجين الراديو لأغراض خارج حدود السمع، كأن يكسر السجين الراديو ويستخدم أجزاءه لحفر نفق للهروب، أو أن يستعمل هذه الأجزاء للانتحار، وأنت تعرف أن الانتحار مخالف لقوانين المجتمع وأصول الدين، إضافة إلى حرصنا على أرواح المواطنين. أما بصدد الصحف، فإن  السجين قد يستخدم الصحيفة في كتابة البيانات أو كتابة مذكراته في السجن على حاشية الصحيفة، ويتم تهريبها خارج السجن بوسائل مختلفة، وأنت  صحفي وكاتب وتعرف وتدرك تأثير الكلمة في زعزعة كيان المجتمعات.
 أما الحصول على القلم، فهو أمر سهل. رشوة صغيرة إلى الشرطي الحارس، تحصل على قلمه، فالشرطي أساسا لا يقرأ ولا يكتب، وتعرف جيدا وبسبب الأوضاع الاقتصادية المنهكة لبلدنا، فإن رواتب الشرطة لا تكفيهم، ونحن  نغض الطرف عنهم وهم يرتشون في السجون وفي المطارات وفي المحاكم.
 على أية حال كان ذلك جزءاً من أخطائنا، ولكن كان علينا التصرف بقراءة التعليمات وتفسيرها بطريقة أفضل. وحتى نقطع الطريق على ما يسمونه لجان حقوق الإنسان في تقاريرهم عن حالة وحقوق المواطن وحقوق السجين.
 لقد كتبوا عنك أيها المواطن الشريف والكاتب الشريف والصحفي الشريف. ولكن، ماذا بوسع لجان حقوق الإنسان أن تفعل أكثر من الكتابة؟ ثم من الذي يقرأ ما يكتبون؟ من الذي يقرأ وسط ضجيج الدنيا وصخبها ووسائل إعلامها وظروف الحياة الاقتصادية وتفشي البطالة وانتشار البغاء وتلوث البيئة؟ من يقرأ اسمك في كراس محدود الانتشار، يحفظ في ملفات الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان في جنيف؟
 نحن الذين نقرر حريتك وليس لجنة حقوق الإنسان.
 ولمعلوماتك، فنحن لم نعرها أي اهتمام، وكنا نستطيع أن نؤسس نحن لجنة  تدافع عن حقوق الإنسان، ونربطها بلجان حقوق الإنسان في جنيف، ونجعلها تدافع عنك لإشاعة الديمقراطية  في بلدنا، وبذلك نحقق هدفين. بقاؤك في  السجن وتحقيق الديمقراطية في بلدنا وأمام الرأي العام العالمي، وهذا ما لم  نفعله سهوا، وسنفعله في القريب إن شاء الله.
 قد يتبادر إلى ذهنك السؤال، لماذا أنت الآن أمامي؟ لماذا استدعيتك بعد  ثلاثة عشر عاما من الاعتقال؟ لقد استدعيتك لأسمعك هذا الحديث لأنك  ربما ستصبح حرا بعد حين.
 إن التعليمات قد صدرت بإطلاق سراح السجناء وأنت واحد منهم.
 الحقيقة التي يجب أن تعرفها، أننا لم نطلق سراح كافة السجناء، فهذا  أمر غير ممكن، فهناك مستويات مختلفة من السجناء. أطلقنا سراح  سجناء الجريمة مع تعهد بالتوبة. أطلقنا سراح الذين قتلوا بناتهم غسلا  للعار مع تعهد بالتوبة. أطلقنا سراح المهربين مع تعهد بالعمل في إطار معرفتنا. أما السياسيون، فقد اخترنا نماذج منهم بعد دراسة مستفيضة  لكل حالة، وكنت أنت ممن تقرر إطلاق سراحهم، لأنك عندما كتبت  مقالتك الشهيرة بعنوان «لصوص في وضح النهار» والتي أدت بك  إلى هنا، لم تكن مرتبطا بتنظيم سياسي أو بحركة معارضة، ولذلك لم  نتعامل مع الحدث أكثر من شطحة قلم أو لحظة انفعال.
 عندما رحل السيد الرئيس عن هذه الدنيا رحمه الله وأسكنه فسيح جناته،  اتخذ البرلمان قرارا بإعطاء البيعة لولده، لابنه الوحيد أن يصبح رئيسا  للبلاد «خير خلف لخير سلف».
 تعرف أن روح الشباب تختلف عن روح الشيوخ. فالرئيس الراحل  رحمه الله وأسكنه فسيح جناته قد بلغ من الكبر عتيا، وهو ينتمي، شئنا  أم أبينا إلى جيل قديم، والعالم يتطور ولا شك، وصرنا اليوم في عصر المعلومة، عصر العولمة والحاسوب، ولا بد لروح الشباب أن تدخل روح العصر ويتزوجان. تتزوج روح الشباب من روح العصر. وأول  مكرمة قدمها الرئيس الشاب حفظه الله ورعاه، هي إطلاق سراح السجناء،  وكانت التفاتته نحوك أيها المواطن والصحفي الوطني حقا.  أقول لك بصراحة غير معهودة، أنك مثقف وطني، فرغم كل وسائل التعذيب  التي مورست معك، أرجو أن تنتبه إلى كلمة مورست، فأنا لم أقل كلمة  مارسناها، وهذه أول ملاحظة أقدمها إليك وأنت ستواجه المجتمع ووسائل  الإعلام .. أقول، رغم كل وسائل التعذيب التي مورست معك، فأنت لم  تتراجع عن موقفك.  لقد شملك قرار السيد الرئيس حفظه الله ورعاه، شملك برعايته لتحريرك  من الزنزانة الإنفرادية، وسأقول لك بعد هذا اللقاء الودي، كيف عليك أن  تواجه المجتمع ووسائل الإعلام.
 لقد مضى على رحيل السيد الرئيس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، مضى عام  واحد، وتولى يومها منصب الرئاسة السيد الرئيس الابن حفظه الله ورعاه،  فقدم هذه المكرمة السخية لمناسبة مرور عام على توليه الرئاسة.  ستخرج إلى الهواء الطلق وإلى الشمس الجميلة بعد ثلاثة عشر عاما من  الاعتقال  الانفرادي في الرطوبة والظلام. لقد هزلت أيها المواطن ونقص وزنك، وهذا أيضا  جزء من أخطاء المرحلة السابقة إذا جاز لنا أن نسمها أخطاء. كان ينبغي  أن نوفر لك الطعام الجيد والدواء، ونسمح لك بالمشي ساعة في الأقل كل  يوم في باحة السجن، ولكنك كنت صريحا أكثر من اللازم في مقالتك  «لصوص في وضح النهار» التي أغضبت السيد الرئيس الراحل رحمه الله  وأسكنه فسيح جناته، وقادتك تلك المقالة إلى الزنزانة الانفرادية.
أنت الآن ستخرج وستواجه المجتمع ووسائل الإعلام.  لقد أصبحت في سن الخمسين، ولا تزال أمامك فرصة للكتابة والإبداع. سأعطيك تصورا عن المجتمع الجديد في عهد السيد الرئيس حفظه الله  ورعاه، وسأكون صريحا معك في منتهى الصراحة.
 إن مفهوم الديمقراطية المتعارف عليه منذ عهد الإغريق الأول هو مفهوم  مثالي. لا توجد ديمقراطية في كل بلدان العالم. هناك هوامش من الحرية  وكل يستعملها بالطريقة التي تتناسب وطبيعة المجتمع الحضارية والاجتماعية  والدينية.
 السيد الرئيس حفظه الله ورعاه قام بإصلاحات كثيرة خلال العام الأول  لتوليه الرئاسة، وقد ارتاح المواطنون لهذه الإصلاحات.
 عندما تخرج من هنا، سنعيدك إلى مهنتك في عالم الصحافة الذي تعشقه،  ونريدك أن تبارك الخطوات الإصلاحية «الديمقراطية» ولكن لا تذهب  بعيدا في العمق، فالسفر باتجاه العمق سيقودك بالضرورة إلى نفق مظلم ليس فيه بصيص من نور، أقصد هنا، وأنت صاحب تجربة هنا، وثلاثة عشر عاما ليست بالقليلة. دخلت السجن رجلا، وها أنت تخرج منه على أبواب الشيخوخة.
لقد جاءتك الفرصة الآن، ولكن إذا عدت فستدفن في مقبرة مجهولة لا يعرف عنك وعن قبرك أحد في الدنيا، وستضيع أخبارك، فنحن هنا نسمى «عالم المفقودات» وأنت تعرف ذلك جيدا. عليك أن تفهم أن الديمقراطية هي لعبة أريدك أن تلعبها معنا. وسأضرب لك مثلا .
الناس في جلساتهم الخاصة يتهامسون عن فقدان الحرية في بلدنا. يقولون، نحن أمة ليست عندها حرية، فلقد سلبت حرية الأمة وحرية المواطن. هذا الهمس لو تركناه، فإنه يقود إلى حركة في المجتمع، يقود إلى تيار. والتيار يفرز قيادة له بالضرورة. ثم يدخل هذا التيار في دوائر الدولة ومؤسساتها، وقد يدخل المؤسسة العسكرية حيث السلاح والقوة. وهنا تكمن الخطورة.
ماذا عملنا نحن؟ لقد عقدنا اجتماعا مع السيد الرئيس حفظه الله ورعاه، وقلنا بدلا من أن يتهامس الناس سرا حول الحرية، فإننا نأتي بممثل يقف على خشبة المسرح ويتحدث عن الحرية المفقودة. وبالفعل فقد أتينا بممثل وصرخ بأعلى صوته «نحن أمة يتوفر لديها كل شيء عدا الحرية» فهب الناس بالتصفيق، وأصبح الرئيس ديمقراطيا وأصبح الممثل محبوبا.
يومها لم يعد الناس يتهامسون سرا عن الحرية المفقودة.
ماذا تريد أنت؟ أنت تريد أن تكتب عن الحرية. ستكتب عنها بنفس الطريقة السابقة التي أدخلتك الزنزانة الإنفرادية، ولكن باتفاق معنا وبتوقيت معنا. ستكتب بنفس الطريقة التي كتبت فيها مقالتك الشهيرة «لصوص في وضح النهار.»
لقد أشرت في مقالتك تلك على ما أتذكر إلى الكاتب المسرحي الألماني شيلر في مسرحيته  «اللصوص» التي يقول فيها «اللصوص الصغار يدخلون السجن واللصوص الكبار يدخلون التاريخ»  وتحدثت عن اللصوص الذين يسرقون قوت الشعب في وضح النهار. الآن تستطيع أن تكتب عن هؤلاء اللصوص بحرية.
السيد الرئيس الشاب حفظه الله ورعاه يصلح الآن بعض أخطاء الرئيس الراحل رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، والذي لم ينتبه إلى السرقات التي كانت تحصل في مجتمعنا في وضح النهار على حد تعبيرك. السيد الرئيس الشاب حفظه الله ورعاه أشار في خطابه التاريخي لمناسبة الذكرى الأولى لانتخابه، أشار إلى لصوص المجتمع. نحن لدينا قائمة بأسماء أولئك اللصوص. نريدك أن تكتب عنهم حتى ينالوا عقابهم العادل. لا يعنيك من يكون هؤلاء، فنحن سنسميهم. ليس مهما أن يكونوا لصوصا أو غير لصوص، فنحن نريدهم لصوصا. وسأعطيك نموذجا من هؤلاء اللصوص. هناك مثلا المدير العام لشركة الصناعات الخفيفة التي تنتج التلفزيونات والدراجات وما أشبه. لقد أعفينا هذا المدير من منصبه، تمهيدا لاتهامه واعتقاله ومحاكمته وإدانته. أنت تستطيع أن تكتب عنه كمثل ونموذج من لصوص النهار.
هناك إشاعة تقول أن هذا المدير اشترى لولده دراجة من الشركة التي يديرها بسعر خاص أو مخفض. هذا المدير ليس موضع إعجابنا بالأساس، فهو لم يتعامل بروح المحبة مع التعليمات التي كنا نصدرها إليه، وبالذات التعليمات الصادرة من دائرتنا هذه. تستطيع الآن أن تكتب مقالة عنوانها «لماذا اختفت الدراجات من السوق؟» مقالة توضح فيها الحقيقة، وتنتصر فيها بذات الوقت للفقراء الذين تدافع أنت عنهم بالأساس. تستطيع القول «كيف يحرم الطفل الفقير من امتلاك دراجة، فيما ترسل هذه الدراجة مباشرة من الشركة إلى ابن المدير في مدرسته  بسعر خاص ومخفض وربما مجانا؟». أكتب المقالة وأترك الباقي لنا. تريد أنت أن تدافع عن الفقراء؟ ها أنا أمنحك  موضوعا للكتابة عن طفل فقير لا يستطيع امتلاك دراجة.
أيها المواطن الشريف .. أيها الكاتب الصحفي الشريف.
  سوف تفاجأ عندما ستدخل المجتمع الجديد. سوف لن ترى صورا كثيرة للسيد الرئيس الشاب حفظه الله ورعاه. لقد خرج يوما يتجول في شوارع العاصمة ليطلع على أحوال المواطنين. وخلال تجواله شاهد رساما يرسم صورته على جدار واسع لبناية عالية بنيت حديثا. خرج من سيارته صارخا «لا أريد صورتي على جدران البنايات  في المدينة» فهرعت فرقة الحماية نحو   الرسام الذي كان يجلس على مسند في أعلى البناية وهو يرسم صورة السيد الرئيس حفظه الله ورعاه، وهزوا أعمدة الحديد المرصوفة إلى جانب البناية والتي تحمل المسند العالي، وطلبوا من الرسام أن ينزل، فسقطت علب   أصباغ الرسم، وعبثا حاول الرسام التشبث بالمساند والنزول، فسقط من علو شاهق ومات. وصار الحادث حديث الناس ليل نهار، وكتبت الصحف عن تواضع السيد الرئيس حفظه الله ورعاه ونسوا الرسام الميت، بل وتشفى بعضهم به بسبب انتهازيته ومصلحيته. السيد الرئيس حفظه الله ورعاه، لا يريد الإكثار من صوره في الشوارع وعلى الجدران. إن كان عادلا، وهو عادل إن شاء الله، فسيحتفظ المواطنون بصوره في قلوبهم. نحن إن شاء الله سننتقي وبعناية فائقة عددا من النحاتين الذي سنرسلهم إلى إيطاليا لعمل مجموعة من التماثيل المتقنة الصنع لنضعها في الساحات الجديرة بها، ليس الآن، ولكن بعد تحقيق الإنجازات للشعب. هذه مرحلة لاحقة.
  أيها المواطن والكاتب الصحفي الشريف.
  عندما ألقي عليك القبض قبل ثلاثة عشر عاما، لم نجد في منزلك جهاز تلفزيون ملون. كان في منزلك جهاز تلفزيون صغير يستقبل الصورة بالأسود والأبيض. الآن عندما تعود إلى بيتك سنوفر لك جهاز تلفزيون كبير وبالألوان. ليس هذا فحسب، بل أنك تستقبل القنوات الفضائية.
  هذه مسألة لم تسمع بها من قبل «الفضائيات»!
  في وطنك العربي الجميل تتلألأ اليوم الفضائيات، وتستطيع بجهاز التحكم عن بعد أن ترى الأمة العربية والإسلامية مكشوفة، بل عارية أحياناَ من أخمص قدمها حتى نخاعها الشوكي. تستطيع أن ترى أمتك عارية غير مستورة، وكثير من البرامج تشاهدها عبر البث المباشر، بمعنى أنك تستطيع أن تشتم إسرائيل وتشتم قادة هذه الأمة. تستطيع أن تشتم الدين، وتتحدث عبر الهاتف وأنت ثمل نشوان فتعربد ما تشاء، فلقد اختلط الحابل بالنابل، وانكشف الأمر، وصار الناس لا يخافون أن يقولوا أنهم جياع. المهم أن لا يتوفر لهم الخبز. ليصرخوا ما شاءوا أنهم جياع عبر الفضائيات التي ستدهشك حتما، ولكن المهم أن لا يتوفر لهم الخبز، فمتى ما توفر الخبز برزت مسألة الحاجة إلى الحرية،   وهي الأصعب.
  أيها المواطن والكاتب الصحفي الشريف ..
  كنت معروفا ومشهورا، ولكن قد نسوك الآن. لقد نساك المواطن أيها المواطن. نساك المواطنون وسط زحمة الفضائيات والبرامج الملونة والمذيعات الحسان. سباق. مسابقات جمال المذيعات. أخطاء اللغة ليست مهمة .. المهم أن لا توجد أخطاء في الوجه أو الجسم. بضاعة تباع وبضاعة تشترى. ثقافة ومثقفون نزلوا إلى الميدان، ميدان الدعارة الثقافية. وأنت؟ لقد نساك المواطنون وأنت ترزح تحت التعذيب ولم يسمع عنك أحد. لا أحد يعرف الحقيقة وسط صخب الفضائيات وألوانها.
  الفضائيات أيها المواطن سلاح جديد مشهور بوجهك ولا أحد يراك كضحية، لأن شدة أضوائها تلغيك. تمحو وجودك كاملا أيها المواطن، هذا إذا كنت أمام أضوائها مشاهدا، فكيف إذا كنت في زنزانة التعذيب الإنفرادية معتقلا؟
  الفضائيات محطات أكبر من بلدانها، أرادوها هكذا فكانت هكذا، تشغل المواطنين بالأغاني وألعاب كرة القدم. اليوم الذي لا نريد فيه أن يكون المواطنون في الشوارع، فإننا ننقل إليهم مباراة لكرة القدم ، وإذا لم تكن ثمة مباراة فنحن نقيمها.
  الفضائيات أريد لها أن تلغي هوية الوطن. ونحن منفذون جيدون. قد تسأل، لماذا نسهم نحن في إلغاء الهوية الوطنية والثقافية لبلداننا؟ الجواب أيها المواطن، أننا إن لم نفعل ذلك فلن نبقى. ونحن جئنا لنبقى. نحن منفذون جيدون للعقل المركزي المدبر لثقافة الصورة.
  المطربون مثلا أريد لهم أن يغنوا كما يغني مطرب الغرب. فشاهدوا مغنيا أمريكيا يركض خلف حبيبته وهو يغني، فصار المغني العربي يركض خلف حبيبته وهو يرتدي دشداشته البيضاء الشفافة، ويضع عقاله على رأسه، وهو يركض في غابات أثينا أو في ستوديوهات الهند خلف فتاة شقراء ويضع يده فوق عقاله كي لا يسقط، وقد وضع محفظة النقود في جيب دشداشته الشفافة فترى أشياءه وترى محفظة النقود تروح وتجيء وهو يركض. لقد نسي هذا المغني حبيبته السمراء ونسي صحراءه ونسي قهوة الخيمة المرة وموقد النار وصيادي اللؤلؤ. نسي إيقاع حياته لأنه أريد له أن يكون كذلك، وعندما وجد صعوبة أن يركض بدشداشته وعقاله، قرر أن يلبس البنطلون ويركض. وعندما لبس البنطلون لم يعرف كيف يركض، وعندما عاد ولبس دشداشته كان قد نسي مشيته الأولى. هل سمعت بالغراب الذي قرر أن يقلد الحمامة في مشيتها؟ عندما لم يستطع أن يمشي مثل الحمامة، وقرر أن يعود إلى مشية الغراب، اكتشف أنه نساها. هذا ما ستراه في الفضائيات أيها المواطن. يسمونه الفيديو كليب. هل سمعت عنه؟
«مدير الأمن يدير له شاشة الحاسوب»
وهل سمعت عن هذا الجهاز؟ هل تعرف اسمه؟ يسمونه الحاسوب. هذا يحوي بداخله العالم بأكمله. كل العالم. أي شيء تريد أن تعرفه ستجده هنا. ونحن سنوفر لك واحدا منه. أنا الآن أريد أن أعرف معلومات عنك، ما علي سوى أن أكتب لقبك العائلي وتاريخ ميلادك هكذا، فتتلى أمامي المعلومات عنك مثل حبات المسبحة. أستطيع أن أراك بأبعادك الثلاثة في هذا الجهاز، من الأمام، من الخلف، من فوق، من تحت. مرئيا أيها المواطن، هنا أمامي في هذا الجهاز.
هل تريد أن تتصل بالبيت الأبيض؟ هل تريد أن تتصل ببيوت الدعارة؟ يمكنك ذلك وبسهولة أيها المواطن الشريف. نحن سندخل عالم العولمة. هل سمعت بعالم العولمة أيها المواطن الغبي؟ سوف ندخل هذا العالم، ولكن خطوة خطوة، فنحن نخاف أن نبتلع. إذا دخلناه سريعا فسوف نذوب، سوف نتلاشى. نريد أن ندخله كقادة وليس كمواطنين. الهدف من العولمة هو إذابة الهوية، ونحن لا نريد أن نذوب. أن تذوب هوية المواطن، فهذا أمر لا مفر منه، ولكن هويتنا نحن يجب أن تبقى، وتعرف المقصود بهويتنا نحن. ذلك يعني المحافظة على وجودنا، فنحن محاطون بالأعداء. أعداء تاريخيون، وهم الذين يهددون وجودنا نحن. نحن كقادة وليس كمواطنين.
  أريد أن أطلعك على سر أيها الكاتب الصحفي، وأرجو أن تحتفظ به لنفسك. عندما ألقي القبض عليك بتهمة التحريض ضد الوطن، كنا نريد أن نوجه لك تهمة التعاون مع العدو الخارجي التاريخي، وبذلك نمنح أنفسنا حق إعدامك، لكننا قررنا عدم توجيه هذه التهمة إليك، وفضلنا إيداعك الزنزانة الإنفرادية رهن الاعتقال دون محاكمة. إذا عدت ثانية إلى هنا، وهذا ما لا أتمناه لك،  فإن التهمة جاهزة وبالوثيقة. كل شيء معد مسبقا.
هناك من قال «ربي احفظني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم»
وحكمتنا أيها المواطن «ربي احفظني من أعدائي، أما أصدقائي فأنا كفيل بهم»
هل أدركت الآن ماذا أقصد؟  هل عرفت الآن كيف تدخل اللعبة معنا؟
  أنت كما كنت، سوف لن يتغير شيء بشخصك سوى الروح. ستخرج إلى الهواء الطلق، وستقرأ الصحف هذا اليوم، وستشاهد التلفزة الفضائية، وستقرأ في الصحف أسماء أصدقائك من الكتاب والصحفيين والشعراء وكتاب القصة والبحث والمقالة، وأرجو أن لا تندهش. الكل دخل اللعبة وبطريقة ذكية، الجميع دخلوا اللعبة سواك أيها الغبي. وهم الآن مثار إعجاب المواطنين وأنت منسي وغائب أيها الغبي.
سوف تعجب أنهم يكتبون بروح العولمة. بروح الحاسوب، وليس بروح الجسد الإنساني. سوف تجدهم يكتبون عن كل شيء، والغائب الوحيد هو الحقيقة. الحقيقة التي قلت عنها في مقالتك «السيدة الجميلة التي رفضت أن تغتصب فغيبت».
أيها الغبي. أيها الكاتب الغبي.. لقد أضعت الفرصة. أضعت عمرك حقا.
  الآن إذا أردت أن تباشر بكتابة مقالاتك، فيجب أن تمر عبر مكتبي هذا، في الأقل عند الأيام الأولى من حريتك الجديدة، لأنك إذا أرسلت مقالاتك مباشرة إلى رئيس التحرير، فربما تنشر في بريد القراء، لأن رئيس التحرير لا يعرفك، هو لم يسمع باسمك. لقد نسوك. لقد نساك المواطن أيها المواطن. نساك المواطنون. تحتاج أن ترسل مقالاتك الأولى عبر مكتبي، وسأكلم رئيس التحرير حتى ينشر مقالتك في المكان اللائق من الصحيفة، وسوف تحتاج إلى فترة من الوقت حتى يعرفك القراء، لأنهم لا يقرأون أساسا، فقط حتى يرون اسمك في الجريدة ويعتادون عليه.
اكتب مقالاتك عبر مكتبي، وسأتصل بالقنوات الفضائية أن يختاروا مقالاتك لقراءتها في برنامج بين السطور أو برنامج عالم الصحافة أو السلطة الرابعة أو الطبعة الأخيرة، وتظل تبعث بمقالاتك عبر مكتبي حتى يعرفك المواطنون، فلقد نساك المواطن أيها المواطن. سوف تندهش للمقالات التي يكتبها أصدقاؤك المثقفون. لم يتغير شيء في مقالاتهم سوى  الروح. سترى صورهم زاهية بالبدلات الأنيقة وربطات العنق الزاهية، وأنت  كنت قابعا في زنزانتك تحت التعذيب.
 هل اتفقنا على هذه اللعبة حتى نحررك من هذا المكان؟ أعتقد أنك موافق أن تلعب معنا هذه اللعبة. المسألة سهلة وبسيطة. مطلوب منك أن تدوس على  شيء وسط الزحام. ناس كثيرون يمشون في الشارع، وأنت تمشي معهم.  أنت في الطريق إلى عملك في الصحيفة، في الطريق إلى دار النشر، في الطريق إلى  البيت، في الطريق إلى المسرح، في الطريق إلى صالة السينما، في الطريق  إلى المطار، في الطريق إلى السوق، في الطريق إلى .. تمشي مع الناس،  وتدوس على شيء صغير غير مرئي اسمه «الضمير» تدوس عليه وكأنك لا تدري، أو كأنك تدري، لا يهم.
 هل فهمت؟ عندها تدخل هذا العالم مع الاحتفاظ برونقك السابق، ولكن بطريقة  جديدة متفق عليها بيننا.
 أريد أن أسألك سؤالا. هل كتبت مقالتك الشهيرة «لصوص في وضح النهار» بتأثير من نشرات الأحزاب وبياناتها؟ إذا كان كذلك، فأنا سأوضح لك بعض  الأمور المتعلقة بهذه الأحزاب. هذه الأحزاب هي نتاج الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. وبدلا من أن يتحاربوا بالأسلحة النووية في بلدانهم، فإنهم يصرفونها إلى حروب صغيرة في بلداننا، وينتمي إليها المواطنون البؤساء. قادة هذه الأحزاب نصفهم أعضاء عندنا، والنصف الآخر نحن أعضاء عندهم. هؤلاء القادة يسرحون ويمرحون في عواصم تلك البلدان  المتحاربة ويمتلكون العمارات والمطاعم ودور النشر، والمواطنون يدفعون  الاشتراك الحزبي ويصعدون المشانق وهم يهتفون لأولئك القادة. ألم تسأل  نفسك السؤال التالي، إذا كانت هذه الأحزاب السرية تعمل تحت الأرض،  فكيف يتسنى لقادتها السفر والعودة متى شاءوا ؟ كل ذلك يتم بموافقتنا سرا.
المخدوع الوحيد هو المواطن. أنت.
كان في زنزانة قريبة من زنزانتك يقبع مواطن شيوعي وهو رومانسي في شيوعيته. لقد حققنا معه كثيرا وأنت تعرف ماذا تعني كلمة تحقيق. كنا نريد منه أن يعترف على من يعرفهم ولكنه كان يرفض. نحن نعرف أعضاء الحزب الشيوعي من ألفهم إلى يائهم فكما قلت لك أن نصف قيادة الحزب أعضاء عندنا والنصف الآخر نحن أعضاء عندهم، ونستطيع بطبيعة الحال أن نعرف كل شيء، لكننا كنا نريد إذلال هذا الشيوعي من خلال الوشاية بأصحابه في التنظيم. نريده أن يعترف بمعنى أن يوشي بأصدقائه ، لكنه لم يفعل حتى هزل كثيرا من شدة التحقيق. وعندما سقط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وسقطت ألمانيا الشرقية وتم تهديم جدار برلين أخبرناه بذلك ولم يصدق أبدا، فصرنا نرسل له الصحف وهو محروم من قراءتها طوال فترة اعتقاله وعندما قرأ الصحف ظن بأنها لعبة المخابرات، لعبتنا نحن. كان يعتقد بأننا طبعنا هذه الصحف وفيها كل هذه المعلومات غير الحقيقية حتى نجعله ينهار ويوشي بتنظيمه. أرسلنا له الصحف البريطانية وهو يتقن الانجليزية جيدا. أرسلنا أهم الصحف البريطانية، ولكنه بقي معتقدا أنها صحف مفبركة عندنا، فنحن طبعناها خصيصا له لكي ينهار ويعترف ويوشي بأصحابه، فقررنا أن نطلق سراحه. عندما خرج وتأكد بأن الاتحاد السوفييتي لم يعد له وجود وأن ألمانيا توحدت وجدار برلين قد سقط أصيب بجلطة دماغية ومات، لكن قادته لم يمت واحد منهم. أتعرف لماذا؟ لأن هؤلاء القادة الذين يذهبون لتلقي الدروس من مدرسة الكادر الشيوعي في موسكو وبرلين يعلمونهم درسا هاما وهذا الدرس هو كيف تعلمون قواعدكم الحزبية الموت في سبيل الوطن. أما القادة فإن الدرس يعلمهم كيف يعيشون في سبيل الوطن. هؤلاء القادة الأبطال الذين تكتبون عنهم القصائد وتلحنون لهم الأغاني، لديهم منح سنوية من الروس والألمان يقضونها على البحر الأسود في سوجي مع رفيقات جميلات تحت عنوان مرافقات. يسافرون كل عام بموافقتنا ويعودون بموافقتنا حتى يعيشون من أجل الوطن وحتى يموت ذلك المواطن الرومانسي، يموت من أجل الوطن. والآخرون يصعدون المشانق ويهتفون من أجل الوطن. ثمن موتهم ملصق. مجرد ملصق على الجدران.
أنها لعبة ملصقات. هذا إذا توفرت للشهيد فرصة الملصق. ملصقات الشهداء على جدران الشوارع. ملصقات .. ملصقات، تهطل الأمطار ويتهرى الملصق ثم يأتي ملصق لراقصة أو لرئيس الدولة فيغطيه أو أن نرسل موظفي البلدية لتنظيف الجدران من أوساخ الملصقات. ملصقات الشهداء الذين يموتون من أجل الوطن وأسماء سرية لقادة الأحزاب الذين يعيشون من أجل الوطن.
لك أن تصدق أو لا تصدق أن نصفهم أعضاء عندنا، والنصف الآخر نحن أعضاء عندهم؟
«مدير الأمن ينفعل قليلا»
اذهب إلى السوق التجاري وتمعن في أسماء عدد من التجار والمحال التجارية والشركات. اذهب إلى شارع المطابع والصحف وتمعن في أسماء بعض أصحابها وتذكر أسماءهم جيدا ستجدهم من الصف الأول في أسماء قيادات الأحزاب. كيف حصلوا على هذه الأموال وهم  لا عمل لهم سوى التنظيم الحزبي. من أين جاءتهم هذه الأموال، ليس فقط من اشتراكات الأعضاء فهي لا تشكل شيئا. انها صفقات بيع الوطن. لقد باعوا الوطن للروس وعندما انهارت دولة الروس باعوا الوطن لغير الروس. لمن يؤمن لهم العيش في سبيل الوطن. وحالما يغتنون يقدمون استقالتهم من الحزب أما بدعوى المرض أو بدعوى إتاحة الفرصة لقيادات شابة أو بدعوى الخلاف مع سياسة الحزب. يتخلون عن مواقعهم وفجأة تراهم في السوق التجارية أو في سوق الإعلام. إنني أشفق عليك أيها المواطن الذي قضى زهرة شبابه عندنا. أليس هو ذلك مضمون مقالتك التي قضيت زهرة شبابك في الزنزانة بسببها، اللصوص الصغار يدخلون السجن، واللصوص الكبار يدخلون التاريخ؟
لماذا تناضلون؟ من أجل أن نرحل عن السلطة؟  وهل تعتقد إن السلطة البديلة إذا جاءت سوف تبدل لكم جحيمنا بالجنة؟ أنت واهم. واهم جدا أيها المواطن. السلطة هي السلطة بأيدينا أو بأيدي غيرنا. لا توجد سلطة تؤسس الجحيم وأخرى تؤسس الجنة. السلطة نفسها تملك النقيضين، الجنة والجحيم، وهي تستطيع أن تمنحك الجنة أو تلقي بك في الجحيم. أنصحك أن تعيش حياتك أيها المواطن البريء. فالسلطة هي السلطة، فلا تتعب نفسك.
 الآن خلف مكتبي هذا ينتظرك الصحفيون. صحفيون من أصدقائك وصحفيون  جدد لا تعرفهم ولا يعرفونك. وكالات أنباء. مصورو التلفزة، كلهم ينتظرونك  خارج مكتبي لكي يصوروا حريتك.
 ستخرج إليهم الآن وأنت تمشي على عكازة، وسيسألونك، لماذا تمشي على عكازة؟  هل أنت مصاب بداء النقرس؟ والجواب سيكون، فيما أنت خارج من إقامتك هنا  تزحلقت قدمك أثناء النزول من السلم، فسقطت وأصبت برضوض خفيفة في  ركبتك. وسيسألونك عن المدة التي قضيتها في الإقامة هنا، وفيما إذا كانت  طويلة أم قصيرة ؟ خبرهم أنها مرت كالسحاب، فالزمن نسبي كما تعرفون. هكذا تقول لهم.
 الآن ستنهض أيها المواطن. وهناك بابان. الباب الأول الذي أمامك هو باب  الحرية، أما الباب الثاني فهو على يمينك. الباب الذي أتيت منه. إذا افترضنا،  وهو مجر افتراض، أنك ستختار الباب الثاني، فسوف لن يقودك إلى ذات  الزنزانة، بل ستذهب إلى زنزانة أخرى مختلفة لا نحتاج فيها إلى تعذيبك، لأن  شكل الغرفة وحده يكفي للتعذيب، فهي غرفة صغيرة بيضوية الشكل بشكل عمودي وليس بشكل أفقي كما البيت الأبيض، غرفة بيضوية صغيرة جداَ لا تستطيع  الوقوف فيها، ولا الجلوس فيها، ولا النوم فيها بطبيعة الحال.
 إنك سوف لن تذهب إليها الآن، ليس لأنك لا تود الذهاب إليها، بل لأن مؤلف هذه المسرحية لا يريد ذلك.
 إن أصول اللعبة المسرحية تقضي بأن تعود إلى الزنزانة حتى يتحقق مفهوم  البطولة، ويصفق لك الجمهور، لكن المؤلف لا يريد ذلك. لا يريد أن يخدع  الجمهور. المؤلف يريد أن يكشف الحقيقة. تستطيع أن تذهب الآن.
المواطن ينهض ويمشي على عكازته ويفتح الباب ويخرج. مدير الأمن يجلس على كرسي المواطن ليرقب المشهد، وظهره إلى الجمهور كما كان المواطن على الكرسي. مدير الأمن يتطلع باتجاه الشباك. أضواء فلاشات الكاميرات الفوتوغرافية، وأضواء التصوير التلفزيوني تشع، ويسمع لغط الصحفيين مع موسيقى.
بعد وقت قصير، يعود المواطن يمشي على عكازته، ويجلس خلف منضدة مدير الأمن، حيث أصبح كل واحد مكان الآخر. يبدأ المواطن بالكتابة على الكومبيوتر، فيما مدير الأمن يمسك بجهاز التحكم عن بعد ليفتح القنوات التلفزيونية الفضائية على الشاشات الموجودة على الجدار.
نشاهد على الشاشات أغاني. برنامجا سياسيا مباشرا. أخبارا سياسية. برنامجا دينيا. رقصا شرقيا. ثم على أكبر شاشة تحتل وسط الجدار نشاهد لعبة كرة قدم وتتحول كافة الشاشات لتعرض نفس اللعبة، وقد سدد أحد اللاعبين هدفا، فيصرخ جمهور كرة القدم، ويصرخ المذيع وسط صراخ المشاهدين..
 Goal .. Goal .. Goal ضربة مدهشة .. ضربة رائعة ..
مع صراخ الجمهور وصراخ المذيع تخفت الأضواء ويسود المسرح الظلام ويتلاشى صراخ المواطنين. وليس سوى الصمت.

سينمائي وناقد من العراق

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …